عائدون إلى العاصمة السودانية: «الخرطوم غير صالحة للسكن»

الحرب دمَّرت البنية التحتية... مبانٍ وسيارات مُدمَّرة وقذائف غير منفجرة تنتشر في الشوارع

عناصر في الجيش السوداني يحتفلون بعد استعادتهم القصر الرئاسي في الخرطوم 21 مارس (أ.ب)
عناصر في الجيش السوداني يحتفلون بعد استعادتهم القصر الرئاسي في الخرطوم 21 مارس (أ.ب)
TT

عائدون إلى العاصمة السودانية: «الخرطوم غير صالحة للسكن»

عناصر في الجيش السوداني يحتفلون بعد استعادتهم القصر الرئاسي في الخرطوم 21 مارس (أ.ب)
عناصر في الجيش السوداني يحتفلون بعد استعادتهم القصر الرئاسي في الخرطوم 21 مارس (أ.ب)

الجسور المُدمَّرة، وانقطاع التيار الكهربائي، ومحطات المياه الفارغة، والمستشفيات المنهوبة، والمباني المنهارة، وتلك الآيلة للسقوط، في جميع أنحاء العاصمة السودانية، تشهد على التأثير المدمر للحرب التي استمرت أكثر من عامين على البنية التحتية في الخرطوم وسائر مدن البلاد.

وتقدر السلطات أن إعادة الإعمار ستتطلب مئات المليارات من الدولارات. ومع ذلك، فإن فرص ذلك ضئيلة على المدى القصير؛ نظراً لاستمرار القتال والهجمات بالطائرات المسيَّرة على محطات الكهرباء والسدود ومستودعات الوقود. ناهيك عن عالم أصبح أكثر نفوراً من المساعدات الخارجية، حيث خفضت الولايات المتحدة، أكبر مانح، مساعداتها.

عنصر من الجيش السوداني قرب مدفع تركته «قوات الدعم السريع» جنوب أم درمان 20 مايو 2025 (أ.ف.ب)

ويتقاتل الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، منذ أبريل (نيسان) 2023؛ ما أسفر عن مقتل أو إصابة مئات الآلاف ونزوح نحو 13 مليون شخص، في حين نحو 30 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات غذائية ثلثهم يعاني المجاعة، في ظرف وصفته مجموعات الإغاثة ومنظمات الأمم المتحدة، بأنه أسوأ أزمة إنسانية في العالم. واتهمت الولايات المتحدة، الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيماوية في الحرب، كما اتهمت «الدعم السريع» بأنها ارتكبت جرائم في دارفور ترقى إلى «جرائم حرب».

معناة السكان في الخرطوم

يضطر سكان العاصمة الخرطوم إلى تحمل انقطاع التيار الكهربائي لأسابيع، والمياه غير النظيفة، والمستشفيات المكتظة. كما أن مطارهم محترق مع هياكل طائرات على المدرج، حسب تقرير لـ«رويترز».

معظم المباني الرئيسة في وسط الخرطوم محترقة، والأحياء التي كانت ذات يوم غنية أصبحت مدن أشباح مع سيارات مُدمَّرة وقذائف غير منفجرة تنتشر في الشوارع.

سكان في الخرطوم يعانون من أجل الحصول على مياه للشرب (أ.ب)

قال طارق أحمد (56 عاماً) لـ«رويترز»: «الخرطوم غير صالحة للسكن. الحرب دمرت حياتنا وبلدنا ونشعر بأننا بلا مأوى رغم عودة الجيش إلى السيطرة». عاد أحمد لفترة وجيزة إلى منزله الذي تم نهبه في العاصمة قبل أن يغادره مرة أخرى، بعد أن طرد الجيش «قوات الدعم السريع» من الخرطوم مؤخراً.

يمكن رؤية إحدى عواقب انهيار البنية التحتية في تفشي وباء الكوليرا بسرعة، والذي تسبب في 172 حالة وفاة من بين 2729 حالة خلال الأسبوع الماضي فقط، معظمها في الخرطوم.

معاناة نساء دارفور

أشخاص فروا من مخيم زمزم للنازحين يستريحون في مخيم مؤقت بمنطقة غرب دارفور بالسودان (أ.ف.ب)

وتعاني أجزاء أخرى من وسط السودان وغربه، بما في ذلك إقليم دارفور، من الدمار بسبب القتال، بينما يؤثر الدمار الهائل في الخرطوم، التي كانت مركزاً لتقديم الخدمات، على جميع أنحاء البلاد.

ولفتت منظمة «أطباء بلا حدود»، الأربعاء، إلى أن النساء والفتيات في منطقة دارفور بالسودان يتعرضن لتهديد العنف الجنسي على نحو شبه دائم. وقالت منسقة الطوارئ بالمنظمة، كلير سان فيليبو: «النساء والفتيات لا يشعرن بأمان في أي مكان. إنهن يتعرضن للهجوم في منازلهن وعند الفرار من العنف وعند الحصول على الطعام وعند جمع الحطب والعمل في الحقول. ويخبروننا أنهن يشعرن بأنهن محاصرات».

وأضافت أن العنف الجنسي أصبح شائعاً للغاية في دارفور لدرجة أن الكثير من الناس يتحدثون عنه وهم في حالة ذعر على أنه أمر لا يمكن تجنبه. وقالت فيليبو: «النساء والفتيات لا يشعرن بالأمان في أي مكان». وتابعت أن الهجمات غالباً ما تشمل أشخاصاً ارتكبوا هذه التصرفات مرات عدّة.

تقديرات إعادة الإعمار

تقدر السلطات السودانية احتياجات إعادة الإعمار بـ300 مليار دولار للخرطوم و700 مليار دولار لبقية السودان. وتقوم الأمم المتحدة بإعداد تقديراتها الخاصة.

قال وزير النفط والطاقة مُحيي الدين نعيم، لـ«رويترز»، إن إنتاج السودان النفطي انخفض بأكثر من النصف إلى 24 ألف برميل يومياً، وتوقفت قدرات التكرير بعد أن تكبَّدت مصفاة الجيلي الرئيسة للنفط أضراراً بقيمة 3 مليارات دولار خلال المعارك. وأضاف أنه من دون قدرات التكرير، يصدر السودان الآن كل نفطه الخام ويعتمد على الواردات. كما يواجه صعوبات في صيانة خطوط الأنابيب التي يحتاج إليها جنوب السودان لصادراته.

النيران تشتعل بمستودع وقود في بورتسودان بالسودان 6 مايو (أرشيفية - رويترز)

في وقت سابق من هذا الشهر، استهدفت طائرات مسيَّرة مستودعات وقود ومطار مدينة بورتسودان الساحلية الرئيسة. وقال نعيم إن جميع محطات الكهرباء في الخرطوم دُمّرت. أعلنت الشركة الوطنية للكهرباء مؤخراً عن خطة لزيادة الإمدادات من مصر إلى شمال السودان، وقالت في وقت سابق من العام إن الهجمات المتكررة بالطائرات المسيَّرة على المحطات خارج الخرطوم تزيد من صعوبة الحفاظ على استمرارية الشبكة.

النحاس المنهوب

استعادت القوات الحكومية السيطرة على الخرطوم في وقت سابق من هذا العام، ومع عودة الناس إلى منازلهم التي قلبها الناهبون رأساً على عقب، كانت إحدى السمات المميزة هي الثقوب العميقة التي حُفرت في الجدران والطرق للكشف عن أسلاك النحاس القيمة.

في شارع النيل في السودان، الذي كان يوماً أكثر الطرق ازدحاماً، هناك خندق بعمق متر واحد (ثلاث أقدام) وطول 4 كيلومترات (2.5 ميل)، تم تجريده من الأسلاك مع آثار حروق.

عائدون يتفقدون ممتلكاتهم المُدمَّرة في الخرطوم يوم 28 أبريل 2025 (أ.ف.ب)

خرجت محطتا المياه الرئيستان في الخرطوم عن الخدمة في وقت مبكر من الحرب بعد أن نهب جنود «قوات الدعم السريع» الآلات واستخدموا زيت الوقود لتشغيل المركبات، وفقاً للمتحدث باسم ولاية الخرطوم الطيب سعد الدين.

يلجأ من بقي في الخرطوم إلى شرب مياه النيل أو الآبار المنسية منذ زمن طويل؛ ما يعرضهم لأمراض تنقلها المياه. لكن هناك عدداً قليلاً من المستشفيات المجهزة لعلاجهم.

قال وزير الصحة هيثم محمد إبراهيم إن «هناك تخريباً منهجياً من قِبل الميليشيات ضد المستشفيات، وتم نهب معظم المعدات الطبية وما تبقى تم تدميره عمداً»، مشيراً إلى أن الخسائر في القطاع الصحي بلغت 11 مليار دولار.

فرصة لإعادة البناء بشكل أفضل؟

مستشفى «بشائر» بالعاصمة الخرطوم تعرَّض لخسائر جمة بسبب المعارك بين الجيش و«الدعم السريع» (أ.ف.ب)

مع عودة مليونين أو ثلاثة ملايين شخص إلى الخرطوم، هناك حاجة إلى تدخلات لتجنب المزيد من الطوارئ الإنسانية مثل تفشي الكوليرا، قال ممثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي المقيم لوكا ريندا، لكن استمرار الحرب والميزانية المحدودة يعني عدم وجود خطة كاملة لإعادة الإعمار قيد الإعداد. وأضاف: «ما يمكننا فعله... بالقدرات المتوفرة لدينا على الأرض، هو النظر إلى إعادة تأهيل البنية التحتية على نطاق أصغر»، مثل مضخات المياه بالطاقة الشمسية والمستشفيات والمدارس.

بهذه الطريقة، قال إن الحرب قد توفر فرصة لا مركزية الخدمات بعيداً عن الخرطوم، والسعي نحو مصادر طاقة أكثر اخضراراً.


مقالات ذات صلة

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

شمال افريقيا مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

تشهد ولايات عدة في السودان عودة ملحوظة لانتشار حمى الضنك، بعد فترة من التراجع النسبي في معدلات الإصابة.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

تواصل الفرق المختصة في الجيش السوداني عمليات تحييد الألغام وتفكيكها في مدن العاصمة الخرطوم وسط تحديات التمويل، وتكثيف التوعية لحماية المدنيين.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة السودانية الخرطوم جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

ردود فعل متباينة على دعوة رئيس الوزراء السوداني لحوار شامل

أطلق رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، دعوة لحوار وطني شامل بحلول نهاية مايو (أيار) المقبل، دون «أجندة محددة» وآليات مشتركة للحوار والتشاور

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية p-circle

الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية

صعّد الاتحاد الأوروبي من لهجته تجاه الحرب في السودان ولوح باتخاذ عقوبات جديدة تستهدف اقتصاد الحرب والمستفيدين منها معلناً تمسكه بوحدة السودان ورفضه لأي حكم مواز

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز) p-circle

الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية بولاية النيل الأزرق

أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء، استعادة منطقة «مقجة» الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق (جنوب شرق)، بعد معارك مع «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)
مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)
TT

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)
مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)

تشهد ولايات عدة في السودان عودة ملحوظة لانتشار حمى الضنك، بعد فترة من التراجع النسبي في معدلات الإصابة.

ووفقاً لآخر التقارير الصحية، سُجّل أكثر من 6 آلاف إصابة في ولاية نهر النيل وحدها منذ بداية العام، بينها 205 حالات خلال يومين فقط، إضافة إلى 12 حالة وفاة تراكمية. ولا يزال المرض منتشراً في ولايات أخرى، من بينها العاصمة الخرطوم، والجزيرة، ودارفور.

وأفادت وزارة الصحة بولاية نهر النيل، في تقريرها اليومي، بارتفاع كبير في عدد الإصابات، حيث بلغ إجمالي الحالات 6392 إصابة حتى يوم الجمعة. وسُجلت 97 إصابة جديدة يوم الخميس، و108 حالات يوم الأربعاء، استدعت دخول المستشفيات. وتوزعت الإصابات داخل الولاية على عدة مدن، حيث سجلت شندي 2495 إصابة و4 وفيات، تلتها الدامر بـ2100 إصابة و4 وفيات، ثم المتمة بـ1722 إصابة و6 وفيات، فيما سجلت عطبرة 75 إصابة.

وامتد انتشار المرض أيضاً إلى الولاية الشمالية المجاورة، حيث سُجلت أول إصابة في منطقة الزومة بمحلية مروي منذ ظهور المرض في فبراير (شباط) الماضي. وبلغ إجمالي الإصابات هناك 174 حالة حتى يوم الجمعة، في محليتي مروي والدبة.

دعوات للتدخل السريع

وفي إطار جهود التصدي للوباء، عقدت الإدارة العامة للطوارئ الصحية ومكافحة الأوبئة اجتماعاً مع قيادات مجتمعية وممثلين عن جمعية الهلال الأحمر السوداني، لبحث التدخلات العاجلة وتعزيز التنسيق المجتمعي للحد من انتشار المرض.

وفي العام الماضي، شهدت عدة ولايات سودانية تفشياً وبائياً واسعاً لحمى الضنك، لا سيما في الخرطوم والجزيرة ودارفور، وذلك في ظل انهيار شبه كامل للبنية التحتية الصحية نتيجة الحرب. ووفق الإحصاءات، سُجل أكثر من 14 ألف إصابة في ولاية الخرطوم وحدها، ونحو 3 آلاف إصابة في ولاية الجزيرة، إلى جانب 176 حالة وفاة مرتبطة بالمرض حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وفي مواجهة التصاعد الحالي، أعلنت وزارة الصحة بولاية نهر النيل أن مفوضية العون الإنساني أطلقت نداءً عاجلاً موجهاً إلى المنظمات الأممية والوطنية وشركاء العمل الإنساني، للتدخل السريع والحد من انتشار الوباء في مدن وبلدات الولايات الشمالية، مع الدعوة إلى تكثيف الجهود العلاجية والوقائية بصورة عاجلة لتقليل آثار المرض.

وزير الصحة الاتحادي د. هيثم محمد إبراهيم يتفقد المنشآت الصحية في شمال البلاد (صفحة الوزارة على فيسبوك)

وفي هذا السياق، أجرى وزير الصحة الاتحادي، هيثم محمد إبراهيم، جولة ميدانية في الولايات الشمالية، أعلن خلالها تدشين حملة موسعة لمكافحة نواقل الأمراض والحد من انتشار الحميات، تشمل تنفيذ عمليات رش ومكافحة جوية وأرضية في جميع محليات ولايتي نهر النيل والشمالية.

وأشار الوزير إلى أن حمى الضنك باتت منتشرة في جميع ولايات السودان الثماني عشرة، مؤكداً أهمية تكثيف الجهود المجتمعية والمشاركة الشعبية الواسعة في حملات المكافحة، وتسريع التدخلات لخفض معدلات الإصابة. كما دعا المتطوعين وأئمة المساجد ووسائل الإعلام إلى تعزيز التوعية الصحية بين المواطنين.

ويأتي هذا التفشي في سياق أوسع من تدهور الأوضاع الصحية والبيئية في البلاد، حيث انتشرت أوبئة عدة مثل الكوليرا والملاريا إلى جانب حمى الضنك، نتيجة تدهور البيئة وانهيار البنية التحتية الصحية بفعل الحرب.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد حذّرت في تقرير سابق من أن النظام الصحي في السودان يقف على «حافة الهاوية»، مشيرة إلى أن أقل من 25 في المائة من المرافق الصحية لا تزال تعمل في الولايات الأكثر تضرراً، فيما تعمل نحو 45 في المائة فقط بكامل طاقتها في الولايات الأقل تأثراً.

وتُعد حمى الضنك مرضاً فيروسياً ينتقل إلى الإنسان عبر لدغة بعوضة «الزاعجة المصرية» (Aedes aegypti)، وهي نوع من البعوض يُعد من أخطر نواقل الأمراض للإنسان، وتنشط خلال النهار وتتكاثر في المياه الراكدة. وتتراوح فترة ظهور الأعراض بين 4 و10 أيام، وتشمل ارتفاعاً مفاجئاً في درجة الحرارة، وآلاماً حادة في العضلات والمفاصل، ما أكسبها لقب «حمّى تكسير العظام»، إضافة إلى إرهاق شديد. وفي الحالات المتقدمة، قد تتطور إلى حمى نزفية مصحوبة بنزيف من الأنف واللثة، وانخفاض حاد في ضغط الدم، ما قد يؤدي إلى فشل في الأعضاء الداخلية.


«عفو رئاسي» عن مئات السجناء في مصر

أحد السجناء المفرج عنهم السبت بين أسرته (وزارة الداخلية المصرية)
أحد السجناء المفرج عنهم السبت بين أسرته (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«عفو رئاسي» عن مئات السجناء في مصر

أحد السجناء المفرج عنهم السبت بين أسرته (وزارة الداخلية المصرية)
أحد السجناء المفرج عنهم السبت بين أسرته (وزارة الداخلية المصرية)

قرر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، العفو عن 602 من السجناء المحكوم عليهم في «قضايا».

وقالت وزارة الداخلية المصرية في إفادة، إنه «بمناسبة الاحتفال بـ(عيد تحرير سيناء) وتنفيذاً لقرار الرئيس السيسي بشأن الإفراج بالعفو عن بقية مدة العقوبة بالنسبة لبعض المحكوم عليهم الذين استوفوا شروط العفو، فقد عقد (قطاع الحماية المجتمعية) لجاناً لفحص ملفات النزلاء على مستوى ربوع البلاد، لتحديد مستحقي الإفراج بالعفو عن بقية مدة العقوبة».

وأضافت: «انتهت أعمال اللجان إلى انطباق القرار على 602 نزيل ممن يستحقون الإفراج عنهم بالعفو».

وتحتفل مصر في يوم 25 أبريل (نيسان) من كل عام بذكرى «تحرير سيناء»؛ حيث تم رفع العلم المصري فوق شبه جزيرة سيناء، بعد استعادتها من إسرائيل في عام 1982، وانسحاب آخر جندي إسرائيلي منها، تنفيذاً لـ«معاهدة السلام».

السجناء المفرج عنهم في مصر بموجب «عفو رئاسي» (وزارة الداخلية المصرية)

وأوضحت «الداخلية»، السبت، أن الإفراج عن السجناء «يأتي في إطار حرص الوزارة على تطبيق السياسة العقابية بمفهومها الحديث، وتوفير أوجه الرعاية المختلفة لنزلاء (مراكز الإصلاح والتأهيل)، وتفعيل الدور التنفيذي لأساليب الإفراج عن المحكوم عليهم الذين تم تأهيلهم للانخراط في المجتمع».

وأكدت وزارة الداخلية المصرية في وقت سابق أن «جميع (مراكز الإصلاح والتأهيل) تتوفر فيها الإمكانات المعيشية والصحية كافة للنزلاء، في إطار ما شهدته المنظومة العقابية من تطوير وتحديث، وفقاً لأعلى معايير حقوق الإنسان الدولية، فضلاً عن أنها تخضع للإشراف القضائي».


مشروعات تنموية متزايدة لترسيخ الاستقرار الأمني في سيناء

مصطفى مدبولي خلال افتتاح عدد من مشروعات التنمية في سيناء الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)
مصطفى مدبولي خلال افتتاح عدد من مشروعات التنمية في سيناء الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)
TT

مشروعات تنموية متزايدة لترسيخ الاستقرار الأمني في سيناء

مصطفى مدبولي خلال افتتاح عدد من مشروعات التنمية في سيناء الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)
مصطفى مدبولي خلال افتتاح عدد من مشروعات التنمية في سيناء الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)

تزامناً مع الذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء، تستهدف الحكومة المصرية التوسع في مشروعات التنمية في شبه جزيرة سيناء، ما يعزز من الاستقرار الأمني، ويحمي حدود البلاد الشرقية.

وتحتفل مصر في 25 أبريل (نيسان) من كل عام بذكرى «تحرير سيناء»، حيث تم رفع العلم المصري فوق شبه جزيرة سيناء بعد استعادتها من إسرائيل في 1982، وانسحاب آخر جندي إسرائيلي منها تنفيذاً لمعاهدة السلام.

وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن «معركة التحرير التي خاضها المصريون بالسلاح والدماء والفكر في سيناء، امتدت (اليوم) إلى معركة البناء والتنمية»، وقال في كلمة بهذه المناسبة، السبت، إنه «كما استعادت مصر الأرض بالتضحيات، فإننا نصونها ونشيدها بالعرق والعمل».

وافتتح رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الأسبوع الماضي، عدداً من المشروعات التنموية والخدمية بمحافظة شمال سيناء (شرق البلاد)، مؤكداً أن «رؤية الدولة للتنمية في شمال سيناء تتركز على أن تكون المنطقة مقصداً للاستثمار، ومركزاً عمرانياً وصناعياً وزراعياً وسياحياً كبيراً لمصر».

وسبق أن ذكر مدبولي في نهاية 2023 أن «الحكومة أنفقت على مشروعات التنمية في سيناء خلال عشر سنوات أكثر من 600 مليار جنيه مصري (الدولار يساوي 52.56 جنيه مصري) شملت مشروعات في مختلف القطاعات التنموية»، ونوه حينها إلى أن «المرحلة الثانية من مشروعات التنمية في سيناء تقدر بنحو 363 مليار جنيه لتنفيذ نحو 302 مشروع خلال ثلاث سنوات»، حسب إفادة لـ«مجلس الوزراء المصري».

جانب من المشروعات في شمال سيناء (وزارة الري المصرية)

وتزامناً مع ذكرى «تحرير سيناء»، أعلنت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية في مصر أن «حجم الاستثمارات المخصصة لمحافظتي شمال وجنوب سيناء خلال عامي (2026 - 2027) تبلغ نحو 35 مليار جنيه، وأكدت، في بيان، السبت، أن «59 في المائة من هذه الاستثمارات موجهة للتنمية البشرية وبناء الإنسان».

ووفق الخبير العسكري المصري، اللواء محمد قشقوش، «تشكل خطة التنمية في سيناء خط الدفاع الأول عن شبه جزيرة سيناء في الوقت الحالي»، ويشير إلى أن «الحكومة المصرية تضع مشروع التنمية في سيناء ضمن أولوياتها خلال السنوات الأخيرة، بغرض زيادة الاستثمارات، ما ينعكس على الكثافة السكانية بتلك المنطقة».

ويرى قشقوش أن «زيادة الكثافة السكانية في سيناء وارتفاع نسبة الأيدي العاملة في المشروعات التنموية والخدمية والاستثمارية بها، سيساهم في حماية وأمن هذه المنطقة التي تشكل البوابة الشرقية للدولة المصرية»، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الدولة تستهدف زيادة السياحة في هذه المنطقة التي تضم مقاصد سياحية وترفيهية عديدة».

رئيس الوزراء المصري خلال لقائه أعضاء البرلمان عن سيناء الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)

وأعلنت الحكومة، العام الماضي، عن «استراتيجية مصر الوطنية لتطوير شبه جزيرة سيناء»، التي شهدت مشروعات (طرق وموانئ وسكك حديدية ومناطق صناعية ولوجستية) بهدف تحويلها إلى مركز تجاري يربط بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، ويعزز الربط مع الأسواق الإقليمية والدولية.

وبحسب قشقوش، «تستهدف الحكومة المصرية تعزيز الربط الدائم بين سيناء والدلتا، عبر مشروعات طرق وأنفاق وكبارٍ عديدة».

وأقامت الحكومة المصرية 6 أنفاق أسفل المجرى الملاحي لقناة السويس، ضمن مشروعات التنمية والتعمير في سيناء، بتكلفة وصلت إلى 35 مليار جنيه، وقال السيسي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «بلاده ربطت سيناء بالدلتا عبر 6 أنفاق تحت قناة السويس لمن لا ينتبه، لتصبح سيناء والدلتا حتة (قطعة) واحدة».

ويشير الخبير الأمني في مكافحة الإرهاب، حاتم صابر إلى أن «الحكومة المصرية أقامت مشروعات التنمية بالتوازي مع مواجهة شاملة مع تنظيمات الإرهاب التي كانت تتخذ من سيناء موضع قدم لها».

والشهر الماضي، تحدث الرئيس المصري عن تكلفة الحرب التي خاضتها بلاده ضد الإرهاب منذ عام 2012 وحتى 2022، قائلاً إن «مصر أنفقت نحو 120 مليار جنيه في الحرب على الإرهاب».

جامعة العريش - سيناء (وزارة التعليم العالي المصرية)

ويرى صابر أن «الحكومة تعمل على توسيع المشروعات لتوفير بيئة صالحة للاستثمار والتنمية»، وعدّ ذلك «يمنع أي محاولات لاستغلال الظهير الصحراوي في سيناء من قبل جماعات متطرفة، كما يحبط أي سيناريوهات كانت تستهدف توطين الفلسطينيين في سيناء».

وتشدد مصر بشكل متكرر على «رفض تهجير الفلسطيني من غزة»، وتقول إن ذلك يعدّ «خطاً أحمر بالنسبة لها».

وتشكل شبه جزيرة سيناء أهمية استراتيجية كبرى لمصر، بوصفها البوابة الحدودية الشرقية، وتبلغ مساحتها 61 ألف كيلومتر مربع؛ أي نحو 6 في المائة من مساحة مصر، وتضم محافظتين هما: شمال سيناء وعاصمتها العريش، وجنوب سيناء وعاصمتها الطور.

بُعد آخر تحدث عنه صابر بقوله لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك حرصاً على مشاركة أهالي سيناء في مشروعات التنمية، بما يعزز من قيم المواطنة والمشاركة، عقب شكاوى التهميش التي كان يرددها بعضهم في وقت سابق».

وأكد رئيس الوزراء المصري، الأسبوع الماضي، أن «التنمية المتكاملة في سيناء قائمة على سواعد أهالي شمال سيناء أنفسهم».