السودان: حين يدفن الأحبة مرتين في الخرطوم

بعد عودة الهدوء إلى العاصمة تم نبش آلاف الجثث في الميادين والبيوت وإعادة دفنها

فريق الهلال الأحمر يقوم بنبش الجثامين في مقبرة جماعية مؤقتة بالخرطوم (الشرق الأوسط)
فريق الهلال الأحمر يقوم بنبش الجثامين في مقبرة جماعية مؤقتة بالخرطوم (الشرق الأوسط)
TT

السودان: حين يدفن الأحبة مرتين في الخرطوم

فريق الهلال الأحمر يقوم بنبش الجثامين في مقبرة جماعية مؤقتة بالخرطوم (الشرق الأوسط)
فريق الهلال الأحمر يقوم بنبش الجثامين في مقبرة جماعية مؤقتة بالخرطوم (الشرق الأوسط)

في صباح شديد الحرارة بميدان حي البركة بضاحية الحاج يوسف بمحلية شرق النيل بالخرطوم بحري، كانت السيدة سعاد عبد الله تحمل طفلها وتحدّق بصمت نحو الحفرة التي كانت قبل دقائق قبراً مؤقتاً لزوجها.

فقبل نحو 7 أشهر، لم تجد سعاد مكاناً آمناً لدفن زوجها سوى هذا الميدان، والآن تقف لتستلم رفاته في كيس أبيض، كي تمنحه وداعاً متأخراً، لكنه أكثر كرامة، حيث يتم دفنه في مقابر الضاحية.

سعاد واحدة من عشرات الأسر التي عاشت لحظة وداع الأحبة مرتين، في المدينة التي تعج بالمقابر العشوائية، ويعاني أهلها فقداناً للذاكرة الرسمية لضحايا حرب لم تنتهِ فظائعها بعد.

السيدة سعاد عبد الله تحمل طفلها وتودع زوجها للمرة الثانية (الشرق الأوسط)

واندلعت الحرب في السودان، في 15 أبريل (نيسان) 2023، في العاصمة الخرطوم، بين «قوات الدعم السريع»، والجيش السوداني، للسيطرة على العاصمة، وامتد القتال من الخرطوم إلى ضواحيها، وخاصة أم درمان. وبعد أيام قليلة من الحرب، قتل أكثر من 500 قتيل مدني. وقدّر عدد القتلى في الخرطوم منذ اندلاع الحرب بالآلاف، رغم عدم وجود إحصائيات رسمية. وبعد استعادة الجيش السيطرة على العاصمة في 20 مايو (أيار) 2025، كانت المهمة الأصعب هي كيفية إعادة دفن آلاف الجثث المنتشرة في المقابر الجماعية والطرقات والميادين العامة، وهي مهمة مستمرة حتى الآن.

أرض الموت

عند الساعة الحادية عشرة صباحاً، وصلت فرق الطب العدلي والهلال الأحمر السوداني إلى ميدان حي البركة، لنقل 118 جثة دُفنت على عجل سابقاً، خوفاً من القنص أو الحظر أو الانفجار. فرق الطب العدلي مقسّمة ومنظمة، ترتدي الزي الطبي، وتعمل بتناوب في مجموعتين بسبب حرارة الشمس القاسية، ينبشون الجثامين واحداً تلو آخر، ويضعونها داخل أكياس بيضاء مرقمة، ثم تُرص في سيارات نقل متوسطة يطلق عليها محلياً «دفار»، تقف على بعد أمتار من المقبرة المؤقتة.

أحد المواطنين يشير إلى مقبرة أحد أقربائه في ضاحية الحاج يوسف بولاية الخرطوم (الشرق الأوسط)

يشير الأهالي بأصابعهم إلى القبور، وهم يقفون على مسافة: «هنا أخي، وهناك أمي»، يهمسون بأسماء تُدفن دون شاهد، ومن بينهم سعاد عبد الله، أم لـ3 أطفال، فقدت زوجها ودفن مؤقتاً في الميدان. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «توفي زوجي برصاصة طائشة اخترقت نافذة غرفتنا، لم نتمكن من دفنه في المقابر الرسمية، فدفناه هنا في الميدان، واليوم جئت لأودّعه من جديد».

تحاول سعاد أن تبقي متماسكة، وهي تحتضن ابنها الأصغر، فيما يهمس أحد أقاربها: «دفناه ليلاً، من دون شهود ولم نقم عليه العزاء، ما كنا نستطيع المشي بالجثمان إلى المقابر».

وعلى الطرف الآخر، كانت خديجة زكريا تبكي بصوت مرتفع، وهي تراقب نبش قبر شقيقتها، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «شقيقتي ماتت موتاً طبيعياً، لكنهم منعونا من دفنها في المقابر، فدفناها في الميدان». وتضيف، والدموع تبلل عينيها: «حتى بنت أختي ووالدها ماتا، ودفنوهما في ميادين أخرى، قالوا لنا سيتم نقلهما لاحقاً إلى المقابر».

جثة غرفة الضيوف

بعد انتهاء العمل في ميدان حي البركة، توجه الفريق إلى منطقة الفيحاء القريبة من ضاحية الحاج يوسف، استجابة لبلاغ بوجود جثة داخل منزل مهجور، قال صاحبه العائد قريباً من رحلة النزوح: «فوجئت بجثة يابسة في صالون بيتي... قال الجيران إنها لأحد أفراد الدعم السريع، قُتل على يد زملائه». وفي منطقة الحاج يوسف أبلغ عن وجود جثة في قناة المياه (ترعة)، تم انتشالها ودفنها في المقابر العامة.

مشهد لعمليات نقل الرفات إلى المقابر بواسطة فريق من الطب العدلي (الشرق الأوسط)

الدكتور هشام زين العابدين، مدير الطب العدلي في الخرطوم، وهو يشرف على عمليات النبش وإعادة الدفن قال لـ«الشرق الأوسط»: «نقل الجثامين مجاناً دون تكلفة، وهي مسؤوليتنا الكاملة». ويبدو هذا التصريح كردّ على ما تناولته منصات التواصل الاجتماعي، بأن السلطات تطالب بمبالغ كبيرة لإعادة دفن الموتى داخل البيوت والأحياء والميادين.

توقع دكتور زين العابدين نقل نحو 7 آلاف جثة خلال 40 يوماً من ميادين الخرطوم والمنازل إلى المقابر العامة، وأشار إلى وجود أكثر من 40 مقبرة جماعية في أنحاء مختلفة من المدينة تم اكتشافها حتى الآن. وقال إن 3.5 ألف جثة تم جمعها وإعادة دفنها منذ بداية العملية، حتى الآن، معظمها جثث قتلى «قوات الدعم السريع»، وتابع: «هناك 500 جثة أخرى تم جمعها على الطريق البري الرابط بين أم درمان وبارا، الذي يعرف بطريق الصادرات»، وتابع: «ما زال الطب العدلي يستقبل بلاغات حول وجود مقابر.

السيدة خديجة زكريا تقوم بمعاينة مقبرة أعيد دفن شقيقتها فيها (الشرق الأوسط)

وبعد عودة الناس للخرطوم، يتم يومياً اكتشاف جثامين في الأحياء السكنية، أو مقابر جماعية في الميادين. وكشف مدير الطب العدلي عن العثور على مقبرة جماعية في جامعة أفريقيا العالمية جنوب الخرطوم، تضم 7 آلاف جثة، وتنتشر في مساحة تبلغ كيلومتر مربع، تضم قتلى «قوات الدعم السريع». ووصف مناطق شرق النيل وجبل أولياء والصالحة بأنها أكثر المناطق اكتظاظاً بالمقابر الجماعية.

نحن بشر

أحد أعضاء فريق الطب العدلي أجاب سؤال أحد الحضور، أثناء أخذهم استراحة لشرب الشاي وتبادل القفشات أثناء المهمة الصعبة التي يقومون بها: «ألا تخافون من المهمة... كيف تستطيعون النوم بعد هذا». ورغم قسوة المشهد، ردّ عضو الفريق مبتسماً: «نحن بشر، نمارس حياتنا العادية، ونحاول أن نصنع من المأساة حلولاً، ولو بيدنا لما تركنا الناس يودعون موتاهم بالحسرة».

عائدون يتفقدون ممتلكاتهم المُدمَّرة في الخرطوم (أ.ف.ب)

تعيش الخرطوم اليوم مرحلة دفن مزدوج: «دفن للجثامين، ودفن للذكريات، حتى العدالة المؤجلة، لكن ما يحرك الناس ليس الغضب فقط، بل الرغبة في منح من فقدوهم قدراً من الكرامة، وسط حرب سلبت كل شيء منهم، ولم تترك لهم إلا المرارة». هكذا قالت سعاد، وهي تغادر الميدان، وطفلها نائم على كتفها: «دفت زوجي مرتين، لكننا لم ننسه يوماً واحداً، وربما نكون قد دفناه بكرامة هذه المرة، فليرقد بسلام».


مقالات ذات صلة

البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

شمال افريقيا البرهان خلال زيارة إلى بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم الجمعة (مجلس السيادة السوداني) play-circle 00:35

البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

قال رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، إن معركة «الكرامة» لن تنتهي إلا بانتهاء «التمرد» وكل من يدعمه.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا طفلان من الفاشر يستريحان في مخيم للنازحين السودانيين ببلدة الدبة الشمالية (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة تحذر من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين

حذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة الخميس من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل

«الشرق الأوسط» (بورت سودان)
شمال افريقيا أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز) play-circle

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

حذّر برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة، من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين الجوع.

«الشرق الأوسط» (بورتسودان)
شمال افريقيا رئيس منظمة أطباء بلا حدود جاويد عبد المنعم (أ.ف.ب)

«أطباء بلا حدود»: العمل الإنساني في السودان مقيّد بإجراءات معقدة وغير شفافة

قال رئيس منظمة أطباء بلا حدود، جافيد عبد المنعم، إن النظام الصحي في السودان يعاني ضعفاً شديداً، ونقصاً حاداً في الكوادر الطبية، والإمدادات ومعقد وغير شفاف

وجدان طلحة (بورتسودان)
شمال افريقيا فولكر تورك خلال جلسة محادثات مع وفد الحكومة برئاسة وزير الخارجية محيي الدين سالم (وكالة الأنباء السودانية - سونا) play-circle

زيارة تورك إلى السودان تفجر جدلاً وسط تصعيد عسكري

فجّرت زيارة المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى السودان، جدلاً سياسياً واسعاً، في وقت تشهد فيه البلاد تصعيداً عسكرياً خطيراً.

وجدان طلحة (بورتسودان)

ترمب في رسالة للسيسي: مستعد لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب في رسالة للسيسي: مستعد لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

قال ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في رسالة وجّهها، الجمعة، إلى نظيره المصري ‌عبد الفتاح ‌السيسي، ‌إن ⁠الولايات ​المتحدة ‌مستعدة لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا للمساعدة في حل مسألة تقاسم ⁠مياه نهر النيل.

وكتب، ‌في الرسالة التي نشرها على منصة «تروث سوشيال»: «أنا مستعد لاستئناف الوساطة ​الأميركية بين مصر وإثيوبيا من ⁠أجل حل مسألة تقاسم مياه النيل بمسؤولية وشكل نهائي». وأضاف: «أود مساعدتكم على التوصل إلى حل يضمن تلبية الاحتياجات المائية لمصر والسودان وإثيوبيا».

ورأى أنه يمكن التوصل إلى اتفاق دائم لكل دول حوض النيل عبر المفاوضات والتنسيق الأميركي بين الأطراف. وأكد أن «حل التوترات المرتبطة بسد النهضة في إثيوبيا على رأس أولوياتي».

ولفت إلى أنه يمكن ضمان إطلاق كميات من المياه خلال فترات الجفاف في مصر والسودان باتباع نهج ناجح. وكذلك يمكن لإثيوبيا توليد كميات كبيرة من الكهرباء ومنحها أو بيع جزء منها لمصر أو السودان.

وجزم بأنه «لا ينبغي لأي دولة أن تسيطر بشكل أحادي على مياه النيل».

وأشاد بالسيسي ودوره في إدارة التحديات الأمنية والإنسانية في مصر والمنطقة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.


البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

TT

البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

البرهان خلال زيارة إلى بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم الجمعة (مجلس السيادة السوداني)
البرهان خلال زيارة إلى بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم الجمعة (مجلس السيادة السوداني)

قال رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش السوداني، الفريق عبد الفتاح البرهان، الجمعة، إن «معركة الكرامة لا تزال مستمرة، ولن تنتهي إلا بانتهاء التمرد وكل من يدعمه»، مؤكداً أن الشعب السوداني «لن يقبل بفرض أي حلول أو قيم من أي جهة أو شخص»، في وقت حذّر فيه برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، من نفاد المساعدات الغذائية في السودان في غضون شهرَين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين من الجوع الشديد بعد نحو ثلاثة أعوام من الحرب. ودعا البرهان، خلال لقائه أهالي بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم، السودانيين إلى التماسك والتكاتف من أجل حماية البلاد، في ظل استمرار الحرب الدائرة منذ نحو ثلاثة أعوام.

وأفادت مصادر محلية بأن قوات الجيش السوداني، مدعومة بفصائل من «القوة المشتركة» التابعة لحركات مسلحة من إقليم دارفور، حققت تقدماً في عدد من البلدات بولاية جنوب كردفان، مما قرّبها من مدينة الدبيبات، الخاضعة بالكامل لسيطرة «قوات الدعم السريع». في المقابل، تكبّد الجيش خسائر فادحة خلال معارك دارت، الخميس، في منطقة هبيلا بولاية جنوب كردفان. وقالت «قوات الدعم السريع» إنها أفشلت جميع محاولات الجيش ومخططاته للاختراق العسكري في تلك المناطق.

تورك يتفقد أوضاع النازحين

من جانبه، يواصل المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فولكر تورك، زيارته إلى السودان، حيث تفقد، الجمعة، مخيم النازحين في منطقة العفاض شمال كردفان.

وقالت «وكالة السودان للأنباء» إن تورك التقى أعداداً كبيرة من النازحين، واطّلع على الجهود التي تبذلها الحكومة السودانية تجاه المتضررين من القتال، مشيرة إلى أن الوفد الأممي يرافقه أعضاء من «الآلية الوطنية لحقوق الإنسان». وخلال زيارته إلى مدينة دنقلا، الخميس، أشار تورك إلى أن كثيراً من النازحين يفتقرون إلى المأوى المناسب، في حين تواجه النساء صعوبات في الوصول إلى خدمات الدعم، داعياً إلى بذل «جهد شامل» من جانب السلطات السودانية والمجتمع الدولي، لتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية الحيوية.

من جهتها، حذّرت حكومة «تأسيس» الموالية لـ«قوات الدعم السريع»، الجمعة، من أي محاولات للالتفاف على «المبادرة الرباعية» أو فتح مسارات جانبية بديلة، لافتة إلى أن ذلك من شأنه تغذية استمرار الحرب وإعاقة التوصل إلى سلام عادل وشامل. وأعربت في بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء محمد حسن التعايشي، عن أسفها لعدم صدور موقف معلن عن اجتماع «الآلية التشاورية» الخامس الذي عُقد في القاهرة، الأربعاء الماضي، بشأن وقف الحرب، رغم مشاركة أطراف دولية وإقليمية فاعلة.

خيام وفّرتها السعودية في مخيم للنازحين بمدينة الأُبيّض في ولاية شمال كردفان 12 يناير 2026 (رويترز)

وكان وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، قد جدّد تأكيد موقف بلاده الرافض لتشكيل أي سلطة موازية في السودان خارج إطار مؤسسات الدولة الرسمية، مشدداً على التزام مصر بدعم وحدة السودان وسلامة أراضيه. كما أكد استمرار العمل ضمن «الرباعية الدولية» التي تضم السعودية ومصر والولايات المتحدة والإمارات، بهدف التوصل إلى هدنة إنسانية شاملة تفضي إلى وقف مستدام لإطلاق النار. في المقابل، قالت حكومة «تأسيس»، التي تتخذ من مدينة نيالا عاصمة لها، إنها «ليست سلطة موازية»، بل «تعبير سياسي وأخلاقي عن إرادة ملايين السودانيين الذين تُركوا بلا دولة منذ اندلاع الحرب».

تحذير أممي

من جهته، حذّر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، الخميس، من نفاد المساعدات الغذائية في السودان خلال شهرين، بسبب نقص حاد في التمويل، رغم معاناة ملايين الأشخاص من الجوع الشديد. وأكد البرنامج أنه اضطر إلى تقليص الحصص الغذائية إلى «الحد الأدنى الكافي للبقاء على قيد الحياة»، محذراً من أن مخزونه الغذائي سينفد بالكامل بحلول نهاية مارس (آذار) المقبل، ما لم يتم توفير تمويل إضافي فوري.

المفوض الأممي لشؤون اللاجئين برهم صالح متفقداً أحوال النازحين السودانيين في مخيم أدري على الحدود مع تشاد 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وأوضح أن نحو 21 مليون شخص في مختلف أنحاء السودان يعانون من الجوع الشديد، في حين يحتاج البرنامج إلى 700 مليون دولار لاستكمال عملياته حتى يونيو (حزيران) المقبل. وكان تقرير «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، المدعوم من الأمم المتحدة، قد أكد انتشار المجاعة في مدينتي الفاشر بشمال دارفور وكادقلي بجنوب كردفان، محذراً من أن سكان 20 مدينة أخرى يواجهون ظروفاً مشابهة، في ظل صعوبات التحقق من البيانات بسبب الحصار وانقطاع الاتصالات.


بورصة التوقعات تشتعل... هل اقترب موعد التغيير الوزاري في مصر؟

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال بيانه أمام البرلمان في يوليو 2024 (مجلس الوزراء المصري )
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال بيانه أمام البرلمان في يوليو 2024 (مجلس الوزراء المصري )
TT

بورصة التوقعات تشتعل... هل اقترب موعد التغيير الوزاري في مصر؟

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال بيانه أمام البرلمان في يوليو 2024 (مجلس الوزراء المصري )
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال بيانه أمام البرلمان في يوليو 2024 (مجلس الوزراء المصري )

بانعقاد البرلمان المصري بتشكيله الجديد، ارتفعت بورصة التوقعات والتكهنات حول موعد «التغيير الوزاري» في مصر، وكذلك طبيعة التعديلات المنتظرة وحجمها.

ورجَّح سياسيون وبرلمانيون مصريون، إجراء «تغيير وزاري»، على حكومة الدكتور مصطفى مدبولي الحالية، لكن تباينت تقديراتهم حول موعد الحركة الوزارية، ما بين إجرائها خلال الأيام المقبلة، أو خلال أشهر عدة.

وأدى مصطفى مدبولي اليمين لتولي رئاسة الحكومة في يونيو (حزيران) 2018، ومنذ ذلك الحين يقبع في منصبه مع إدخال أكثر من تعديل وزاري، وبعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة في ديسمبر (كانون الأول) 2023، أعاد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تكليف مدبولي بتشكيل الحكومة مجدداً.

ورغم ازدياد التوقعات بإجراء التغيير الوزاري، فإن مصدرَين حكوميَّين، تحدثت معهما «الشرق الأوسط»، أشارا إلى «عدم وجود مؤشرات لتعديل وزاري قريب داخل الحكومة». وقال مصدر داخل إحدى الوزارات الخدمية، إنه «لم يرد إليه شيء بخصوص تعديل مرتقب».

وقال مصدر حكومي آخر، إنه «من غير المرجح حدوث حركة وزارية قبل شهر رمضان المقبل، والذي يستدعي جهوداً مكثفة وتنسيقاً بين وزارات وجهات حكومية مختلفة»، مشيراً إلى أنه «إذا كانت هناك حركة وزارية فربما تكون خلال شهر أو اثنين».

بموازاة ذلك، رجَّح عضو مجلس النواب المصري، مصطفى بكري، «إجراء تغيير وزاري شامل لحكومة مدبولي خلال الأيام المقبلة». وقال إنه «من المتوقع تشكيل حكومة جديدة بوزراء جدد في معظم الحقائب الوزارية».

وقال بكري في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «من المتوقع تغيير نحو 20 وزيراً في الحكومة الجديدة»، مشيراً إلى أن «الأولوية في التغيير ستكون للحقائب الوزارية ضمن المجموعة الاقتصادية، باعتبار أن الملف الاقتصادي من الأولويات التي تعمل عليها الحكومة المصرية حالياً».

ولا يختلف في ذلك، عضو مجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية من البرلمان)، ورئيس حزب «المصريين الأحرار»، عصام خليل، وقال: «إن التغيُّرات العالمية، سياسياً واقتصادياً، تفرض ضرورة تشكيل حكومة جديدة حالياً في مصر، لا سيما مع تشكيل برلمان جديد»، وقال: «التغيير بات ضرورة حتى يتم عرض برنامج حكومي جديد أمام البرلمان في بداية الفصل التشريعي».

وتوقَّع خليل في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «يشمل التعديل الوزاري تغييراً في السياسات الحكومية من الأساس، بحيث يواكبه دمج بعض الوزارات، واستحداث وزارات أخرى، وفق أولويات العمل الحكومي». وأشار إلى «ضرورة استحداث وزارة للاقتصاد، ووضع سياسات جديدة».

مقر مجلس النواب المصري في العاصمة الجديدة (الصفحة الرسمية)

ودعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مجلس النواب للانعقاد، صباح الاثنين الماضي، لافتتاح دور الانعقاد العادي الأول من الفصل التشريعي الثالث، وأنهى المجلس الجديد انتخاب رئيسه ورؤساء اللجان النوعية، الأربعاء الماضي، قبل رفع جلساته لأجل غير مسمى.

وربط بعض المراقبين رفع جلسات مجلس النواب لأجل غير مسمى باقتراب إجراء تغيير وزاري، إلا أن عضو مجلس النواب المصري ونائب رئيس حزب «المؤتمر»، مجدي مرشد، قال إنه «لا يمكن التعويل على هذه المقاربة، خصوصاً أنه لا توجد نصوص دستورية أو قانونية تلزم الرئيس المصري بتشكيل حكومة جديدة مع انتخاب مجلس النواب».

ولا توجد نصوص دستورية أو قانونية، تقضي بتغيير الحكومة مع تشكيل البرلمان الجديد، في حين بيّنت المادة 146 من الدستور المصري، آلية اختيار رئيس الوزراء، ونصَّت على أن «يكلف رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس الوزراء، بتشكيل الحكومة وعرض برنامجها على مجلس النواب، فإذا لم تحصل حكومته على ثقة أغلبية أعضاء المجلس، خلال ثلاثين يوماً على الأكثر، يكلف رئيس الجمهورية، رئيساً للوزراء بترشيح من الحزب أو الائتلاف الحائز على أكثرية مقاعد البرلمان».

ورغم ترجيح مرشد، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إجراء تغيير وزاري في مصر، فإنه «لا يتوقع حدوثه في القريب العاجل». وقال إنه «من المتوقع تغيير حكومة مدبولي خلال شهر أو شهرين، وليس في الفترة الحالية، مثلما جرى في آخر تعديل وزاري، في يوليو (تموز) 2024، والذي جاء بعد 3 أشهر من أداء الرئيس المصري اليمين الدستورية لفترة رئاسية جديدة».

وفي 3 يوليو 2024، أدت حكومة مدبولي اليمين الدستورية لآخر حركة تعديل تضمَّنت تغيير عدد من الحقائب الوزارية. وتضم الحكومة الحالية 30 وزيراً، بينهم 4 وزيرات.