زيارة نائب من اليسار الفرنسي إلى الجزائر تثير الجدل

وسط تقلبات وتصاعد وهدوء في العلاقات بين باريس ومستعمرتها السابقة

ديلوغو في جامع الجزائر الكبير (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)
ديلوغو في جامع الجزائر الكبير (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)
TT

زيارة نائب من اليسار الفرنسي إلى الجزائر تثير الجدل

ديلوغو في جامع الجزائر الكبير (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)
ديلوغو في جامع الجزائر الكبير (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

في حين انتقد برلماني من اليسار الراديكالي في فرنسا طريقة تعاطي سلطاتها مع التوترات الحادة مع الجزائر، طلب مدير مكتب «مراسلون بلا حدود» في شمال أفريقيا من السلطات الجزائرية الإفراج عن صحافي رياضي فرنسي أدانته محكمة بـ«الإرهاب» في تهمة متصلة بتنظيم انفصالي يعيش أغلب قادته في باريس.

وزار النائب الفرنسي سيباستيان ديلوغو من حزب «فرنسا الأبية» الجزائر بين 26 و30 يونيو (حزيران) الماضي، حيث استضافه التلفزيون العمومي للحديث عن تصاعد الأزمة الدبلوماسية بين البلدين بشكل غير مسبوق، التي بدأت في صيف 2024 بإعلان «الإليزيه» تبنيه المقاربة المغربية لحل نزاع الصحراء.

وانتقد ديلوغو بشدة «أولئك الذين يدفعون داخل فرنسا نحو قطيعة في العلاقات الفرنسية - الجزائرية». وذكر بالاسم وزير الداخلية برونو ريتايو، الذي تصدّر المشهد إثر إصراره على ترحيل جزائريين مؤيدين للنظام في بلادهم، بسبب مقاطع فيديو نشروها تضمّنت تهديدات بقتل معارضين لهم يقيمون في فرنسا.

سيباستيان ديلوغو النائب عن حزب «فرنسا الأبية» في مدينة وهران الجزائرية (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

كما هاجم قيادي «فرنسا الأبية» وسائل الإعلام المحسوبة على ما تُعرف بـ«مجرة بولوريه»؛ نسبة إلى وسائل الإعلام التي يملكها رجل الأعمال فانسان بولوريه المنتمي سياسياً لتيار اليمين المتطرف، مؤكداً أنها «ساهمت في تأجيج التوتر مع الجزائر».

وكشف ديلوغو عن أنه ينحدر من أصول جزائرية، مشيراً إلى أنه زار الجزائر برفقة والدته، التي تنحدر من مدينة وهران في غرب البلاد، حيث دُفن جده. وقال في تصريح لافت: «جدي أنقذه (جيش التحرير الوطني) من قبضة (منظمة الجيش السري)، ولذلك لا يمكنني القبول بخطابات تُكرّس الانقسام بين شعبينا».

وأشار ديلوغو إلى «منظمة الجيش السري»، وهي جماعة متطرفة تكونت من قادة في الجيش الفرنسي، وشنّت في عام 1961 سلسلة من الهجمات في فرنسا والجزائر لمنع استقلال الجزائر، والسعي إلى إبقائها جزءاً من فرنسا بأي وسيلة. وأوضح ديلوغو أن هذه الصلة العائلية هي التي دفعت به لحمل العلم الجزائري خلال مظاهرة مؤيدة لغزة بمدينة مرسيليا جنوب فرنسا في يونيو 2024، وذلك تنديداً بالعدوان الإسرائيلي على القطاع، وفقه.

وأردف ديلوغو أنه عندما انتخب في «الجمعية الوطنية» الفرنسية، «وجدت نفسي مضطراً للتعامل مع أشخاص ما زالوا يحنّون إلى فترة (منظمة الجيش السري)، ومنهم أبناء مؤسسيها»، لافتاً إلى أن «الخطاب المعادي للجزائر بات يتردّد على ألسنة حتى بعض أعضاء الحكومة الفرنسية، لكن الشعب الفرنسي لا يشاركهم هذا الموقف».

وأضاف: «الأغلبية الشعبية في فرنسا لا توافق إطلاقاً على ما يُقال على لسان بعض الوزراء، خصوصاً وزير الداخلية ريتايو، الذي لا يتوقف عن استفزاز وتهديد الجزائر، ويعادي كل خطاب يهدف إلى التقارب بين شعبينا».

وبخصوص الإعلام الفرنسي وتعاطيه مع المشكلات بين البلدين، قال ديلوغو إنه «أصبح بولوريّاً بامتياز. أسميهم كلاب الحراسة؛ لأنهم يسمحون لأنفسهم بإطلاق الشتائم والافتراءات على شعبكم. هؤلاء يروّجون للأخبار الكاذبة، وحتى الحكومة أصبحت تُعيد نشرها».

وشدّد على أن «قوة هذا الخطاب العنصري والاستعماري لا تعني أن الشعب الفرنسي يتقبّله»، مضيفاً أن الإعلام الفرنسي «يعطي الانطباع كأن الجزائر مذنبة في كل شيء، لكن الواقع مختلف تماماً عند زيارة الجزائر». وأكد أنه وجد «في الجزائر ترحيباً لم أحظَ به في أي مكان آخر... لذا من المهم إظهار أن هناك طريقاً أخرى؛ طريق الاحترام المتبادل، والتقدير لشعب عظيم وقوي، وله مستقبل مشرق».

وزير الداخلية الفرنسي برونو ريتايو (متداولة)

ورحّب اليساري الفرنسي بزيارة عدد من البرلمانيين الفرنسيين إلى الجزائر مؤخراً، في مسعى لإنهاء القطيعة، وقال أيضاً: «مثل ملايين الفرنسيين، نعتقد أن الروابط بين فرنسا والجزائر قوية جداً، وسيكون من الخطأ الفادح تجاهل الاحترام الكبير الذي يكنّه الشعب الجزائري للفرنسيين».

وتعرض ديلوغو لهجوم حاد من رموز اليمين عقب هذه التصريحات المثيرة. وقالت ماريون مارشال لوبان، عضو البرلمان الأوروبي، لإذاعة «أوروبا1» إن فرنسا «أصبحت تُنتج فرنسيين من ورق بشكل صناعي». ويستخدم اليمين المتطرف هذا الوصف للإشارة إلى أي فرنسي يُبدي رأياً لا يتماشى مع الطرح المعادي للمهاجرين وللجالية المسلمة في فرنسا. وماريون هي حفيدة الراحل جان ماري لوبان الذي اشتهر بتعذيب المناضلين الجزائريين خلال خمسينات القرن الماضي، عندما كان مظلياً في صفوف الجيش الفرنسي بالجزائر.

ماريون مارشال لوبان عضو البرلمان الأوروبي (حسابها الشخصي بالإعلام الاجتماعي)

ووجهت للنائب اتهامات بــ«السعي لاستمالة الناخبين الفرنسيين من أصول جزائرية، تمهيداً لترشحه المحتمل في انتخابات بلدية مرسيليا». وجاءت هذه الانتقادات على لسان الصحافية اليمينية إليزابيث ليفي عبر إذاعة «سود راديو» (جنوب فرنسا)، حيث قالت: «ما يقوم به ليس سوى حملة دعائية. هدفه هو تولي منصب عمدة مرسيليا. والمقلق أن هذا السيناريو وارد الحدوث... لا أطيق حتى تخيل ذلك».

الصحافي غليز

وفي سياق متصل، دعا خالد درارني، الصحافي الجزائري وممثل منظمة «مراسلون بلا حدود» في شمال أفريقيا، خلال مقابلة مع المنصة الإخبارية الجزائرية «ماغراب إيمرجنت»، إلى إسقاط عقوبة السجن 7 سنوات مع التنفيذ التي أصدرتها محكمة في تيزي ووزو (110 كيلومترات شرق العاصمة) يوم السبت الماضي، على الصحافي الفرنسي كريستوف غليز الذي يعمل لحساب المجلة الرياضية «سو فوت».

وقال درارني: «نأمل ألا يتم فقط تخفيف هذه العقوبة القاسية، بل نأمل إلغاءها بالكامل. كريستوف غليز صحافي حقيقي، صادق ونزيه وشغوف بكرة القدم. هو من كبار مشجعي باريس سان جيرمان. مكانه ليس في السجن، بل في غرفة تحرير الأخبار. نحن نتمنى من أعماقنا أن يتم الإفراج عنه قريباً».

الصحافي الفرنسي المسجون في الجزائر (متداولة)

واعتُقل الصحافي في مايو (أيار) 2024 دون إعلان رسمي عن قضيته، وظلت تفاصيل احتجازه طي الكتمان بطلب من عائلته ومنظمة «مراسلون بلا حدود»، بهدف منح القضاء الجزائري فرصة للتعامل مع الملف بهدوء، وفق ما جاء في تصريحات درارني.

ووجهت له النيابة تهماً عدة، تتعلق بدخوله الجزائر بتأشيرة سياحية رغم ممارسته العمل الصحافي، وإجراء تحقيق في وفاة لاعب كاميروني يدعى ألبرت إيبوسي لعب في صفوف نادي شبيبة القبائل في تيزي ووزو، وذلك عام 2014، حيث قتل بحجر ألقي من مدرجات الملعب المحلي. وظهرت لاحقاً شكوك وتكهنات بأن الوفاة قد لا تكون ناجمة عن المقذوف، مما دفع ببعض الصحافيين، مثل كريستوف غليز، إلى التحقيق في ملابسات القضية.

وشملت الاتهامات أيضاً إجراءه مقابلة صحافية مع رئيس تنظيم يطالب بانفصال منطقة القبائل، وتصنّفه السلطات الجزائرية منظمة إرهابية.


مقالات ذات صلة

قائد الجيش الجزائري: النصر في المعركة الحديثة يرتبط بمنظومة سلاسل الإسناد

شمال افريقيا الفريق أول سعيد شنقريحة (وزارة الدفاع)

قائد الجيش الجزائري: النصر في المعركة الحديثة يرتبط بمنظومة سلاسل الإسناد

أفرزت الحروب الحديثة والثورات الجديدة في الشؤون العسكرية سياقات عمل معقدة ومتغيرة تتطلب بناء استراتيجية مبتكرة بمجال الإسناد اللوجيستي

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا التصويت على قانون الأحزاب الجديد في البرلمان الجزائري (البرلمان)

انتخابات الجزائر 2026: المعارضة تواجه «عقبة التوقيعات»

مع اقتراب موعد انتخابات البرلمان المقررة بالجزائر في الثاني من يوليو 2026 تواجه السلطات تشكيكاً كبيراً من طرف المعارضة

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)

أزمة الجزائر مع مثقفيها الفرنكفونيين تعود إلى الواجهة

يجد الكاتب الفرنسي - الجزائري، بوعلام صنصال، نفسه وسط عاصفة جديدة من الجدل، بعد أن هدَّد بـ«قطع روابطه كافة مع فرنسا».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا صورة جماعية لمسؤولي البلدين نشرها الجيش الموريتاني من الاجتماع عبر «فيسبوك»

اجتماع عسكري جزائري - موريتاني للتنسيق الأمني وإدارة الحدود

عقد وفدان عسكريان من الجزائر وموريتانيا اجتماعاً في مدينة تندوف، أقصى جنوب غربي الجزائر، بالقرب من الحدود بين البلدين، بهدف «تطوير التنسيق الأمني المشترك».

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

«قضية داود» تضع العلاقات الفرنسية - الجزائرية في اختبار دبلوماسي جديد

أعرب وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، عن «أسفه» لإدانة الروائي الجزائري الفرنسي كمال داود بالسجن من طرف محكمة مدينة وهران غرب الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

أميركا تقر صفقة محتملة لبيع معدات أمن لتونس

وزارة الخارجية الأميركية بالعاصمة واشنطن (رويترز)
وزارة الخارجية الأميركية بالعاصمة واشنطن (رويترز)
TT

أميركا تقر صفقة محتملة لبيع معدات أمن لتونس

وزارة الخارجية الأميركية بالعاصمة واشنطن (رويترز)
وزارة الخارجية الأميركية بالعاصمة واشنطن (رويترز)

أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، اليوم (الاثنين)، أنها وافقت على صفقة محتملة لبيع معدات إلى تونس دعماً للمرحلة الثالثة من مشروع أمن الحدود التونسي، بتكلفة تقديرية 95 مليون دولار.

وقالت الوزارة إن المتعاقدين الرئيسيين هما «إل3 هاريس» و«تويوتا».


محادثات ليبية - يونانية بشأن ملف الهجرة غير النظامية

الباعور مستقبلاً في طرابلس وزير خارجية اليونان جيورجوس غيرابتريتيس 27 أبريل (خارجية «الوحدة»)
الباعور مستقبلاً في طرابلس وزير خارجية اليونان جيورجوس غيرابتريتيس 27 أبريل (خارجية «الوحدة»)
TT

محادثات ليبية - يونانية بشأن ملف الهجرة غير النظامية

الباعور مستقبلاً في طرابلس وزير خارجية اليونان جيورجوس غيرابتريتيس 27 أبريل (خارجية «الوحدة»)
الباعور مستقبلاً في طرابلس وزير خارجية اليونان جيورجوس غيرابتريتيس 27 أبريل (خارجية «الوحدة»)

حضر ملف الهجرة غير النظامية في صدارة محادثات وزير الخارجية اليوناني، جورج غيرابتريتيس، في طرابلس، مع نظيره بحكومة «الوحدة الوطنية» المكلّف طاهر الباعور؛ وذلك استباقاً لسلسلة اجتماعات مع رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، ورئيس «المجلس الرئاسي» محمد المنفي، ووزير النفط والغاز الطبيعي بالوكالة خليفة عبد الصادق.

الباعور ووزير خارجية اليونان خلال اجتماعهما في طرابلس 27 أبريل (خارجية «الوحدة»)

وأكد الباعور خلال لقائه غيرابتريتيس، الاثنين، «حرص حكومته على الدفع بالعلاقات نحو آفاق أرحب مع اليونان، بما يعزز المصالح المشتركة ويخدم الاستقرار والتنمية في منطقة حوض البحر المتوسط»، مشيراً إلى أنهما بحثا مسار التعاون الثنائي وسبل تطويره وتوسيعه ليشمل مجالات استراتيجية.

وفي إطار ما وصفه بمعالجة التحديات المشتركة، قال الباعور، إن الجانبين «ناقشا ملف الهجرة غير النظامية، مؤكدين أهمية اعتماد مقاربة شاملة تقوم على تقاسم الأعباء، وتعزيز التعاون الأمني والفني، وتكثيف برامج التدريب، ومعالجة الأسباب الجذرية للهجرة، بما يحقق التوازن بين البعد الإنساني والمتطلبات الأمنية».

كما بحثا أعمال اللجنة الفنية الليبية - اليونانية المشتركة لترسيم الحدود البحرية، «وأكدا التزامهما بمواصلة الحوار البنّاء بروح إيجابية، استناداً إلى قواعد القانون الدولي، وبما يعزز الاستقرار ويخدم المصالح المشتركة للبلدين».

وتناول الاجتماع دور الشركات اليونانية في دعم جهود إعادة الإعمار داخل ليبيا، في إطار خطة حكومة الوحدة، حيث «تم التأكيد على أهمية تهيئة بيئة استثمارية جاذبة، وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي، لا سيما في قطاعي الطاقة والبنية التحتية، إضافة إلى فرص التعاون في مجالات الصحة والسياحة والخدمات اللوجستية».

كما شددا على ضرورة «تسهيل عودة الشركات اليونانية إلى السوق الليبية، واستئناف الرحلات الجوية المباشرة، وتعزيز الربط البحري، بما يسهم في تنشيط حركة الأفراد والبضائع، ودعم التبادل التجاري، وتوطيد الشراكة الاقتصادية بين البلدين».

وتعدّ زيارة المسؤول اليوناني إلى طرابلس امتداداً مباشراً لزيارته الأخيرة إلى بنغازي نهاية الشهر الماضي، حيث التقى قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، وافتتح المبنى الجديد للقنصلية اليونانية، في خطوة تعكس رغبة أثينا في الحفاظ على توازن علاقاتها مع مختلف الأطراف الليبية.

«المجلس الرئاسي»

بدوره، كثف رئيس «المجلس الرئاسي» المنفي من مشاوراته الدبلوماسية في العاصمة طرابلس، حيث استقبل سفراء كل من بريطانيا، وقطر، وفرنسا وإيطاليا في لقاءات منفصلة، ركزت في مجملها على معالجة الانسداد السياسي وبحث سبل تنفيذ ميزانية وطنية موحدة.

المنفي مستقبلاً سفير إيطاليا لدى ليبيا 26 أبريل (المجلس الرئاسي)

وقال «المجلس الرئاسي»، مساء الأحد، إن المحادثات مع السفراء البريطاني مارتن رينولدز، والقطري خالد الدوسري، والفرنسي تيري فالات والإيطالي جيان لوكا ألبريني، ناقشت «ضرورة استناد أي مبادرة سياسية، بما في ذلك جهود بعثة الأمم المتحدة، إلى قواعد قانونية ودستورية متينة لتجنب الطعون القانونية في نتائج أي انتخابات مستقبلية».

كما شدد المنفي، على «توحيد المؤسسة العسكرية تحت سلطة مدنية وتنفيذ الميزانية الموحدة»، ونُقل عن السفراء «دعم بلدانهم لجهود المجلس الرئاسي في تحقيق الاستقرار، مع التركيز على المسار التوافقي الشامل».

وتأتي هذه الاجتماعات في حين يواجه المنفي محاولات لإقصائه ضمن مبادرة يتبناها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس، وتهدف إلى تشكيل حكومة موحدة و«مجلس رئاسي» جديد برئاسة الفريق صدام حفتر، نجل المشير خليفة حفتر، مقابل إبقاء عبد الحميد الدبيبة على رأس الحكومة؛ ما يعني فعلياً إقصاء المنفي من موقعه.

ويرفض المنفي هذه المبادرة، عادَّاً إياها «تجاوزاً للمسار الأممي والانتخابي»، بينما يرى مؤيدوها، أنها «خطوة براغماتية لتوحيد المؤسسات وسط الانسداد السياسي المستمر منذ 2011 ».

وحسب وسائل إعلام محلية، فمن المقرر أن تبدأ المبعوثة الأممية هانا تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري جولة في الغرب الليبي، تشمل زيارة إلى مدينة مصراتة يومي الثلاثاء والأربعاء، وستليها زيارات لمدينتي الزاوية والزنتان.

في شأن مختلف، عاد الهدوء الحذر إلى منطقة الزرامقة بمدينة العجيلات شمال غربي ليبيا، بعدما اندلعت اشتباكات مسلحة فجر الاثنين بين عناصر تابعة لنائب رئيس «جهاز مكافحة التهديدات الأمنية» محمد بحرون، الملقب بـ«الفأر»، وعناصر محلية من المنطقة، استخدمت فيها أسلحة ثقيلة ومتوسطة بما في ذلك مدافع الهاون.

وأفادت مصادر محلية وشهود عيان، بأن «الاشتباكات التي توقفت لاحقاً تسببت في إصابة عدد غير معلوم من السكان وتضرر منازل مدنية»، مع دخول أرتال مسلحة قادمة من مدينة الزاوية لدعم مجموعة «الفأر».

ولم ترد تقارير فورية عن سقوط قتلى في هذه المواجهة، التي دفعت إدارة «مدرسة العجيلات الشمالية»، بالإضافة إلى كلية التربية بالمدينة، إلى تعليق الدراسة بشكل كامل.

وتأتي هذه الاشتباكات في سياق التوترات الأمنية المتكررة التي تشهدها مدن الساحل الغربي الليبي، حيث تتنافس مجموعات مسلحة على النفوذ والموارد وسط ضعف سيطرة الحكومة التي التزمت الصمت.


هل تصبح ليبيا «ورقة رابحة» لترمب في معادلة الطاقة الدولية؟

حقل بترول في مدينة راس لانوف شمال ليبيا (أرشيفية - أ.ف.ب)
حقل بترول في مدينة راس لانوف شمال ليبيا (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل تصبح ليبيا «ورقة رابحة» لترمب في معادلة الطاقة الدولية؟

حقل بترول في مدينة راس لانوف شمال ليبيا (أرشيفية - أ.ف.ب)
حقل بترول في مدينة راس لانوف شمال ليبيا (أرشيفية - أ.ف.ب)

اتسعت تداعيات الحرب الإيرانية على أسواق الطاقة، وتصاعدت معها المخاوف من نقص الإمدادات، وفي مواجهة ذلك برزت ليبيا مجدداً بوصفها أحد المفاصل الحيوية في معادلة النفط الدولية، بما تملكه من احتياطات وقدرة على لعب دور بديل في سد الفجوات التي قد تفرضها التحولات المتسارعة.

في قلب هذا المشهد المعقّد، تتبلور قراءات دولية حول موقع ليبيا في حسابات القوى الكبرى، ليتجاوز التساؤل حدود الدور الاقتصادي العابر إلى أبعاد استراتيجية أعمق تتعلق بمدى إمكانية تحوّلها- وهي المثقلة بالانقسامات- إلى «ورقة رابحة» بيد بعض الأطراف، من بينها ترمب، لإعادة ضبط توازنات الطاقة العالمية.

صدام حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي 25 يناير الماضي (القيادة العامة للجيش)

بداية، يربط متابعون ليبيون بين التحرك الدبلوماسي الأميركي في ليبيا وملف الطاقة، بوصفه «الورقة المستهدفة»، مشيرين إلى أن الأزمة السياسية تمثل «الباب الذي تنفذ منه قوى دولية، من بينها أميركا، إلى مشاريع النفط الليبي».

هذا المسار اتبعه موقع «ذا هيل» الأميركي، الذي أشار إلى أن «تناحر الحكومتين المتنافستين في ليبيا وسيطرة الميليشيات على البنية التحتية في البلاد، ما يؤدي إلى تعطيل الإنتاج وتثبيط الاستثمارات، يمثل فرصة فريدة ومهمة أمام ترمب». بل إن «ذا هيل» عدّ ليبيا «فرصة نادرة للتوافق بين الفرص والجدوى. فهي، على عكس إيران، ليست خصماً راسخاً، وعلى عكس فنزويلا، لا تُعرّف بمعارضة أيديولوجية للتدخل الأميركي. بل هي دولة مُجزأة تتشارك فصائلها المتنافسة حافزاً مشتركاً: استعادة إنتاج النفط وعائداته».

الدبيبة مستقبلاً بولس 30 أكتوبر 2025 (مكتب الدبيبة)

وأعلنت «المؤسسة الوطنية للنفط» في ليبيا في الثامن من أبريل (نيسان) الحالي، عن ثلاثة اكتشافات جديدة للنفط والغاز بالتعاون مع شركات طاقة كبرى من إيطاليا وإسبانيا والجزائر.

وحافظت ليبيا على الصدارة في قائمة الدول الأفريقية لاحتياطيات النفط المؤكدة بنحو 48.36 مليار برميل، بحسب النشرة الإحصائية السنوية لمنظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك».

مبالغة في التقديرات

وأمام ما ذهب إليه تقرير «ذا هيل» الأميركي المنشور في 14 من الشهر الحالي، يرى الخبير النفطي الليبي محمد الشحاتي، أن «هناك مبالغة في تقدير ما يمكن لليبيا أن تقدمه في سوق الطاقة العالمية، مقارنة بإمكاناتها من الاحتياطي والقدرة الإنتاجية».

ناقلة «ابن حوقل» الليبية (الشركة الوطنية للنقل البحري في ليبيا)

وقال، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، إن «استقرار سوق الطاقة اليوم لا يتمحور في أوروبا أو أميركا، بل يميل أكثر إلى الأسواق الآسيوية نظراً لطبيعة الطلب ونموه. وهذا يرتبط بالعرض النفطي من منطقة الخليج العربي، سواء عبر مضيق هرمز أو بطرق أخرى».

وعبّر الشحاتي عن خشيته من أن «هناك أوساطاً تجارية أميركية تدفع إدارة البيت الأبيض نحو المغامرة في ليبيا بهدف فرض أو إدامة أوضاع سياسية واقتصادية مصطنعة لتمرير مصالح معينة».

في المقابل، يرى «ذا هيل» أن «التوصل إلى تسوية سياسية مستدامة في ليبيا من شأنه أن يُطلق العنان للإنتاج النفطي، ويجذب الاستثمارات، ويوفر لأوروبا بديلاً موثوقاً وقريباً لخطوط الإمداد في الشرق الأوسط»، لافتاً إلى أنه في الوقت الذي لا يزال مضيق هرمز نقطة اختناق، «تُقدم ليبيا ممراً متوسطياً معزولاً إلى حد كبير عن تقلبات منطقة الخليج».

قطاع الطاقة الأفريقي

ونوّه «ذا هيل» بأن «الفوائد لا تقتصر على الطاقة فقط، بل إن عدم الاستقرار في ليبيا خلق بيئة خصبة لنشاط التنظيمات المتطرفة، بما فيها «داعش» و«القاعدة». ومن شأن تحقيق الاستقرار أن يعزز التنسيق في مكافحة الإرهاب مع الولايات المتحدة وأوروبا، ويدعم الأمن الإقليمي»، ويرى أن الأمر «سيسهم في مواجهة النفوذ المتزايد للصين وروسيا، اللتين تعملان على توسيع وجودهما في قطاع الطاقة الأفريقي. وتُعد ليبيا، نظراً لاحتياطاتها وموقعها الاستراتيجي مكسباً استراتيجياً مهماً».

مصفاة نفط في بلدة راس لانوف شمال ليبيا (أ.ف.ب)

وتنامى الدور الأميركي في ليبيا بشكل لافت عبر وساطات يجريها مسعد بولس مبعوث الرئيس دونالد ترمب للتقريب بين الأفرقاء السياسيين والعسكريين، فضلاً عن جهود في المسار الاقتصادي.

ووقّعت حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس اتفاقاً لتطوير قطاع النفط يمتد على مدار 25 عاماً مع شركتي «توتال إنرجيز» الفرنسية و«كونوكو فيليبس» الأميركية، في خطوة لم تخلُ من معارضة داخلية.

ودافع عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة»، عن الاتفاق في حينه، متوقعاً تحقيق عائدات لا تقل عن 376 مليار دولار خلال 25 عاماً من بداية توقيعه.

ومواكبةً للتقلبات الدولية في سوق النفط، قال الخبير الليبي الشحاتي إنه «من المهم جداً في هذه المرحلة ألا تحدث أي انتكاسات في النظام الإنتاجي النفطي الليبي، ،بعد غلق مضيق هرمز، لأن أي تراجع فيه - لأسباب سياسية أو فنية - ستكون له آثار سلبية كبيرة على السوق العالمية للنفط».

«إيني شمال أفريقيا» تستأنف نشاط الحفر الاستكشافي في المنطقة المغمورة شمال غربي ليبيا - 5 أكتوبر 2025 (المؤسسة الوطنية للنفط)

وحذر الخبير الليبي من أن «أي اضطراب في إنتاج ليبيا لأي سبب، ستكون الدول الأوروبية من أكثر المتأثرين به، ما يهدد استقرار اقتصادها وأمن الطاقة لديها، خصوصاً في غياب المصدر الروسي تحت نظام العقوبات الأوروبي - الأميركي».

ورغم ذلك، انتهى «ذا هيل» إلى أنه «في خضم هذه اللحظة المضطربة التي تؤججها الحرب الإيرانية، لا تمثل ليبيا مجرد تحدٍّ آخر في السياسة الخارجية، بل هي حل استراتيجي».

وفي السادس من أبريل الحالي، أفادت «المؤسسة الوطنية للنفط» الليبي بارتفاع إنتاج النفط الخام في البلاد إلى أعلى مستوى في أكثر من عقد، ليصل إلى 1.43 مليون برميل يومياً.