انهيارات متكررة لعقارات بمصر... على من تقع المسؤولية؟

القاهرة شهدت سقوط 6 منازل خلال أسبوع

انهيار عقار في منطقة السيدة زينب 18 يونيو الحالي (محافظة القاهرة)
انهيار عقار في منطقة السيدة زينب 18 يونيو الحالي (محافظة القاهرة)
TT

انهيارات متكررة لعقارات بمصر... على من تقع المسؤولية؟

انهيار عقار في منطقة السيدة زينب 18 يونيو الحالي (محافظة القاهرة)
انهيار عقار في منطقة السيدة زينب 18 يونيو الحالي (محافظة القاهرة)

أثارت حوادث متكررة لانهيار عقارات في مصر خلَّفت قتلى ومصابين في الآونة الأخيرة تساؤلات حول من الذي تقع عليه مسؤولية هذه الانهيارات، التي أرجعها خبراء إلى «التوسع في البناء دون ترخيص» في فترات سابقة، مما نتج عنه مبانٍ غير مستوفية لشروط البناء.

وفي غضون أسبوع واحد، شهدت مصر 4 حوادث سقوط بنايات أدت إلى مقتل 18 شخصاً. ففي 18 يونيو (حزيران) الحالي، انهار عقار في منطقة السيدة زينب بوسط القاهرة، مما أسفر عن مقتل ثمانية. ومساء اليوم نفسه، انهار مبنى في مدينة الإسكندرية، لكنه كان قديماً لا يسكنه أحد، فلم يتسبب في سقوط ضحايا.

وبعد يومين فقط، انهار منزل في منطقة حدائق القبة بشرق القاهرة، وأدى ذلك إلى انهيار مبنيين آخرين وأودى بحياة 10 أشخاص، وخروج ناجٍ واحد من تحت العقار المنهار بعدما فقد زوجته وطفليه تحت ركامه. وفي غضون 3 أيام أخرى، انهار مبنى في شبرا مصر بشمال العاصمة، في حادث أصيب فيه ثلاثة.

ويُرجع أستاذ الاقتصاد والخبير العقاري ماجد عبد العظيم تكرار مثل هذه الحوادث إلى «البناء غير المطابق».

ويوضح في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن البناء غير المطابق ينقسم إلى نوعين: «إما بناء المبنى بالكامل دون الحصول على تراخيص؛ أو الحصول على ترخيص بعدد محدد من الأدوار، فيقوم صاحب العقار بزيادتها بشكل لا تتحمله أساسيات المبنى، فيصبح أكثر قابلية للانهيار مع حدوث هزات أرضية أو تصدعات في المبنى».

ويوجد في مصر نحو 3 ملايين مبنى مخالف، وفق تصريح لرئيس «لجنة التنمية المحلية» في مجلس النواب المصري، محمد السجيني، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

انهيار مبانٍ في مصر مُخلفة ضحايا (محافظة القاهرة)

وسعت الحكومة المصرية على مدار الأعوام الماضية إلى إنهاء أزمة مخالفات البناء، وشرَّعت عام 2019 قانوناً أجاز «التصالح» في بعض المخالفات وتقنين أوضاعها، مقابل دفع غرامات مالية. ومع العقبات التي واجهت عملية التنفيذ، أقر مجلس النواب المصري تعديلات على القانون في عام 2020، أعقبتها تعديلات أخرى صدرت في عام 2023 لتقديم تسهيلات جديدة للمخالفين من أجل التصالح.

وتنظر الحكومة المصرية إلى ملف تقنين أوضاع البنايات المخالفة على أنه «أحد الملفات المهمة لمنع البناء المخالف والعشوائي»، وفق مراقبين.

قانون التصالح

يقول عبد العظيم إنه من المفترض أن يحد قانون «التصالح في مخالفات البناء» من ظاهرة الانهيارات، إذ إنه لإجراء التصالح يتعين خروج لجنة من المتخصصين لمعاينة المبنى، وبحث ما إذا كانت المخالفات فيه لا تؤثر على أمانه، فتجيز التصالح فيه، وتحدد القيمة لذلك. أما إذا كانت المخالفات تهدد المبنى فمن المفترض أن يُرفض الطلب، ويَصدر قرار بهدم الأدوار المخالفة، أو هدم المبنى إذا كان يهدد قاطنيه.

لكنه حذر من «عدم التزام بعض العاملين في المحليات بالإجراءات»، مشيراً إلى «منح تراخيص لمشاريع تجارية مثل المطاعم أسفل المباني السكنية دون مراعاة لمعايير السلامة»، مذكراً بواقعة حدثت في مايو (أيار) الماضي حين انفجرت أسطوانة غاز داخل مطعم بضاحية مصر الجديدة بشرق القاهرة، ما أدى إلى انهيار 3 أدوار في المبنى.

محافظ القاهرة خلال تفقده انهيار مبنى وتأثيره على مبان أخرى في حدائق القبة في 20 يونيو 2025 (محافظة القاهرة)

ويقول العميد السابق لكلية هندسة المطرية جامعة حلوان محمد ربيع: «قبل إجراء مصالحات على أي مبنى، تُعاين لجنةٌ المبنى وتُجري كافة الاختبارات اللازمة له، وهي من تتحمل المسؤولية القانونية إذا انتهى تقريرها إلى سلامة المبنى، وكان الأمر غير ذلك، أو انهار فيما بعد».

إلى جانب أزمة «البناء المخالف»، توجد أسباب أخرى، في مقدمتها «قِدم وتهالك المبنى»، حسب ربيع الذي أضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «المبنى الخرساني له عمر افتراضي 100 عام، وبعد مرور هذه المدة، لا بد أن يخضع للرقابة المستمرة من قِبل الإدارات المحلية، للتأكد من أمانه، وإلا عرَّض القاطنين فيه للخطر».

وكان محافظ القاهرة أرجع سبب انهيار 3 مبان في حدائق القبة إلى «قِدمها»، قائلاً في تصريحات صحافية آنذاك إنها كانت «مبنية على حوائط حاملة وقديمة».

وقدَّم عضو مجلس النواب المصري سيد شمس الدين، في أبريل (نيسان) الماضي، طلب إحاطة حول ملف «انهيار العقارات»، مطالباً الحكومة «بتنفيذ جميع القرارات الصادرة بشأن العقارات والمنازل القديمة، سواء الخاصة بإزالتها أو ترميمها للحفاظ على أرواح المواطنين».

ويرى ربيع أن البنية التحتية، مثل الصرف الصحي، الذي قد يتسرب إلى داخل المباني من ضمن أسباب انهيارها، وكذلك سوء الاستخدام من قبل السكان، ممن يقومون بعمل توسيعات.

وحمَّل خبير التنمية المحلية في مصر، حمدي عرفة، أجهزة المحليات، مسؤولية انهيار العقارات، مشيراً إلى «سوء إدارة ملف العقارات المخالفة في بعض المحافظات خلال وقت سابق، حيث أثَّرت إدارة ملف تراخيص البناء وقتها على زيادة المباني المخالفة، وانهيار العقارات وارتفاع الأدوار المخالفة»، مطالباً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» بـ«السيطرة على نزيف انهيار المباني في مصر».


مقالات ذات صلة

السيسي يطالب بمراعاة الشواغل الأمنية الخليجية في مفاوضات أميركا وإيران

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري خلال لقائه مع ولي عهد الكويت الأربعاء (الخارجية المصرية)

السيسي يطالب بمراعاة الشواغل الأمنية الخليجية في مفاوضات أميركا وإيران

طالب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأربعاء بمراعاة الشواغل الأمنية الخليجية في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بعد إعلان تعليق العمليات العسكرية.

فتحية الدخاخني (القاهرة )
شمال افريقيا  الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال لقاء بدر عبد العاطي في بيروت نهاية مارس (آذار) الماضي (الخارجية المصرية)

الوضع لا يزال حرجاً... مصر تحذر من استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان

جددت مصر في بيان لوزارة الخارجية، الأربعاء، دعمها وتضامنها الكامل مع لبنان الشقيق، حكومة وشعباً، في هذه المرحلة الدقيقة

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
تحليل إخباري فلسطينيون يبكون خلال تشييع أحد أقاربهم من مستشفى «شهداء الأقصى» في دير البلح يوم الثلاثاء بعد مقتله في غارة إسرائيلية وسط غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «مهلة» ملادينوف لتسليم «سلاح غزة» تعقّد الملف

دخل ملف تسليم سلاح قطاع غزة مرحلة جديدة، مع تحديد الممثل السامي للقطاع في «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف مهلة لتقديم «حماس» رداً على إطاره المطروح حالياً.

محمد محمود (القاهرة)
الاقتصاد واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)

السلطات المصرية تلاحق تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»

أكدت وزارة الداخلية المصرية أنها «تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات خارج السوق المصرفية».

وليد عبد الرحمن (القاهرة)
شمال افريقيا وزيرا خارجية باكستان ومصر خلال لقاء سابق تناول الأوضاع الإقليمية وجهود التهدئة في حرب إيران («الخارجية» المصرية)

جهود الوسطاء تتواصل لمنع «السيناريو الكارثي» في حرب إيران

تتواصل جهود الوسطاء بهدف وقف التصعيد الجديد في المنطقة، وتجنيبها «سيناريو كارثياً»، وفق تحذيرات مصرية رسمية دعت لترجيح الحوار والدبلوماسية.

محمد محمود (القاهرة)

أهالي في شمال السودان يرفضون إيواء نازحين في مناطقهم

أهالي منطقة دقلو في شمال السودان يرفعون لافتة رفضاً لاستقبال النازحين (فيسبوك)
أهالي منطقة دقلو في شمال السودان يرفعون لافتة رفضاً لاستقبال النازحين (فيسبوك)
TT

أهالي في شمال السودان يرفضون إيواء نازحين في مناطقهم

أهالي منطقة دقلو في شمال السودان يرفعون لافتة رفضاً لاستقبال النازحين (فيسبوك)
أهالي منطقة دقلو في شمال السودان يرفعون لافتة رفضاً لاستقبال النازحين (فيسبوك)

نظم أهالي من بلدة دلقو، في مدينة حلفا، أقصى شمال السودان، وقفة احتجاجية أمام مقر الحكومة المحلية، رفضاً لاستقبال نازحين في مناطقهم، في وقت أعربت فيه حكومة إقليم دارفور، عن إدانتها الشديدة لأي محاولات أو دعوات تستهدف إخراج النازحين من أي منطقة لجأوا إليها في السودان.

وتدفَّق عشرات الآلاف من النازحين الجدد الفارّين من مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، بعد سيطرة «قوات الدعم السريع» عليها، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إلى شمال السودان.

وأثار اعتراض أهالي المنطقة جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث عبّر كثيرون عن رفضهم بشدة لهذا الموقف الذي وصفوه بالمتطرف.

نازحون سودانيون من الفاشر في بلدة طويلة شمال دارفور 11 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

وسلَّم المحتجون المدير الإداري في السلطة المحلية، مذكرة ترفض السماح بإقامة معسكرات للنازحين في محليات حلفا.

ويؤوي «مخيم العفاض» في مدينة الدبة، بالولاية الشمالية، أكثر من 25 ألف شخص فروا من القتال الدائر في ولايتي دارفور وكردفان، وهم يواجهون أوضاعاً إنسانية قاسية جراء نقص الإيواء والغذاء.

وقالت حكومة إقليم درفور، التي يرأسها قائد «حركة جيش تحرير السودان»، مني أركو مناوي، في بيان صحافي: «إن ما يتعرض له النازحون من مضايقات أو محاولات إقصاء في بعض المناطق، يُعدّ امتداداً لمخطط خبيث يستهدف تفكيك النسيج الاجتماعي السوداني».

وأضافت: «إن هذا النهج يشبه ما دأبت عليه (قوات الدعم السريع) في تأجيج الصراعات القبلية، وبث خطاب الكراهية والانقسام لخدمة أجندتها الرامية إلى إضعاف وتقسيم البلاد».

وذكر البيان أن النازحين «أجبروا على مغادرة مناطقهم بسبب القتل والترويع وحرق قراهم، والآن يعيشون أوضاعاً إنسانية بالغة التعقيد».

وحذر من الانسياق وراء هذه الدعوات، مؤكداً أن حكومة الإقليم «ستقاضي أي جهة أو فرد يشارك في التحريض أو ممارسة أي شكل من أشكال التمييز ضد النازحين، ولن تتساهل مع أي تجاوز يهدد السلم الاجتماعي».

آلاف اللاجئين من دارفور يعيشون حالياً بـ«مخيم أدري» الحدودي في تشاد (رويترز)

وجددت الحكومة التأكيد على «التزامها الكامل بالقيام بمسؤولياتها بالتنسيق مع السلطات في الحكومة الاتحادية، وكافة الشركاء لتوفير الحماية والرعاية اللازمة للنازحين في كل المناطق بالبلاد».

واستنكر نشطاء مدنيون من رواد مواقع التواصل الاجتماعي بشدة، احتجاج بعض سكان الولاية الشمالية على استقبال النازحين في وطنهم، في وقت فتحت دول الجوار أبوابها أمام الآلاف من اللاجئين السودانين، ودعوا إلى «عدم التساهل مع أي دعوة أو خطاب يبث الكراهية بين السودانيين».


هل تنقذ الوساطة المحلية «القضاء الليبي» من الانقسام؟

TT

هل تنقذ الوساطة المحلية «القضاء الليبي» من الانقسام؟

أفضت جهود وساطة محلية، قادها قضاة وأساتذة قانون وبرلمانيون ليبيون، إلى طرح ثلاثة مقترحات لاحتواء أزمة تهدد بتسلل الانقسام إلى السلطة القضائية، التي باتت تتقاسمها جهتان تتنازعان رئاسة المجلس الأعلى للقضاء في كل من طرابلس وبنغازي، في بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً منذ عام 2011.

وجاءت هذه المبادرة بدعم من بعثة الأمم المتحدة، التي دعت السلطات الليبية إلى التعاطي «السريع والبنّاء» مع المقترحات بحسن نية، بما يحد من مخاطر تعميق الانقسام، بحسب بيان صدر الثلاثاء، غير أن هذه الجهود أثارت تساؤلات بشأن مدى قدرتها على إنقاذ القضاء الليبي من الانقسام.

النائب العام الليبي الصديق الصور في لقاء مع المحامين العامين لدى عدد من محاكم الاستئناف الاثنين (مكتب النائب العام)

وقال وسطاء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» إن نجاح جهودهم مرهون بتغليب الأطراف للصالح العام، والتوافق بين الأفرقاء السياسيين، مع الالتزام بمنطق الوساطة والتعاون لتطوير المقترحات، محذرين من أن استمرار الخلاف، أو التدخلات الخارجية، قد يعرقل التوصل إلى حل ويعمّق أزمة الانقسام القضائي.

وتشمل الحلول التي قدمها الوسطاء ثلاثة مقترحات لمعالجة قضايا خلافية، هي إعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، وإنشاء دائرة دستورية مستقلة ضمن هيكل المحكمة العليا، ومعالجة الآثار المترتبة على الحكم بعدم دستورية قانون أصدره مجلس النواب قبل أعوام.

وينص التقرير النهائي للجنة، الذي اطلعت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، على أن يضم المجلس الأعلى للقضاء ثمانية رؤساء محاكم ومسؤولين قضائيين، ويُعيَّن رئيسه من قبل البرلمان من بين ثلاثة مرشحين من المجلس، على أن يكون النائب العام نائباً له.

وأبدى المستشار مبروك الفاخري، عضو لجنة الوساطة، ارتياحه للنتائج التي خلصت إليها اللجنة، مؤكداً أنها بذلت جهوداً مكثفة، وقدمت مقترحاتها الثلاثة لمعالجة الأزمة، مشيراً إلى عقد «جلسات مع الأطراف القضائية المعنية التي وافقت على الانخراط مع الوسطاء، بهدف التوصل إلى حل وسط يُخرج القضاء من أزمته».

وأضاف الفاخري أن «الحل أصبح يحتاج إلى توافق بين مجلسي النواب والأعلى للدولة» لاعتماد المقترحات المطروحة، محذراً من أن استمرار الخلاف قد يفضي إلى «مخاطر الانقسام القضائي، الذي سيؤثر على العدالة في ليبيا وسمعتها الخارجية».

اجتماع المجلس الأعلى للقضاء برئاسة بورزيزة في طرابلس في الأول من أبريل (إدارة التفتيش على الهيئات القضائية)

وفي ظل أزمة غير مسبوقة، تتنازع جهتان على إدارة المجلس الأعلى للقضاء؛ إحداهما في طرابلس، وترتبط بالمحكمة العليا برئاسة عبد الله بورزيزة، والأخرى برئاسة مفتاح القوي والمدعومة من مجلس النواب، والتي أعلنت نقل بعض الإدارات مؤقتاً إلى بنغازي، بدعوى «القوة القاهرة».

وبحسب عضو لجنة الوساطة، الدكتور الكوني عبودة، فإن نجاح أي مساعٍ للوساطة في حل أزمة القضاء في ليبيا يظل مرهوناً بجملة من الشروط المرتبطة بسلوك الأطراف المعنية وطبيعة التعاطي مع مبادرات الحل، وفق ما أفاد به «الشرق الأوسط».

وقال عبودة، وهو أستاذ قانون في جامعة طرابلس، إن ذلك «يرتبط أولاً بمدى تغليب الأطراف للصالح العام، والابتعاد عن الإمعان في الخصومة»، مضيفاً أن نجاح الوساطة «يتطلب التقيد بمنطقها، الذي يفترض تعاون الأطراف من خلال تقديم ملاحظاتهم حول مقترح اللجنة لتعديله في ضوء ذلك».

وشدد عبودة على أن «الحالة الليبية توجب تخلي الدول المتدخلة في الشأن الليبي، بشكل أو بآخر، عن إعاقة هذه المحاولة»، دون أن يسمى تلك الدول.

وتعود جذور الأزمة إلى نحو ثلاثة أعوام، عندما أصدر مجلس النواب قوانين لإعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، تضمنت تعديلات جوهرية، من بينها منح البرلمان سلطة تعيين رئيسه وإنشاء محكمة دستورية، وهو ما أثار انقساماً سياسياً وقضائياً.

في المقابل، اعتبرت سلطات في طرابلس تلك الخطوات محاولة للسيطرة على القضاء، قبل أن تصدر أحكام في يناير (كانون الثاني) الماضي، تقضي بعدم دستورية، لتنزلق الأزمة إلى منحى انقسامي بتنازع سلطتين على المجلس الأعلى للقضاء.

غير أن انتهاء مهمة فريق الوساطة الليبي في أزمة القضاء، التي استمرت على مدى شهرين ودعمتها الأمم المتحدة مبكراً، لم يبدد الشكوك حول فرص التوصل إلى حل، خصوصاً بعد إنكار طرف النزاع في بنغازي وجود أي لجنة وساطة أو مبادرة أممية رسمية.

وذهب الطرف، الذي يترأسه المستشار القوي، إلى القول إن «الحل يكمن في تعديل كامل للبناء المؤسسي للنظام القضائي»، داعياً، في بيان فجر الأربعاء، إلى حوار مباشر بين مجلسه وبين البعثة الأممية والمحكمة العليا لدراسة مقترحات أخرى، أهمها ما يتم تدارسه في جامعة بنغازي.

ويرى أستاذ القانون الدستوري الدكتور ضو المنصوري أن «فرص نجاح أي مساعٍ للوساطة تظل منعدمة ما لم تُعالج أسباب الأزمة، وفي مقدمتها عدم التزام مجلس النواب بأحكام المحكمة العليا، التي قضت بعدم دستورية قانون 2020، الذي منح البرلمان سلطة حصرية في تعيين المجلس الأعلى للقضاء والنائب العام»، بحسب قوله.

وقال المنصوري لـ«الشرق الأوسط» إن «القانون المقضي بعدم دستوريته يتعارض مع الإعلان الدستوري، الصادر عام 2011، والذي يكفل استقلال السلطة القضائية، وهو ما يضع هذا الاستقلال موضع شك حقيقي».

في غضون ذلك، تتزايد المخاوف مع استمرار تبادل القرارات بين الجهتين المتنازعتين في طرابلس وبنغازي، بما في ذلك قرارات تعيين وندب قضاة؛ إذ يحذر المنصوري من أن «هذا الوضع المنقسم قد يفتح الباب للطعن في أي أحكام تصدر عنهما مستقبلاً».

وظل القضاء الليبي، إلى حد كبير، متماسكاً رغم الانقسامات السياسية التي تشهدها البلاد منذ عام 2014، فيما كررت الأمم المتحدة وجهات قضائية التحذير، على وقع هذه الأزمة، من أن أي انقسام داخل السلطة القضائية يهدد وحدة الدولة.

يشار إلى أن لجنة الوساطة في أزمة القضاء ضمت في عضويتها، إلى جانب الفاخري وعبودة، كلاً من المستشار حسين البوعيشي، والمستشار سعد عقيلة، والمستشار على التواتي، وعضو المجلس الأعلى للدولة فتح الله السريري، وعضو مجلس النواب مولود الأسود، والمحامي عصام الماوي.


السيسي يطالب بمراعاة الشواغل الأمنية الخليجية في مفاوضات أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري خلال لقائه مع ولي عهد الكويت الأربعاء (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقائه مع ولي عهد الكويت الأربعاء (الخارجية المصرية)
TT

السيسي يطالب بمراعاة الشواغل الأمنية الخليجية في مفاوضات أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري خلال لقائه مع ولي عهد الكويت الأربعاء (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقائه مع ولي عهد الكويت الأربعاء (الخارجية المصرية)

طالب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الأربعاء، بمراعاة الشواغل الأمنية الخليجية في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بعد إعلان تعليق العمليات العسكرية، وذلك تزامناً مع زيارة وزير الخارجية بدر عبد العاطي إلى الكويت لتأكيد التضامن والتشاور حول التطورات في المنطقة، وسط حديث عن «دور محوري» للقاهرة في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران.

وكانت إيران والولايات المتحدة قد اتفقتا على وقف إطلاق النار قبل قليل من انتهاء المهلة التي حدَّدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مساء الثلاثاء. وكتب ترمب على منصته «تروث سوشيال» أن الخطة الإيرانية التي قُدمت إليه والمؤلفة من 10 نقاط توفِّر أساساً للمفاوضات «قابلاً للتطبيق».

ورحب السيسي في منشور عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، الأربعاء، بإعلان التوصل لاتفاق بين واشنطن وطهران، آملاً أن «يُكلَّل ذلك التطور الإيجابي باتفاق دائم لوقف الحرب في المنطقة».

وجدّد الرئيس المصري التأكيد على دعم بلاده «الكامل وغير المشروط» لدول مجلس التعاون الخليجي والأردن والعراق في هذه «الظروف الدقيقة»، مؤكداً «أهمية أن يراعي أي اتفاق مقبل الشواغل والمتطلبات الأمنية المشروعة لها».

كما رحبت مصر عبر وزارة خارجيتها، في الساعات الأولى من يوم الأربعاء، بإعلان ترمب تعليق العمليات العسكرية في المنطقة لمدة أسبوعين، وقالت إن «أمن دول الخليج واستقرارها يرتبط بشكل وثيق بأمن واستقرار مصر»، مؤكدة على «مواصلة جهودها الحثيثة مع باكستان وتركيا في العمل مع الشركاء الإقليميين والدوليين لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة».

عبد العاطي بالكويت

في سياق متصل، توجه وزير الخارجية المصري، الأربعاء، إلى الكويت حيث التقى ولي العهد الشيخ صباح خالد الحمد المبارك الصباح، وسلمه رسالة خطية من الرئيس السيسي إلى أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، تؤكد على «تضامن مصر الكامل والثابت مع الكويت خلال هذه المرحلة الدقيقة، ووقوفها الكامل بجانبها في مواجهة الاعتداءات الآثمة التي تعرضت لها»، حسب إفادة لوزارة الخارجية المصرية.

محادثات وزير الخارجية المصري وولي عهد الكويت الأربعاء (الخارجية المصرية)

وأشاد الصباح «بدور مصر المحوري في الدفاع عن أمن الكويت والأمن القومي الخليجي والعربي وكونها ركيزة الاستقرار في المنطقة»، وفقاً لما ورد في الإفادة.

وكانت مسألة دعم الخليج محور بيان آخر لوزارة الخارجية المصرية، الأربعاء، «أدان واستنكر بشكل قاطع أعمال الاقتحام والتخريب التي استهدفت مقر القنصلية العامة للكويت في البصرة»، كما أدان «الاعتداءات الآثمة التي استهدفت منشآت الطاقة والبنية التحتية في الكويت والمنطقة الشرقية بالسعودية، وكذلك منشآت الاتصالات بالإمارات، والاستهدافات المستهجنة للمنشآت المدنية في قطر والبحرين».

«الشواغل الأمنية»

ويرى الأكاديمي المصري المختص بالشؤون الاستراتيجية والأمن الإقليمي، خالد عكاشة، أن تأكيد الرئيس السيسي على أهمية «الشواغل الأمنية الخليجية» وزيارة عبد العاطي للكويت يُبرزان «موقف مصر الداعم للخليج، ورغبتها في استمرار التنسيق مع الشركاء في المنطقة».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «القاهرة منذ اللحظة الأولى كانت معنية بالصراع وتداعياته الكبيرة على دول المنطقة، وكانت تخشى الانزلاق إلى ما هو أصعب».

وأضاف: «مصر انخرطت في جهود وساطة لخفض التصعيد، وفتحت اتصالات مع الجميع مستغلة مساحة الثقة التي تحظى بها لدى جميع الأطراف المعنية لخدمة الإقليم ومصالحه واستقراره»، لافتاً إلى الاجتماع الرباعي الذي عقد في إسلام آباد الشهر الماضي بمشاركة السعودية ومصر وباكستان وتركيا، وقال إن هذا الاجتماع «أسهم في وضع تصور عربي للحل، تم البناء عليه واستمر بعد ذلك عن طريق باكستان».

اجتماع رباعي بين السعودية ومصر وباكستان وتركيا على هامش اجتماع تشاوري في الرياض الشهر الماضي (الخارجية المصرية)

واتفق في الرأي عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، يوسف زادة، الذي قال إن الاجتماع الرباعي في إسلام آباد «هو الذي مهد الطريق للاتفاق بين واشنطن وطهران».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «مصر على كل المستويات كانت حريصة على أمن الخليج ودعمه، وبدا ذلك واضحاً في جولات السيسي وعبد العاطي في عدد من الدول الخليجية»، وتأكيدهما على «مراعاة شواغل الخليج الأمنية في أي اتفاق».

وزار الرئيس المصري، الشهر الماضي، كلاً من السعودية والبحرين والإمارات وقطر في إطار جولتين خليجيتين لتأكيد التضامن وإدانة الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، كما قام عبد العاطي بجولة مماثلة.

جهود الوساطة

وكان الدور المصري في جهود الوساطة محور حديث على منصات التواصل الاجتماعي بعدما كتب الصحافي في موقع «أكسيوس» باراك رافيد، عبر حسابه على منصة «إكس»، أن «باكستان تصدرت جهود الوساطة، لكن في الكواليس لعبت مصر دوراً محورياً في سد الفجوات بين الولايات المتحدة وإيران».

وأشار الكاتب إلى أن مصر «كانت لاعباً محورياً في اتفاقي وقف إطلاق النار في غزة وإيران»، مضيفاً أن تركيا أيضاً ساعدت في جهود الوساطة.

وثمَّنت سفارة بريطانيا في القاهرة، عبر منشور على منصة «إكس» الأربعاء، «الدور المهم الذي اضطلعت به باكستان ومصر وجميع الوسطاء في التوصل إلى هذه النتيجة».

كما شاركت حسابات سفارة الاتحاد الأوروبي في القاهرة منشوراً للسفيرة أنجلينا آيخهورست رئيسة بعثة الاتحاد الأوروبي لدى مصر و جامعة الدول العربية، الأربعاء، قالت فيه عبر منصة «بلوسكاي»: «لعبت باكستان وتركيا ومصر دوراً رئيسياً في سد الفجوات، وإيجاد الكلمات المناسبة، والعمل بقوة من أجل التوصل إلى حل سلمي».

وأضافت: «كانت مصر عنصراً أساسياً في التوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة، ولا تزال تلعب دوراً مهماً في تنفيذ خطة السلام الخاصة بغزة، التي تم الاتفاق عليها في شرم الشيخ».

هذه الإشادات تداولها رواد مواقع التواصل الاجتماعي؛ وقال المدون المصري لؤي الخطيب، عبر حسابه على منصة «إكس»، إن «مصر تدخلت في لحظة حاسمة لإنقاذ المحادثات من الانهيار».

وكتب الإعلامي المصري، أحمد موسى، عبر حسابه على «إكس»، أن مصر «لعبت دوراً تاريخياً عظيماً طوال 40 يوماً من الجهود والعمل مع كل الأطراف من الولايات المتحدة وإيران وباكستان وتركيا والدول العربية».