«مهلة إسرائيلية أخيرة»... هل تعجل بـ«هدنة» جديدة في غزة؟

حكومة نتنياهو تهدد بـ«تصعيد»... ومصر تحذر من تدهور في المنطقة

أطفال فلسطينيون نازحون يجلسون على ذخيرة غير منفجرة قرب مركز شرطة تحول إلى مأوى في غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون يجلسون على ذخيرة غير منفجرة قرب مركز شرطة تحول إلى مأوى في غزة (أ.ف.ب)
TT

«مهلة إسرائيلية أخيرة»... هل تعجل بـ«هدنة» جديدة في غزة؟

أطفال فلسطينيون نازحون يجلسون على ذخيرة غير منفجرة قرب مركز شرطة تحول إلى مأوى في غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون يجلسون على ذخيرة غير منفجرة قرب مركز شرطة تحول إلى مأوى في غزة (أ.ف.ب)

يُعقَد اجتماع إسرائيلي مرتقب لحسم «مهلة أخيرة» للوسطاء بشأن مسارات إبرام صفقة جديدة لإطلاق سراح الرهائن، فيما لا تزال «حماس» تتمسك بإبرام اتفاق شامل بضمانات دولية، وتتحرك لدعم ذلك المسار لإنهاء الحرب.

تلك التحركات التي تأتي قبل زيارة محتملة للرئيس الأميركي دونالد ترمب للمنطقة الشهر المقبل، يراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، ترسم السيناريوهات المحتملة الأخيرة للتعجيل باتفاق قد يكون مؤقتاً أو شاملاً حسب تطورات الموقف، مؤكدين أن الجولة الرئاسية الأميركية ستفرض اتفاقاً بشكل كبير، على طرفي الحرب اللذين يتحركان من الآن لتجهيز خططهما.

ولا تزال مساعي الهدنة في غزة على طاولة المحادثات العربية، وناقش وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الاثنين، مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، «الجهود الخاصة بالتهدئة وتثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة، لا سيما في ظل ما يشهده القطاع من أوضاع إنسانية متدهورة»، بحسب بيان لـ«الخارجية» المصرية.

فلسطينيون يتفقدون موقع مخيم للنازحين تعرض لقصف إسرائيلي جنوب مدينة غزة (أ.ف.ب)

وسيعقد مجلس الوزراء الإسرائيلي الأمني، اجتماعاً الثلاثاء، «ومن الموضوعات التي من المفترض أن تتم مناقشتها؛ مسألة التوقيت: ما الموعد النهائي الذي تعطيه إسرائيل للوسطاء و(حماس) لتنفيذ خطة (مبعوث ترمب ستيف) ويتكوف، التي تشمل إطلاق سراح 10 رهائن، ونقاشاً حول إنهاء الحرب؟»، وفق ما ذكرته القناة الإخبارية 12 الإسرائيلية.

في المقابل، تتحرك «حماس» إزاء تجهيز سيناريوهات قبل زيارة ترمب، والتقى وفد الحركة برئاسة القيادي محمد درويش، وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الأحد، كما أجرى لقاءً مع رئيس جهاز المخابرات إبراهيم قالن؛ لبحث وقف الحرب من خلال رؤيتها، إلى جانب الوضع الفلسطيني الداخلي وقضايا أخرى.

وأكد مصدران من حركة «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، الاثنين، أن الحركة تريد دعماً من تركيا، لنقل رؤيتها إلى إدارة ترمب بشأن «الصفقة الشاملة»، في ظل «العلاقات الجيدة بينهما».

وينصُّ مقترح «حماس» الذي أعلنه رئيس التفاوض بالحركة، خليل الحية، على إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين جميعاً، مقابل عدد متفق عليه من الأسرى الفلسطينيين، ووقف الحرب وانسحاب إسرائيل من مناطق القطاع كافة، مشيداً بتصريحات أدلى بها المبعوث الأميركي لشؤون الرهائن آدم بوهلر، تؤكد رغبة واشنطن في صفقة واحدة أيضاً.

ووفق تقديرات الخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء سمير فرج، فإن كل طرف يحاول أن يعدّ تصوراته الأخيرة قبل زيارة ترمب المرتقبة للمنطقة، فإسرائيل تحاول ترتيب أفكارها مع وضع مهلة أخيرة في إطار الضغوط، وكذلك «حماس» تدرك أن الرئيس الأميركي سيضغط لاتفاق قد يكون نهائياً أو مؤقتاً، متوقعاً أن تتحرك المياه الراكدة في المفاوضات نحو صفقة قبل الزيارة.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن نتنياهو يسعى لترتيب تصعيده الذي يبدو أنه بضوء أخضر أميركي، مشدداً على أن المقترحات الأميركية والإسرائيلية لن تتجاوز هدنة مؤقتة، وليست شاملة، كما ترغب «حماس»، التي ترغب في ضمانات للبقاء فيما بعد انتهاء الحرب دون نزع سلاحها، مع عدم الوجود بالحكم.

تلك الضمانات التي تسعى لها «حماس»، تشمل بحسب مصدر سياسي إسرائيلي تحدث لهيئة البث الإسرائيلية، «إبداء (حماس) استعداداً للتخلي عن الحكم في قطاع غزة ضمن أي تسوية مستقبلية، لكنها ترفض بشكل قاطع، نزع سلاح جناحها العسكري، في مسعى لمحاكاة نموذج (حزب الله) في لبنان، وهذا ما تعارضه إسرائيل بشدة، وترى أن أي تسوية سياسية أو إنسانية، لا يمكن أن تنجح ما دامت (حماس) تحتفظ بسلاحها، أو بأي قدرة عسكرية مستقلة».

ولا يتوقف المشهد على ذلك، فـ«بعد وقف إدخال المساعدات الإنسانية، وقطع خط الكهرباء الوحيد في المواصي (جنوب غزة)، تدرس إسرائيل خطوة دراماتيكية تجاه (حماس)، وهي إعادة اعتقال الأسرى الذين تم الإفراج عنهم في الصفقات السابقة، خصوصاً أولئك الذين تم الإفراج عنهم في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وتدرس إسرائيل اعتقالات جماعية - ليس أسيراً واحداً أو اثنين، ولكن العشرات في الوقت نفسه»، وفق المصدر ذاته.

في المقابل، دعت مصر في بيان صادر عن وزارة الخارجية، الاثنين، «المجتمع الدولي، للعمل بصورة فورية لوقف للانتهاكات والاستفزازات الإسرائيلية، ووضع حد لتصرفاتها المنافية للقانون الدولي، وبما يمنع التدهور المزداد لأمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط».

وبحسب فرج، فإن تلك الضغوط ستستمر من أجل تحقيق مكاسب بالتفاوض المحتمل مع تدخل أميركي، وضغوط ستمارسها واشنطن للتهدئة قبل زيارة ترمب المفصلية في مشهد التصعيد بغزة، لكن ستبقى المشكلة في سلاح «حماس»، مؤكداً أن مصر تمارس كل الجهود لإتمام هدنة وحل حقيقي للمأساة بغزة وإنهاء الحرب.

ويرى مطاوع أن الإدارة الأميركية والإسرائيلية متفقتان على نزع سلاح «حماس»، وإنهاء نفوذها العسكري والمدني في أي اتفاق محتمل مقبل، ولا خيارات كثيرة أمام الحركة، لافتاً إلى أنها لا تريد إعلان هزيمتها، وتسعى لضمان البقاء في اليوم التالي بعد انتهاء الحرب، وهذا أمر مشكوك أن تنجح فيه «حماس» حتى الآن.


مقالات ذات صلة

مقتل 6 أشخاص في غارتين إسرائيليتين على نقطتي تفتيش في غزة

المشرق العربي تصاعد الدخان في خان يونس بعد غارة إسرائيلية قرب مخيم يؤوي نازحين في دير البلح بوسط قطاع غزة (د.ب.أ)

مقتل 6 أشخاص في غارتين إسرائيليتين على نقطتي تفتيش في غزة

قال مسؤولون محليون في قطاع الصحة إن غارتين إسرائيليتين استهدفتا نقطتي تفتيش تابعتين ​لقوة الشرطة التي تقودها «حماس» وأسفرتا عن مقتل ما لا يقل عن ستة أشخاص.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيات متأثرات خلال تشييع شقيقين قتلا بغارة إسرائيلية بمدينة غزة السبت (رويترز)

غزة: تصعيد إسرائيلي بمشاركة العصابات

واصلت إسرائيل ومعها العصابات المسلحة، التي تنتشر في مناطق سيطرتها بقطاع غزة، التصعيد الميداني داخل مناطق سيطرة «حماس»، مخلّفةً مزيداً من الضحايا، وذلك قبيل

«الشرق الأوسط» (غزة)
تحليل إخباري منظر عام لكتلة خرسانية تمثل «الخط الأصفر» الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري تحركات إسرائيل بـ«الخط الأصفر» في غزة تهدد مسار «خطة ملادينوف»

تواصل إسرائيل ترسيخ وجودها في الخط الفاصل المعروف باسم «الخط الأصفر» في قطاع غزة.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي فتيان فلسطينيون يشاركون في تشييع قتلى سقطوا بغارة إسرائيلية في مدينة غزة السبت (رويترز)

تصعيد ميداني إسرائيلي بمشاركة العصابات المسلحة في غزة

كشفت تحقيقات حصلت على نتائجها «الشرق الأوسط» أن عناصر من العصابات المسلحة التابعة لإسرائيل باتوا يتلقون تدريبات على أسلحة متطورة بينها الطائرات المسيرة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا مقر وزارة الخارجية المصرية في وسط القاهرة (رويترز)

مصر تشدد على «الوقف الفوري» للتصعيد في لبنان

شددت مصر على «ضرورة الوقف الفوري للتصعيد والاعتداءات الاسرائيلية على لبنان». وأعربت عن «رفضها القاطع بالمساس بسيادته ووحدة وسلامة أراضيه».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

وفاة الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

وفاة الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)

نعت الرئاسة الجزائرية رئيس الجمهورية الأسبق، اليامين زروال، الذي توفي مساء أمس (السبت) عن 84 عاماً، بينما أقرَّ رئيس البلاد عبد المجيد تبون، حداداً وطنياً لثلاثة أيام على كامل التراب الوطني وفي الممثليات الدبلوماسية بالخارج، مع تنكيس العلم الوطني.

وكشف بيان مقتضب للرئاسة الجزائرية عن أن زروال توفي بالمستشفى العسكري «محمد الصغير نقاش» بالعاصمة الجزائرية مساء أمس (السبت) بعد صراع مع مرض عضال.

واحتفظ الراحل زروال، بصداقة قوية مع الرئيس الحالي عبد المجيد تبون، الذي كان يتواصل معه ويزوره للاطمئنان على صحته، وفق ما نقلت «وكالة الأنباء الألمانية».

وتولَّى الراحل زروال، بعد الاستقلال، مسؤوليات عدة في الجيش الجزائري، قبل أن يتم اختياره قائداً للمدرسة العسكرية في باتنة شرق الجزائر، ثم للأكاديمية العسكرية في شرشال، وتولَّى قيادة النواحي العسكرية السادسة والثالثة والخامسة. بعد ذلك، تم تعيينه قائداً للقوات البرية في قيادة الأركان.

واستقال من الجيش عام 1989 إثر خلاف مع رئيس الجمهورية الراحل الشاذلي بن جديد، حول مخطط لتحديث الجيش، ورغم ذلك عُيِّن سفيراً في رومانيا عام 1990، قبل أن يستقيل من منصبه بعد عام واحد فقط. ليُعيَّن في 10 يوليو (تموز) 1993 وزيراً للدفاع الوطني. ثم أصبح رئيساً للدولة لتسيير شؤون البلاد طوال المرحلة الانتقالية في 30 يناير (كانون الثاني) 1994.

ويعد زروال، أول رئيس للجمهورية في الجزائر انتخب بطريقة ديمقراطية في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 1995، رغم شكوك المعارضة في نزاهة العملية الانتخابية. وأعلن زروال، في 11 سبتمبر (أيلول) 1998، إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، ليغادر رئاسة الجمهورية في 27 أبريل (نيسان) 1999، تاركاً المنصب لخلفه الراحل عبد العزيز بوتفليقة.


الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

بعد سنوات من النزاع المسلح الذي خلّف دماراً واسعاً في البنية التحتية بالسودان، لم يكن سكان العاصمة، الخرطوم، وحدهم مَن دفعوا الثمن، بل امتدت الأضرار لتطال النظام البيئي الهشَّ للمدينة، حيث تلوَّثت الموارد الطبيعية، وتراكمت النفايات، وتدهور الهواء والتربة، مع تراجع ملحوظ في الغطاء النباتي ونفوق أعداد كبيرة من الحيوانات.

وأدى القتال العنيف والقصف العشوائي إلى تدمير منشآت صناعية وشبكات الصرف الصحي، فضلاً عن تسرُّب الوقود؛ ما تسبَّب في مستويات مرتفعة من التلوث داخل المدينة. كما تضرَّرت الحدائق العامة والمساحات الخضراء، وتحوَّلت بعض المناطق إلى مكبات نفايات عشوائية؛ نتيجة انهيار خدمات النظافة.

في ظلِّ هذه الظروف، فرَّت الحيوانات من بيئاتها الطبيعية، بينما نفقت أخرى بسبب نقص الغذاء والماء والمأوى. كذلك واجهت الطيور المهاجرة، التي كانت تتخذ من ضفاف النيل محطةً موسميةً، بيئةً أكثر قسوةً وتلوثاً وأقل أماناً.

حريق في إحدى مساحات الخرطوم التي كانت خضراء (الشرق الأوسط)

في عام 2024، شهدت مصفاة الجيلي شمال الخرطوم حريقاً هائلاً أدى إلى انبعاث كميات كبيرة من الغازات والجسيمات الدقيقة؛ ما شَّكل خطراً مباشراً على صحة الإنسان والحيوان، وأسهم في تدهور جودة الهواء. كما تسبَّب الحريق في إطلاق غازات مرتبطة بظاهرة الاحتباس الحراري، إضافة إلى تلوث التربة والمياه، مُهدِّداً التوازن البيئي في المنطقة. ولم تسلم الأشجار المعمرة في شارع النيل من تداعيات الحرب، إذ جرى قطع أعداد كبيرة منها، رغم ما كانت تُمثِّله من قيمة جمالية وبيئية، ودورها في تلطيف المناخ المحلي وتحسين جودة الحياة، ما يجعل فقدانها خسارة مزدوجة، بيئية وبصرية.

ورغم حجم الدمار، فإنَّ خبراء يرون أن التعافي البيئي يظلُّ ممكناً، شريطة تبني نهج «إعادة البناء الأخضر»، الذي يدمج بين إعادة الإعمار وحماية البيئة، ويستثمر المرحلة الحالية لإعادة تخطيط المدينة بصورة أكثر استدامة، عبر توسيع المساحات الخضراء والاعتماد على مصادر طاقة نظيفة وآمنة.

مصفاة «الجيلي» للبترول بعد استهدافها في وقت سابق مما أسهم في تردي البيئة نتيجة الغازات السامة المنبعثة منها (إكس)

وأكدت الأمين العام لـ«المجلس الأعلى للبيئة والترقية الحضرية» بولاية الخرطوم، غادة حسين العوض، أنَّ الحرب خلَّفت أضراراً بيئية جسيمة، شملت تلوث المياه والهواء والتربة، وتدمير منشآت حيوية، من بينها مصفاة الجيلي، إلى جانب نهب وتخريب الموارد الطبيعية والبنية التحتية، وفقدان المختبر البيئي المرجعي. وأوضحت أن خطة استراتيجية عشرية للفترة 2026 - 2036، يجري إعدادها لإعادة الإعمار، مع التركيز على قطاع النظافة الذي فقد نحو 90 في المائة من آلياته، إلى جانب تنفيذ خطة متكاملة لإدارة النفايات؛ تشمل تأهيل المرافق البيئية، ومعالجة النفايات الطبية، وإعادة تأهيل المناطق الصناعية، وتعويض الغطاء النباتي. كما أشارت إلى إطلاق مبادرات للتشجير وتأهيل الشوارع باستخدام الطاقة الشمسية، وإعادة تأهيل المشاتل، ضمن خطة واسعة لإعادة تشجير العاصمة وتعزيز الاستدامة البيئية.

دراسة أممية لرصد الأضرار

وفي السياق ذاته، أجرى برنامج الأمم المتحدة للبيئة في السودان دراسةً ميدانيةً عقب اندلاع الحرب في 2023؛ لتقييم الآثار البيئية في ولايتَي الخرطوم والجزيرة، حيث اعتمدت في مرحلتها الأولى على صور الأقمار الاصطناعية لرصد التغيُّرات في الغطاء النباتي والتربة، وقياس مستويات التلوث في الهواء والمياه، وتقييم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

ومع تحسُّن الأوضاع الأمنية، انتقلت الفرق إلى العمل الميداني، حيث زارت المناطق الأكثر تضرراً، وأجرت مشاورات مع الجهات الحكومية والمجتمعات المحلية، ما أظهر تدهوراً كبيراً في الغابات؛ نتيجة القطع الجائر واستخدام الأخشاب وقوداً، إلى جانب تلوث ملحوظ في المياه، في حين سجَّلت الانبعاثات انخفاضاً مؤقتاً؛ بسبب توقف الأنشطة الصناعية وحركة النقل.

مساحات شاسعة في الخرطوم أصبحت قاحلة بعد أن كانت خضراء في أوقات سابقة (الشرق الأوسط)

وأشار البرنامج إلى إطلاق مبادرة تحت شعار «معاً من أجل بيئة متعافية ومجتمعات مستقرة»، تهدف إلى تعزيز الشراكات لدعم التعافي البيئي، عادّاً أنَّ المرحلة الحالية تمثل فرصةً لمعالجة اختلالات إدارة النفايات والبنية التحتية، رغم التحديات المرتبطة بمخلفات الحرب.

من جهته، يرى أستاذ الغابات والموارد الطبيعية، طلعت دفع الله، أنَّ تعافي النظام البيئي ممكن، لكنه يتطلَّب وقتاً طويلاً وجهوداً متواصلة، نظراً لحجم الدمار الذي طال قطاعات حيوية، مثل الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، إلى جانب تراكم النفايات والأنقاض ومخاطر المخلفات المُتفجِّرة. وأوضح أن التعافي البيئي للخرطوم يرتبط بتعافي السودان كله، مشيراً إلى أن تركيز المساعدات الدولية على الجوانب الإنسانية جاء على حساب البرامج البيئية والتنموية طويلة الأجل، ما يجعل التعافي مشروطاً بوقف الحرب، وإزالة مخلفات القتال، واستعادة الخدمات الأساسية، وإعادة تشغيل المؤسسات البيئية، ضمن رؤية متكاملة تربط بين الغابات والمياه والمراعي والحياة البرية.

ما تبقَّى من الأشجار المعمرة في الخرطوم (الشرق الأوسط)

بدوره، أكد الخبير البيئي، ساري نقد، أنَّ التعافي البيئي يقوم على مسارَين متكاملَين، أولهما التعافي الطبيعي الذي يحدث تدريجياً مع تراجع الضغوط البشرية، وثانيهما التدخل المنظم، الذي يسرّع استعادة التوازن البيئي عبر إعادة التشجير، ومعالجة التربة والمياه، وإزالة المخلفات، وتنظيم استغلال الموارد، مع تفعيل الرقابة البيئية.

ورغم حجم الأضرار، فإنَّ الخبراء يجمعون على أنَّ الخرطوم لا تزال قابلةً للتعافي، وأن الاستثمار في البيئة خلال هذه المرحلة يمثل ركيزةً أساسيةً لتحقيق الاستقرار، واستعادة الحياة الطبيعية، وبناء مستقبل أكثر استدامة وأماناً للأجيال المقبلة.


الاتحاد العام التونسي للشغل يختار رئيساً جديداً في خضم أزمة داخلية

نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
TT

الاتحاد العام التونسي للشغل يختار رئيساً جديداً في خضم أزمة داخلية

نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)

أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو قوة اجتماعية وسياسية بارزة في تونس تشهد حالياً أزمةً داخليةً وتوترات مع الحكومة، اليوم (السبت)، تعيين رئيس جديد له إثر انعقاد مؤتمره الوطني. وتولى صلاح الدين السالمي نائب الأمين العام السابق، منصب الأمين العام للاتحاد خلفاً لنور الدين الطبوبي، الذي قاد الاتحاد منذ عام 2017.

وكان الاتحاد قد فاز مناصفةً بجائزة «نوبل للسلام» عام 2015، لدوره في التحوُّل الديمقراطي في تونس بعد ثورة 2010-2011.

وانتُخب السالمي من جانب اللجنة التنفيذية الجديدة، التي شُكِّلت في المؤتمر الذي عُقد في الفترة من 25 إلى 27 من مارس (آذار) الحالي في المنستير على الساحل الشرقي للبلاد. وواجه الطبوبي معارضةً شديدةً من فئة من المنضوين داخل الاتحاد، أخذت عليه ما عدّته افتقاراً في الشفافية في إدارته، وأدت هذه الأزمة إلى تقديم الطبوبي استقالته في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قبل أن يتراجع عنها بعد شهر.

وفي افتتاح المؤتمر، تظاهرت مجموعة من المعارضين؛ احتجاجاً على انعقاده. الأربعاء، أقرَّ نور الدين الطبوبي بالصعوبات التي تواجه الاتحاد، قائلاً إن الاتحاد العام التونسي للشغل يمرُّ بأزمة عابرة لكنه سيظلُّ «قوياً شامخاً كالجبل».

وإضافة إلى التوترات الداخلية، يتعرَّض الاتحاد لضغوط من الحكومة. فقد دافع الرئيس قيس سعيد، الذي دعمه الاتحاد بشروط عام 2021، عن المتظاهرين الذين طالبوا برحيل قادته. وفي أوائل مارس الحالي، ندَّد الاتحاد بقرار حكومي يهدِّد الاقتطاعات التلقائية من رواتب الأعضاء، عادّاً إياها تهديداً وجودياً لتمويله. تأسس الاتحاد عام 1946، وكان ركيزة أساسية في الاحتجاجات ضد الاستعمار الفرنسي (1881 - 1956).