تبادل طرد الدبلوماسيين يرشح العلاقات الجزائرية ــ الفرنسية لمزيد من التصعيد

باريس أكدت أنه كان عليها الرد على الإجراء الجزائري «بقوة وحزم»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة فرنسا بايرو في حديث منفرد الأربعاء في قصر الإليزيه (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة فرنسا بايرو في حديث منفرد الأربعاء في قصر الإليزيه (أ.ب)
TT

تبادل طرد الدبلوماسيين يرشح العلاقات الجزائرية ــ الفرنسية لمزيد من التصعيد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة فرنسا بايرو في حديث منفرد الأربعاء في قصر الإليزيه (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة فرنسا بايرو في حديث منفرد الأربعاء في قصر الإليزيه (أ.ب)

تجتاز العلاقات الفرنسية ــ الجزائرية في الوقت الحاضر مرحلة بالغة التعقيد، وقد تكون مرشحة لمزيد من التصعيد إذا استمرت عملية «لي الذراع» بين الطرفين. وقد جاءت عملية الطرد المتبادلة لدبلوماسيين وموظفين من الجانبين، يتمتعون بالحصانة الدبلوماسية أو القنصلية، لتبين أن أياً منهما لا يريد أن يظهر بمظهر الطرف الضعيف، بالنظر إلى العلاقات التاريخية المعقدة وإرثها. لكن الأهم من ذلك أن لها بُعداً سياسياً داخلياً لدى الجانبين، ما يضفي عليها مزيداً من الحساسية، خصوصاً إمكانية التصعيد وحتى الاشتعال.

الجزائر تركز على وزير الداخلية الفرنسي

هذا الطابع دفع الجزائر للرد على توقيف أحد موظفيها في قنصليتها بمدينة كريتي، جنوب شرقي باريس، بحملة إعلامية، استهدفت وزير الداخلية الفرنسي الذي تحمله مسؤولية التوتر الجديد لثلاثة اعتبارات: الأول هو أن برونو روتايو هو المشرف على الأجهزة الأمنية، التي اعتقلت ثلاثة أشخاص، بينهم الموظف القنصلي، وتوجيه تهم ثقيلة إلى الثلاثة، منها الخطف والاحتجاز وتشكيل عصابة من الأشرار ذات صلة بتنظيم إرهابي، ورمي ثلاثة في السجن. والثاني، أن الجانب الجزائري اختار 12 موظفاً قنصلياً ودبلوماسياً فرنسياً تابعين جميعاً لوزارة الداخلية الفرنسية، أي الوزارة التي يديرها روتايو. والثالث أن الأخير ينهج خطأ بالغ التشدد إزاء الجزائر بالنسبة لملفات الهجرة والأمن، وترحيل الأشخاص غير المرغوب في بقائهم في فرنسا.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مستقبلاً في 14 أبريل الحالي وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (أ.ف.ب)

ويمثل روتايو، المنتمي إلى حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي، «الخط الصدامي»، وهو ضالع في صراع على رئاسة الحزب مع النائب لوران فوكييز، رئيس المجموعة النيابية التابعة للحزب في البرلمان. كما أن روتايو لا يخفي طموحاته الرئاسية، وقد اعترف علناً بأن خطه المتشدد في المسائل المشار إليها سابقاً «له مردود سياسي».

بيد أن باريس ترفض هذه القراءة الجزائرية، وتبدو مستاءة من تركيز الطرف الآخر على روتايو، مؤكدة أن الموظف الجزائري لم يكن متمتعاً بالحصانة عند القبض عليه، لأن الحصانة قائمة فقط في إطار عمله الرسمي وليس خارجه. كما تشدد باريس على أن عملية التوقيف جاءت في إطار تحقيق قضائي، فُتح في شهر فبراير (شباط) الماضي، وأن القضاء مستقل في فرنسا، وبالتالي فإن استهداف روتايو ليس في مكانه الصحيح.

وزير الداخلية الفرنسي برونو روتايو (إ.ب.أ)

كذلك تؤكد باريس أنه كان عليها أن ترد على الإجراء الجزائري «بقوة وحزم»، من خلال طرد 12 موظفاً جزائرياً، واستدعاء السفير الفرنسي لدى الجزائر ستيفان روماتيه إلى باريس للتشاور، وتحميل الجزائر مسؤولية التصعيد، الذي جاء بعد أقل من أسبوع على الزيارة، التي قام بها وزير الخارجية جان نويل بارو إلى الجزائر، التي نجحت إلى حد بعيد في إعادة المياه إلى مجاريها، وإطلاق التعاون الثنائي مجدداً.

جان نويل بارو الإطفائي

حقيقة الأمر أن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو بات يلعب في هذه الأزمة المتفاقمة دور «الإطفائي» الحريص على تجنب مزيد من التصعيد. ولذا، فقد كثّف في الساعات الـ48 الماضية من المقابلات الصحافية والتصريحات، التي تدفع كلها باتجاه الاعتدال من غير ضعف. وقد برز ذلك مجدداً من خلال المقابلة الصباحية، التي أجرتها معه إذاعة «فرانس أنتير»، الأربعاء، والتي شدد فيها على أن «الحوار هو السبيل الوحيد لإيجاد حلول للتوترات (مع الجزائر) بشكل مستدام»، وندد بأصحاب الرؤوس الحامية الذين يرفضون الحوار، واصفاً موقفهم بأنه «غير مسؤول».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رويترز)

ويرى بارو أن لفرنسا «مصلحة في إقامة علاقة طبيعية مع الجزائر، والخروج من التوتر لكي نتمكن من ترحيل الجزائريين المقيمين بطريقة غير نظامية، وإقامة حوار في مجال الاستخبارات ومكافحة الإرهاب، والنجاح في الإفراج عن مواطننا بوعلام صنصال المعتقل تعسفياً في الجزائر».

لذا، فإنه طالب بتوفير «فرصة للحوار»، شرط أن يكون «صريحاً وواضحاً»، ودافع عن زيارته للجزائر ولقاء نظيره أحمد العطاف، والرئيس عبد المجيد تبون، ودافع عن القرار القضائي «المستقل»، مندداً بـ«رد فعل» الجزائر «غير المتناسب تماماً»، واصفاً إياه بأنه «متهور»، ومن شأنه أن «يقوض إمكانية إجراء حوار نوعي» مع السلطات الجزائرية.

ومساء الثلاثاء، أصدر الإليزيه بياناً اعتبر فيه أن «السلطات الجزائرية تتحمل مسؤولية التدهور العنيف لعلاقاتنا الثنائية». وبالنظر للاتهامات المساقة ضده، فقد قال روتايو في حديث لقناة «سي نيوز» اليمينية المتطرفة إنه «من غير المقبول أن تكون ميداناً تتلاعب فيه المخابرات الجزائرية»، واصفاً رد الرئاسة بطرد 12 موظفاً جزائرياً بأنه «متناسب تماماً».

مصير بوعلام صنصال

رغم كل ما حصل ما زالت باريس تأمل في أن يعمد الرئيس تبون إلى إصدار عفو عن الكاتب الفرنسي ــ الجزائري بوعلام صنصال. وفي هذا السياق، قال بارو: «أؤمن بإمكان حصول لفتة إنسانية» بشأنه.

الكاتب الفرنسي - الجزائري بوعلام صنصال (أ.ف.ب)

وكانت معلومات متداولة في باريس قد أشارت، بعد الاتصال الهاتفي المطول بين ماكرون وتبون وزيارة بارو للجزائر، إلى وعد بالعفو عن صنصال، الذي كان سجنه ثم محاكمته وصدور قرار بحبسه 5 سنوات أحد أسباب التوتر بين العاصمتين. وقد نددت باريس أكثر من مرة بظروف سجنه، وتراجع وضعه الصحي. كما قامت حركة في فرنسا ضاغطة على السلطات من أجل العمل على إطلاق سراحه.

وأمس، اعتبر أرنو بنديتي، مؤسس ورئيس الهيئة الداعمة لصنصال، أن الأخير «ضحية العلاقات البائسة بين فرنسا والجزائر، ولم يتم اعتقاله ليس فقط بسبب تصريحاته، بل لأنه نُظر إليه على أنه كثير القرب من فرنسا».

وكانت ابنتا صنصال قد حثتا الرئيس ماكرون، من خلال كتاب نشرته صحيفة «لو فيغاور» في عددها ليوم الثلاثاء، على العمل من أجل تحرير والدهما. وجاء في الكتاب: «خلال 5 أشهر من الانتظار كنا نأمل ببزوغ ضوء العدالة، ولكننا اليوم نشعر، نحن ابنتي بوعلام صنصال، بأننا مجبرتان على التوجه إليكم» لإخراجه من السجن.

وفي تصريحاته الأخيرة، حرص بارو على تذكير الجزائر بالحاجة إلى «احترام تعهداتها، والاتفاقيات المبرمة مع فرنسا»، وتحديداً بشأن تأشيرات السفر وواجب قبول مواطنيها المرحلين. كذلك عمد الوزير الفرنسي إلى الدفاع عن زميله وزير الداخلية بتأكيد أنه «لا علاقة له بقرار القضاء» الخاص بتوقيف وسجن الثلاثة، الذين يعتبرهم مسؤولين عن خطف المؤثر الجزائري المعارض أمير بوخرص. وخلاصة بارو أن هناك «خطأ واحداً تلتزم به الحكومة»، ساعياً بذلك إلى حرمان الجزائر من اللعب على حبل الخلافات داخل السلطة الفرنسية. ولمزيد من حرصه على التعاون مع الجزائر، أكد الوزير الفرنسي أنه سيلتقي في مرسيليا، الأربعاء، أعضاء من الجالية الجزائرية، مؤكداً أن «الفرنسيين الجزائريين، والفرنسيين الذين لديهم روابط مع الجزائر، يشكلون فرصة لفرنسا، ولا ينبغي لهم أن يتحملوا تبعات هذا التوتر بين بلدينا».

السؤال المطروح اليوم يتناول مستقبل العلاقات الفرنسية ــ الجزائرية، واحتمال تراجع التصعيد. وإذا كان من الصعب استشراف المستقبل، باعتبار أن عمليات الطرد المتبادل ما زالت «ساخنة»، إلا أنه من الواضح أن ازدياد التوتر هو السيناريو الأكثر احتمالاً. والسبب في ذلك أن الخلافات بين الطرفين عميقة جداً، وأن الجزائر لم تتغلب بعد على الاستدارة التي قام بها ماكرون في ملف مصير الصحراء، عندما اعتبر أن «حاضرها ومستقبلها يندرجان في إطار السيادة المغربية».

وزير الداخلية الفرنسي (أقصى اليسار) بمعية نظيره المغربي عبد الوافي لفتيت في الرباط خلال الزيارة الرسمية التي قام بها إلى المغرب (أ.ف.ب)

والمفارقة أنه في الوقت الذي كان فيه الطرفان الفرنسي والجزائري يتشاحنان، كان وزير الخارجية المغربي في باريس للتأكيد على عمق الصداقة بين الطرفين، ولتجديد التزام باريس بموقفها من قضية الصحراء. كذلك كان روتايو، المغضوب عليه جزائرياً، زائراً في الرباط لتعزيز التعاون الأمني بين وزراتي الداخلية في البلدين. أمّا الزيارة التي كانت مقررة لوزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان إلى الجزائر في هذين اليومين فقد أصبحت مجهولة المصير.



السيسي يعرب عن ارتياحه لسلامة ترمب

الرئيسان السيسي وترمب بشرم الشيخ خلال «مؤتمر السلام» حول غزة في أكتوبر الماضي (رويترز)
الرئيسان السيسي وترمب بشرم الشيخ خلال «مؤتمر السلام» حول غزة في أكتوبر الماضي (رويترز)
TT

السيسي يعرب عن ارتياحه لسلامة ترمب

الرئيسان السيسي وترمب بشرم الشيخ خلال «مؤتمر السلام» حول غزة في أكتوبر الماضي (رويترز)
الرئيسان السيسي وترمب بشرم الشيخ خلال «مؤتمر السلام» حول غزة في أكتوبر الماضي (رويترز)

أعرب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن الارتياح الكبير لسلامة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، متمنياً له دوام الصحة والعافية، وللولايات المتحدة الصديقة الأمن والاستقرار والازدهار.

وأدان السيسي في منشور عبر صفحته الرسمية على «فيسبوك»، الأحد، العمل الإجرامي في محيط العشاء السنوي لمراسلي البيت الأبيض.

وقال السيسي: «تابعت باهتمام شديد عملية إطلاق النار التي وقعت مساء السبت في محيط العشاء السنوي لمراسلي البيت الأبيض، والذي حضره الرئيس ترمب».

وأكد رفضه القاطع لـ«كافة أشكال العنف السياسي والإرهاب الذي يمثل تهديداً خطيراً لأمن واستقرار المجتمعات».

وأطلق مسلح النار، في وقت متأخر من مساء السبت بتوقيت الولايات المتحدة، من بندقية على أحد عناصر الخدمة السرية عند نقطة تفتيش في فندق «واشنطن هيلتون» قبل التصدي له واعتقاله.

وكان ترمب قد أعرب خلال لقائه السيسي على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، في يناير (كانون الثاني) الماضي، عن تقديره الكبير للشراكة الممتدة بين البلدين في مختلف المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية، مشيداً بالدور الذي يضطلع به السيسي في تحقيق التنمية والاستقرار السياسي والأمني في مصر، وكذلك في دعم السلم والاستقرار الإقليميين.

والشهر الماضي نقل كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، خلال اتصال هاتفي مع وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، تحيات وتقدير الرئيس ترمب إلى الرئيس السيسي، مثمّناً دور مصر المحوري والصادق في احتواء الأزمات، والتعامل مع التحديات المتصاعدة في المنطقة.


تساؤلات حول دور «مجلس الأمن» في دفع ليبيا نحو الانتخابات

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال إحاطة لمجلس الأمن في 21 أغسطس 2025 (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال إحاطة لمجلس الأمن في 21 أغسطس 2025 (البعثة الأممية)
TT

تساؤلات حول دور «مجلس الأمن» في دفع ليبيا نحو الانتخابات

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال إحاطة لمجلس الأمن في 21 أغسطس 2025 (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال إحاطة لمجلس الأمن في 21 أغسطس 2025 (البعثة الأممية)

تتزايد التحركات الدولية لإعادة دفع المسار السياسي في ليبيا نحو تسوية شاملة تنهي الانقسام وتفتح الطريق أمام «انتخابات وطنية»، وسط تساؤلات متصاعدة حول مدى قدرة مجلس الأمن الدولي على تحويل دعواته المتكررة إلى ضغط فعلي يغيّر واقع الأزمة المعقدة في البلاد.

وكانت المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، قد حذرت في إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن، الأربعاء الماضي، من أن ليبيا «تواجه مفترق طرق سياسياً واقتصادياً وأمنياً»، داعية المجلس إلى «استخدام نفوذه لحمل القادة الليبيين على الوفاء بالتزاماتهم بتوحيد المؤسسات والمضي نحو انتخابات وطنية».

وتقول البعثة الأممية إنها تواصل تركيز جهودها على إحراز تقدم في «خريطة الطريق» التي سبق وطرحتها على مجلس الأمن في أغسطس (آب) 2025، بما يفضي إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية.

«أزمة باردة»

المحلل السياسي الليبي محمد بوصير استبعد أن يستجيب مجلس الأمن لتلك النداءات، وأرجع ذلك إلى «الانقسام المزمن بين مواقف أعضائه وتضارب مصالحهم في الساحة الليبية، بل ومقايضة بعضهم على هذا الملف لتحقيق مكاسب في ملفات أخرى»، لافتاً - في حديث لـ«الشرق الأوسط» - إلى أن المجلس لم يُفعّل العقوبات التي سبق ولوّح بها في مواجهة معرقلي العملية السياسية أو تطبيقها في أضيق الحدود.

ويرى بوصير أن الملف الليبي بات في نظر المجلس الدولي «أزمة باردة لا قتال فيها ولا تهديدات وشيكة، ولا ترقى إلى مستوى الأولوية مقارنة بأزمات أكثر إلحاحاً كالصراع بين واشنطن وطهران».

وأعرب المحلل الليبي عن قناعته بأن «الفراغ الذي خلفه تعثر (خريطة الطريق) الأممية بات يملؤه واشنطن عبر المبادرة المنسوبة لمسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والتي تستهدف دمج السلطتين في شرق البلاد وغربها لتشكيل مجلس رئاسي جديد وحكومة موحدة».

لقاء سابق بين صدام حفتر ومسعد بولس في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

وتقضي المبادرة المنسوبة إلى بولس بتولي نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، صدام حفتر، رئاسة مجلس رئاسي جديد بدلاً من محمد المنفي، على أن يبقى عبد الحميد الدبيبة رئيساً لـ«الحكومة الموحدة».

«رفض ضمني»

وقال رئيس «الاتحاد الوطني للأحزاب الليبية»، أسعد زهيو، إن مجلس الأمن «لن يتعاطى بجدية مع نداءات تيتيه»، التي يراها «عبارات تقليدية متكررة»، معتقداً أن «مواقف الدول الكبرى انتقلت من القبول على مضض بالسياسات الأميركية إلى ما يشبه المعارضة الواعية، وإن كانت هادئة متريثة».

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً إن كلمات ممثلي روسيا والصين وفرنسا خلال اجتماع مجلس الأمن حول ليبيا، «تضمنت دفاعاً واضحاً عن (الخريطة الأممية)، ودعت الأطراف الليبية إلى الانخراط بها»، معتبراً ذلك «رسالة رفض ضمني لمبادرة بولس».

وتساءل زهيو عن الأدوات التي تملكها واشنطن «لفرض رؤيتها على مشهد عبثي تتشابك فيه أطياف سياسية ومجتمعية متعددة ترفض أن تقتصر طاولة التفاوض على الفاعلين في شرق وغرب البلاد، مما يرجح تقلص نفوذهم وبقاء الانقسام وترسيخه».

وتوقع أن تتجه تيتيه في إحاطتها المقبلة بعد شهرين نحو المطالبة بتطبيق المادة 64 من الاتفاق السياسي وإطلاق حوار سياسي موسع، وأضاف: «وحينها لن تتردد بقية الدول دائمة العضوية في دعمه، كونه يضمن مصالحها جميعاً لا مصالح واشنطن وحدها».

وتنص المادة، وفقاً للاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات المغربية عام 2015، على إمكانية عقد حوار سياسي استثنائي بناء على طلب أي من أطراف الاتفاق السياسي للنظر في أي متغيّر أو خرق جسيم لبنوده.

«انسداد سياسي»

عضو المجلس الأعلى للدولة، محمد معزب، حمّل البعثة الأممية لدى ليبيا «المسؤولية الأكبر» عن الانسداد السياسي واستمرار الأزمة لأكثر من 15 عاماً، رافضاً «تبرير البعثة المستمر لإخفاقاتها بتحميل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة مسؤولية تعثر العملية السياسية».

واتهم معزب البعثة الأممية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بعرقلة إعادة تشكيل المفوضية الوطنية للانتخابات بإصرارها الإبقاء على رئيسها الحالي عماد السائح؛ «رغم أن تعيينه جاء مخالفاً للاتفاق السياسي، مما يهدد مصداقية أي استحقاق انتخابي مقبل»، حسب قوله.

عبد الحميد الدبيبة مجتمعاً بعماد السائح رئيس مفوضية الانتخابات الليبية (حكومة الوحدة)

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً يتمثل في وجود حكومتين متنافستين؛ الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة الدبيبة في طرابلس، والثانية مكلّفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، تدير المنطقة الشرقية وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.

وكان مندوب روسيا لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، قد قال في كلمة أمام مجلس الأمن إن «عدم تسوية الأزمة في ليبيا يثير قلق موسكو»، معبراً عن قناعة بأن «القيادات الليبية تدرك أهمية تجنب أي تصعيد ممكن، وستتجنب أي خطوات تزعزع الاستقرار».

أما ممثلة الولايات المتحدة في مجلس الأمن، فدعت كل الأطراف للانخراط بشكل بنَّاء في خريطة الطريق الأممية.


حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)
مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)
TT

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)
مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)

تشهد ولايات عدة في السودان عودة ملحوظة لانتشار حمى الضنك، بعد فترة من التراجع النسبي في معدلات الإصابة.

ووفقاً لآخر التقارير الصحية، سُجّل أكثر من 6 آلاف إصابة في ولاية نهر النيل وحدها منذ بداية العام، بينها 205 حالات خلال يومين فقط، إضافة إلى 12 حالة وفاة تراكمية. ولا يزال المرض منتشراً في ولايات أخرى، من بينها العاصمة الخرطوم، والجزيرة، ودارفور.

وأفادت وزارة الصحة بولاية نهر النيل، في تقريرها اليومي، بارتفاع كبير في عدد الإصابات، حيث بلغ إجمالي الحالات 6392 إصابة حتى يوم الجمعة. وسُجلت 97 إصابة جديدة يوم الخميس، و108 حالات يوم الأربعاء، استدعت دخول المستشفيات. وتوزعت الإصابات داخل الولاية على عدة مدن، حيث سجلت شندي 2495 إصابة و4 وفيات، تلتها الدامر بـ2100 إصابة و4 وفيات، ثم المتمة بـ1722 إصابة و6 وفيات، فيما سجلت عطبرة 75 إصابة.

وامتد انتشار المرض أيضاً إلى الولاية الشمالية المجاورة، حيث سُجلت أول إصابة في منطقة الزومة بمحلية مروي منذ ظهور المرض في فبراير (شباط) الماضي. وبلغ إجمالي الإصابات هناك 174 حالة حتى يوم الجمعة، في محليتي مروي والدبة.

دعوات للتدخل السريع

وفي إطار جهود التصدي للوباء، عقدت الإدارة العامة للطوارئ الصحية ومكافحة الأوبئة اجتماعاً مع قيادات مجتمعية وممثلين عن جمعية الهلال الأحمر السوداني، لبحث التدخلات العاجلة وتعزيز التنسيق المجتمعي للحد من انتشار المرض.

وفي العام الماضي، شهدت عدة ولايات سودانية تفشياً وبائياً واسعاً لحمى الضنك، لا سيما في الخرطوم والجزيرة ودارفور، وذلك في ظل انهيار شبه كامل للبنية التحتية الصحية نتيجة الحرب. ووفق الإحصاءات، سُجل أكثر من 14 ألف إصابة في ولاية الخرطوم وحدها، ونحو 3 آلاف إصابة في ولاية الجزيرة، إلى جانب 176 حالة وفاة مرتبطة بالمرض حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وفي مواجهة التصاعد الحالي، أعلنت وزارة الصحة بولاية نهر النيل أن مفوضية العون الإنساني أطلقت نداءً عاجلاً موجهاً إلى المنظمات الأممية والوطنية وشركاء العمل الإنساني، للتدخل السريع والحد من انتشار الوباء في مدن وبلدات الولايات الشمالية، مع الدعوة إلى تكثيف الجهود العلاجية والوقائية بصورة عاجلة لتقليل آثار المرض.

وزير الصحة الاتحادي د. هيثم محمد إبراهيم يتفقد المنشآت الصحية في شمال البلاد (صفحة الوزارة على فيسبوك)

وفي هذا السياق، أجرى وزير الصحة الاتحادي، هيثم محمد إبراهيم، جولة ميدانية في الولايات الشمالية، أعلن خلالها تدشين حملة موسعة لمكافحة نواقل الأمراض والحد من انتشار الحميات، تشمل تنفيذ عمليات رش ومكافحة جوية وأرضية في جميع محليات ولايتي نهر النيل والشمالية.

وأشار الوزير إلى أن حمى الضنك باتت منتشرة في جميع ولايات السودان الثماني عشرة، مؤكداً أهمية تكثيف الجهود المجتمعية والمشاركة الشعبية الواسعة في حملات المكافحة، وتسريع التدخلات لخفض معدلات الإصابة. كما دعا المتطوعين وأئمة المساجد ووسائل الإعلام إلى تعزيز التوعية الصحية بين المواطنين.

ويأتي هذا التفشي في سياق أوسع من تدهور الأوضاع الصحية والبيئية في البلاد، حيث انتشرت أوبئة عدة مثل الكوليرا والملاريا إلى جانب حمى الضنك، نتيجة تدهور البيئة وانهيار البنية التحتية الصحية بفعل الحرب.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد حذّرت في تقرير سابق من أن النظام الصحي في السودان يقف على «حافة الهاوية»، مشيرة إلى أن أقل من 25 في المائة من المرافق الصحية لا تزال تعمل في الولايات الأكثر تضرراً، فيما تعمل نحو 45 في المائة فقط بكامل طاقتها في الولايات الأقل تأثراً.

وتُعد حمى الضنك مرضاً فيروسياً ينتقل إلى الإنسان عبر لدغة بعوضة «الزاعجة المصرية» (Aedes aegypti)، وهي نوع من البعوض يُعد من أخطر نواقل الأمراض للإنسان، وتنشط خلال النهار وتتكاثر في المياه الراكدة. وتتراوح فترة ظهور الأعراض بين 4 و10 أيام، وتشمل ارتفاعاً مفاجئاً في درجة الحرارة، وآلاماً حادة في العضلات والمفاصل، ما أكسبها لقب «حمّى تكسير العظام»، إضافة إلى إرهاق شديد. وفي الحالات المتقدمة، قد تتطور إلى حمى نزفية مصحوبة بنزيف من الأنف واللثة، وانخفاض حاد في ضغط الدم، ما قد يؤدي إلى فشل في الأعضاء الداخلية.