تصدعات مستمرة تضرب «المجلس الرئاسي» الليبي

سياسيون يعزونها إلى «عيوب في هيكليته واختصاصاته»

المنفي والكوني واللافي خلال حضور فعالية عسكرية في أغسطس 2024 (المكتب الإعلامي للمجلس الرئاسي الليبي)
المنفي والكوني واللافي خلال حضور فعالية عسكرية في أغسطس 2024 (المكتب الإعلامي للمجلس الرئاسي الليبي)
TT

تصدعات مستمرة تضرب «المجلس الرئاسي» الليبي

المنفي والكوني واللافي خلال حضور فعالية عسكرية في أغسطس 2024 (المكتب الإعلامي للمجلس الرئاسي الليبي)
المنفي والكوني واللافي خلال حضور فعالية عسكرية في أغسطس 2024 (المكتب الإعلامي للمجلس الرئاسي الليبي)

يواجه «المجلس الرئاسي» الليبي تصدعات متزايدة بين مواقف رئيسه محمد المنفي، ونائبيه عبد الله اللافي وموسى الكوني، كانت بدأت خلال الأشهر القليلة الماضية.

ويرى سياسيون، أن الخلافات الظاهرة تعود إلى عيوب في هيكلية المجلس واختصاصاته وفاعليته، وقد تفاقمت بفعل أزمات سياسية وأمنية متشابكة أطالت من مدة بقائه لأربع سنوات إضافية منذ تشكيله الحالي في «ملتقى جنيف» عام 2021.

أحدث تلك الخلافات، كان في مايو (أيار) الماضي، حين ظهرت تسريباته مع ما تداولته وسائل إعلام محلية عن خلافات بين أعضاء المجلس بشأن إقالة حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، في طرابلس، على خلفية احتجاجات حاشدة ضد الأخيرة.

تسببت أحداث العنف بطرابلس في ترويع المواطنين وإثارة الرعب بنفوس السكان (أ.ف.ب)

وقتذاك، أطلق زياد دغيم، مستشار رئيس «المجلس الرئاسي» تصريحات تليفزيونية لقناة «الوسط» المحلية، شرح فيها موقفه من الأزمة السياسية والدعوات إلى إقالة حكومة طرابلس، وقد قوبلت برفض من جانب اللافي والكوني، قائلين إنها «لا تمثل موقف (المجلس الرئاسي) بكامل أعضائه».

وهنا أحال عضو «الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور»، الهادي بوحمرة، هذه التناقضات وما سبقها من مواقف إلى «إقرار (مؤتمر جنيف) قاعدة الإجماع في اتخاذ القرارات، التي جعلته لا يملك القدرة على مواجهة الأزمات، ولا حتى اتخاذ القرار».

وبيَّن بوحمرة لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا «الإجماع تحوَّل أداة تعطيل، وجعلت (المجلس الرئاسي) في حالة صدام دائم بين أعضائه من جهة، وبينه وبين مجلسي النواب والدولة من جهة أخرى، وبينه وبين القائد العام لـ(الجيش الوطني) من جهة ثالثة».

موسى الكوني النائب بـ«المجلس الرئاسي» الليبي (المجلس)

ويشار إلى أن التضارب الأخير بين أعضاء «الرئاسي» سبقه موقف آخر في مارس (آذار) الماضي، واتخذ طابع «نزال المبادرات»، حين أطلق الكوني مبادرة للعودة إلى نظام الأقاليم الثلاثة التاريخية (طرابلس وبرقة وفزان). في مقابل اقتراح للافي تقسيم البلاد إلى 13 محافظة تدار وفق نظام لا مركزي، على أن يتم توزيع الميزانية بالتساوي بين هذه المحافظات.

وما كاد يهدأ «نزال المبادرات»، حتى اصطف اللافي والكوني ضد المنفي، رافضين مرسوماً يقضي بوقف العمل بقانون إنشاء المحكمة الدستورية، وتشكيل «المفوضية الاستفتاء والاستعلام»، وتحديد آليات انتخاب المؤتمر العام للمصالحة الوطنية، وعدَّاه «سلوكاً لا يخدم المصلحة الوطنية ويضعف مصداقية المؤسسات».

ويعتقد بوحمرة لـ«الشرق الأوسط» أن «التضارب» بين أعضاء «المجلس الرئاسي» يضرب بجذوره «منذ اتفاق الصخيرات المغربية عام 2015، الذي أنتج أول مجلس برئاسة فائز السراج»، مضيفاً: «هذا بالتأكيد لم يكن غائباً على خبراء البعثة الأممية عند تصميم الاتفاق السياسي في جنيف 2021».

ومن منظور بوحمرة، فإن الاتفاقين «أنتجا مجلسين رئاسيين عديمي التأثير والفاعلية».

المنفي يتلقى المعايدة من المواطنين عقب صلاة العيد بمسجد في طرابلس (المجلس الرئاسي)

ويشرح عضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور قائلاً: «رئيس (المجلس الرئاسي) هو القائد الأعلى للجيش ولا يملك سلطة فعلية لا على القوى العسكرية في الشرق ولا في الغرب، كما أن المجلس يتداخل، في اختصاص السياسة الخارجية، مع اختصاصات الحكومة».

في المقابل، فإن العضو السابقة في «ملتقى جنيف»، جازية شعيتير، دافعت عن خريطة الطريق التي كانت من المشاركين في إقرارها قبل أكثر من أربع سنوات، وحددت اختصاصات «الرئاسي»، وقالت إنها «صُممت لمرحلة انتقالية حتى انعقاد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021، بحيث لا تتجاوز المرحلة الانتقالية عاما ًواحداً».

من مخلفات الاشتباكات الأخيرة في طرابلس (رويترز)

وأضافت شعيتير: «(ملتقى جنيف) أقرّ مهمات محددة لـ(المجلس الرئاسي)، مثل المصالحة وتسهيل الانتخابات، كما أن صلاحيات (الرئاسي) قُلّصت لصالح مجلس النواب، بحيث لا تحدث أي شقاقات».

وعادت لتقول أيضاً: «مراسيم القوانين، وهيئة الاستفتاء لم تقرها خريطة الطريق من ضمن صلاحيات الرئاسي، بينما يندرج ضمن صلاحياته فقط تشكيل هيئة المصالحة الوطنية».

وأقرَّت خريطة الطريق المنبثقة من «ملتقى جنيف» 2021 «صلاحيات (المجلس الرئاسي)، بتمثيل ليبيا في الخارج وقيادة المؤسسة العسكرية وتوحيدها، وتيسير الانتخابات، وإدارة ملف المصالحة الوطنية، وتعيين بعض المناصب السيادية».

وخلال المظاهرات الأخيرة التي اجتاحت العاصمة ضد حكومة طرابلس، لوحظ، وعلى غير المعتاد، عدم بث مكتب «المجلس الرئاسي» صوراً للقاء قادته الثلاثة، رغم أنباء عن اجتماعهم لبحث الأزمة.

ومن منظور المحلل السياسي رمضان شليق، فإن «اللافي والكوني كانا مع إرادة الشعب خلال مظاهرات تطالب بإسقاط الحكومة التي أدخلت العاصمة طرابلس في حرب دمرت فيها الممتلكات العامة والخاصة، في مقابل موقف رافض من الجانب المنفي»، لافتاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط». إلى «تغير لهجة المتظاهرين الداعية إلى رحيل (المجلس الرئاسي) أيضاً».

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة المؤقتة (يمين) مع محمد المنفي رئيس «المجلس الرئاسي» (الوحدة)

وتأسس المجلس في عام 2016 بموجب «اتفاق الصخيرات» 2015 برئاسة فائز السراج و4 أعضاء آخرين، وعُدّل مجدداً في فبراير (شباط) عام 2021 بموجب «اتفاق جنيف»، ليتكون في تشكيله الثاني من رئيسه الدبلوماسي السابق محمد المنفي (ممثلاً لبرقة) ونائبين يمثلان إقليمَي طرابلس وفران.

ومن بين السياسيين من لا يرى «أهمية للحديث عن مستقبل (المجلس الرئاسي) الذي لم يكن في دائرة التأثير؛ ما يجعل من وجوده أو غيابه سواء»، وهو رأي تبناه الأكاديمي ورئيس «الحزب المدني الديمقراطي» الدكتور علي الصبيحي، الذي عدَّ أن «المناكفات والتضاربات الأخيرة جعلت (المجلس الرئاسي) جزءاً من الأزمة وعائقاً حقيقياً أمام أي مسار».

ويتوقع الصبيحي «مشهداً سياسياً جديداً يقوم على حل جذري يتطلع إليه الليبيون بأحزابهم السياسية ومكونات المجتمع المدني»، آملاً «مساراً تأسيسياً جديداً بـجمعية وطنية تعيد تأسيس شرعية الدولة على أسس دستورية يقرّها الشعب الليبي».


مقالات ذات صلة

انتقادات متصاعدة للدور الأميركي «البراغماتي» في ليبيا

شمال افريقيا المنفي وبولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك 24 سبتمبر 2025 (المجلس الرئاسي)

انتقادات متصاعدة للدور الأميركي «البراغماتي» في ليبيا

تشهد الساحة الليبية حالة احتقان متنامية حيال المقاربة الأميركية لإدارة الأزمة السياسية، لا سيما في ظل تحركات توصف بأنها «مثيرة للجدل» يقودها مستشار ترمب.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع لجنة الأزمة الليبية الخاصة بمتابعة ناقلة الغاز الجانحة مع دبلوماسي روسي في طرابلس (وزارة المواصلات في غرب ليبيا)

«الرئاسي الليبي» يعزز مساعيه لاستقطاب ميليشيات غرب البلاد

تعددت تحركات رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي خلال الأيام الأخيرة، في مسعى لافت لاستقطاب أبرز التشكيلات المسلحة في غرب البلاد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مرتزقة سوريون خلال مظاهرة للمطالبة برواتبهم المتأخرة في طرابلس قبل 4 أعوام (لقطة من تسجيل مصور)

«المرتزقة»... عقدة أمنية تثقل المشهد الليبي وتصدر الأزمات

يرسخ ملف المرتزقة والمقاتلين الأجانب في ليبيا حضوره بوصفه من أبرز العقد الأمنية التي تثقل المشهد الداخلي

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء الدبيبة وبولس في طرابلس يناير الماضي (حكومة الوحدة)

مقترح تشكيل سلطة ليبية جديدة يثير مخاوف تمديد المرحلة الانتقالية

تسريب منسوب إلى «الحوار المهيكل» الذي ترعاه الأمم المتحدة في ليبيا أعاد إحياء المخاوف من انزلاق جديد نحو تمديد المرحلة الانتقالية

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا صورة وزعها المجلس الرئاسي للقاء المنفي وتكالة في طرابلس 30 مارس الحالي

ليبيا: المنفي وتكالة يطالبان بضرورة إنهاء الانقسام المؤسسي والتمهيد للانتخابات

أكد رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس مجلس الدولة، محمد تكالة، أهمية دعم المسارات الدستورية، والعمل على توفير بيئة آمنة لإجراء الانتخابات الليبية.

خالد محمود (القاهرة)

تعيين ياسر العطا رئيساً لهيئة أركان القوات المسلحة السودانية

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وإلى يساره ياسر العطا (الجيش السوداني)
قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وإلى يساره ياسر العطا (الجيش السوداني)
TT

تعيين ياسر العطا رئيساً لهيئة أركان القوات المسلحة السودانية

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وإلى يساره ياسر العطا (الجيش السوداني)
قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وإلى يساره ياسر العطا (الجيش السوداني)

قال متحدث عسكري سوداني، الخميس، إنه تم تعيين ​الفريق أول ركن ياسر العطا، عضو «مجلس السيادة» ومساعد القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيساً لهيئة أركان القوات ‌المسلحة السودانية.

وهذه ‌الخطوة هي أهم ​تغيير ‌في ⁠المناصب ​منذ بدء الحرب ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» قبل ثلاث سنوات، ويمكن أن تفضي إلى تغييرات في الاستراتيجية مع فتح ⁠جبهة جديدة في الحرب في ‌ولاية ‌النيل الأزرق جنوب ​شرق البلاد، على ما أفادت وكالة «رويترز».

ويتولى العطا منصب رئيس الأركان خلفاً لعثمان الحسين، مما يقلص حضوره السياسي، لكنه يمنحه سيطرة أكبر على القوات المسلحة.


رئيس حكومة «تأسيس» يحمّل الحركة الإسلامية السودانية المسؤولية عن الاغتيالات السياسية

القيادي في تحالف «تأسيس» أسامة حسن الذي اغتيل خلال غارة على منزله بمدينة نيالا (تحالف «تأسيس»)
القيادي في تحالف «تأسيس» أسامة حسن الذي اغتيل خلال غارة على منزله بمدينة نيالا (تحالف «تأسيس»)
TT

رئيس حكومة «تأسيس» يحمّل الحركة الإسلامية السودانية المسؤولية عن الاغتيالات السياسية

القيادي في تحالف «تأسيس» أسامة حسن الذي اغتيل خلال غارة على منزله بمدينة نيالا (تحالف «تأسيس»)
القيادي في تحالف «تأسيس» أسامة حسن الذي اغتيل خلال غارة على منزله بمدينة نيالا (تحالف «تأسيس»)

حمّل رئيس حكومة «تحالف السودان التأسيسي (تأسيس)»، المدعومة من قوات «الدعم السريع»، محمد الحسن التعايشي، الحركة الإسلامية السودانية، المسؤولية عن إدخال الاغتيالات السياسية إلى البلاد، باغتيال القيادي في «التحالف» أسامة حسن حسين، في هجوم بطائرة مُسيرة.

وشنّت مُسيرة تابعة للجيش السوداني هجوماً على منزل في مدينة «نيالا»، التي تتخذ منها حكومة «تأسيس» عاصمة لها، كان يضم عدداً من أعضاء الحكومة، ما أدى إلى مقتل القيادي البارز في «التحالف» أسامة حسن، في حين نجا الآخرون.

حطام مُسيّرة قالت «قوات الدعم السريع» إنها من طراز «بيرقدار أكينجي» تركية الصنع أسقطتها قرب مدينة نيالا (قوات «الدعم السريع»)

ووصف التعايشي، الذي كان يتحدث في خطاب جماهيري، ليل الأربعاء-الخميس، العملية بأنها «اغتيال سياسي مباشر»، وامتداد لنهجٍ أدخلته «الجماعة» إلى الحياة السياسية في السودان (الحركة الإسلامية هي الاسم المحلي لجماعة الإخوان المسلمين)، وقال: «إن الهدف من هجوم المُسيرة هو تقويض دور حكومة تأسيس وزعزعة الاستقرار في المناطق» التي تخضع لسيطرتها.

ووصف التعايشي القتيل بأنه «أحد الوجوه الشابة البارزة في العمل السياسي»، وقال إنه أسهم في ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، وفي تأسيس التحالف، وتعهّد بألا يعرقل اغتيالُه «مشروع التغيير»، وإنه سيظل «ملهماً للأجيال»، وفق تعبيره.

ودعا المجتمع الدولي «لتحمُّل مسؤوليته وفقاً القانون الدولي الإنساني، الذي يَعدّ استهداف القيادات المدنية تهديداً مباشراً للأمن والسلم الدوليين»، وطالب بإدانة الهجمات ومحاسبة المسؤولين عنها.

كما اتهم «جماعة الإخوان المسلمين» بعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، ومنع الوصول لهدنة إنسانية، رغم وجود ثماني بؤر للمجاعة في مناطق مختلفة. وأضاف: «تعطيل الوصول الإنساني يستوجب عقوبة مباشرة ومواجهة مباشرة من المجتمع الدولي».

وقال التعايشي إن الاغتيال الذي حصل «ليس معزولاً عن التصعيد الذي تقوم به مُسيرات الجيش في مدينة نيالا والمناطق المجاورة لها طوال الأيام الماضية، وأسفر عن سقوط عشرات الضحايا، من أجل إرباك الأوضاع في مناطق تشهد استقراراً نسبياً».

مبنى مدمَّر في موقع غارة جوية في نيالا بولاية جنوب دارفور (هيومن رايتس ووتش)

وأضاف: «نيالا، عاصمة حكومة (تأسيس)، تضم نحو مليونيْ نسمة بينهم نازحون، تشهد استمرار العمل في الأسواق وتقديم الخدمات الأساسية»، وعَدَّ ذلك مؤشراً «على قدرة الحكومة على إدارة مناطق واسعة، رغم ظروف الحرب».

وأوضح رئيس حكومة «تأسيس» أن مِن بين الدوافع الرئيسية لتشكيل حكومته «عدم ترك مساحات واسعة من البلاد دون إدارة أو مؤسسات»، وقال: «لا يمكن ترك نحو 70 في المائة من السودانيين بلا حكومة أو أجهزة سلطة، وحكومة (تأسيس) جاءت لسدّ هذا الفراغ الإداري والأمني».

وتعهّد التعايشي «بالمُضي قُدماً في استكمال هياكل الدولة، بما فيها السلطات القضائية والنيابية والشرطة والسجون والوزارات المختلفة، في المناطق الخاضعة لسيطرة تحالف (تأسيس)، فضلاً عن بناء هياكل للحكم الإقليمي والمحلي يضمن وجود إدارة مدنية في كل مدينة وقرية».

ووفقاً للمسؤول عن حكومة نيالا، فإن وزارة الداخلية شرعت في ترتيبات نشر الشرطة الفيدرالية بمدينتي الفاشر ونيالا، بعد عودة نحو 40 ألف شخص إلى عاصمة ولاية شمال دارفور (الفاشر)، من بين الذين نزحوا إبّان القتال بين الجيش و«الدعم السريع»، وتوقَّع عودة أعداد أكبر، خلال الفترة المقبلة، بالتزامن مع تحسن نسبي في خدمات المياه والصحة والتعليم بالمدينة.

مجلس وزراء حكومة «تأسيس» (أرشيفية-فيسبوك)

وقال التعايشي إن الخطوات التي تقوم بها حكومته لاستعادة مؤسسات الدولة تهدف لسدّ ما سمّاه «حالة الفراغ الإداري والأمني». وشدد على أن حكومته تتحرك بما أطلق عليه «خططاً مدروسة وإرادة قوية» لإعادة الحياة الطبيعية وتهيئة الظروف لعودة النازحين.

وتعهّد بأن تُواصل حكومة «تأسيس» محاربة الإرهاب، والقضاء على هيمنة الحركة الإسلامية على القرار السياسي والمؤسسات العسكرية، بوصفها التهديد الرئيسي لاستقرار البلاد، وعَدَّ القضاء على نفوذها «شرطاً لتحقيق السلام المستدام».

ومقابل ذلك، جدَّد التعايشي تأكيد انفتاح «حكومة تأسيس» على أي مبادرات قد تُحقق «سلاماً عادلاً وشاملاً» يخاطب جذور الأزمة. وتابع: «نحن مستعدّون للتعامل مع جميع المبادرات، ولا سيما مبادرة الرباعية الدولية، التي تتعلق بالهدنة الإنسانية ووقف الحرب في السودان».

التعايشي يؤدي اليمين الدستورية أمام رئيس «المجلس الرئاسي» لتحالف «تأسيس» محمد حمدان دقلو «حميدتي» رئيساً للحكومة التي تتخذ من نيالا عاصمة مؤقتة (إعلام «الدعم السريع»)

وتكوَّن «تحالف السودان التأسيسي» في فبراير (شباط) 2025، في العاصمة الكينية نيروبي، من قوى عسكرية؛ على رأسها قوات «الدعم السريع» وقوات «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، بقيادة عبد العزيز آدم الحلو، وحركات مسلَّحة أخرى، ومن قوى مدنية على رأسها التيار الرئيسي في حزب «الأمة القومي»، وتيارات وأحزاب مدنية أخرى.

وشكَّل التحالف بعد تأسيسه حكومة «أمر واقع» موازية للحكومة المُوالية للجيش وتتخذ من بورتسودان عاصمة مؤقتة، تتكون من مجلس رئاسي يترأسه قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وحكومة تنفيذية يترأسها عضو «مجلس السيادة الانتقالي» السابق محمد الحسن التعايشي.


انتقادات متصاعدة للدور الأميركي «البراغماتي» في ليبيا

المنفي وبولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك 24 سبتمبر 2025 (المجلس الرئاسي)
المنفي وبولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك 24 سبتمبر 2025 (المجلس الرئاسي)
TT

انتقادات متصاعدة للدور الأميركي «البراغماتي» في ليبيا

المنفي وبولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك 24 سبتمبر 2025 (المجلس الرئاسي)
المنفي وبولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك 24 سبتمبر 2025 (المجلس الرئاسي)

تصاعدت موجة الانتقادات الليبية حيال الدور الأميركي في البلاد، وسط اتهامات لواشنطن بتبني نهج «براغماتي» يولي الأولوية لعقد «الصفقات التجارية وتأمين المصالح الاقتصادية»، على حساب الجهود الفعلية الرامية لحلحلة الانسداد السياسي المتأزم.

وكانت «كتلة التوافق الوطني» بالمجلس الأعلى للدولة، قد عبّرت عن استهجانها لما سمّته «التحركات المشبوهة» لمستشار الشؤون الأفريقية الأميركي، مسعد بولس، وتدخلاته في ليبيا «من حيث مضمونها وسياقها»، فضلاً عن «تضارب المصالح وشبهات الفساد حولها».

ولفت بيان «كتلة التوافق» بالمجلس إلى مخاوف عديدة لدى شريحة واسعة من الليبيين، مفادها أن «التعاطي الخارجي مع الأزمة، وفي مقدمته الدور الأميركي، لم يعد يستهدف إيجاد حل مستدام للأزمة السياسية، بل تحول وانحرف إلى منطق الصفقات الاقتصادية، وتحديداً المرتبطة بقطاع النفط».

غير أن هذا الجدل فجّر تساؤلات جوهرية، أبرزها: هل تستطيع الأطراف الليبية في ظل انقسامها وتنازع حكومتين على السلطة إقناع واشنطن بتغيير سياساتها؟ والأهم من ذلك، هل تملك القدرة على طرح حلول وطنية بديلة تتصدى تدريجياً للتدخلات الخارجية؟

وعدّ عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد بن شرادة، أن بيان كتلته «عبّر عما يجول بعقول قطاع واسع من الليبيين حول إدارة بولس للملف بعقلية التاجر، الذي يركز على صفقات ثنائية بقطاع النفط، المصدر الرئيسي لدخل البلاد التي تصب في مصلحة بلاده والقوى الفاعلة شرقاً وغرباً، دون التفات لمصالح الشعب».

وقال بن شرادة لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد أي مستجد حقيقي بالمشهد السياسي، سوى ما يتداول عن سعي بولس لإيجاد حكومة موحدة، عبر التنسيق بين تلك القوى الفاعلة، أو إبقاء الوضع كما هو، مع الحيلولة دون نشوب أي نزاعات تعرقل تدفق النفط»، وأضاف متسائلاً: «ماذا أحرز بولس من تقدم في معالجة الأزمة السياسية، وتحديداً الانقسام السياسي والحكومي والتمهيد للانتخابات؟».

مسعد بولس (أ.ف.ب)

وتعيش ليبيا ازدواجية في السلطة بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي تتخذ من طرابلس بالغرب مقراً لها، وحكومة ثانية مكلفة من البرلمان ومدعومة من قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر، وتدير المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب برئاسة أسامة حماد.

ولعب بولس دوراً محورياً في إبرام اتفاقيات «شراكة ضخمة» بين مؤسسة النفط الليبية وشركات أميركية، أبرزها مع «كونوكو فيليبس» و«شيفرون» بقيمة 20 مليار دولار.

واستبعد بن شرادة أن تُقدم واشنطن على تغيير سياساتها في المرحلة المقبلة بشأن ليبيا، مؤكداً أن كتلته ستواصل «التنديد بهذه الصفقات وكشف تداعياتها، وفي مقدمتها ترسيخ نفوذ القوى الفاعلة، وهو ما يعني استمرار تأجيل الاستحقاق الانتخابي».

من جهته، أقر رئيس الائتلاف الليبي - الأميركي، فيصل الفيتوري، بـ«وجود احتقان واسع من إدارة بولس للملف»، مرجعاً ذلك إلى «حصر تعاملاته مع القوى الفاعلة، وتهميش باقي المؤسسات، دون مراعاة الحساسية الشديدة لدى المجتمع الليبي لمثل هذا السلوك».

ورأى الفيتوري في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن جزءاً من الانزعاج الليبي من بولس «يعود إلى تباين النظر إليه ما بين كونه دبلوماسياً ورجل أعمال»، داعياً إلى «التفريق بين الموقف منه والترحيب الليبي الدائم بالدور الأميركي، وثقله الدولي القادر على حلحلة أي جمود سياسي بأي ملف».

وأشار الفيتوري إلى أن اجتماعات بولس المتكررة مع صدام حفتر، نائب رئيس القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وإبراهيم الدبيبة مستشار الأمن القومي بغرب البلاد، «جاءت في إطار إدراكه أنهما الأكثر فاعلية بمناطق نفوذهما في شرق ليبيا وغربها، وقناعته بأنه يستطيع بناء جسر من التفاهم بينهما». مشيراً إلى أن تلك الاجتماعات «أظهرت أن واشنطن تريد معالجة الملف الليبي بشكل منفرد، بعيداً عن البعثة الأممية وخريطتها الرامية إلى تهيئة المناخ للانتخابات، ما أضعف دور الأخيرة، خصوصاً مع إخفاقها المستمر بحل الأزمة لأكثر من عقد».

صدام حفتر (أ.ف.ب)

من جانبه، يرى أستاذ العلاقات الدولية والسياسات المقارنة الليبي، إبراهيم هيبة، أن «الأزمة لا تنحصر فقط في تصاعد التدخلات الخارجية لواشنطن، وإنما في غياب الحل الليبي - الليبي»، مشيراً إلى أن السياسة الأميركية «اتخذت منذ البداية طابعاً براغماتياً ذا طابع اقتصادي بحت؛ وأيضاً إيجاد قدر من الاستقرار الأمني، يضمن مصالح شركاتها وأمن خبرائها العاملين داخل ليبيا، دون التفات يذكر لقضية الانتخابات وتطلعات أبناء البلاد».