معركة الفاشر «حرب استنزاف» طويلة المدى... ودون حسم

الجيش السوداني يصد أكثر من 200 هجوم على المدينة قتل فيها الآلاف

سودانيون أرغمتهم ظروف الحرب على اللجوء إلى مخيم أبو النجا شرق غضارف (أ.ف.ب)
سودانيون أرغمتهم ظروف الحرب على اللجوء إلى مخيم أبو النجا شرق غضارف (أ.ف.ب)
TT

معركة الفاشر «حرب استنزاف» طويلة المدى... ودون حسم

سودانيون أرغمتهم ظروف الحرب على اللجوء إلى مخيم أبو النجا شرق غضارف (أ.ف.ب)
سودانيون أرغمتهم ظروف الحرب على اللجوء إلى مخيم أبو النجا شرق غضارف (أ.ف.ب)

تستمر معركة الفاشر في إقليم دارفور غرب السودان منذ شهور طويلة، دون حسم لصالح الجيش السوداني أو لـ«قوات الدعم السريع»، في حين تحوّلت المواجهات «حرب استنزاف» طويلة المدى، ومع تصاعد غير مسبوق في الهجمات بوتيرة متسارعة في الآونة الأخيرة، لا تزال قوات الجيش والقوة المساندة لها تقاتل بضراوة للدفاع عنها ومنع سقوطها، وتشن هجمات مضادة على أطرافها المحاصرة.

 

حرب استنزاف

 

صدّ الجيش السوداني 222 هجوماً على الفاشر، تخللتها اشتباكات عنيفة قُتل فيها الآلاف من طرفي القتال والمدنيين، وهو ما وصفه الخبير العسكري، اللواء معتصم عبد القادر الحسن، بـ«حرب استنزاف» يسعى من خلالها الجيش السوداني، الذي عُرف بعقيدة دفاعية، للحفاظ على المدينة، وفي الوقت نفسه إنزال أكبر قدر من الخسائر في صفوف «قوات الدعم السريع». مشيراً إلى أن الجيش السوداني استخدم هذه الاستراتيجية في استعادة مقر قيادته العامة وسط العاصمة الخرطوم، بعد 21 شهراً من الحصار الخانق، كما صدّت قواته عشرات الهجمات على سلاحي المدرعات والمهندسين في الخرطوم.

جنود سودانيون خلال وصولهم إلى سوق اللفاح في منطقة تمت استعادتها من «قوات الدعم السريع» جنوب الخرطوم (أ.ب)

وقال عبد القادر لـ«الشرق الأوسط» إن حرب الفاشر «معركة مصيرية لـ(قوات الدعم السريع)، بعد الهزائم المتلاحقة التي تلقتها على أيدي الجيش، وخسارتها الخرطوم ووسط البلاد، وإجبارها على الانسحاب إلى إقليم كردفان، وهي تسعى لإسقاط المدينة لإطباق السيطرة التامة على إقليم دارفور؛ بهدف زيادة الضغط على الحكومة السودانية، ودفعها إلى التفاوض وتقاسم السلطة، وحال فشل ذلك ستتجه إلى إعلان حكومة منفردة في دارفور، بمشاركة من حلفائها في تحالف تأسيس».

وأوضح عبد القادر أن عناصر الجيش السوداني يتلقون تدريبات عسكرية عالية على الدفاع والهجوم، والانسحاب المنظم، بالإضافة إلى تقنيات قتالية متقدمة في الحفاظ على مواقعها، بعكس «ميليشيا الدعم السريع»، التي تعتمد على أسلوب أقرب إلى «حرب العصابات والمدن»، وذلك بتنفيذ هجوم سريع وخاطف، يسمونه «كثافة النيران»، لكنها تفتقر للخطط الدفاعية في الحفاظ على الرقعة الجغرافية التي تسيطر عليها.

واستبعد عبد القادر، وهو مستشار يعمل حالياً في الأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية، قدرة «قوات الدعم السريع» على إسقاط الفاشر؛ وذلك بسبب تراجع قوتها الهجومية، وخسارة أعداد كبيرة من قواتها الصلبة المقاتلة في المعارك، التي تدور راهناً في كردفان، ومقتل معظم قياداتها العسكرية في غارات بمسيَّرات، من خلال عمليات استخباراتية دقيقة حصل عليها الجيش السوداني بفضل اختراقه صفوف الميليشيا.

وأضاف الخبير العسكري والأمني موضحاً أن سقوط الفاشر «مسألة حساسة بالنسبة للحركات المسلحة في دارفور، التي تقاتل إلى جانب الجيش السوداني، وقد يعقد مشاركتها في الحكومة المركزية؛ لذلك تحشد قواتها وتشارك في العمليات العسكرية لاستعادة المدينة». مبرزاً أن الجيش وضع خطة استراتيجية كبرى لفك الحصار عن مدينة الفاشر عبر ثلاثة مسارات: تقدم بري من القوات المحاصرة داخل المدينة، ومن اتجاه كردفان المجاور لإقليم دارفور، والمحور الأخير للقوات المتحركة من حدود الولاية الشمالية إلى المناطق المتاخمة في مليط والمالحة صوب الفاشر، ورأى أن محاولات «الدعم السريع» للاستيلاء على المدينة «بعيدة المنال».

 

* محاولات التوغل إلى الفاشر

 

كثفت «قوات الدعم السريع» خلال الأيام الماضية محاولاتها للتوغل إلى مدينة الفاشر عبر المحور الجنوبي، في مسعى للوصول إلى مركز المدينة الاستراتيجية، لكنها لم تنجح بعدُ في اختراق الدفاعات المتقدمة للجيش في تلك المناطق التي يسطر عليها.

سودانيون فارون من ويلات الحرب خلال عبورهم الحدود الفاصلة بين بلدهم وتشاد (رويترز)

وأفادت مصادر عسكرية ومدنية في الفاشر لـ«الشرق الأوسط» بأن خرائط السيطرة لم تشهد أي تغيرات كبرى في الأشهر الماضية. لكنها أوضحت أن «قوات الدعم السريع» باتت تركز هجماتها في نطاق الأحياء الجنوبية، التي تضم مقر (الفرقة السادسة) للجيش، وهو النمط ذاته الذي اتبعته سابقاً في إسقاط أربع فرق للجيش في ولايات بدارفور، وهو ما مكّنها من الاستيلاء عليها. مبرزة أن القوات المهاجمة لم تستطع التوغل إلى قلب المدينة، وأجرت تموضعاً جديداً على أطرافها. غير أن تسجيلات مصورة تظهر تقدماً كبيراً لـ«قوات الدعم السريع»، وتوغلاً داخل مناطق سكنية لا تبعد كثيراً عن القيادة العسكرية للجيش في المدينة، المسماة «الفرقة السادسة مشاة».

وقال ضابط «متقاعد»، برتبة رفيعة في الجيش، إن الوضع في الفاشر «يبدو معقداً، فالجيش يراهن على كسب أكبر وقت ممكن، وإطالة أمد المعركة إلى أن ينجح في تحقيق انتصار عسكري حاسم على (الدعم السريع) في كردفان، ليتقدم بعدها لكسر الحصار على المدينة».

وأضاف الضابط، الذي طلب حجب هويته، قائلاً: «بلا شك الحصار الطويل ينهك القوات في الفاشر، وقد تكون في حاجة إلى تأمين إمداد عسكري عاجل بالأسلحة والذخائر، وإسناد الطيران الحربي في شن غارات لوقف زحف (قوات الدعم السريع) على المدينة. وكل يوم يمر في ظل الحصار واستمرار العمليات العسكرية، يشكل استنزافاً للجيش في معركة طويلة ومكلفة عسكرياً، بلا مصدر تشوين بالذخائر والمؤن، بعد توقف الإمداد عبر الإسقاط الجوي، في مواجهة عدو كل الطرق أمامه سالكة للتزود بالسلاح والمقاتلين».

ووفق المصدر ذاته، فإن «قوات الدعم السريع»، وبعد فشل محاولاتها في إسقاط الفاشر، وتكبدها خسائر كبيرة في محاور القتال، لجأت إلى أسلوب ضرب الأهداف العسكرية بتفكيك الخنادق، عبر هجمات برية خاطفة ومحدودة، والتوغل ببطء إلى العمق الاستراتيجي في المدينة. ومن الملاحظ في المواجهات الأخيرة أن «الدعم السريع» تركز على إضعاف البنية التحتية العسكرية للجيش عبر استهدافها بالقصف المدفعي المكثف، والمسيَّرات الاستراتيجية، لاستنزافه واستدراجه إلى معارك خارج المدينة.

 

* صمود الفاشر

 

عزت مصادر محلية تحدثت لـ«الشرق الأوسط» صمود الفاشر طيلة هذه الفترة إلى انخراط أعداد كبيرة من المدنيين في القتال في صفوف الجيش، و«القوة المشتركة» المؤيدة للحركات المسلحة في كل المواقع العسكرية.

وقالت مصادر في «الدعم السريع» إنها تسيطر على أجزاء واسعة من الفاشر، وتحاصرها من الجهات الأربع، مؤكدة أنها تقدمت خلال الأيام الماضية أكثر في المحور الجنوبي، وتمكنت من طرد الجيش من الخنادق، واستولت عليها.

وتوغلت في مناطق السوق الكبيرة، التي لا تبعد كثيراً عن مقر قيادة الجيش في المدينة.

بدوره، قال المتحدث الرسمي باسم «المنسقية العامة للنازحين واللاجئين» في إقليم دارفور، آدم رجآل، إن معركة الفاشر يمكن أن تستمر طويلاً قبل أن يتمكن طرف من القضاء على الآخر. مضيفاً «أن إطالة أمد الحرب أنهك الطرفين، وبالتالي فهما يحتاجان إلى الإمداد المتواصل، كما أن الأوضاع الإنسانية المزرية لها انعكاسات أيضاً على الوضع العسكري والميداني وصمود المدينة».

طفلة سودانية في مخيم أبو النجا (أ.ف.ب)

وأضاف رجآل موضحاً أن العبء الأكبر يقع على آلاف المدنيين المحاصرين في رقعة جغرافية ضيقة، الذين اضطروا إلى حفر ملاجئ تحت الأرض للاحتماء من القصف المدفعي العشوائي لـ«قوات الدعم السريع»، ويكابدون ظروفاً معيشية صعبة للغاية وصلت حد المجاعة. مبرزاً أن مدينة الفاشر «تمثل رمزية تاريخية للجيش السوداني والحركات المسلحة معاً، وبعدما سقطت حاميات الجيش في عواصم ولايات دارفور في نيالا والجنينة وزالنجي والضعين، نقل أعداد كبيرة من قواته إلى شمال دارفور؛ لذلك فهو يستميت في الدفاع عن الفاشر، آخر معاقله في إقليم غرب البلاد.


مقالات ذات صلة

ردود فعل متباينة على دعوة رئيس الوزراء السوداني لحوار شامل

شمال افريقيا جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة السودانية الخرطوم جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

ردود فعل متباينة على دعوة رئيس الوزراء السوداني لحوار شامل

أطلق رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، دعوة لحوار وطني شامل بحلول نهاية مايو (أيار) المقبل، دون «أجندة محددة» وآليات مشتركة للحوار والتشاور

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية p-circle

الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية

صعّد الاتحاد الأوروبي من لهجته تجاه الحرب في السودان ولوح باتخاذ عقوبات جديدة تستهدف اقتصاد الحرب والمستفيدين منها معلناً تمسكه بوحدة السودان ورفضه لأي حكم مواز

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز) p-circle

الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية بولاية النيل الأزرق

أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء، استعادة منطقة «مقجة» الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق (جنوب شرق)، بعد معارك مع «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال استقباله في القاهرة مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية والوفد المرافق له (الخارجية المصرية - فيسبوك)

مصر: نرفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع في السودان

أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، رفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع أو تقويض فرص التسوية السياسية في السودان

شمال افريقيا السيسي خلال لقاء المبعوث الأميركي مسعد بولس في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)

مصر تؤكد عدم التهاون في مصالحها المائية الوجودية

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن بلاده لن تتهاون في مصالحها المائية الوجودية، مستعرضاً مع مسعد بولس، في القاهرة، الاثنين، مستجدات الأوضاع في السودان.

فتحية الدخاخني (القاهرة )

تشريعات أسرية تتصدر أولويات البرلمان المصري

الحكومة المصرية توافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في اجتماعها الأربعاء (الهيئة العامة للاستعلامات)
الحكومة المصرية توافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في اجتماعها الأربعاء (الهيئة العامة للاستعلامات)
TT

تشريعات أسرية تتصدر أولويات البرلمان المصري

الحكومة المصرية توافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في اجتماعها الأربعاء (الهيئة العامة للاستعلامات)
الحكومة المصرية توافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في اجتماعها الأربعاء (الهيئة العامة للاستعلامات)

من المتوقع أن تشهد الساحة التشريعية المصرية زخماً حول ملفات الأسرة في الأسابيع المقبلة، بعدما وافقت الحكومة، الأربعاء، على مشروع قانون للأحوال الشخصية للمسيحيين، تمهيداً لإحالته إلى مجلس النواب، في وقت تقدم نائب بمشروع قانون جديد يُجرّم «زواج القاصرات»، أحاله رئيس البرلمان إلى «لجنة نوعية» لمناقشته.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجه بسرعة إحالة مشروعات قوانين الأسرة للمسيحيين والمسلمين، وصندوق دعم الأسرة إلى البرلمان، وفق بيان للحكومة، أكد أنه «ستتم إحالة مشروعات القوانين الثلاثة تباعاً، بصفة أسبوعية، للبرلمان، بما يسهم في تلبية تطلعات المواطنين، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار الأسري والمجتمعي، ويحفظ حقوق جميع الأطراف».

وسيكون صندوق دعم الأسرة ضمانة لحصول الزوجة على نفقاتها ونفقات الأبناء بعد الطلاق، إذ تُسدد الدولة المستحقات، ثم تقوم بملاحقة الأزواج المتخلفين عنها، حتى تضمن عدم تحميل الأبناء نتيجة النزاعات بين الوالدين، وفق وسائل إعلام محلية.

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر في مصر، وشرعت أحزاب موالية للحكومة في فتح هذا الملف بالفعل، وإجراء حوار مجتمعي حوله.

الأحوال الشخصية للمسيحيين

وبخصوص قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، الذي افتتحت به الحكومة هذا الملف، فتعود المطالبات بتشريعه منذ عقود، إذ تحكم المسيحيين منذ 80 عاماً لائحة لا تلبي احتياجاتهم التشريعية، ما تسبب في تكدس قضايا الطلاق بينهم في المحاكم بنحو 270 ألف قضية، وفق رئيس منظمة الاتحاد المصري لحقوق الإنسان، المستشار نجيب جبرائيل، الذي وصف الخطوة الحكومية الأخيرة بـ«القوية والجريئة».

وأشار جبرائيل، الذي اطَّلع على مشروع القانون، إلى أنه سيُحدث انفراجة كبيرة بين من ينتظرون التشريع الجديد، إذ أتاح للمسيحيين الطلاق للهجر بعد 3 سنوات لمن ليس لديهم أطفال، و5 سنوات لمن لديهم أطفال، وهو ما لم يكن موجوداً من قبل.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن المشروع الجديد استحدث أيضاً مادة تُمكن من الطلاق في حال «استحكام النفور والضرر الجسيم»، كأن يتم تغيير الملة أو في حالة تعرُّض الزوجة للضرر من زوجها كالضرب.

ويتميز مشروع القانون الجديد، وفق وزير العدل المصري المستشار محمود الشريف، بأنه جمع شتات جميع القواعد والأحكام التي تنظم شؤون الأسرة المسيحية في أداة تشريعية واحدة بمرتبة قانون، بعدما كانت مُبعثرة في ست أدوات تشريعية لا ترقى أي منها لتلك المرتبة.

وسبق إعداد مشروع القانون الجديد حوار مجتمعي، وجاء نابعاً من توافق تام بين جميع الطوائف المسيحية في مصر على كل ما تضمنه من أحكام، وفق بيان الحكومة.

وأشادت البرلمانية مها عبد الناصر بالاهتمام الحكومي بقضايا الأسرة، متمنية أن يحظى الأمر باهتمام مماثل من السلطة التشريعية، يُمكّن من صدور قوانين عدة خاصة بالأسرة، من شأنها أن تنعكس إيجابياً على حال المجتمع كله، واستطردت: «إحالة مشروع قانون لا يعني حتمية صدوره، فخلال الدورات التشريعية السابقة حُفظت مشاريع قوانين شبيهة في الأدراج».

وتابعت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «في ظل زخم الحديث عن قوانين الأحوال الشخصية الحالي، أتوقع أن تشهد تعاملاً مختلفاً ويتم إنجازها حتى تخرج للنور»، وأعربت عن أملها في أن تأتي هذه القوانين متوازنة.

مشروع قانون ينظم الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر (المركز الإعلامي للكنيسة الأرثوذكسية)

ويرى المحامي الحقوقي سامح سمير أن القوانين التي تتعلق بالمرأة عموماً تشهد حراكاً مستمراً منذ سنوات، لافتاً إلى أن استكمال ذلك بقوانين الأحوال الشخصية فعل محمود، خصوصاً مع المطالبة به لسنوات.

وينص الدستور المصري في المادة الثالثة على أن مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين هي المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية.

وقال سمير لـ«الشرق الأوسط» إنه قرأ اعتراضات لأصدقاء ونشطاء مسيحيين على بعض ما جاء في مشروع القانون، مطالبين بقانون مدني بعيد عن الكنيسة، مضيفاً: «حتى لو لم يخرج مُرضياً لجميع الأطراف، فهو توجُّه تأخر كثيراً».

زواج القاصرات

في غضون ذلك، تقدم النائب أحمد البرلسي بمشروع قانون لمجلس النواب، الأربعاء، خاص بتغليظ عقوبة زواج القاصرات، ويستهدف سد ثغرات القانون الحالي، بتجريم كل أشكال تزويج الأطفال، سواء تم بعقود رسمية أو عرفية، مع توسيع نطاق المسؤولية الجنائية لتشمل كل من شارك في إتمام الزواج أو ساعد عليه، بمن في ذلك أولياء الأمور والموثّقون.

ويحدد القانون المصري سن الزواج عند 18 عاماً، ويعاقب بالحبس مدة قد تصل إلى عامين لمن أدلى ببيانات غير صحيحة أمام المأذون أو زوَّر في البيانات لتوثيق عقد الزواج.

وعادة ما يجري تزويج الفتيات عرفياً في القرى المصرية دون السن القانونية، ثم يتم توثيق العقود رسمياً بعد بلوغ السن.

وعرّف القانون الزواج بأنه «كل عقد أو وثيقة تفيد الارتباط بين ذكر وأنثى، سواء تم بمعرفة مأذون شرعي أو محامٍ أو موثّق»، وعدّ كل من شارك في إجراءات زواج قاصر أو تحرير وثيقة رسمية أو عرفية تثبته، بما يشمل أولياء الأمور أو من لهم سلطة على القاصر، مرتكباً لجريمة زواج طفل.

وفيما يتعلق بالعقوبات، نص المشروع على الحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة تتراوح بين 20 ألف و100 ألف جنيه (الدولار نحو 52 جنيهاً تقريباً)، أو إحدى العقوبتين، لكل من يشارك في تزويج طفل، مع تشديد العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤقتة حال استخدام الإكراه أو التهديد أو تقديم مقابل مادي لإتمام الزواج.


الحكومة المصرية لتشجيع الصناعة المحلية رداً على «انتقادات»

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)
TT

الحكومة المصرية لتشجيع الصناعة المحلية رداً على «انتقادات»

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)

افتتح رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الخميس، 9 مشروعات صناعية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بإجمالي استثمارات نحو 182.5 مليون دولار، عملاً على تشجيع الصناعات المحلية مع توفير بيئة محفزة للاستثمار، وذلك رداً على انتقادات وجهت لها سابقاً بشأن توقف مصانع عن العمل وعدم التركيز على الإنتاج المحلي.

وقال مدبولي إن «حكومته تكثف جهودها لتشجيع الصناعة المحلية، وتوطين مختلف الصناعات الحيوية والإنتاجية بالشراكة مع القطاع الخاص»، وأشار إلى أنها «تسعى بكل الجهود الممكنة لزيادة الاستثمارات المحلية وجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية والعربية لضخها في قطاع الصناعة».

وأضاف أن «حكومته اتخذت إجراءات لتوفير بيئة محفزة لجذب المستثمرين المحليين والأجانب، وإقامة مصانع جديدة في مختلف المناطق الصناعية بالدولة»، لافتاً إلى أن «حكومته تعمل على احتواء الضغوط التي تواجهها الصناعات بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، في ظل التحديات التي تشهدها السوق العالمية».

وتحدث رئيس الوزراء المصري عن انتقادات وجهت لحكومته أخيراً على منصات التواصل الاجتماعي بسبب «توقف مصانع عن العمل والإنتاج»، وقال في مؤتمر صحافي على هامش جولته في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إن ما يجري تداوله «لا أساس له من الصحة»، مشيراً إلى أن «المصانع تعمل بكامل طاقتها الإنتاجية دون توقف».

وكثيراً ما توجَّه انتقادات للحكومة تستحثها على ضرورة التركيز على الصناعة والزراعة بدلاً من الاهتمام بالطرق، وذلك لدعم الإنتاج المحلي وتقليل فاتورة الاستيراد بالعملة الصعبة من الخارج.

وتتخذ الحكومة إجراءات عدة لاحتواء تأثيرات الحرب الإيرانية الاقتصادية، وأعلنت عن قرارات استثنائية، تضمنت رفع أسعار المحروقات بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، كما أعلنت عن إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، من بينها إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي داخل أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)

وشدد مدبولي، الخميس، على أن «أسعار الوقود والطاقة لن تعود سريعاً إلى مستويات ما قبل الحرب على إيران»، مضيفاً أنه «حال انتهاء الصراع خلال الفترة الحالية، فهذا لا يعني تراجعاً في أسعار النفط والغاز، ذلك لأن الأضرار التي لحقت بالبنية الأساسية للطاقة في دول الخليج وإيران ستحتاج إلى وقت قبل عودة الأسواق إلى الاستقرار الكامل».

ويرى رئيس الوزراء المصري أن الطاقة ستحتاج إلى فترة زمنية حتى تستعيد توازنها الطبيعي، مؤكداً أن بلاده لديها سيناريوهات للتعامل مع تداعيات التصعيد العسكري بالمنطقة.

وبحسب الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة، فإن هناك مؤشرات تعكس تحسن مستوى التصنيع المحلي في مصر، وقال إن الحكومة مهتمة بتوطين عدد من الصناعات بما يقلل من أعباء الاستيراد من الخارج بالعملة الصعبة، مع توفير منتجات منافسة تساهم في خفض الأسعار.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «دعم الصناعة المحلية يحقق مكاسب عدة من بينها توفير فرص عمل وزيادة معدلات التشغيل، مع فتح أسواق تصديرية للخارج».

رئيس الوزراء المصري مصطفلا مدبولي أكد أن حكومته تعمل على جذب استثمارات صناعية تُسهم في زيادة الإنتاج المحلي (مجلس الوزراء)

وزادت نسبة الصادرات بالنسبة إلى الناتج المحلي في مصر بنسبة 11.8 في المائة في العام الماضي، وفق وزير الاستثمار المصري محمد فريد الذي قال في كلمته بمجلس النواب، الأربعاء، إن معدل نمو القطاع الصناعي وصل إلى 14 في المائة في عام 2025.

ويرى بدرة أن «التحديات الإقليمية تُصعب من أي فرص جذب للاستثمارات الداخلية والخارجية في هذا التوقيت»، وأشار إلى أن هناك ضغوطاً اقتصادية على منظومة الإنتاج لدى غالبية الدول حالياً.

وأضاف: «الانتقادات الموجهة للحكومة بشأن إهمال التصنيع المحلي سوف تستمر في ظل الأعباء الاقتصادية العالمية القائمة».

من جهته، قال مدبولي، الخميس، إن حكومته «تعمل على جذب استثمارات صناعية تُسهم في زيادة الإنتاج المحلي وتعزز تنافسية الصادرات المصرية في الأسواق العالمية»، مشيراً إلى «التركيز على تعميق القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني».


بدء «التوقيت الصيفي» بمصر... هل تتغير مواعيد «غلق المحال»؟

إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)
إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)
TT

بدء «التوقيت الصيفي» بمصر... هل تتغير مواعيد «غلق المحال»؟

إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)
إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)

أثار «التوقيت الصيفي» في مصر، ويبدأ عند منتصف ليل الخميس، تساؤلات بشأن مواعيد «غلق المحال» التجارية التي تم إقرارها سابقاً ضمن إجراءات استثنائية اتخذتها الحكومة لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية.

ويكون تطبيق «التوقيت الصيفي» بتقديم الساعة 60 دقيقة. وعن موقف مواعيد غلق المحال مع التوقيت الجديد، قال رئيس الوزراء، الخميس، إن «لجنة إدارة الأزمات ستعقد اجتماعاً قريباً لتحديد القرار».

وكانت الحكومة المصرية قد قررت تطبيق «إجراءات استثنائية» لمدة شهر بدءاً من 28 مارس (آذار) الماضي، بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، من بينها إغلاق المحال والمقاهي الساعة 9 مساء - تم تمديدها لاحقاً إلى الساعة 11 يومياً - وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقار المصالح الحكومية، إلى جانب العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع.

وشهدت الأسابيع الماضية مطالبات برلمانية بإلغاء «التوقيت الصيفي»، وانتقد وكيل «لجنة القوى العاملة» بمجلس النواب إيهاب منصور تطبيقه وجدواه، وتقدم بسؤال برلماني للحكومة، الخميس، مطالباً بالكشف عن البيانات الرسمية حول حجم توفير استهلاك الطاقة عند تطبيق «التوقيت الصيفي».

في حين طالب الإعلامي المصري أحمد موسى بإعادة النظر في مواعيد غلق المحال التجارية خلال فصل الصيف، ودعا خلال برنامجه التلفزيوني، مساء الأربعاء، إلى تمديد مواعيد إغلاق المحال من 11 مساء إلى الواحدة صباحاً مع بدء التوقيت الصيفي، بما يتناسب مع طبيعة الموسم السياحي والحركة التجارية.

مدى توفير الطاقة

الخبير الاقتصادي المصري أحمد حنفي يرى أن «التوقيت الصيفي» يساهم في توفير استهلاك الطاقة بنسبة صغيرة ليس لها تأثير. وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه مع بدء التوقيت الصيفي وتقاطعه مع إجراءات الترشيد الحكومية يجب تعديل مواعيد غلق المحال حتى 12 مساءً؛ لأن التوقيت الجديد «يخصم ساعة يومياً من فترة عمل هذه المحال، ولا يتناسب مع طبيعة الأنشطة المختلفة والحركة التجارية خلال الصيف».

محال تجارية تنتظر القرار الحكومي الجديد بشأن المواعيد بعد تطبيق «التوقيت الصيفي» (وزارة التموين)

وخلال كلمته أمام مجلس النواب، الثلاثاء الماضي، تحدث مدبولي عن خطة «التقشف الحكومي» لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية، مؤكداً أن «ترشيد الطاقة خلال الفترة الماضية خيار، لكن كان ضرورة فرضتها علينا معطيات الأزمة».

وأضاف: «خطة ترشيد الاستهلاك لا تزال تحت التقييم لدراسة حجم الوفر الذي حققته، وإن كانت المؤشرات الأولية لها تشير إلى تحقيق وفر خلال الأسبوع الأول بلغ 18 ألف ميغاوات / ساعة، وتحقيق وفر في الوقود بلغ 3.5 مليون متر مكعب، ووفر في يوم العمل عن بُعد بلغ 4700 ميغاوات / ساعة، و980 ألف متر مكعب وفراً في الوقود».

وأضاف أن «انتهاء أزمة الحرب - حتى وإن تحقق من الناحية الشكلية - لا يعني بالضرورة زوال آثارها، التي من المرجح أن تستمر تداعياتها الاقتصادية لفترة تمتد على الأقل حتى نهاية العام الجاري».

ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)

ويرجح حنفي «استمرار الحكومة في تطبيق إجراءات الترشيد، وتمديد قرار الإغلاق المبكر للمحال لفترة أخرى كونه نوعاً من التحوط الاقتصادي».

وتثير خطة «التقشف الحكومي» والإغلاق المبكر جدلاً واسعاً في مصر منذ بدء تطبيقها.

وقال الخبير الاقتصادي المصري وائل النحاس لـ«الشرق الأوسط» إن تداعيات الحرب الإيرانية وأزمة الطاقة «تتطلب استمرار خطة التقشف والترشيد، لأن القادم أصعب»، وفق رأيه، مؤكداً أن «الأزمة تستدعي إجراءات أكثر حدة؛ لأن العالم مقبل على أزمة طاقة كبيرة، وتأثر في سلاسل الإمدادات خاصة للمواد الغذائية».

ويرى النحاس أنه «لا يوجد معنى الآن للحديث عن تأثر المحال بالإغلاق المبكر ساعة أو ساعتين، بسبب تصاعد تداعيات الأزمة»، لكنه أشار إلى أن «الحكومة المصرية ملتزمة بخطة الترشيد والحد من نفقاتها غير الضرورية».