علاج قيادات مسلحة ومسؤولين كبار بالخارج يُثير انتقادات الليبيين

وسط شكاوى مرضى من تجاهل مطالبهم بالسفر لتلقي الخدمات الطبية الضرورية

خلال عودة المنفي من رحلة علاج خارجية (المجلس الرئاسي)
خلال عودة المنفي من رحلة علاج خارجية (المجلس الرئاسي)
TT

علاج قيادات مسلحة ومسؤولين كبار بالخارج يُثير انتقادات الليبيين

خلال عودة المنفي من رحلة علاج خارجية (المجلس الرئاسي)
خلال عودة المنفي من رحلة علاج خارجية (المجلس الرئاسي)

أعادت الرحلة العلاجية لرئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، في الخارج فتح ملف المنظومة الطبية في ليبيا، وعقد مقارنة بين سهولة نقل المسؤولين الكبار إلى مشافي أوروبية للعلاج وما يعانيه المرضى العاديون من «صعوبات» لتلقي العلاج بالداخل.

عماد الطرابلسي المكلف بوزارة الداخلية (أ.ف.ب)

وقبيل ذهاب المنفي الأسبوع الماضي إلى ألمانيا لتلقي العلاج من «تسمم دوائي»، سبقه إلى إيطاليا وزيرا الدولة لشؤون مجلس الوزراء بحكومة «الوحدة» الوطنية المؤقتة، عادل جمعة، وعماد الطرابلسي المكلف بوزارة الداخلية.

علاج بالخارج على نفقة الدولة

لم يعد العلاج في الخارج يقتصر على القيادات السياسية فحسب، بل وصل إلى قيادات الأجهزة الأمنية والتشكيلات المسلحة، خصوصاً في أعقاب الاشتباكات التي تشهدها طرابلس، والذي غالباً ما يكون على نفقة الدولة، في حين يشتكي أصحاب أمراض الأورام والكلى من بطء التعاطي مع مطالبهم بالعلاج في الخارج، رغم تقديمهم تقارير معتمدة تُفيد بتعذر علاجهم بالداخل.

وما بين انتقادات ليبيين لهذه الظاهرة، وتوجيه اللوم للسلطات التنفيذية على «عدم النهوض بالقطاع الطبي» منذ رحيل نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، لا يزال قطاع واسع من المرضى يبحثون عن سُبل للعلاج بالخارج، حتى لو اضطرتهم الظروف للاستدانة.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الوطنية (الوحدة)

ولم يتردد الشاب الليبي محمد عاشور في التعبير عن شعوره «بالضيق والعجز»، وقال إنه ظلّ يتقدم بأوراقه منذ أكثر من عامين لجهاز دعم وتطوير الخدمات العلاجية، دون أن يتلقى ردّاً لإجراء جراحة دقيقة له بالجهاز الهضمي في إحدى الدول الأوروبية.

يُشار إلى أن «الجهاز» يتبع حكومة «الوحدة» الوطنية المؤقتة، ويتكفل بتقديم الرعاية للمرضى الليبيين داخل وخارج البلاد.

وأضاف عاشور لـ«الشرق الأوسط» موضحاً أنه اضطر لبيع سيارته، والاستدانة من بعض الأصدقاء في محاولة منه لإجراء تلك الجراحة على نفقته الخاصة بإحدى دول الجوار، إلا أن ارتفاع تكلفتها أجهض هذه المحاولة؛ فعاد لينتظر من جديد، ويلتحق بصفوف طالبي العلاج على نفقة الدولة.

وتتنازع على السلطة في ليبيا حكومتان: الأولى «الوحدة» برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي تتخذ من العاصمة بالغرب الليبي مقرّاً لها، والثانية مكلفة من البرلمان، وتدير المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب، ويرأسها أسامة حماد.

تحديات تواجه المرضى

ويتحدث المحلل السياسي، محمد محفوظ، لـ«الشرق الأوسط» عن وجود «تحديات جمّة تواجه المرضى الليبيين داخل البلاد وخارجها، في ظل ما يحيط بقطاع الصحة من أزمات عدة، جرّاء الانقسام السياسي والحكومي الراهن».

وذكّر محفوظ بتعرض عدد من المرضى الليبيين الذين كانوا يتلقون العلاج بالخارج خلال العامين الماضيين في دول الجوار الليبي ودول أخرى بالمنطقة، للطرد من المستشفيات بسبب عدم التزام ليبيا عبر سفاراتها بالخارج بتسديد مستحقات علاجهم. ويرى محفوظ أن الميسورين يسافرون للعلاج على نفقتهم بدول الجوار؛ أو يتلقون الخدمات الطبية بالمستشفيات الخاصة داخل ليبيا؛ في حين «لا يجد محدودو الدخل مفرّاً من التماس العلاج بالمستشفيات الحكومية؛ التي للأسف تفتقر لكثير من المعدات الطبية والأجهزة المساعدة». مشدداً على «أهمية تحقيق الاستقرار السياسي، وإيجاد حكومة موحدة تعمل على مكافحة الفساد، خصوصاً في المؤسسات ذات الصلة بحياة المواطنين؛ وتضع خطة استراتيجية مدعومة بالتشريعات والتسهيلات الفنية والمالية للنهوض بهذا القطاع، وبالعاملين به».

محفوظ أكد أن محدودي الدخل لا يجدون مفراً من التماس العلاج بالمستشفيات الحكومية (أ.ف.ب)

وخلال الأعوام الماضية، أحالت النيابة العامة الليبية عدداً من المسؤولين بالسفارات الليبية للقضاء، بتهم «فساد مالي، واختلاس مبالغ مخصصة لعلاج المرضى والجرحى الليبيين بالخارج».

من جهته، سلّط الناشط الحقوقي الليبي، طارق لملوم، الضوء على ما وصفه بـ«ظاهرة تصوير أرباب أسر مقاطع فيديو»، وهم يناشدون نخباً سياسية وعسكرية بشرق ليبيا وغربها لمساعدتهم في تسهيل سفرهم، أو سفر أبنائهم لتلقي العلاج بالخارج، خصوصاً لدول أوروبية.

ويرى لملوم في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الاستغاثات الإنسانية تدعم شكاوى البعض من «وجود عشوائية وانتقائية في قرارات العلاج بالخارج على نفقة الدولة بالنسبة للمواطنين العاديين»، وكيف أن هذا العلاج بات مقصوراً في الأغلب على مستشفيات بدول الجوار، دون أن يمتد لعواصم أوروبية.

بدورها، ترى عضو «ملتقى الحوار السياسي»، آمال بوقعيقيص، أن سفر كبار المسؤولين للعلاج بالدول الأوروبية؛ وبعض الميسورين لدول الجوار، أمر متعارف عليه، في ظل تدهور القطاع الصحي بالبلاد منذ حقبة نظام القذافي.

وأشارت بوقعيقيص لـ«الشرق الأوسط» إلى تعرض قطاع كبير من المستشفيات والمرافق الطبية للتدمير خلال الصراعات المسلحة التي شهدتها ليبيا خلال «ثورة 17 فبراير (شباط)، ما أدّى إلى مغادرة عدد كبير من الكوادر الأجنبية، خصوصاً الطواقم الطبية المساعدة». وقالت إن هذا «لا يعني ترك شريحة واسعة من غير القادرين للعلاج بالمستشفيات الحكومية، التي لا يتوفر بعضها أحياناً على أبسط الأدوية، دون العمل على تطويرها، بما يضمن تقديم الخدمة الطبية الجيدة لجميع المرضى».

ونوهت بوقعيقيص بأن «تطوير العلاج بالداخل ليس مستحيلاً، في ظل تمتع الأطباء الليبيين بالكفاءة المطلوبة، ووجود الكثير من الأجهزة ومستلزمات المعامل التي تم استيرادها منذ سنوات، لكنها معطلة عن العمل لعدم وجود خبراء بتشغيلها وصيانتها».


مقالات ذات صلة

مآلات قاسية لحلم الهجرة إلى أوروبا عبر شواطئ طبرق الليبية

شمال افريقيا مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)

مآلات قاسية لحلم الهجرة إلى أوروبا عبر شواطئ طبرق الليبية

سجّلت مدينة طبرق الليبية، شرق البلاد، خلال الأيام الأخيرة، واحدة من أكثر محطات الهجرة غير النظامية قسوة على طريق البحر المتوسط.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة ولافروف خلال محادثات على هامش «منتدى سياسي» بأنطاليا التركية السبت الماضي (مكتب الدبيبة)

روسيا تعزّز انخراطها بين أفرقاء ليبيا بالتوازي مع تنامي الدور الأميركي

تعزّز روسيا في الآونة الأخيرة انخراطها بين الأفرقاء الليبيين عبر تكثيف تحركاتها الدبلوماسية وفتح قنوات تواصل مع الفاعلين السياسيين والعسكريين

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع المنفي وخوري في طرابلس (مكتب المنفي)

ليبيا: المنفي يشدد على الالتزام بمسار انتخابي محدد زمنياً

شدّد محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي على ضرورة أن تُبنى أي مبادرة تتعلق بالأزمة السياسية في بلده على أساس المرجعيات القانونية والدستورية القائمة

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا ميناء مرسى البريقة يستقبل أول ناقلة غاز مسال منذ عام 2017 في 12 أبريل (المؤسسة الوطنية للنفط)

استياء في ليبيا عقب تقرير أممي عن تمدّد شبكات التهريب

أبدت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا «ملاحظات على ما ورد في تقرير أممي يتحدث عن عمليات تهريب واسعة للنفط»، وسط حالة من الاستياء المجتمعي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا أعضاء بالهيئة الدستورية لصياغة الدستور الليبي خلال مؤتمر صحافي في عام 2014 (الصفحة الرسمية للهيئة)

«غياب الدستور» يعمّق أزمة السلطة في ليبيا قُبيل «مرحلة انتقالية مرتقبة»

يرى أعضاء بـ«الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور» في ليبيا، أنَّ غياب قاعدة دستورية دائمة حوَّل المشهد السياسي إلى ساحة مفتوحة للتجاذبات السياسية.

علاء حموده (القاهرة)

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
TT

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)

‌قال الهلال الأحمر في طبرق، أمس الأربعاء، إن خفر السواحل ​التابع للجيش الوطني الليبي والمتمركز في شرق ليبيا أنقذ ما لا يقل عن 404 مهاجرين كانوا على متن 10 قوارب بعد تعرضهم لظروف قاسية ‌في عرض ‌البحر.

وطبرق مدينة ​ساحلية ‌تقع ⁠في ​شرق ليبيا ⁠بالقرب من الحدود مع مصر.

وقال الهلال الأحمر في المدينة إن المهاجرين من جنسيات مختلفة.

وأظهرت صور نشرها الهلال الأحمر على ⁠فيسبوك متطوعيه وهم ‌يقدمون الإسعافات الأولية ‌والطعام والأغطية للمهاجرين.

وتعد ​ليبيا طريق ‌عبور للمهاجرين، وكثير ‌منهم من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، الذين يخوضون رحلة محفوفة بالمخاطر عبر الصحراء والبحر للفرار إلى ‌أوروبا أملا في الهروب من الصراعات والفقر.

ويوم الاثنين، ⁠تم ⁠تأكيد وفاة 10 مهاجرين بعد أن انقلب قاربهم قبالة طبرق ولا يزال 31 في عداد المفقودين، وفقا لثلاثة مصادر ليبية والمنظمة الدولية للهجرة. وتم انتشال ست جثث يوم السبت بعد أن جرفتها ​الأمواج إلى ​الشاطئ.


تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
TT

تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)

قالت مصلحة الموانئ والنقل البحري في ليبيا إن ناقلة الغاز الروسية «أركتيك ميتا غاز» خرجت عن السيطرة.

ونشرت المصلحة صباح اليوم الخميس تحذيرا ملاحيا بخصوص انقطاع حبل جر الناقلة، وصعوبة إعادة الربط معها لظروف فنية، لافتة إلى أن الناقلة على بعد نحو 120 ميلا بحريا شمال مدينة بنغازي، ومنبهة إلى كونها في حالة «انجراف حر».

وطلبت المصلحة من جميع السفن توخي الحيطة والحذر عند الإبحار في المنطقة، والإبلاغ عن أي تغيير في حالة الناقلة مثل تسرب الغاز، أو الانبعاثات الدخانية، أو تغير مفاجئ في وضعية الطفو.

وبعد نحو 50 يوما من إصابتها وخروجها عن الخدمة وهي محملة بـ62 ألف طن من الغاز المسال؛ لم تصل الناقلة الروسية بعد إلى أي مرفأ؛ ففي البداية قررت مؤسسة النفط الليبية جرها لأحد الموانئ المحلية، قبل أن تغير رأيها على وقع تحذيرات القاعدة الشعبية من الآثار البيئية وتقرر جرها إلى المياه الدولية.

وقبل أسبوعين شكلت القيادة العامة للقوات المسلحة في شرق البلاد لجنة طوارئ لمتابعة أزمة الناقلة، وأرسلت قاطرات إنقاذ لاعتراضها وقطرها إلى منطقة آمنة.

وفي الثالث من مارس (آذار) الماضي، وهي في طريقها من ميناء مورمانسك الروسي إلى بورسعيد المصرية، تعرضت الناقلة لهجوم بطائرات مسيرة، اتهمت روسيا أوكرانيا بالوقوف وراءه، انطلاقا من الأراضي الليبية القريبة.


أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
TT

أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)

يحذر خبراء من حدوث «قفزة» في أسعار الغذاء المصري، حال استمر التصعيد في المنطقة وبخاصة في مضيق هرمز، إذ يُعد ارتفاع تكاليف مستلزمات الزراعة من أبرز تداعيات «الحرب الإيرانية»، مع زيادة أسعار الأسمدة والأعلاف عالمياً إلى جانب تكاليف النقل.

وارتفع سعر «اليوريا» المستخدم في صناعة الأسمدة خلال الشهر الجاري، وتجاوز حاجز 850 دولاراً للطن وفقاً لعقود اليوريا الحُبيبية العالمية، وانعكس ذلك على أسعارها في مصر أيضاً، حيث سجلت مستوى يزيد على 40 ألف جنيه للطن، بالمقارنة مع 28 ألف جنيه قبل اندلاع الحرب. (الدولار يساوي 52 جنيه تقريباً).

وتسبب إغلاق مضيق هرمز في تعطل نحو ثلث تجارة الأسمدة البحرية، حيث تُوفر دول مجلس التعاون الخليجي، نحو ربع صادرات «اليوريا» العالمية، مما يزيد من مخاوف الأسواق في وقت قيدت فيه روسيا، الأربعاء، تمديد تقنين الصادرات من الأسمدة حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وإلى جانب الأسمدة، شهدت الأعلاف ارتفاعاً ملحوظاً في مصر خلال أبريل (نيسان) الجاري، حيث زادت أسعار الطن الواحد بما يتراوح بين 4 و5 آلاف جنيه محلياً. ويتراوح طن علف التسمين (البادي) حالياً بين 22 ألفاً و24.5 ألف جنيه، بينما سجلت أعلاف الدواجن البياض مستويات بين 17.8 و20.4 ألف جنيه للطن، وفقاً للجنة متابعة الأسعار التابعة لمجلس الوزراء المصري.

وارتفعت أسعار النفط العالمية بأكثر من 40 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع الحرب، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع أسعار الوقود والغاز في مطلع مارس (آذار) بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، وأرجعت القرارات إلى «الظروف الاستثنائية التي تمر بها أسواق الطاقة عالمياً»، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع تكاليف نقل الغذاء والمحاصيل.

مزارعون مصريون وسط زراعاتهم الغذائية (وزارة الزراعة)

نقيب الفلاحين في مصر، حسين أبو صدام، قال لـ«الشرق الأوسط» إن أي زيادات في أسعار مستلزمات الزراعة، وبخاصة الأسمدة، تؤدي لاضطرابات في سوق الغذاء، وإنه في حال قرر المزارعون ترشيد استخدام الأسمدة لتقليل التكلفة، فإن ذلك سيؤدي لانخفاض في الإنتاجية يترتب عليه نقص المعروض وارتفاع الطلب ومن ثم زيادة الأسعار؛ أما إذا قرروا زيادة أسعار المحاصيل، فإن المواطنين سيتأثرون أيضاً بشكل مباشر.

وبالنسبة للحالة المصرية، فإن الحكومة تقدم الأسمدة مدعمة إلى ما يقرب من نصف المزارعين، وهؤلاء يحصلون على طن سماد اليوريا المدعم بنحو 6000 جنيه، وفقاً لأبو صدام الذي شدد على أن ذلك يمكن أن يحد من تأثير ارتفاع أسعار الأسمدة على المدى القريب. لكن في حال استمرار الحرب فإن مصانع الأسمدة المحلية سوف تتجه بصورة أكبر للتصدير والاستفادة من الفجوات السعرية بين أسعار «اليوريا» في مصر والأسواق العالمية.

وفي العام الماضي خفضت الحكومة كميات الأسمدة المدعومة المسلَّمة لوزارة الزراعة من 55 إلى 37 في المائة من إجمالي الكميات المنتَجة، بهدف تعويض الشركات عن زيادة سعر الغاز المقررة للمصانع، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة.

وبالنسبة للأعلاف، أوضح نقيب الفلاحين أن المزارعين يتأثرون بارتفاعات أسعارها العالمية مع الاعتماد على استيراد فول الصويا المكون منها بنسبة 50 في المائة من احتياجات السوق المحلية، إلى جانب استيراد 40 في المائة من احتياجات الذرة، مشيراً إلى أن ذلك يؤدي لزيادة التكلفة على المربين الذين قد يقلصون من دورات الإنتاج أو قد يخرجون بشكل نهائي من السوق حال استمرت التداعيات، ويترتب على ذلك زيادة أيضاً في أسعار اللحوم والدواجن.

ارتفاع تكاليف الزراعة يؤثر على أسعار الغذاء في مصر (وزارة الزراعة)

وارتفع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 15.2 في المائة الشهر الماضي، وهو أعلى مستوى خلال 10 أشهر، مدفوعاً بزيادة أسعار المواد الغذائية والطاقة وتداعيات جيوسياسية، مقارنة بـ13.4 في المائة في فبراير (شباط).

وتظهر بيانات البنك الدولي أن مصر استحوذت على المرتبة الأولى من ناحية معدل التضخم على مستوى أفريقيا ودول الخليج، وسط توقعات ببلوغ التضخم متوسط 13.2 في المائة في عام 2026.

ويرى أبو صدام أن الحكومة تولي اهتماماً بزيادة معدلات الاكتفاء الذاتي من القمح وهو ما دفعها إلى زيادة سعر شراء الأردب من المزارعين إلى 2500 جنيه، مشيراً إلى أن المزارعين يحققون مكاسب جيدة من السعر القديم، 2350 جنيهاً، لكن تشجيعهم على توريد 5 ملايين طن من مستهدفات الحكومة هذا العام كان دافعاً لزيادة السعر.

وأشار الخبير الاقتصادي كريم العمدة إلى أن أسعار الطاقة والأسمدة تقود مباشرة إلى ارتفاع أسعار الغذاء لكنها تبقى حتى الآن في الحدود الآمنة في مصر مع تقديرات حكومية لعودتها إلى طبيعتها مع استقرار الأوضاع في المنطقة، ويبقى التخوف من قفزات كبيرة حال استمرت الحرب الإيرانية، مما سيترتب عليه ارتفاعات كبيرة في أسعار الغاز الطبيعي الذي تعتمد عليه مصانع «اليوريا» بشكل كبير، كما ستتأثر أسعار المنتجات والسلع المستوردة.

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة المصرية ستكون مطالبة بزيادة كميات «اليوريا» المدعمة للحفاظ على استقرار الأسواق، إلى جانب الزيادة التدريجية في الاكتفاء الذاتي من القمح، مع التوسع في استخدام مخلفات الزراعة في الأسمدة العضوية مثل قش الأرز.