السودان: حين يدفن الأحبة مرتين في الخرطوم

بعد عودة الهدوء إلى العاصمة تم نبش آلاف الجثث في الميادين والبيوت وإعادة دفنها

فريق الهلال الأحمر يقوم بنبش الجثامين في مقبرة جماعية مؤقتة بالخرطوم (الشرق الأوسط)
فريق الهلال الأحمر يقوم بنبش الجثامين في مقبرة جماعية مؤقتة بالخرطوم (الشرق الأوسط)
TT

السودان: حين يدفن الأحبة مرتين في الخرطوم

فريق الهلال الأحمر يقوم بنبش الجثامين في مقبرة جماعية مؤقتة بالخرطوم (الشرق الأوسط)
فريق الهلال الأحمر يقوم بنبش الجثامين في مقبرة جماعية مؤقتة بالخرطوم (الشرق الأوسط)

في صباح شديد الحرارة بميدان حي البركة بضاحية الحاج يوسف بمحلية شرق النيل بالخرطوم بحري، كانت السيدة سعاد عبد الله تحمل طفلها وتحدّق بصمت نحو الحفرة التي كانت قبل دقائق قبراً مؤقتاً لزوجها.

فقبل نحو 7 أشهر، لم تجد سعاد مكاناً آمناً لدفن زوجها سوى هذا الميدان، والآن تقف لتستلم رفاته في كيس أبيض، كي تمنحه وداعاً متأخراً، لكنه أكثر كرامة، حيث يتم دفنه في مقابر الضاحية.

سعاد واحدة من عشرات الأسر التي عاشت لحظة وداع الأحبة مرتين، في المدينة التي تعج بالمقابر العشوائية، ويعاني أهلها فقداناً للذاكرة الرسمية لضحايا حرب لم تنتهِ فظائعها بعد.

السيدة سعاد عبد الله تحمل طفلها وتودع زوجها للمرة الثانية (الشرق الأوسط)

واندلعت الحرب في السودان، في 15 أبريل (نيسان) 2023، في العاصمة الخرطوم، بين «قوات الدعم السريع»، والجيش السوداني، للسيطرة على العاصمة، وامتد القتال من الخرطوم إلى ضواحيها، وخاصة أم درمان. وبعد أيام قليلة من الحرب، قتل أكثر من 500 قتيل مدني. وقدّر عدد القتلى في الخرطوم منذ اندلاع الحرب بالآلاف، رغم عدم وجود إحصائيات رسمية. وبعد استعادة الجيش السيطرة على العاصمة في 20 مايو (أيار) 2025، كانت المهمة الأصعب هي كيفية إعادة دفن آلاف الجثث المنتشرة في المقابر الجماعية والطرقات والميادين العامة، وهي مهمة مستمرة حتى الآن.

أرض الموت

عند الساعة الحادية عشرة صباحاً، وصلت فرق الطب العدلي والهلال الأحمر السوداني إلى ميدان حي البركة، لنقل 118 جثة دُفنت على عجل سابقاً، خوفاً من القنص أو الحظر أو الانفجار. فرق الطب العدلي مقسّمة ومنظمة، ترتدي الزي الطبي، وتعمل بتناوب في مجموعتين بسبب حرارة الشمس القاسية، ينبشون الجثامين واحداً تلو آخر، ويضعونها داخل أكياس بيضاء مرقمة، ثم تُرص في سيارات نقل متوسطة يطلق عليها محلياً «دفار»، تقف على بعد أمتار من المقبرة المؤقتة.

أحد المواطنين يشير إلى مقبرة أحد أقربائه في ضاحية الحاج يوسف بولاية الخرطوم (الشرق الأوسط)

يشير الأهالي بأصابعهم إلى القبور، وهم يقفون على مسافة: «هنا أخي، وهناك أمي»، يهمسون بأسماء تُدفن دون شاهد، ومن بينهم سعاد عبد الله، أم لـ3 أطفال، فقدت زوجها ودفن مؤقتاً في الميدان. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «توفي زوجي برصاصة طائشة اخترقت نافذة غرفتنا، لم نتمكن من دفنه في المقابر الرسمية، فدفناه هنا في الميدان، واليوم جئت لأودّعه من جديد».

تحاول سعاد أن تبقي متماسكة، وهي تحتضن ابنها الأصغر، فيما يهمس أحد أقاربها: «دفناه ليلاً، من دون شهود ولم نقم عليه العزاء، ما كنا نستطيع المشي بالجثمان إلى المقابر».

وعلى الطرف الآخر، كانت خديجة زكريا تبكي بصوت مرتفع، وهي تراقب نبش قبر شقيقتها، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «شقيقتي ماتت موتاً طبيعياً، لكنهم منعونا من دفنها في المقابر، فدفناها في الميدان». وتضيف، والدموع تبلل عينيها: «حتى بنت أختي ووالدها ماتا، ودفنوهما في ميادين أخرى، قالوا لنا سيتم نقلهما لاحقاً إلى المقابر».

جثة غرفة الضيوف

بعد انتهاء العمل في ميدان حي البركة، توجه الفريق إلى منطقة الفيحاء القريبة من ضاحية الحاج يوسف، استجابة لبلاغ بوجود جثة داخل منزل مهجور، قال صاحبه العائد قريباً من رحلة النزوح: «فوجئت بجثة يابسة في صالون بيتي... قال الجيران إنها لأحد أفراد الدعم السريع، قُتل على يد زملائه». وفي منطقة الحاج يوسف أبلغ عن وجود جثة في قناة المياه (ترعة)، تم انتشالها ودفنها في المقابر العامة.

مشهد لعمليات نقل الرفات إلى المقابر بواسطة فريق من الطب العدلي (الشرق الأوسط)

الدكتور هشام زين العابدين، مدير الطب العدلي في الخرطوم، وهو يشرف على عمليات النبش وإعادة الدفن قال لـ«الشرق الأوسط»: «نقل الجثامين مجاناً دون تكلفة، وهي مسؤوليتنا الكاملة». ويبدو هذا التصريح كردّ على ما تناولته منصات التواصل الاجتماعي، بأن السلطات تطالب بمبالغ كبيرة لإعادة دفن الموتى داخل البيوت والأحياء والميادين.

توقع دكتور زين العابدين نقل نحو 7 آلاف جثة خلال 40 يوماً من ميادين الخرطوم والمنازل إلى المقابر العامة، وأشار إلى وجود أكثر من 40 مقبرة جماعية في أنحاء مختلفة من المدينة تم اكتشافها حتى الآن. وقال إن 3.5 ألف جثة تم جمعها وإعادة دفنها منذ بداية العملية، حتى الآن، معظمها جثث قتلى «قوات الدعم السريع»، وتابع: «هناك 500 جثة أخرى تم جمعها على الطريق البري الرابط بين أم درمان وبارا، الذي يعرف بطريق الصادرات»، وتابع: «ما زال الطب العدلي يستقبل بلاغات حول وجود مقابر.

السيدة خديجة زكريا تقوم بمعاينة مقبرة أعيد دفن شقيقتها فيها (الشرق الأوسط)

وبعد عودة الناس للخرطوم، يتم يومياً اكتشاف جثامين في الأحياء السكنية، أو مقابر جماعية في الميادين. وكشف مدير الطب العدلي عن العثور على مقبرة جماعية في جامعة أفريقيا العالمية جنوب الخرطوم، تضم 7 آلاف جثة، وتنتشر في مساحة تبلغ كيلومتر مربع، تضم قتلى «قوات الدعم السريع». ووصف مناطق شرق النيل وجبل أولياء والصالحة بأنها أكثر المناطق اكتظاظاً بالمقابر الجماعية.

نحن بشر

أحد أعضاء فريق الطب العدلي أجاب سؤال أحد الحضور، أثناء أخذهم استراحة لشرب الشاي وتبادل القفشات أثناء المهمة الصعبة التي يقومون بها: «ألا تخافون من المهمة... كيف تستطيعون النوم بعد هذا». ورغم قسوة المشهد، ردّ عضو الفريق مبتسماً: «نحن بشر، نمارس حياتنا العادية، ونحاول أن نصنع من المأساة حلولاً، ولو بيدنا لما تركنا الناس يودعون موتاهم بالحسرة».

عائدون يتفقدون ممتلكاتهم المُدمَّرة في الخرطوم (أ.ف.ب)

تعيش الخرطوم اليوم مرحلة دفن مزدوج: «دفن للجثامين، ودفن للذكريات، حتى العدالة المؤجلة، لكن ما يحرك الناس ليس الغضب فقط، بل الرغبة في منح من فقدوهم قدراً من الكرامة، وسط حرب سلبت كل شيء منهم، ولم تترك لهم إلا المرارة». هكذا قالت سعاد، وهي تغادر الميدان، وطفلها نائم على كتفها: «دفت زوجي مرتين، لكننا لم ننسه يوماً واحداً، وربما نكون قد دفناه بكرامة هذه المرة، فليرقد بسلام».


مقالات ذات صلة

6 قتلى و15 مصاباً في قصف لـ«الدعم السريع» بجنوب كردفان

شمال افريقيا اللهب والدخان يتصاعدان بعد هجوم سابق لقوات «الدعم السريع» في السودان (رويترز)

6 قتلى و15 مصاباً في قصف لـ«الدعم السريع» بجنوب كردفان

أعلنت شبكة أطباء السودان مقتل ستة أشخاص وإصابة 15 آخرين بينهم ست نساء من جراء القصف المدفعي لـ«قوات الدعم السريع» وحليفتها الحركة الشعبية لتحرير السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا 
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)

«الهويرة»... منشق رابع من «الدعم السريع»

تشهد «قوات الدعم السريع» في السودان تصاعداً لافتاً في موجة الانشقاقات داخل صفوفها، في تطور يثير تساؤلات متزايدة حول مستقبل تماسكها العسكري وتحالفاتها القبلية.

أحمد يونس (كمبالا) محمد أمين ياسين (نيروبي)
خاص القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً الأحد اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة) p-circle

خاص انشقاقات تضرب «الدعم السريع»... هل بدأت مرحلة التفكك؟

تشهد «قوات الدعم السريع» في السودان تصاعداً لافتاً في موجة الانشقاقات داخل صفوفها، في تطور يثير تساؤلات متزايدة حول مستقبل تماسكها العسكري وتحالفاتها القبلية.

شمال افريقيا نازحون من دارفور يسيرون وسط عاصفة رملية في مخيم للاجئين السودانيين بشرق تشاد في 30 نوفمبر 2025 (رويترز) p-circle

6 قتلى في هجوم بمسيّرة شرق دارفور وانشقاقات بصفوف «الدعم السريع»

قُتل 6 أشخاص في هجوم بطائرة مسيرة في مدينة الضعين الواقعة تحت سيطرة «قوات الدعم السريع» بشرق دارفور في السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد السيطرة على إحدى المناطق في شمال الخرطوم بحري يوم 25 يناير 2025 (رويترز)

الجيش السوداني يستعيد «الكيلي» الاستراتيجية في النيل الأزرق

أعلن الجيش السوداني استعادة السيطرة على منطقة «الكيلي» الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق، عقب معارك مع «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)

الجزائر ترسم توازناتها بين رهانات الصمود العسكري ومسارات التهدئة مع باريس

الوزير المنتدب للدفاع أثناء إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)
الوزير المنتدب للدفاع أثناء إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)
TT

الجزائر ترسم توازناتها بين رهانات الصمود العسكري ومسارات التهدئة مع باريس

الوزير المنتدب للدفاع أثناء إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)
الوزير المنتدب للدفاع أثناء إلقاء كلمة على كوادر الجيش (وزارة الدفاع)

شدد قائد الجيش الجزائري الفريق أول سعيد شنقريحة على «صلابة» الجزائر في مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية العالمية، مرجعاً هذا التوازن لـ3 ركائز، تشمل «الصمود الاقتصادي واليقظة العسكرية». وفي سياق دبلوماسي موازٍ، سجل السفير الفرنسي ستيفان روماتيه أول ظهور رسمي له منذ عودته لممارسة مهامه بالعاصمة، مؤكداً وجود إرادة مشتركة لتجاوز الأزمة وإعادة بناء جسور الثقة.

ضباط الناحية العسكرية الثالثة يتابعون خطاب شنقريحة (وزارة الدفاع)

وأكد رئيس أركان الجيش والوزير المنتدب للدفاع الجزائري الفريق أول سعيد شنقريحة على «صلابة» بلاده «في مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية الكبرى» التي تعصف بالعالم، وما تخلفه من آثار وصفها بـ«المدمرة». في إشارة إلى المشكلات الأمنية والسياسية المعقدة في دول الجوار الجنوبي، وتداعياتها على أمن الجزائر.

وخلال زيارة قادته، أمس (الثلاثاء)، إلى «الناحية العسكرية الثالثة» (جنوب غرب)، أعرب شنقريحة في خطاب ألقاه أمام كوادر ومستخدمي الجيش بالمنطقة، عن «اعتزازه» بـ«مناعة الجزائر ورصانتها في مواجهة التجاذبات الدولية الحادة في العالم»، محدداً «3 ركائز» أساسية مكنت الدولة، حسبه، من «الحفاظ على توازنها أمام حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي الحاد»، التي أفرزت تداعيات اقتصادية مقلقة لمعظم دول العالم، نتيجة ارتباك سلاسل الإمداد العالمية في ظل الحرب، التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل على إيران.

خطاب «التآمر»

أوضح الفريق أول أن «التضخم والركود باتا السمتين الغالبتين على مشهد اقتصادي عالمي غير مسبوق في حجمه وأبعاده»، مؤكداً أن تجاوز الجزائر لهذه الهزات يعود لـ3 عناصر مفتاحية، حسب تعبيره، أولها «الصمود الاقتصادي الذي تدعمه المشاريع الهيكلية الكبرى، وفي مقدمتها خط السكة الحديدية الرابط بين بشار وغار جبيلات بتندوف».

جانب من تمارين عسكرية لاختبار جاهزية الجيش (وزارة الدفاع)

ويُعد مشروع استغلال منجم الحديد بغار جبيلات في ولاية تندوف، «مشروع القرن» بالنسبة للجزائر، وقد تم إطلاقه مطلع العام الحالي، ويمثل، حسب السلطات، انطلاقة حقيقية نحو عهد صناعي جديد يهدف إلى كسر التبعية لقطاع المحروقات.

وعد شنقريحة هذه المنجزات تتجاوز كونها مجرد استثمارات ظرفية، «لتشكل أساساً لنموذج تنموي يمتص الصدمات، ويمنح الاقتصاد الوطني حصانة تسهم في تعزيز الصعود الاستراتيجي للبلاد».

أما العنصر الثاني في معادلة الصمود، فقد أرجعه شنقريحة إلى «التلاحم الاجتماعي ووحدة الجبهة الداخلية»، مؤكداً أن «هذه الرابطة تزداد صلابة بفضل الوعي المتنامي للشعب الجزائري، والتزام النخب الوطنية، التي تدرك تماماً خلفيات المؤامرات الساعية لتعطيل مسار التنمية الشاملة الذي تنتهجه البلاد». ولم يوضح شنقريحة ماذا يقصد بـ«المؤامرة»، التي تسجل «حضوراً» لافتاً في السردية الرسمية للدلالة على حدة خصومات الجزائر مع بعض الدول.

الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمطار الجزائر في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

وفيما يتعلق بالركيزة الثالثة، فقد حصرها شنقريحة في «الجاهزية واليقظة الدائمتين للقوات المسلحة»، عاداً أنها حجر الزاوية في «القوة الاستراتيجية الجزائرية؛ حيث لا يقتصر دورها على تأمين التراب الوطني فحسب، بل يمتد لتعزيز صورة الدولة القوية والآمنة في محيط مضطرب، وهو ما تترجمه الثقة المتزايدة للشركاء الأجانب، والزيارات المكثفة لكبار المسؤولين العسكريين والسياسيين من الدول الصديقة».

وشدد شنقريحة على أن «هذه الديناميكية التصاعدية من الإنجازات، التي تتحقق بفضل مخلصي الوطن، ليست مجرد حصيلة لمرحلة مهمة من تاريخ الجزائر المعاصر، بل هي استثمار استراتيجي في الصمود الشامل، يضمن للبلاد حضوراً فاعلاً ومؤثراً في عالم يمر بتحولات جذرية وعميقة».

أول ظهور رسمي للسفير الفرنسي

في خطوة تعكس بوادر انفراج تدريجي في العلاقات بين باريس والجزائر، سجل السفير الفرنسي ستيفان روماتيه حضوراً بارزاً في «قصر الأمم» بالعاصمة، أمس (الثلاثاء)، تلبية لدعوة من الرئاسة الجزائرية لحضور خطاب الرئيس الأنغولي جواو لورانسو، الذي يزور الجزائر حالياً، أمام البرلمان بغرفتيه.

ويعد هذا الظهور الرسمي الأول لروماتيه منذ عودته إلى الجزائر نهاية الأسبوع الماضي، منهياً بذلك غياباً دام أكثر من عام، إثر استدعائه من قبل باريس في 15 أبريل (نيسان) 2025.

السفير الفرنسي مع وزير المجاهدين الجزائري بمناسبة ذكرى مجازر 8 مايو 1945 (سفارة فرنسا)

وعلى هامش المراسم، أعرب روماتيه، في تصريحات للصحافة، عن «تأثره البالغ» بالعودة إلى منصبه بعد أزمة حادة طبعت علاقات البلدين لأشهر طويلة. وأكد السفير وجود إرادة مشتركة لتجاوز «المرحلة العصيبة» واستعادة مسار التهدئة، مشدداً على أن الأولوية الراهنة تكمن في إعادة بناء جسور الثقة، وتحديد الملفات ذات الاهتمام المشترك لإحراز تقدم ملموس خلال المرحلة المقبلة.

وشكل صيف 2024 شرخاً عميقاً في علاقات الجزائر وباريس، حين أعلنت الرئاسة الفرنسية دعمها الصريح لمخطط الحكم الذاتي المغربي للصحراء، ما دفع بالعلاقات نحو انزلاق خطير، جر معه مشاكل قديمة متصلة بالاستعمار ومخلفاته.

كما كشف الدبلوماسي الفرنسي أن مهمته الأساسية تتركز على جعل الأشهر المقبلة «فترة بناءة»، عبر إعادة تفعيل جميع قنوات التواصل، التي انقطعت لفترة وصفها بأنها «طالت أكثر من اللازم»، مشيراً إلى أن الرغبة في استئناف لغة الحوار باتت ملموسة لدى الطرفين.

مشاركة وزيرة الجيوش الفرنسية احتفالات الجزائر بذكرى مجازر 8 مايو 1945 (وزارة المجاهدين)

وتسلم روماتيه مهامه بالجزائر في يوليو (تموز) 2023، وغادر البلاد في ربيع 2025 وسط أزمة دبلوماسية، اندلعت عقب ترحيل الجزائر موظفين قنصليين فرنسيين، رداً على توقيف موظف قنصلي جزائري في فرنسا وسجنه بتهمة خطف المعارض أمير بوخرص. وقد باشر السفير مهامه فعلياً الجمعة الماضي بمرافقة الوزيرة المنتدبة المكلفة بالجيوش أليس روفو إلى ولاية سطيف للمشاركة في مراسم إحياء ذكرى «مجازر 8 مايو (أيار) 1945».


6 قتلى و15 مصاباً في قصف لـ«الدعم السريع» بجنوب كردفان

اللهب والدخان يتصاعدان بعد هجوم سابق لقوات «الدعم السريع» في السودان (رويترز)
اللهب والدخان يتصاعدان بعد هجوم سابق لقوات «الدعم السريع» في السودان (رويترز)
TT

6 قتلى و15 مصاباً في قصف لـ«الدعم السريع» بجنوب كردفان

اللهب والدخان يتصاعدان بعد هجوم سابق لقوات «الدعم السريع» في السودان (رويترز)
اللهب والدخان يتصاعدان بعد هجوم سابق لقوات «الدعم السريع» في السودان (رويترز)

أعلنت شبكة أطباء السودان، اليوم الأربعاء، مقتل ستة أشخاص وإصابة 15 آخرين بينهم ست نساء من جراء القصف المدفعي لـ«قوات الدعم السريع» وحليفتها الحركة الشعبية لتحرير السودان، على مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان بوسط البلاد.

ونقلت «وكالة الأنباء الألمانية» عن شبكة أطباء السودان، قولها في بيان صحافي اليوم، إن القصف، الذي تعرضت له المدينة أمس (الثلاثاء)، استهدف محيط السوق الكبيرة والموقف العام، كما شمل عدداً من الناشطين في العمل الطوعي والإنساني في أثناء إعداد الطعام للنازحين بالمنطقة.

وأضافت أن القصف نفذ بصورة متعمدة على مناطق مكتظة بالمدنيين في استمرار للهجمات المتكررة التي تتعرض لها المدينة من قبل «الدعم السريع» والحركة الشعبية.

وأكدت الشبكة أن «استمرار القصف المتعمد على الأحياء السكنية والأسواق والمرافق المدنية بمدينة الدلنج فاقم من حجم الكارثة الإنسانية والصحية في وقت تعاني فيه المدينة من انهيار واسع في الخدمات الطبية ونقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية إلى جانب تعذر وصول المرضى والجرحى إلى المرافق الصحية بصورة آمنة كما تسبب القصف المدفعي المتواصل في زيادة أعداد النازحين وتعريض حياة آلاف المدنيين للخطر المباشر وسط مخاوف من خروج المزيد من المرافق الصحية عن الخدمة».

جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة السودانية الخرطوم من جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

وطالبت الشبكة المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والإنسانية بالتحرك العاجل لوقف هذه الانتهاكات المتكررة بحق المدنيين والعمل على الضغط على قيادات «الدعم السريع» والحركة الشعبية لوقف استهداف المناطق المدنية وفتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات الإنسانية والطبية للمتضررين.

ويشهد السودان حرباً منذ أبريل (نيسان) 2023، حيث اندلع القتال بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» شبه العسكرية.

ووصفت الأمم المتحدة الصراع بأنه أكبر أزمة إنسانية في العالم. ونزح نحو 12 مليون شخص من جراء الصراع كما يواجه نصف عدد السكان صعوبة في الحصول على الغذاء.


«الهويرة»... منشق رابع من «الدعم السريع»


قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
TT

«الهويرة»... منشق رابع من «الدعم السريع»


قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)

تشهد «قوات الدعم السريع» في السودان تصاعداً لافتاً في موجة الانشقاقات داخل صفوفها، في تطور يثير تساؤلات متزايدة حول مستقبل تماسكها العسكري وتحالفاتها القبلية، مع دخول الحرب مع الجيش السوداني عامها الرابع، وتحولها إلى حرب استنزاف طويلة ومعقدة.

وجاء إعلان القائد الميداني البارز علي رزق الله، المعروف بـ«السافنا»، انشقاقه عن «قوات الدعم السريع»، ليشكل أحدث وأبرز حلقات هذا المسار، خاصة أن الرجل يعد من أبرز القادة الميدانيين الذين لعبوا أدواراً مؤثرة في معارك دارفور وكردفان خلال السنوات الماضية. وسبقه انشقاق اللواء النور أحمد آدم المعروف بـ«النور القُبة»، إضافة إلى القائد الميداني بشارة الهويرة، الذي غادر صفوف «الدعم السريع» في شمال كردفان قبل أسابيع، قبل أن ينكشف أمره بصورة أوسع خلال الساعات الماضية.

والهويرة هو الرابع في سلسلة الانشقاقات، بعد «السافنا» و«القبة» و«أبو عاقلة كيكل» قائد قوات «درع السودان»، الذي كان أول المنشقين في أواخر عام 2024.