معركة الفاشر «حرب استنزاف» طويلة المدى... ودون حسم

الجيش السوداني يصد أكثر من 200 هجوم على المدينة قتل فيها الآلاف

سودانيون أرغمتهم ظروف الحرب على اللجوء إلى مخيم أبو النجا شرق غضارف (أ.ف.ب)
سودانيون أرغمتهم ظروف الحرب على اللجوء إلى مخيم أبو النجا شرق غضارف (أ.ف.ب)
TT

معركة الفاشر «حرب استنزاف» طويلة المدى... ودون حسم

سودانيون أرغمتهم ظروف الحرب على اللجوء إلى مخيم أبو النجا شرق غضارف (أ.ف.ب)
سودانيون أرغمتهم ظروف الحرب على اللجوء إلى مخيم أبو النجا شرق غضارف (أ.ف.ب)

تستمر معركة الفاشر في إقليم دارفور غرب السودان منذ شهور طويلة، دون حسم لصالح الجيش السوداني أو لـ«قوات الدعم السريع»، في حين تحوّلت المواجهات «حرب استنزاف» طويلة المدى، ومع تصاعد غير مسبوق في الهجمات بوتيرة متسارعة في الآونة الأخيرة، لا تزال قوات الجيش والقوة المساندة لها تقاتل بضراوة للدفاع عنها ومنع سقوطها، وتشن هجمات مضادة على أطرافها المحاصرة.

 

حرب استنزاف

 

صدّ الجيش السوداني 222 هجوماً على الفاشر، تخللتها اشتباكات عنيفة قُتل فيها الآلاف من طرفي القتال والمدنيين، وهو ما وصفه الخبير العسكري، اللواء معتصم عبد القادر الحسن، بـ«حرب استنزاف» يسعى من خلالها الجيش السوداني، الذي عُرف بعقيدة دفاعية، للحفاظ على المدينة، وفي الوقت نفسه إنزال أكبر قدر من الخسائر في صفوف «قوات الدعم السريع». مشيراً إلى أن الجيش السوداني استخدم هذه الاستراتيجية في استعادة مقر قيادته العامة وسط العاصمة الخرطوم، بعد 21 شهراً من الحصار الخانق، كما صدّت قواته عشرات الهجمات على سلاحي المدرعات والمهندسين في الخرطوم.

جنود سودانيون خلال وصولهم إلى سوق اللفاح في منطقة تمت استعادتها من «قوات الدعم السريع» جنوب الخرطوم (أ.ب)

وقال عبد القادر لـ«الشرق الأوسط» إن حرب الفاشر «معركة مصيرية لـ(قوات الدعم السريع)، بعد الهزائم المتلاحقة التي تلقتها على أيدي الجيش، وخسارتها الخرطوم ووسط البلاد، وإجبارها على الانسحاب إلى إقليم كردفان، وهي تسعى لإسقاط المدينة لإطباق السيطرة التامة على إقليم دارفور؛ بهدف زيادة الضغط على الحكومة السودانية، ودفعها إلى التفاوض وتقاسم السلطة، وحال فشل ذلك ستتجه إلى إعلان حكومة منفردة في دارفور، بمشاركة من حلفائها في تحالف تأسيس».

وأوضح عبد القادر أن عناصر الجيش السوداني يتلقون تدريبات عسكرية عالية على الدفاع والهجوم، والانسحاب المنظم، بالإضافة إلى تقنيات قتالية متقدمة في الحفاظ على مواقعها، بعكس «ميليشيا الدعم السريع»، التي تعتمد على أسلوب أقرب إلى «حرب العصابات والمدن»، وذلك بتنفيذ هجوم سريع وخاطف، يسمونه «كثافة النيران»، لكنها تفتقر للخطط الدفاعية في الحفاظ على الرقعة الجغرافية التي تسيطر عليها.

واستبعد عبد القادر، وهو مستشار يعمل حالياً في الأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية، قدرة «قوات الدعم السريع» على إسقاط الفاشر؛ وذلك بسبب تراجع قوتها الهجومية، وخسارة أعداد كبيرة من قواتها الصلبة المقاتلة في المعارك، التي تدور راهناً في كردفان، ومقتل معظم قياداتها العسكرية في غارات بمسيَّرات، من خلال عمليات استخباراتية دقيقة حصل عليها الجيش السوداني بفضل اختراقه صفوف الميليشيا.

وأضاف الخبير العسكري والأمني موضحاً أن سقوط الفاشر «مسألة حساسة بالنسبة للحركات المسلحة في دارفور، التي تقاتل إلى جانب الجيش السوداني، وقد يعقد مشاركتها في الحكومة المركزية؛ لذلك تحشد قواتها وتشارك في العمليات العسكرية لاستعادة المدينة». مبرزاً أن الجيش وضع خطة استراتيجية كبرى لفك الحصار عن مدينة الفاشر عبر ثلاثة مسارات: تقدم بري من القوات المحاصرة داخل المدينة، ومن اتجاه كردفان المجاور لإقليم دارفور، والمحور الأخير للقوات المتحركة من حدود الولاية الشمالية إلى المناطق المتاخمة في مليط والمالحة صوب الفاشر، ورأى أن محاولات «الدعم السريع» للاستيلاء على المدينة «بعيدة المنال».

 

* محاولات التوغل إلى الفاشر

 

كثفت «قوات الدعم السريع» خلال الأيام الماضية محاولاتها للتوغل إلى مدينة الفاشر عبر المحور الجنوبي، في مسعى للوصول إلى مركز المدينة الاستراتيجية، لكنها لم تنجح بعدُ في اختراق الدفاعات المتقدمة للجيش في تلك المناطق التي يسطر عليها.

سودانيون فارون من ويلات الحرب خلال عبورهم الحدود الفاصلة بين بلدهم وتشاد (رويترز)

وأفادت مصادر عسكرية ومدنية في الفاشر لـ«الشرق الأوسط» بأن خرائط السيطرة لم تشهد أي تغيرات كبرى في الأشهر الماضية. لكنها أوضحت أن «قوات الدعم السريع» باتت تركز هجماتها في نطاق الأحياء الجنوبية، التي تضم مقر (الفرقة السادسة) للجيش، وهو النمط ذاته الذي اتبعته سابقاً في إسقاط أربع فرق للجيش في ولايات بدارفور، وهو ما مكّنها من الاستيلاء عليها. مبرزة أن القوات المهاجمة لم تستطع التوغل إلى قلب المدينة، وأجرت تموضعاً جديداً على أطرافها. غير أن تسجيلات مصورة تظهر تقدماً كبيراً لـ«قوات الدعم السريع»، وتوغلاً داخل مناطق سكنية لا تبعد كثيراً عن القيادة العسكرية للجيش في المدينة، المسماة «الفرقة السادسة مشاة».

وقال ضابط «متقاعد»، برتبة رفيعة في الجيش، إن الوضع في الفاشر «يبدو معقداً، فالجيش يراهن على كسب أكبر وقت ممكن، وإطالة أمد المعركة إلى أن ينجح في تحقيق انتصار عسكري حاسم على (الدعم السريع) في كردفان، ليتقدم بعدها لكسر الحصار على المدينة».

وأضاف الضابط، الذي طلب حجب هويته، قائلاً: «بلا شك الحصار الطويل ينهك القوات في الفاشر، وقد تكون في حاجة إلى تأمين إمداد عسكري عاجل بالأسلحة والذخائر، وإسناد الطيران الحربي في شن غارات لوقف زحف (قوات الدعم السريع) على المدينة. وكل يوم يمر في ظل الحصار واستمرار العمليات العسكرية، يشكل استنزافاً للجيش في معركة طويلة ومكلفة عسكرياً، بلا مصدر تشوين بالذخائر والمؤن، بعد توقف الإمداد عبر الإسقاط الجوي، في مواجهة عدو كل الطرق أمامه سالكة للتزود بالسلاح والمقاتلين».

ووفق المصدر ذاته، فإن «قوات الدعم السريع»، وبعد فشل محاولاتها في إسقاط الفاشر، وتكبدها خسائر كبيرة في محاور القتال، لجأت إلى أسلوب ضرب الأهداف العسكرية بتفكيك الخنادق، عبر هجمات برية خاطفة ومحدودة، والتوغل ببطء إلى العمق الاستراتيجي في المدينة. ومن الملاحظ في المواجهات الأخيرة أن «الدعم السريع» تركز على إضعاف البنية التحتية العسكرية للجيش عبر استهدافها بالقصف المدفعي المكثف، والمسيَّرات الاستراتيجية، لاستنزافه واستدراجه إلى معارك خارج المدينة.

 

* صمود الفاشر

 

عزت مصادر محلية تحدثت لـ«الشرق الأوسط» صمود الفاشر طيلة هذه الفترة إلى انخراط أعداد كبيرة من المدنيين في القتال في صفوف الجيش، و«القوة المشتركة» المؤيدة للحركات المسلحة في كل المواقع العسكرية.

وقالت مصادر في «الدعم السريع» إنها تسيطر على أجزاء واسعة من الفاشر، وتحاصرها من الجهات الأربع، مؤكدة أنها تقدمت خلال الأيام الماضية أكثر في المحور الجنوبي، وتمكنت من طرد الجيش من الخنادق، واستولت عليها.

وتوغلت في مناطق السوق الكبيرة، التي لا تبعد كثيراً عن مقر قيادة الجيش في المدينة.

بدوره، قال المتحدث الرسمي باسم «المنسقية العامة للنازحين واللاجئين» في إقليم دارفور، آدم رجآل، إن معركة الفاشر يمكن أن تستمر طويلاً قبل أن يتمكن طرف من القضاء على الآخر. مضيفاً «أن إطالة أمد الحرب أنهك الطرفين، وبالتالي فهما يحتاجان إلى الإمداد المتواصل، كما أن الأوضاع الإنسانية المزرية لها انعكاسات أيضاً على الوضع العسكري والميداني وصمود المدينة».

طفلة سودانية في مخيم أبو النجا (أ.ف.ب)

وأضاف رجآل موضحاً أن العبء الأكبر يقع على آلاف المدنيين المحاصرين في رقعة جغرافية ضيقة، الذين اضطروا إلى حفر ملاجئ تحت الأرض للاحتماء من القصف المدفعي العشوائي لـ«قوات الدعم السريع»، ويكابدون ظروفاً معيشية صعبة للغاية وصلت حد المجاعة. مبرزاً أن مدينة الفاشر «تمثل رمزية تاريخية للجيش السوداني والحركات المسلحة معاً، وبعدما سقطت حاميات الجيش في عواصم ولايات دارفور في نيالا والجنينة وزالنجي والضعين، نقل أعداد كبيرة من قواته إلى شمال دارفور؛ لذلك فهو يستميت في الدفاع عن الفاشر، آخر معاقله في إقليم غرب البلاد.


مقالات ذات صلة

مصر تطالب بهدنة في السودان خلال اجتماع «الآلية التشاورية»

شمال افريقيا مشاركة دولية واسعة في الاجتماع الخامس لـ«آلية التشاور» بشأن الأزمة السودانية بالقاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)

مصر تطالب بهدنة في السودان خلال اجتماع «الآلية التشاورية»

أكدت مصر حرصها على استمرار العمل في إطار «الرباعية الدولية» (تضم السعودية، ومصر، والولايات المتحدة والإمارات) للتوصل إلى هدنة إنسانية شاملة في السودان.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا نازحون من الفاشر في مخيم طويلة بشمال دارفور يوم 17 ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)

حاكم إقليم دارفور: قواتنا حققت انتصارات في المحور الغربي بالإقليم

قال حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي إن «المقاومة الشعبية حققت انتصارات عظيمة في المحور الغربي بولاية شمال دارفور» ضد «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
المشرق العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية (الصفحة الرسمية للمتحدث باسم رئاسة الجمهورية)

السيسي: الأمن المائي المصري قضية وجودية وأولوية قصوى

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي رفض مصر القاطع لأي محاولات للنيل من أمن السودان واستقراره، وأنها لن تسمح بذلك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه المبعوث الأممي للسودان رمطان لعمامرة (الخارجية المصرية)

اجتماع دولي بالقاهرة لتنسيق جهود السلام في السودان

تستضيف القاهرة الأربعاء الاجتماع الخامس للآلية التشاورية لتعزيز وتنسيق جهود السلام في السودان ودفع مسارات وقف الحرب الداخلية الدائرة منذ أكثر من عامين ونصف عام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري مقاتلة باكستانية من طراز «جيه. إف 17 ثاندر» في استعراض خلال إحدى المناسبات الباكستانية (رويترز)

تحليل إخباري هل تتحول الحرب في السودان إلى سباق تسلح نوعي؟

أجمع خبراء عسكريون أن الحرب في السودان تقف أمام مرحلة تحول يمكن وصفها بـ«سباق تسلح نوعي»

محمد أمين ياسين (نيروبي)

إنقاذ طاقم سفينة جنحت قرب مجرى قناة السويس

أسامة ربيع أكد الأربعاء جاهزية هيئة قناة السويس للتعامل باحترافية مع حالات الطوارئ المحتملة (الهيئة)
أسامة ربيع أكد الأربعاء جاهزية هيئة قناة السويس للتعامل باحترافية مع حالات الطوارئ المحتملة (الهيئة)
TT

إنقاذ طاقم سفينة جنحت قرب مجرى قناة السويس

أسامة ربيع أكد الأربعاء جاهزية هيئة قناة السويس للتعامل باحترافية مع حالات الطوارئ المحتملة (الهيئة)
أسامة ربيع أكد الأربعاء جاهزية هيئة قناة السويس للتعامل باحترافية مع حالات الطوارئ المحتملة (الهيئة)

قالت هيئة قناة السويس المصرية، الأربعاء، إن وحدات الإنقاذ التابعة لها، نجحت في إنقاذ جميع أفراد طاقم سفينة البضائع «FENER»، والاستجابة الفورية لطلب استغاثة ربان السفينة، بعد جنوح السفينة واتجاهها نحو الغرق خلال وجودها خارج المجرى الملاحي للقناة بمنطقة الانتظار الغربية شمال مدينة بورسعيد، على مسافة 5 أميال غرب المدخل الشمالي لقناة السويس بالبحر المتوسط.

وبحسب «الهيئة» يبلغ طول السفينة 122 متراً وغاطسها 3.5 متر بحمولة 4 آلاف طن قادمة من تركيا.

وجاء الحادث في وقت تواصل هيئة قناة السويس جهودها لإقناع السفن بالعودة إلى استخدام الممر الملاحي بعد تأثره بالأوضاع الإقليمية. وشهدت حركة الملاحة بالقناة، الثلاثاء، «عبور 35 سفينة من الاتجاهين بإجمالي حمولات صافية قدرها 1.6 مليون طن»، وفق «الهيئة».

وأكد رئيس هيئة قناة السويس، الفريق أسامة ربيع، الأربعاء، أنه فور تلقي مكتب تحركات ميناء بورسعيد ومركز مراقبة الملاحة الرئيسي البلاغ من ربان السفينة، مساء الثلاثاء، تم تجهيز قاطرتين والدفع بثلاث قطع بحرية من طراز بحّار للقيام بإخلاء جميع أفراد طاقم السفينة وعددهم 12 فرداً، وتأمين السفينة خلال عملية إنقاذ الطاقم، لافتاً إلى أن «جميع أفراد الطاقم بحالة صحية جيدة، وتم توفير خدمات الرعاية الصحية اللازمة لأحد أفراد الطاقم المصاب بخلع في الكتف».

وفرت إدارة الخدمات بهيئة قناة السويس خدمات الإسعاف (الهيئة)

وقال مستشار النقل البحري وخبير اقتصاديات النقل بمصر، الدكتور أحمد الشامي، إن «ما حدث للسفينة عطل، تعاملت معه هيئة قناة السويس كإجراء طبيعي رغم أنه خارج المجرى الملاحي، لكنه دور من أدوار (الهيئة) من أجل أمان الملاحة في القناة». وتحدث عن «التعامل السريع من (الهيئة) التي تمتلك إدارات متعددة مع بلاغ قبطان السفينة».

وأكد الشامي لـ«الشرق الأوسط» أن «المجرى الملاحي لقناة السويس لم يتأثر»، كما أشار إلى أنه «حتى لو حدث أي عطل في المجرى، فـ(الهيئة) تستطيع التعامل الفوري معه بسبب ميزة ازدواجية القناة».

ولفت ربيع في إفادة، الأربعاء، إلى أنه «تم التعامل السريع مع متطلبات موقف السفينة الطارئ، حيث تولت إدارة التحركات بالهيئة الدفع الفوري بالوحدات البحرية اللازمة للتوجه لإخلاء الطاقم، فيما قامت إدارة الخدمات بالهيئة بتوفير خدمات الإسعاف، فضلاً عن تولي أقسام الأمن والعلاقات العامة القيام بالتنسيق مع الجهات المعنية وتوفير الخدمات اللوجيستية، ثم نقل الطاقم بناءً على طلبهم للإقامة بأحد الفنادق».

وأشار إلى أن «لجنة إدارة الأزمات بالهيئة» تتابع على مدار الساعة تطورات الموقف الطارئ ورفع درجة الجاهزية لاتخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل مع السفينة، موضحاً أن «قناة السويس استحدثت مجموعة من الخدمات الملاحية واللوجيستية الجديدة لملاءمة احتياجات العملاء في الظروف الاعتيادية والطارئة، وأبرزها خدمات الإسعاف البحري وتبديل الأطقم البحرية».

هيئة قناة السويس أكدت أن جميع أفراد طاقم السفينة بحالة صحية جيدة (الهيئة)

كما أكد ربيع «جاهزية هيئة قناة السويس للتعامل باحترافية مع حالات الطوارئ المحتملة، من خلال منظومة متكاملة تضم كفاءات ملاحية وخبرات متراكمة في أعمال الإنقاذ البحري ووحدات بحرية متخصصة في أعمال الإنقاذ البحري والتأمين الملاحي ومكافحة التلوث».

وحول احتمالية غرق السفينة، يرى الشامي أن «ذلك يتوقف على حالة السفينة»، لكنه استبعد حصول ذلك، موضحاً أن «قبطان السفينة عندما شعر بالأزمة تحرك إلى منطقة الانتظار لشحط السفينة». ويفسر الشامي بأن «منطقة الشحط تعني أن أعماقها ضعيفة، لذا لن تنحدر السفينة لأعماق كبيرة، ويسهل التعامل معها»، مضيفاً: «واضح أن القبطان يعرف حجم المشكلة قبل حدوثها فتوجه لمنطقة الشحط».

وأفاد رئيس هيئة قناة السويس، الثلاثاء، بأن «السفينة كانت قادمة من تركيا لتحميل شحنة من الملح بميناء شرق بورسعيد، وبعد مغادرة السفينة للميناء ونتيجة لسوء الأحوال الجوية، طلب ربان السفينة الانتظار في منطقة المخطاف ببورسعيد لحين تحسن الأحوال الجوية». لكنه أضاف أن «فريق الإنقاذ البحري التابع للهيئة تلقى إخطاراً من السفينة بوجود فتحة بأحد العنابر، أسفرت عن دخول المياه لبدن السفينة، وكإجراء احترازي قام ربان السفينة بالتحرك جنوب منطقة الانتظار لشحط السفينة، خوفاً من غرقها، وذلك قبل وصول فريق الإنقاذ البحري».


«تصنيف ترمب» يضاعف الضغوط على «إخوان مصر»

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
TT

«تصنيف ترمب» يضاعف الضغوط على «إخوان مصر»

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

صنّفت واشنطن، جماعة الإخوان المسلمين بمصر رفقة فرعيها في الأردن ولبنان، باعتبارها «منظمات إرهابية»، بعد أكثر من 12 عاماً من حظرها في مصر، عقب سقوط حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي المنتمي إلى الجماعة.

ويرى خبراء أن هذا التصنيف يضاعف الضغوط على الجماعة، ويحرمها من الروافد المالية والغطاء القانوني، ويزيد من قرارات تجفيف التمويل والملاحقة، و«يغلق تماماً باب المصالحة»، بين الحكومة والجماعة، الذي يثار منذ سنوات.

تصنيف أميركي

وأعلنت وزارتا الخزانة والخارجية الأميركيتان، الثلاثاء، عن هذه الإجراءات ضد فروع جماعة «الإخوان المسلمين» في لبنان والأردن ومصر، وقالتا إنها تشكل خطراً على الولايات المتحدة ومصالحها.

والخطوة الأميركية بدأت منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي حين أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأميركي بدأ دراسة إجراءات تصنيف بعض فروع الإخوان «منظمات إرهابية أجنبية».

وتصنّف السلطات المصرية «الإخوان» بوصفها «جماعة إرهابية» منذ عام 2013؛ في عودة لعقود من تلك المواجهات، ويقبع معظم قيادات الإخوان، وفي مقدمهم المرشد العام محمد بديع، داخل السجون المصرية في قضايا عنف وقتل وقعت بمصر بعد رحيل الجماعة عن السلطة في العام نفسه. وهناك آخرون من أعضاء الجماعة هاربون في الخارج ومطلوبون للقضاء المصري، ويديرون حالياً التنظيم وسط انقسامات حادة.

ويرى خبير الأمن الإقليمي، اللواء محمد عبد الواحد، أن مصر كانت سبّاقة في تصنيف الجماعة بالإرهاب منذ سنوات، إلا أن قرار ترمب «ينهي فكرة المظلومية التي ترددها الجماعة، ويشجع القاهرة على مطالبة واشنطن بالضغط وتوسيع حظر الجماعة في بلدان أخرى، وتشديد إجراءات تجفيف التمويل والملاحقة في مصر»، مشيراً إلى «خطوات جريئة» اتخذتها مصر، وخصوصاً قانون مكافحة الإرهاب، لعبت دوراً حاسماً في مواجهة الجماعة.

ووفق المحلل في شؤون الجماعات المتشددة، ماهر فرغلي، فإن قرار ترمب يحمل صدى كبيراً لما أقدمت عليه مصر منذ سنوات بحظر الجماعة ونعتها بـ«الإرهابية»، ويؤكد القرار نجاح الرؤية المصرية ومسارها تجاه تلك الجماعة، بما يعزز من خطوات الملاحقة وتجفيف التمويل بصورة أكبر وهذه المرة بدعم أميركي، وينهي باب المصالحة مطلقاً مع التنظيم.

ورحبت القاهرة بإعلان إدارة ترمب تصنيف جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر «كياناً إرهابياً عالمياً»، وعَدّت القرار «خطوة فارقة تعكس خطورة الجماعة وآيديولوجيتها المتطرفة، وما تمثله من تهديد مباشر للأمن والاستقرار الإقليميين والدوليين».

وقالت وزارة الخارجية المصرية في بيان، الثلاثاء، إن «القاهرة تُثمّن الجهود التي تبذلها الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس دونالد ترمب في مكافحة الإرهاب الدولي والتصدي للتنظيمات الإرهابية، بما يتوافق مع الموقف المصري الثابت تجاه (جماعة الإخوان)».

في المقابل، رفضت الجماعة في بيان، الثلاثاء، التصنيف الأميركي وقالت إنها ستطعن عليه.

ورأى اللواء محمد عبد الواحد أن «الجماعة تتلاشى فوق السياسة الأميركية التي ارتأت الآن أن تساند دولاً بالمنطقة، ولكن قد تتغير تلك السياسات لاحقاً، خاصة أن واشنطن تستخدم تلك الجماعات باعتبارها أداة لتخريب المنطقة»، بحسب رأيه.

ويعتقد فرغلي، من جهته، أن الجماعة «ستزداد كموناً ولن تحرّك أي خطط فوضى ضد مصر، خشية الملاحقات المنتظرة التي تلاقي هذه المرة شرعية دولية أكبر»، مشيراً إلى أن تحركات الجماعة للطعن لن تغيّر من واقع الأمر شيئاً «فهي محظورة بمصر ومنبوذة أميركياً».


كيف استقبل الليبيون تكليف الصلابي مستشاراً للمصالحة الوطنية؟

المنفي لحظة توقيع ميثاق المصالحة الوطنية الأسبوع الماضي (مكتب المنفي)
المنفي لحظة توقيع ميثاق المصالحة الوطنية الأسبوع الماضي (مكتب المنفي)
TT

كيف استقبل الليبيون تكليف الصلابي مستشاراً للمصالحة الوطنية؟

المنفي لحظة توقيع ميثاق المصالحة الوطنية الأسبوع الماضي (مكتب المنفي)
المنفي لحظة توقيع ميثاق المصالحة الوطنية الأسبوع الماضي (مكتب المنفي)

أثار قرار رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي تكليف الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين علي الصلابي، مستشاراً لشؤون المصالحة الوطنية، موجة جدل واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية الليبية، عكست عمق الانقسام القائم حول مسار المصالحة وشخصياتها، في بلد يعاني انسداداً سياسياً مزمناً.

وجاء الجدل في ضوء خلفية الصلابي الفكرية والسياسية؛ إذ يُعد من الشخصيات المحسوبة على تيار جماعة «الإخوان المسلمين»، كما أن اسمه مدرج منذ يونيو (حزيران) 2017 على قوائم الإرهاب الصادرة عن السعودية ومصر والإمارات والبحرين، ضمن قائمة شملت 59 شخصية و12 كياناً، دون صدور قرار لاحق برفع اسمه منها.

ولم يصدر تعليق رسمي من الصلابي على قرار تعيينه عبر صفحته الرسمية على «فيسبوك»، في حين أعاد شقيقه أسامة الصلابي نشر القرار، الثلاثاء، معلقاً: «نسأل الله لك العون والتوفيق والسداد». كما تداولت وسائل إعلام محلية صورة ضوئية للقرار موقعاً من المنفي بتاريخ 30 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، دون صدور نفي رسمي من المجلس الرئاسي.

انتقادات حادة

وقُوبل القرار بانتقادات حادة من أطراف سياسية وإعلامية عدّته «استفزازياً»، واعتبرته امتداداً لما وصفوه بـ«صفقات سياسية» تجري في غرب البلاد، محذرين من أن اختيار شخصية ذات خلفية إسلامية مثيرة للجدل قد يكرّس الانقسام بدلاً من ردمه.

وذهبت منصات إعلامية قريبة من مجلس النواب إلى وصف الخطوة بأنها «أحادية الجانب»، محذّرة من تداعياتها على العلاقة المتوترة أصلاً بين المجلس الرئاسي ومجلس النواب في بنغازي، ومثيرة تساؤلات حول صلاحيات الرئاسي في إجراء تعيينات بهذا الثقل السياسي خلال مرحلة انسداد دستوري.

وفي غرب البلاد، ظهرت أصوات متحفظة على القرار؛ إذ عبّر سالم كرواد، أحد أعيان مدينة مصراتة، عن استيائه، مطالباً المنفي بالتراجع عنه، معتبراً أنه «يضعف جهود المصالحة ويقوض مصداقيتها، ويزيد من حدة الانقسام والتوتر بين الليبيين».

وعلى مستوى التفاعل الشعبي، ركز نشطاء مستقلون على ما وصفوه بـ«التناقض» في تكليف شخصية تقيم خارج ليبيا، بإدارة ملف مصالحة داخلية معقدة، متسائلين عن مصير «قانون المصالحة» الذي لا يزال متعثراً داخل المؤسسات التشريعية.

متطلبات المصالحة

وفي هذا السياق، قال الكاتب الصحافي الليبي عيسى عبد القيوم إن «نجاح أي مشروع للمصالحة يتطلب شخصيات محايدة ومقبولة من جميع الأطراف»، معتبراً، في منشور عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، أن «اختيار الصلابي يفتقر إلى هذا الشرط، كونه طرفاً في النزاع وخصماً لتيارات عدة، ما قد يزيد من تعثر مسار المصالحة».

كما أثار توقيت القرار تساؤلات إضافية، خاصة مع تزامنه مع تصنيف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ثلاثة فروع لجماعة «الإخوان المسلمين» في مصر والأردن ولبنان، «منظماتٍ إرهابية». وذهب الناشط الليبي خالد درنة إلى تفسير الخطوة باعتبارها «محاولة استباقية لدمج شخصيات خاضعة لعقوبات في هياكل رسمية، بما يسهل تحركاتها تحت غطاء العمل الحكومي».

في المقابل، دافع مؤيدون عن القرار، معتبرين أن الصلابي يمتلك خبرة سابقة في ملفات المصالحة، مستشهدين بدوره في «مراجعات سجن بوسليم» خلال العقد الأول من الألفية، وقدرته - بحسب رأيهم - على مخاطبة التيارات الإسلامية والمجموعات المسلحة بلغة دينية مؤثرة. واعتبر الباحث الليبي علي سليم أن الصلابي «اسم وزان في المشهد الديني والاجتماعي، ويتمتع بعلاقات واسعة داخل ليبيا وخارجها، وله حضور مؤثر في أكثر من ساحة».

ويعود حضور الصلابي في المشهد الليبي إلى عقود؛ إذ وُلد في مدينة بنغازي عام 1963، واعتُقل في مطلع شبابه خلال عهد الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، وقضى نحو ثماني سنوات في السجن. ولاحقاً، لعب دور وسيطٍ فيما عُرف بـ«المراجعات الفكرية» للجماعة الإسلامية المقاتلة، بالتنسيق مع سيف الإسلام القذافي، وأسهم في الإفراج عن مئات السجناء مقابل إعلان نبذ العنف، وهو الدور الذي أكسبه حضوراً سياسياً واسعاً.

ومع اندلاع ثورة فبراير (شباط) 2011، برز الصلابي كأحد الوجوه الداعمة للحراك، قبل أن ينصرف في السنوات الأخيرة إلى نشاط دعوي عبر منصاته الرقمية، نادراً ما يتناول فيه الشأن السياسي الليبي.

اختبار جديد

ويأتي تعيين الصلابي بعد أسبوع من إطلاق المنفي «الميثاق الوطني للمصالحة الوطنية» في السابع من الشهر الحالي، إلى جانب الإعلان عن تأسيس «المجلس الأعلى للسلم والمصالحة الوطنية»، واعتماد يوم توقيع الميثاق يوماً وطنياً للمصالحة، في محاولة لإيجاد إطار مرجعي لمعالجة آثار الصراع وإعادة بناء الثقة بين الليبيين.

ورغم أن ملف المصالحة الوطنية يخضع رسمياً لاختصاص المجلس الرئاسي منذ اتفاق جنيف عام 2021، فإن هذا المسار لم يحقق تقدماً ملموساً، وسط استمرار الانقسام السياسي، وتراجع نتائج المؤتمرات واللقاءات التحضيرية التي عُقدت برعاية الاتحاد الأفريقي خلال السنوات الماضية.

وبين معارض يعد الصلابي «طرفاً إشكالياً»، ومؤيد يرى فيه «وسيطاً محتملاً»، يبقى قرار تعيينه اختباراً جديداً لمدى قدرة المؤسسات الليبية على إدارة ملف المصالحة، بعيداً عن التجاذبات والانقسامات الحادة.