حوادث الطرق في مصر... زيادة عددية أم «تضخيم» جماهيري وإعلامي؟

شاحنة دهست 7 سيارات في القاهرة وانقلاب حافلة بأسيوط... الأحدث

حوادث النقل الثقيل تتكرر على الطرق السريعة بمصر (أ.ف.ب)
حوادث النقل الثقيل تتكرر على الطرق السريعة بمصر (أ.ف.ب)
TT

حوادث الطرق في مصر... زيادة عددية أم «تضخيم» جماهيري وإعلامي؟

حوادث النقل الثقيل تتكرر على الطرق السريعة بمصر (أ.ف.ب)
حوادث النقل الثقيل تتكرر على الطرق السريعة بمصر (أ.ف.ب)

بعد الحادث المروّع الذي شهده الطريق «الدائري الإقليمي» في محافظة المنوفية بمصر الأسبوع الماضي، عندما دهست شاحنة نقل ثقيل حافلة ركاب، وأودت بحياة 19 فتاة؛ تكررت عدة حوادث أخرى، ولاقت اهتماماً جماهيرياً وإعلامياً، في حين أكد خبراء أن «تسليط الضوء على الحوادث بسبب الحزن على الضحايا، هو ما يزيد الإحساس بكثرة عددها، لكن الأرقام الرسمية تقول عكس ذلك»، بحسب تعبيرهم.

وفي أحدث حوادث السير، أصيب 16 شخصاً، الجمعة، إثر انقلاب سيارة أجرة (ميكروباص) على طريق دشلوط - الفرافرة في نطاق مركز ديروط بمحافظة أسيوط (صعيد البلاد). كما وقع حادث مأساوي على طريق العلمين الساحلي شمال القاهرة، الخميس، حينما وقع تصادم عنيف بين سيارتين، نتج عنه وفاة أسرة كاملة مكونة من أب وأم وطفلين.

وسبقه أيضاً، الخميس، حادث مروع شهده الطريق الدائري بمنطقة المعادي في القاهرة، حينما دهست شاحنة نقل ثقيل 7 سيارات، بسبب «السرعة الزائدة»، ولم تقع وفيات في الحادث، ولكنه أسفر عن عدد من الإصابات.

وكيل «لجنة النقل والمواصلات» بمجلس النواب المصري (البرلمان)، وحيد قرقر، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «وفقاً للإحصاءات الرسمية من مصادرها، سواء وزارة الصحة، أو هيئة الإسعاف، أو جميع جهات الحصر في مصر، يتضح أن الحوادث من حيث العدد تراجعت. وعموماً، فإن 95 في المائة من تلك الحوادث سببها الرئيسي العنصر البشرى وسلامة المركبة وعدم اتباع إرشادات الأمان».

وأضاف أنه «من الجائز وجود بعض الطرق في مناطق جبلية، أو لعدم توافر مساحات كافية لشقها، وتم إنشاؤها بشكل مستقيم، فيكون فيها بعض المنحنيات التي تستوجب من قائد السيارة تهدئة السرعة كثيراً، لكن هذا لا يحدث، مما يؤدي لكوارث».

وأوضح أنه «عندما تقع حوادث كبيرة من حيث عدد الضحايا والمصابين، فالمصريون يتأثرون بسبب فقدان أعزاء أو إصابتهم، ولهم كل الحق، وهي مشاعر طبيعية، فضلاً عن أن كل من حولهم من المحيطين يقومون بـ(تسخين وتضخيم الوقائع) لتطفو على المناخ العام في شكل تذمر وحزن وانتقادات، ثم يأتي بعد ذلك دور الإعلام عندما يصل له مردود تلك الحوادث، فيقوم بالاهتمام بها وتسليط الضوء عليها أكثر».

تصادم سيارتين في مصر (أرشيفية)

وبحسب وكيل «لجنة النقل والمواصلات»، فإنه «هنا يجب أن نقف عند إعلامي أو صحافي يبحث ويجتهد ليصل لحقيقة الأمر، ويضع يده على تداعيات وأسباب الحادث وطرق علاجه، وآخر يعمل على إثارة وتأجيج مشاعر المصريين، مما يؤثر على أمن المجتمع».

وشهدت الأيام الماضية حالة من الغضب العام في مصر عقب حادث «فتيات المنوفية»، وطالب البعض بـ«ضرورة محاسبة المسؤولين عن هذه الحوادث المفجعة» بسبب ما وصفوه بـ«سوء حالة بعض الطرق»، لكن وزارة النقل المصرية شددت أخيراً على أن «الطرق في البلاد شهدت طفرة كبيرة، ونسبة الحوادث تناقصت».

ووفق أحدث إحصائية لـ«الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» بمصر، فقد «بلغ عدد المتوفين في حوادث الطرق بالبلاد 5260 شخصاً عام 2024، مقابل 5861 عام 2023 بنسبة انخفاض 10.3 في المائة، في حين سجّل عدد إصابات حوادث الطرق 76362 إصابة في 2024، مقابل 71016 عام 2023 بنسبة ارتفاع 7.5 في المائة»، وكان أعلى عدد إصابات على مستوى المحافظات المصرية في محافظة الدقهلية؛ إذ بلغ 15563 إصابة، وأقل عدد إصابات في محافظة السويس؛ إذ بلغ 39 إصابة عام 2024.

وقال مصدر في «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» بمصر لـ«الشرق الأوسط» إن «الإحصاء يتم عبر الحصول على بيانات الحوادث من وزارة الصحة، وهيئة السكك الحديدية بالنسبة لحوادث القطارات».

منظر لمركبات محترقة إثر حادث مروري على طريق القاهرة - الإسكندرية الصحراوي في وقت سابق (د.ب.أ)

عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع»، المحلل الاقتصادي الدكتور أحمد أبو علي، أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «الإحساس المتزايد بانتشار حوادث الطرق في مصر أخيراً لا يرتبط بارتفاع كبير في الأرقام الرسمية، بقدر ما يعكس تصاعد الاهتمام الإعلامي والرقمي بالحادث نفسه، في ظل بيئة تكنولوجية تنقل تفاصيل الوقائع لحظياً. لكن في المقابل، لا يمكن إغفال أن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن هذه الحوادث ما زالت مرتفعة، سواء على مستوى الأرواح أو البنية التحتية أو الإنتاجية؛ إذ تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن حوادث الطرق تكلّف الاقتصاد المصري نحو 2-3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً».

وأضاف أن «الدولة المصرية استثمرت خلال السنوات الماضية ما يزيد على 500 مليار جنيه (الدولار الأميركي يساوي 49.3 جنيه في البنوك المصرية) في تطوير شبكة الطرق والمحاور القومية، وهو ما ساهم في تقليل معدلات الحوادث على بعض الطرق السريعة والمحورية، بحسب تقارير رسمية». وشرح: «إلا أن التحدي لا يزال قائماً في الطرق الداخلية وسلوكيات القيادة، وهو ما يتطلب دمجاً أكبر بين الحلول الهندسية والتكنولوجية من جهة، والتوعية المجتمعية والرقابة الصارمة من جهة أخرى، حتى لا تتحول الحوادث إلى نزيف مستمر يعطّل التنمية ويستنزف الموارد».

وخلال الأيام الماضية تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي في مصر مقطع فيديو صادماً لسباق شاحنات نقل ثقيل على أحد الطرق السريعة؛ ما أثار غضب كثيرين. وعقب ذلك أعلنت وزارة الداخلية المصرية توقيف 3 سائقين لهذه الشاحنات، وأحيلوا على النيابة العامة للتحقيق.


مقالات ذات صلة

مصر: «ربكة» في سوق الذهب بعد رفع مصنعية المشغولات

شمال افريقيا الإقبال على الذهب لا يتراجع رغم ارتفاعاته (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب والمجوهرات المصرية)

مصر: «ربكة» في سوق الذهب بعد رفع مصنعية المشغولات

أصدرت مصلحة الجمارك منشوراً بشأن تحديث متوسطات قيمة التشغيل (المصنعية) على المشغولات البلاتينية والذهبية والفضية والأحجار الكريمة.

رحاب عليوة (القاهرة )
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في أثناء لقائه الرئيس الكوري الجنوبي لي جيه ميونج في سول الثلاثاء (الخارجية المصرية)

انعقاد الجولة الأولى من الحوار الاستراتيجي المصري - الكوري الجنوبي

تعددت اللقاءات التي أجراها وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال زيارته إلى كوريا الجنوبية والتي بدأت مطلع هذا الأسبوع وصولاً إلى عقد «الحوار الاستراتيجي».

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا أعضاء وفد «مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية» ثمنوا العلاقات الاستراتيجية بين مصر وأميركا (الرئاسة المصرية)

مصر تؤكد مواصلة دفع علاقاتها السياسية والاقتصادية مع أميركا

تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي عن «محورية التنسيق والتشاور الوثيق القائم بين البلدين من أجل تحقيق السلم والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط ومواجهة التحديات».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري خلال كلمته بالاجتماع الوزاري الكوري - الأفريقي في سيول (الخارجية المصرية)

محادثات مصرية - صومالية بشأن أزمات البحارة المختطفين وتمويل بعثة السلام

التقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، نظيره الصومالي عبد السلام عبدي علي، على هامش الاجتماع الوزاري الكوري - الأفريقي.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات (أرشيفية- الرئاسة المصرية)

بعد 45 عاماً... مصر تُكرِّم 3 ضحايا في حادث اغتيال السادات

أصدر رئيس مجلس الوزراء، مصطفى مدبولي، قراراً يقضي بإضافة 3 ضحايا في «حادث المنصة» الشهير بالقاهرة عام 1981 إلى «صندوق الشهداء».

محمد عجم (القاهرة )

الفرقاء السودانيون للاجتماع في أديس أبابا


أعضاء الآلية الخماسية الدولية الذين شاركوا في مؤتمر برلين لمناقشة الأزمة في السودان منتصف أبريل الماضي (إكس)
أعضاء الآلية الخماسية الدولية الذين شاركوا في مؤتمر برلين لمناقشة الأزمة في السودان منتصف أبريل الماضي (إكس)
TT

الفرقاء السودانيون للاجتماع في أديس أبابا


أعضاء الآلية الخماسية الدولية الذين شاركوا في مؤتمر برلين لمناقشة الأزمة في السودان منتصف أبريل الماضي (إكس)
أعضاء الآلية الخماسية الدولية الذين شاركوا في مؤتمر برلين لمناقشة الأزمة في السودان منتصف أبريل الماضي (إكس)

تحتضن العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، اليوم (الأربعاء)، اجتماعاً للفرقاء السودانيين، برعاية الآلية «الخماسية الدولية»، المكونة من الاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد). ويشارك في هذا الاجتماع الاستكشافي الأول قوى سياسية ومدنية متحالفة مع الجيش، وأخرى مساندة لـ«الدعم السريع».

ويهدف الاجتماع، الذي يستمر يومين، إلى بحث إمكانية تشكيل آلية سودانية موحدة للمساهمة في جهود وقف الحرب، والتفاوض بشأن الترتيبات الانتقالية، تمهيداً لإطلاق حوار سياسي شامل بين السودانيين. ويشارك في اللقاء تحالف «صمود» الذي يقوده رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، و«الكتلة الديمقراطية» الحليفة للجيش، وتحالف «تأسيس» المساند لـ«الدعم السريع»، إلى جانب ممثلين للمجتمع المدني.

ويأتي الاجتماع بعد مشاورات مكثفة لتجاوز خلافات حول قائمة المشاركين، وسط آمال بأن يسهم في تقريب وجهات النظر وفتح مسار سياسي جديد لإنهاء النزاع المستمر في البلاد.


«أرض الصومال» في الاستراتيجية الأميركية... شراكة أمنية تتجاوز «معضلة الاعتراف»

منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة وأكبر مدينة في «أرض الصومال» (أ.ف.ب)
منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة وأكبر مدينة في «أرض الصومال» (أ.ف.ب)
TT

«أرض الصومال» في الاستراتيجية الأميركية... شراكة أمنية تتجاوز «معضلة الاعتراف»

منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة وأكبر مدينة في «أرض الصومال» (أ.ف.ب)
منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة وأكبر مدينة في «أرض الصومال» (أ.ف.ب)

كشف تقرير حديث لـ«الخارجية الأميركية» عن توجه واشنطن لاعتبار الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، شريكاً محتملاً في المصالح الأمنية، بما في ذلك ضمان حرية الملاحة التجارية والعسكرية من البحر الأحمر إلى المحيط الهندي لموقعها الاستراتيجي، دون أن يمس ذلك حدود الصومال.

ويتوقع خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الإقليم وواشنطن بصدد «صياغة جديدة قائمة على شراكة أمنية تتوسع دون التقييد بمعضلة الاعتراف، وسط تباين بشأن المستقبل وإمكانية إعطاء الإقليم شرعية دبلوماسية».

والإقليم الانفصالي يملك ساحلاً بطول 740 كيلومتراً على خليج عدن، ويحتل موقعاً استراتيجياً عند نقطة التقاء المحيط الهندي بالبحر الأحمر في منطقة القرن الأفريقي، ولا يحظى باعتراف دولي منذ انفصاله عن جمهورية الصومال الفيدرالية عام 1991، إلا من تل أبيب في ديسمبر (كانون الأول) 2025، ولا يزال ميناء بربرة الاستراتيجي التابع للإقليم محل صراع نفوذ إقليمي ودولي في تلك المنطقة.

وأرسلت «الخارجية الأميركية» تقريراً حديثاً إلى الكونغرس لعام 2026 بشأن المجالات المحتملة لتعزيز انخراط الولايات المتحدة مع «أرض الصومال»، مؤكدة أن «واشنطن معترفة بسيادة الصومال ووحدة أراضيه بما فيها أرض الصومال»، معتبرة أن المنطقة الانفصالية جزءاً من جمهورية الصومال الفيدرالية.

وأشار التقرير إلى أن «أرض الصومال» تعدّ شريكاً محتملاً في المصالح الأمنية بما في ذلك ضمان حرية الملاحة التجارية والعسكرية من البحر الأحمر إلى المحيط الهندي؛ لموقعها الاستراتيجي وقربها من اليمن ومضيق باب المندب.

وأضاف أن موقع أرض الصومال الجغرافي قد يساعد في جهود مراقبة ومكافحة التنظيمات المتطرفة العنيفة، وخاصة الروابط بين جماعة الحوثيين وحركة «الشباب»، موضحاً أن «القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا تجري اتصالات منتظمة مع سلطات أرض الصومال، وتبحث مجالات التعاون المحتملة».

الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، ترى أن هذا النهج الأميركي في «أرض الصومال» يعكس اتجاهاً أوسع في السياسة الخارجية الأميركية، يركز على التعاون الأمني بمعزل عن الاعتراف الرسمي.

و«توسع أنشطة الحوثيين في البحر الأحمر، والمخاوف بشأن شبكات تهريب الأسلحة، واستمرار حركة )الشباب)، أدت إلى خلق ضغوط تتجاوز النزاعات الدستورية الداخلية في الصومال، وعقد شراكات مع جهات قادرة على تحقيق نتائج عملية، بدلاً من مجرد امتلاك وضع قانوني دولي»، وفق تسوكرمان.

شاب يحمل علم «أرض الصومال» أمام النصب التذكاري لحرب هرجيسا (أ.ف.ب)

فيما يرى المحلل السياسي في «أرض الصومال»، عبد الكريم صالح، أن هذا التقرير الأخير حال تنفيذه، ستجني هرجسيا فوائد جمة على الصعيد الاقتصادي والأمني والاستثماري، حيث ستعمل الولايات المتحدة وأرض الصومال معاً بشكل مباشر، وهذه خطوة مهمة تسبق الاعتراف الرسمي الذي يمكن أن تتخذها واشنطن في المستقبل ضمن خطوات أخرى.

وينبه صالح إلى أن «الولايات المتحدة لها وجود في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وتتمركز قواتها في جيبوتي. وإن ترسيخ وجودها في بربرة سيسهل على الولايات المتحدة المساعدة في تأمين باب المندب ومراقبة الأنشطة التي تهدد أمن هذا الممر البحري المهم».

وفي فبراير (شباط) الماضي، قال وزير الرئاسة في أرض الصومال، خضر حسين عبدي، إنهم «مستعدون لمنح الولايات المتحدة حق الوصول إلى المعادن والقواعد العسكرية، في إطار مساعي الحصول على اعتراف دولي»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية» وقتها.

وجاء ذلك السعي الحثيث للإقليم بعد نحو شهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم وسط رفض عربي وإسلامي.

وفي مايو (أيار) 2025، التقى وزير خارجية أرض الصومال، عبد الرحمن طاهر آدم ووفد مرافق له مسؤولين كباراً في الإدارة الأميركية في واشنطن، وركزت المحادثات على «تعزيز الأمن الإقليمي، والتعاون بين الولايات المتحدة وأرض الصومال»، وفق بيان «خارجية الإقليم».

وعن المستقبل، يرجح صالح أنه من الممكن أن يتبع ذلك الاعتراف الرسمي بمجرد ترسيخ العلاقات بين أرض الصومال والولايات المتحدة، مستدركاً: «إلا أنه من غير المعروف متى سيحدث ذلك، سواء هذا العام أو العام المقبل».

حول إمكانية أن تعلن واشنطن الاعتراف الرسمي بأرض الصومال في المستقبل، لا تستبعد تسوكرمان، هذا التطور، مستدركة: «لكن النتيجة الأكثر ترجيحاً على المدى المتوسط ليست الاعتراف، بل التوسع التدريجي للعلاقات الأمنية والاستخباراتية والدبلوماسية والاقتصادية، بما يُشبه شراكة بين دولتين في الواقع، مع بقائها رسمياً ضمن حدود الصومال المعترف بها دولياً».

وسبق أن حذر الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في مقابلة مع صحيفة «واشنطن بوست»، فبراير 2025، من أن بعض المقربين من الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسعون لدفعه للاعتراف رسمياً بـ«أرض الصومال»، مؤكداً أن «هذا قد يشكل تهديداً لتغيير حدود القارة الأفريقية».

وبتأكيد واشنطن احترام حدود الصومال، يعتقد صالح أن «الولايات المتحدة تنظر باستمرار إلى أرض الصومال من منظور مصالحها الخاصة، ولا سيما موقعها الاستراتيجي وعلاقاتها مع الولايات المتحدة وحلفائها، بما في ذلك إسرائيل».

ولا ترجح تسوكرمان أن تُرحب مقديشو بهذا التطور سياسياً، لكنها قد تجد نفسها مُقيدة بشكل متزايد في قدرتها على معارضته، خاصة إذا ما جادل المسؤولون الأميركيون بأن التعاون مع أرض الصومال يُسهم بشكل مباشر في مكافحة الإرهاب وحماية التجارة البحرية، متوقعة أن يسعى القادة الصوماليون إلى الحصول على ضمانات بأن التعاون الأمني لن يتطور إلى اعتراف دبلوماسي، أو اتفاقيات دفاع ثنائية، أو ترتيبات تُشير إلى قيام دولة.


مصر: «ربكة» في سوق الذهب بعد رفع مصنعية المشغولات

الإقبال على الذهب لا يتراجع رغم ارتفاعاته (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب والمجوهرات المصرية)
الإقبال على الذهب لا يتراجع رغم ارتفاعاته (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب والمجوهرات المصرية)
TT

مصر: «ربكة» في سوق الذهب بعد رفع مصنعية المشغولات

الإقبال على الذهب لا يتراجع رغم ارتفاعاته (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب والمجوهرات المصرية)
الإقبال على الذهب لا يتراجع رغم ارتفاعاته (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب والمجوهرات المصرية)

تراجع الزحام المعتاد لدى أحد محال بيع الذهب بمنطقة العمرانية في محافظة الجيزة (جنوب القاهرة)، بعد قرار الجمارك المصرية رفع قيمة المصنعية على المشغولات الذهبية بقيمة 10 في المائة، وهو ما أثَّر على حركة الشراء.

ورغم أنَّه من المفترض تطبيق القرار رسمياً بداية من يوليو (تموز) المقبل، فإنَّ كثيراً من المتاجر بدأت تطبيقه بالفعل منذ الأحد.

يقول مهدي عبد الوهاب، صاحب محل لبيع المصوغات الذهبية في العمرانية، لـ«الشرق الأوسط»: «إن المصنع يرفع المصنعية على المحال، فيتم رفعها على المشترين»، الأمر الذي تسبَّب في ربكة بسوق الذهب بين الطرفين، أصحاب المحال والمشترين للذهب، في ظلِّ حرص كثيرين على اقتناء السبائك للادخار.

وأصدرت مصلحة الجمارك منشوراً، الاثنين، بشأن تحديث متوسطات قيمة التشغيل (المصنعية) على المشغولات البلاتينية والذهبية والفضية والأحجار الكريمة، في ضوء بروتوكول بين مصلحة الضرائب المصرية، وشعبتَي تجار وصناع المشغولات الذهبية والفضية، ينصُّ على «زيادة متوسط قيمة المصنعية على المشغولات المحلية بنسبة 10 في المائة، اعتباراً من الأول من يوليو المقبل، وحتى نهاية يونيو (حزيران) 2027».

وبذلك ارتفع متوسط المصنعية لغرام الذهب عيار 21 إلى 64.41 جنيه، ولغرام الذهب عيار 18 إلى نحو 96.64 جنيه، قبل إضافة ضريبة القيمة المضافة البالغة 14 في المائة.

جلست سيدة أربعينية، تحفَّظت على ذكر اسمها، تتأمل وتعاين خاتماً جديداً لدى «محل» عبد الوهاب، بعدما باعت له مصوغات قديمة، وظلت تفاوضه لتقليل سعر المصنعية. هذه السيدة كانت ضمن مجموعة من الزبائن أتوا لمحله، الثلاثاء، بعضهم يسأل عن «سبائك»، في «تراجع واضح لحركة البيع والشراء»، حسب عبد الوهاب.

وشهد سعر الذهب، الثلاثاء، ارتفاعاً طفيفاً مقارنة بيوم الاثنين، وسجَّل غرام الذهب عيار 24 سعر 7654 جنيهاً (الدولار يساوي نحو 52 جنيهاً)، وسجَّل غرام 21 سعر 6700 جنيه.

الذهب يجذب صغار المستثمرين للادخار فيه مع ارتفاعات أسعاره (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب والمجوهرات)

حالة الركود على شراء المشغولات، لم تصب فقط «محل» عبد الوهاب، بل تعاني منها محلات الذهب بشكل عام في مصر، حسب رئيس «شعبة الذهب» في غرفة القاهرة التجارية، نادي نجيب، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «السوق تتسم بالركود منذ فترة، وبعد قرار زيادة المصنعية من المتوقع أن تتسع حالة الركود أكثر، ويتراجع شراء المشغولات لصالح السبائك، والتي لا تزال مصنعيتها قليلة وثابتة».

ويضيف نجيب أن «قرار زيادة المصنعية ليس مفاجئاً، ففي ظلِّ الفقد الذي يتحمَّله التاجر خلال عمل المشغولات، والذي ارتفع بارتفاع سعر الذهب، ومع زيادة مصاريف التشغيل من كهرباء، وغيرها من المصاريف، كان متوقعاً أن تشهد المصنعية زيادة».

وقرَّرت الحكومة في أبريل (نيسان) الماضي زيادة أسعار الكهرباء على الاستهلاك التجاري بمتوسط 20 في المائة.

وعلى عكس نجيب الذي وصف السوق بـ«راكدة منذ شهور»، فإن عبد الوهاب قال: «الفترة الماضية كانت حركة البيع والشراء فيها جيدة جداً، خصوصاً في الفترات التي كان سعر الذهب يتراجع فيها، وكثيرون يفضِّلون السبائك أو الذهب الكسر (القديم) لانخفاض مصنعيته».

وشهدت سوق الذهب في مصر إقبالاً لافتاً في الفترة الماضية على شراء السبائك الذهبية، التي تعدُّ الوعاء الادخاري الأنسب في ظلِّ انخفاض مصنعيتها، مقارنة بالمصوغات الذهبية، وطرحت شركات الذهب فئات مختلفة من السبائك، بما في ذلك سبائك ربع ونصف غرام.

محل عبد الوهاب لبيع الذهب في منطقة العمرانية الشعبية بمصر (الشرق الأوسط)

وبحسب عبد الوهاب فإن «مَن سيظل مضطراً لشراء المشغولات بعد الزيادة هم المقبلون على الزواج، وهذه الفئة تراجع عدد الغرامات التي تشتريها إلى 6 أو 7 غرامات، بمتوسط 50 ألف جنيه، بعدما كنا نبيع 20 غراماً للعروس الواحدة».

وأشار إلى أن «السوق تشهد ارتباكاً حالياً بين مَن رفعوا المصنعية من الشهر الحالي، ومَن ينتظرون حتى يوليو المقبل».

من جهتها، تراجعت الثلاثينية أميرة محمد، التي تسكن منطقة باب الشعرية (وسط القاهرة) عن قرار شراء مصوغات ذهبية جديدة بعد ارتفاع سعر المصنعية، وقرَّرت البحث عن مصوغات قديمة حتى لا تتحمَّل قيمة المصنعية المرتفعة.

ويبلغ متوسط المصنعية على غرام الذهب القديم 25 جنيهاً، أي أقل من نصف مصنعية المشغولات الجديدة. وهنا تقول أميرة لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى ألا تكون مصنعية المستعمل ارتفعت هي الأخرى بعد القرار الجديد».