زيارة أميركية تُنعش طموحات «أرض الصومال» بالاعتراف الدولي

وفد برئاسة سفير واشنطن وقائد «أفريكوم» في مدينة «بربرة» الاستراتيجية

وفد أميركي خلال زيارة «أرض الصومال» (رئاسة أرض الصومال على «إكس»)
وفد أميركي خلال زيارة «أرض الصومال» (رئاسة أرض الصومال على «إكس»)
TT

زيارة أميركية تُنعش طموحات «أرض الصومال» بالاعتراف الدولي

وفد أميركي خلال زيارة «أرض الصومال» (رئاسة أرض الصومال على «إكس»)
وفد أميركي خلال زيارة «أرض الصومال» (رئاسة أرض الصومال على «إكس»)

زيارة أميركية دبلوماسية وأمنية لإقليم «أرض الصومال» التي تملك ميناء استراتيجياً على البحر الأحمر، تأتي بعد شهر من طرْق هرجيسا أبوابَ الولايات المتحدة؛ بحثاً عن تعزيز العلاقات ونيل اعتراف دولي بعد الانفصال عن مقديشو قبل عقود.

الزيارة الجديدة أكّدتها سفارة واشنطن في الصومال، بينما لم تعلق عليها مقديشو التي ترفض أي اعتراف بالإقليم الانفصالي، لكنها ستكون بحسب خبير في الشأن الصومالي والأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، بمثابة دفعة جديدة لطموحات هرجيسا في الانضمام للأسرة الدولية كدولة مستقلة، غير أنها محفوفة بالمخاطر، وليس سهلاً أن تتم قريباً لظروف مرتبطة بتعقيدات التنافس الإقليمي بتلك المنطقة وأزماتها المتكررة.

والإقليم الانفصالي يملك ساحلاً بطول 740 كيلومتراً على خليج عدن، ويحتل موقعاً استراتيجياً عند نقطة التقاء المحيط الهندي بالبحر الأحمر في منطقة القرن الأفريقي، ولا يحظى باعتراف دولي منذ انفصاله عن جمهورية الصومال الفيدرالية عام 1991.

وكشفت «رئاسة أرض الصومال» عبر حسابها بمنصة «إكس» أن حكومة الإقليم «استقبلت، الجمعة، وفداً رفيع المستوى من الولايات المتحدة الأميركية برئاسة السفير ريتشارد رايلي، بمشاركة قائد القيادة الأميركية في أفريقيا، مايكل لانغلي، وتمت مناقشة المصالح الأمنية والبحرية والدفاعية المشتركة، فضلاً عن زيارة مدينة بربرة الساحلية لتقييم قدرات البنية التحتية اللازمة لتعزيز التعاون الأمني والقدرات الدفاعية».

وأكّد رايلي «التزام الولايات المتحدة الطويل الأمد بدعم وتعزيز الأمن الإقليمي»، مقابل تأكيد «أرض الصومال» عميق امتنانها وشكرها الصادق للولايات المتحدة على دعمها الثابت والتزامها بالسلام الإقليمي.

وذكر حساب رئاسة الإقليم، عبر منصة «إكس»، عقب الزيارة أن رئيس إدارة «أرض الصومال»، عبد الرحمن محمد عبد الله «عرو»، «أعرب عن ترحيبه وسعادته بالوفد الأميركي، وأكد الالتزام المشترك لتعزيز التعاون الثنائي في مجالات الدفاع والأمن والتجارة، والتطلع إلى تعميق هذه الشراكة الناشئة».

وعلى مدار سنوات، كان ميناء بربرة الاستراتيجي محلّ صراع نفوذ إقليمي ودولي في إقليم القرن الأفريقي، ووقَّعت إثيوبيا مطلع 2024 مع أرض الصومال مذكرة تفاهم، تسمح لأديس أبابا غير الساحلية باستئجار 20 كيلومتراً حول الميناء تتيح لها إمكانية الوصول إلى البحر الأحمر لمدة 50 سنة لأغراضها البحرية والتجارية، مقابل الاعتراف بأرض الصومال، وسط رفض صومالي، وبدء مفاوضات برعاية تركية مع مقديشو لبحث حلّ خلال 4 أشهر بناءً على اتفاق وقّعه البلدان في أواخر العام الماضي.

ونقلت صحيفة «فايننشيال تايمز» البريطانية، في مارس (آذار) الماضي عن مسؤول أميركي كبير، لم تذكر اسمه، أن «إدارة ترمب بدأت مفاوضات مع قيادة أرض الصومال بشأن الاعتراف الرسمي، مقابل اهتمام واشنطن بتأمين وجود عسكري طويل الأمد في بربرة، وهو ميناء عميق المياه على خليج عدن أصبح محوراً للتنافس الجيوسياسي في القرن الأفريقي، في ظل قلق الولايات المتحدة من تزايد النفوذ الصيني المتنامي في المنطقة، خصوصاً بعد أن حصلت بكين على قاعدة عسكرية في جيبوتي المجاورة».

وتأتي الزيارة بعد نحو شهر من زيارة وزير خارجية أرض الصومال عبد الرحمن طاهر آدم، ووفد مرافق له، واشنطن حيث التقى مسؤولين كباراً في الإدارة الأميركية، ونواباً وخبراء، ومحللين للسياسة الخارجية الأميركية، في واشنطن، لبحث تعزيز التعاون، وفق بيان لوزارة الإقليم الانفصالي في أواخر مايو (أيار) الماضي.

رئيس إدارة «أرض الصومال» خلال استقبال وفد من الولايات المتحدة (رئاسة أرض الصومال على «إكس»)

وبرأي الخبير في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، فإن «زيارة وفد أميركي رفيع المستوى، برئاسة سفير واشنطن في الصومال وقائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، إلى أرض الصومال ومدينة بربرة الاستراتيجية، ليست مجرد زيارة دبلوماسية عادية، بل تحمل أبعاداً سياسية وعسكرية واستراتيجية عميقة، خصوصاً في سياق التنافس الدولي المتزايد على القرن الأفريقي والبحر الأحمر».

ويعتقد بري أنه «من المؤكد أن الزيارة ستُعزز من طموحات أرض الصومال بالاعتراف الدولي، وتنعشها، لكنها لا تعني بالضرورة أن هذا الاعتراف بات وشيكاً»، مؤكداً أن «هذه الزيارة تعكس اهتماماً أميركياً متزايداً بالمنطقة، ولكن واشنطن لم تُغيّر رسمياً موقفها المعلن، الذي لا يزال يعترف بوحدة أراضي الصومال».

ويرى أن «ميناء بربرة أصبح جزءاً مهماً من الحسابات الجيوسياسية، فاستراتيجياً موقعه على خليج عدن وعلى طرق الملاحة العالمية، يجعله مطمعاً للقوى الكبرى، ولا سيما الصين وأميركا، وعسكرياً يُرجح أن واشنطن تنظر إليه كبديل أو مكمل لقاعدتها في جيبوتي، لمواجهة النفوذ الصيني المتزايد هناك»، معتقداً أن «ميناء بربرة قد يكون ورقة تفاوضية تُستخدم ضمن معادلة الاعتراف أو الدعم السياسي غير الرسمي، حتى لو لم يُترجم ذلك إلى اعتراف دبلوماسي مباشر في المدى القريب».

ولم تعلق مقديشو رسميّاً حتى السبت على الزيارة، لكن الموقف الصومالي الرسمي سبق أن رفض استئجار ميناء بربرة كما حدث مع إثيوبيا. وحذّر الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، في مقابلة مع صحيفة «واشنطن بوست»، في فبراير (شباط) الماضي، من أن بعض المقربين من ترمب يسعون إلى دفعه للاعتراف رسمياً بـ«أرض الصومال»، مؤكداً أن «هذا قد يشكّل تهديداً لتغيير حدود القارة الأفريقية».

واستدعت وزارة الخارجية الصومالية، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 السفير الدنماركي، ستين أندرسن؛ على خلفية «انتهاكه سيادة وحدة البلاد»، عقب مشاركته بانتخابات الإقليم الانفصالي.

وبحسب بري، فإن «الصومال سترى في هذا التوجه انتهاكاً لسيادتها، وقد تعبر عن احتجاج رسمي أو دبلوماسي، بينما دول الجوار ستتباين موافقها، فإثيوبيا قد ترحب ضمنياً، خاصةً بعد إعلان رغبتها في الوصول إلى البحر من خلال بربرة، وجيبوتي قد ترى في ذلك تهديداً مباشراً لمكانتها كمركز لوجستي وقاعدة عسكرية أميركية وصينية».

بينما دول كبرى مثل الصين وروسيا ستفسر هذه الزيارة ضمن إطار الصراع الجيوسياسي المتصاعد، خصوصاً في ظل محاولة واشنطن الحدّ من النفوذ الصيني في المواني والطرق البحرية، وفق بري.

ويخلص إلى أن الاعتراف الرسمي الكامل من واشنطن لا يبدو قريباً، لأن هذا قد يشجع حركات انفصالية أخرى في أفريقيا، بخلاف أن ذلك التحرك بحاجة إلى موافقة الاتحاد الأفريقي والهيئات الإقليمية، التي لا تزال تُؤكد على وحدة الصومال، موضحاً: «لكن هذا لن يمنع من حدوث اتفاقيات أمنية واقتصادية مباشرة مع أرض الصومال، بخلاف دعم مشروعات بنى تحتية، وزيارات متكررة لمسؤولين أميركيين».


مقالات ذات صلة

أزمة تيغراي... مسار قلق إثيوبي بانتظار مقاربة دولية

أفريقيا مسلحون في تيغراي يقومون بتسليم الأسلحة الخفيفة إلى قوات الدفاع الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)

أزمة تيغراي... مسار قلق إثيوبي بانتظار مقاربة دولية

رغم أن الانتخابات الإثيوبية العامة تُظهر نتائجها الأولية حالة من الاستقرار مع فوز كبير لحزب «الازدهار» الحاكم، فإن هناك مخاوف من تجدد الصراع في اقليم تيغراي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء استقبال نظيره الإريتري عثمان صالح في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)

القاهرة تُطالب بتفعيل «مجلس البحر الأحمر» سريعاً لحفظ الأمن الجماعي

شدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي على ضرورة الإسراع في تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال مشاركته في القمة الكورية - الأفريقية مطلع هذا الشهر (الخارجية المصرية)

مصر تتجه لإرجاء القمة الأفريقية في العلمين بسبب «إيبولا»

قال مصدر مصري مسؤول إن هناك اتجاهاً لتأجيل «قمة منتصف العام التنسيقية» للاتحاد الأفريقي التي كانت مقررة نهاية الشهر الجاري بسبب «إيبولا».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مستقبلاً نظيره الإريتري في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)

أمن «البحر الأحمر» يتصدر محادثات السيسي وأفورقي في القاهرة

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء بالقاهرة مع نظيره الإريتري أسياسي أفورقي، الاثنين، على ضرورة مواصلة العمل من أجل الارتقاء بالعلاقات بين البلدين.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا محادثات سابقة بين الرئيس الصومالي ورئيس الوزراء الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

«أرض الصومال» يعيد فتح بوابة البحر لإثيوبيا... والتوتر مع مقديشو يتسع

قال وزير خارجية «أرض الصومال»، عبد الرحمن طاهر آدم، إن «لإثيوبيا الحق في الوصول إلى منفذ بحري»، مما قد يصعّد التوتر مع جمهورية الصومال.

محمد محمود (القاهرة )

تحقيق في حادثة سقوط طائرة تدريب مدنية بمصر

وزارة الطيران المدني المصرية تحقق في واقعة سقوط طائرة تدريب مدنية (رويترز)
وزارة الطيران المدني المصرية تحقق في واقعة سقوط طائرة تدريب مدنية (رويترز)
TT

تحقيق في حادثة سقوط طائرة تدريب مدنية بمصر

وزارة الطيران المدني المصرية تحقق في واقعة سقوط طائرة تدريب مدنية (رويترز)
وزارة الطيران المدني المصرية تحقق في واقعة سقوط طائرة تدريب مدنية (رويترز)

وجّه وزير الطيران المدني المصري، سامح الحفني بـ«فتح تحقيق فوري وعاجل للوقوف على أسباب وملابسات الحادث الذي تعرضت له، الجمعة، إحدى طائرات التدريب التابعة لـ(الأكاديمية المصرية لعلوم الطيران) بمطار السادس من أكتوبر في محافظة الجيزة من خلال (الإدارة المركزية لحوادث الطيران التابعة لوزارة الطيران المدني».

وكلف الحفني بـ«إجراء مراجعة شاملة لكافة الإجراءات المرتبطة بالواقعة، واتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية وإدارية في ضوء ما تسفر عنه نتائج التحقيقات»، مؤكداً «عدم التهاون في محاسبة أي مسؤوليات أو أوجه تقصير قد تثبتها التحقيقات».

وقضى طيار مصري، وأصيبت متدربة في حادث سقوط إحدى طائرات التدريب التابعة للأكاديمية المصرية لعلوم الطيران.

وتقدم الحفني، في إفادة مساء الجمعة، بـ«خالص التعازي وصادق المواساة إلى أسرة الطيار الراحل»، بينما وجّه على الفور بتقديم جميع أوجه الرعاية الطبية اللازمة للمتدربة المصابة، مع المتابعة المستمرة لحالتها الصحية، وتوفير جميع سبل الدعم اللازم لها.

وأكدت وزارة الطيران المدني في بيان «التزامها الكامل بتطبيق أعلى معايير السلامة والأمان، واتخاذ الإجراءات اللازمة كافة وفقاً لما تسفر عنه نتائج التحقيقات، بما يعزز منظومة السلامة الجوية، ويضمن الحفاظ على أعلى مستويات الكفاءة التشغيلية».


التصنيع العسكري المحلي... رهان مصري للحد من الإنفاق

إحدى القطع العسكرية المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
إحدى القطع العسكرية المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
TT

التصنيع العسكري المحلي... رهان مصري للحد من الإنفاق

إحدى القطع العسكرية المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
إحدى القطع العسكرية المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)

تراهن مصر على تعزيز «التصنيع العسكري المحلي» للحد من الإنفاق على التسليح، مع إعلان القاهرة عن إنتاج متنوع من مدرعات وطائرات وأنظمة دفاع جوي محلياً، بالتوازي مع استراتيجية تنويع مصادر استيراد السلاح من الخارج، وكذلك تعدد التعاون مع دول أخرى في مجال التصنيع المشترك.

وسجلت مصر النسبة الأدنى بين الدول العربية في الإنفاق العسكري العام الماضي، بنسبة 0.61 في المائة، حسب تقرير صادر أخيراً عن «معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام».

ويساعد الإنتاج المحلي للسلاح في تقليل الضغط على العملة الأجنبية المخصصة للاستيراد من الخارج، وفقاً لخبراء عسكريين أشاروا لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «نمط الحروب الحديثة قائم على استهلاك كم كبير من الأسلحة والذخيرة، ما يفرض ضرورة توفير إمداد مستمر من التسليح»، وقالوا إن «الإنتاج المحلي يعزز من قدرات الإمداد الآمن حال اندلاع أي مواجهات».

ويتبنى الجيش المصري خطة تطوير شاملة لكل الأفرع والتخصصات في السنوات الأخيرة، من بينها تنويع مصادر التسليح الجديد، إلى جانب إبرام شراكات مع كبرى الدول في مجال التصنيع العسكري، حسب تقرير للهيئة العامة للاستعلامات المصرية.

وتتحرك الحكومة بقوة لزيادة الاعتماد على الإنتاج الحربي المحلي، وفق وزير الدولة للإنتاج الحربي صلاح سليمان جمبلاط، الذي أشار إلى أن «المرحلة الحالية تعتمد على توطين أحدث التكنولوجيات الصناعية داخل مصر، بما يضمن رفع كفاءة الإنتاج وتحقيق تنافسية للمنتجات المصرية»، وقال إن «خطة الإنتاج المحلي تستهدف الدخول في شراكات جديدة مع القطاع الخاص، لتقليل الفاتورة الاستيرادية ودعم الاقتصاد الوطني»، حسب إفادة للوزارة في شهر أبريل (نيسان) الماضي.

ذخائر محلية الصنع في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)

وأظهرت بيانات صادرة عن «معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام» (سيبري) انخفاض الإنفاق العسكري بمصر عام 2025، وأشار التقرير إلى أن «مصر سجلت النسبة الأدنى بين الدول العربية من حيث الإنفاق العسكري بواقع 0.61 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي».

وحسب تقرير «معهد استوكهولم»، فإن «الإنفاق العسكري العالمي بلغ 2887 مليار دولار في عام 2025، مسجلاً زيادة قدرها 2.9 في المائة، مقارنة بعام 2024»، في حين تصدرت الجزائر قائمة الدول العربية من حيث الإنفاق العسكري بواقع 8.83 في المائة من الناتج المحلي.

وأعلنت الحكومة المصرية إنتاج أسلحة متطورة محلياً، من بينها مدرعات وطائرات مسيّرة وأنظمة دفاع جوي، شاركت بها في معرض «إيديكس 2025» الذي عُقد بالقاهرة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ومن بين هذه المنتجات المدرعة «ردع 300»، وهي راجمة صواريخ موجهة متعددة الأعيرة، وتهاجم أهدافاً على مسافات حتى مدى 300 كم، إلى جانب الطائرة من دون طيار «جبار 150»، التي تتمتع بقدرات هجومية عالية.

وأثار الإعلان عن الطائرة «جبار 150» قلقاً إسرائيلياً؛ إذ أشار تقرير لمنصة «ناتسف نت» الإسرائيلية، في 8 يونيو (حزيران) الحالي، إلى أن «الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تراقب التطور التكنولوجي في التسليح المصري، وتدرس تداعياته الاستراتيجية».

وتستهدف الحكومة المصرية تعميق الإنتاج المحلي من السلاح لتأمين إمدادات الجيش المصري، وتقليل فاتورة الإنفاق للاستيراد من الخارج، وفق الخبير العسكري المصري اللواء نصر سالم، الذي قال إن «جزءاً من خطة تنويع مصادر تسليح الجيش المصري قائمة على توطين الصناعات العسكرية محلياً».

ويرى سالم، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «طبيعة الحروب الحديثة التي تستمر لفترات طويلة، تعتمد على استهلاك كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة»، مشيراً إلى أن «هذا يفرض على الجيش المصري الاستعداد لهذا النمط من الحروب بتوفير إمداد مستمر من الأسلحة، وخصوصاً أن التقديرات العسكرية تشير إلى أن إنفاق قتال يوم واحد يساوي ميزانية تسليح جيش في عام كامل»، وعادّاً أن الخيار الأفضل للدول «أن تقوم بإنتاج سلاحها».

راجمة الصواريخ «ردع 300» إحدى القطع المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)

لكن سالم شدد على أن تكلفة توطين صناعة السلاح مرتفعة أيضاً، وتتطلب تكنولوجيات حديثة تتيح قدرات تنافسية مع غيرها من الأسلحة، معتبراً أن مزايا التصنيع المحلي أيضاً تتمثل في إنتاج أسلحة تلائم مسرح العمليات العسكرية، وتتماشى مع المستخدم نفسه.

ويساعد التوسع في الإنتاج المحلي من السلاح في تقليل الضغط على العملة الأجنبية، وفق الخبير العسكري سمير راغب، الذي أشار إلى أنه «لا توجد دولة في العالم تستطيع أن تحقق الاكتفاء الذاتي من التسليح؛ ذلك لأن هناك أنماطاً محددة يتم استيرادها من الدول التي تمتلك تكنولوجيات تصنيع متطورة».

ويرى راغب، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «امتلاك القاهرة قدرات إنتاج محلي من السلاح يسهم في تعزيز قدرات الجيش المصري العسكرية، ويُمكّن من توفير قاعدة متطورة من الإنتاج، ما يعزز من خصوصية التسليح الخاص بالجيش المصري».


مصر تسرّع تسوية مستحقات شركات الأدوية تحسباً لاضطرابات الإمداد

مصر تسعى إلى توطين صناعة الدواء (وزارة الصحة المصرية)
مصر تسعى إلى توطين صناعة الدواء (وزارة الصحة المصرية)
TT

مصر تسرّع تسوية مستحقات شركات الأدوية تحسباً لاضطرابات الإمداد

مصر تسعى إلى توطين صناعة الدواء (وزارة الصحة المصرية)
مصر تسعى إلى توطين صناعة الدواء (وزارة الصحة المصرية)

تحتاط الحكومة المصرية من أزمات الإمدادات في ملف الأدوية، تجنباً لتكرار أزمة سابقة شهدتها السوق قبل عدة أعوام؛ إذ وجه رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، «بسرعة تسديد مستحقات شركات الأدوية لضمان التزاماتها بتوفير الحصص المقررة للجهات الحكومية»، بينما أكد رئيس هيئة الدواء الدكتور علي الغمري، «جاهزية السوق الدوائية لمواجهة أي اضطرابات في سلاسل الإمداد لمدة 3 شهور».

وسبق أن شهدت سوق الدواء المصري أزمة متشعبة خلال عامي 2022 و2023، تمثلت في نقص شديد في العديد من الأدوية والمستلزمات الطبية بما في ذلك «البنج»؛ ما أثر في العديد من الخدمات، بالتزامن مع أزمة في توفير العملة الصعبة، لم تنفرج إلا بقرار تحرير سعر الصرف (التعويم) في مارس (آذار) من عام 2023، والذي قلص الفجوة الكبيرة بين سعر الصرف في البنوك والسوق السوداء، وأسهم في توفير العملة الصعبة لهذا القطاع الحيوي.

وعاد القلق إلى المشهد مؤخراً، مع اندلاع الحرب الإيرانية، وارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه من نحو 47 جنيهاً للدولار، إلى نحو 53 جنيهاً قبل أن يستقر حالياً عند حدود 52 جنيهاً.

غير أن مساعد محافظ البنك المركزي، محمد أبو موسي، أكد خلال مشاركته في اجتماع مدبولي مع مسؤولين عن الدواء، مساء الخميس، أن «القطاع المصرفي جاهز لتوفير العملة الصعبة لمختلف المؤسسات الحكومية، أو مؤسسات القطاع الخاص لاستيراد أي أدوية، أو مستلزمات، أو مواد خام طبية، وأنه لا يوجد أي طلبات عملة صعبة متأخرة في أي بنك لهذا القطاع».

خلال اجتماع مدبولي مع مسؤولي ملف الدواء في مصر 11 يونيو 2026 (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

وثمّن المدير التنفيذي لـ«المركز المصري للحق في الدواء»، محمود فؤاد، عناية الحكومة المصرية اللافتة بملف الأدوية، منذ نحو 10 أعوام، بعدما كان الملف مقتصراً فقط على وزارة الصحة، مضيفاً: «الآن توجد هيئة مستقلة للدواء، وهيئة أخرى للشراء الموحد تتبع الحكومة، تم تأسيسهما في عام 2018، ويعملان على توفير الأدوية والعمل على توطين صناعتها».

لكنه أشار إلى أنه رغم هذه الجهود، فإن «توفر الأدوية لمرضي الأمراض المزمنة ممن يشكلون نحو من 8 إلى 10 في المائة من الشعب المصري، ما زالت تحتاج إلى مزيد من الجهود، لمواجهة أزمات الإمداد فيها والتي تظهر من وقت لآخر».

وأوضح فؤاد لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة الشراء الموحد كان لديها أزمة كبيرة في سداد مستحقات الأدوية للشركات؛ ما دفع بعض الشركات لوقف الإمدادات، وذلك خلال أزمة الدواء قبل عدة أعوام، وظهرت في ظل الفجوة الكبيرة بين تكلفة الدواء الحقيقة وسعره الجبري، مع أزمة العملة الصعبة وقتها، والحكومة تدخلت أكثر من مرة لسد الفجوة، لكن تكرارها وارد خصوصاً في أدوية الأمراض المزمنة»، لافتاً إلى أن «سوق الدواء تشهد حالياً نقصاً في أدوية (الروماتيد) و(الذئبة الحمراء) وبعض أمراض الأورام».

وأكد رئيس الوزراء المصري، حرص الدولة على المتابعة المستمرة لموقف توافر مخزون من الأدوية والمستحضرات الطبية بمختلف أنواعها، والعمل على ضمان استدامة توفيرها للمواطنين بالكميات المطلوبة، بما يدعم جهود الدولة في الارتقاء بالمنظومة الصحية، وتحقيق الأمن الدوائي، حسب بيان رسمي عقب الاجتماع أمس.

كما شدد مدبولي على «أهمية تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لمتابعة المخزون الاستراتيجي من الأدوية والخامات الدوائية، ورصد احتياجات السوق المحلية بصورة دورية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان انتظام عمليات الإنتاج والتوريد، فضلاً عن دعم جهود توطين صناعة الدواء وزيادة نسب المكون المحلي، بما يسهم في تعزيز قدرة هذا القطاع الحيوي على تلبية احتياجات المواطنين، ومواجهة مختلف التحديات والمتغيرات».

حرص مصري على عدم تكرار أزمة الأدوية (هيئة الدواء المصرية)

وتسعى مصر إلى أن تصبح مركزاً إقليمياً للدواء بتوطين صناعته، وتصديره إلى دول أخرى، لا سيما السوق الأفريقية. وتبلغ نسبة التصنيع المحلي من احتياجات مصر من الدواء أكثر من 75 في المائة بالقيمة المالية، وأكثر من 90 في المائة من عدد الوحدات، وفق تقرير للهيئة العامة للاستعلامات في سبتمبر (أيلول) 2025.

ويشيد فؤاد بجهود توطين صناعة الأدوية، والمزايا الكبيرة التي تمنحها مصر للمستثمرين لجذب الاستثمارات فيه، مثل الإعفاء من ضريبة القيمة المضافة، وإعفاءات جمركية وغيرها، لكنه أكد أن ذلك «لا يحد من الأزمة الأساسية التي تواجه هذا القطاع والمتعلق باعتماده على خامات مستوردة بنسبة 95 في المائة، فضلاً عن زيادة التكلفة والتي حدثت مؤخراً بعد زيادة أسعار البنزين قبل شهرين»، مشدداً أن «الحل يجب ألا يكون بتحريك سعر الدواء، في ظل تحريكه مرات عدة السنوات الماضية».

واستعرض رئيس هيئة الدواء المصرية، جهود «تعزيز الأمن الدوائي»، مشيراً إلى الموافقة على المبادرة التمويلية لتأمين مخزون استراتيجي من المستحضرات الدوائية والخامات ذات الأولوية، وإتاحة تمويل دولاري لتأمين 216 مستحضراً من المستحضرات التي ليس لها مثائل، و484 مادة خام من الخامات الفعالة، كما تناول موقف الأدوية الاستراتيجية والهامة وخاماتها، مشيراً إلى أن 80 في المائة من تلك الأدوية تصل معدلات التغطية الخاصة بها إلى نحو 6 أشهر.

ورأى الخبير الاقتصادي، محمد مهدي عبد النبي، أن الحكومة تعمل على طمأنة سوق الدواء بشأن قدرتها على سداد المستحقات بعد سداد مستحقات الشركات الاستثمارية الأجنبية العاملة في قطاع البترول مؤخراً، مستبعداً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن تتكرر أزمة الأدوية في مصر، مع استقرار الدولار نسبياً وصعوده وهبوطه في حدود بسيطة.