رفع أسعار المحروقات يُعمّق مخاوف المصريين من الغلاء

وسط تأكيد حكومي على عدم المساس بالخبز «المدعم»

وسط العاصمة المصرية القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
وسط العاصمة المصرية القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

رفع أسعار المحروقات يُعمّق مخاوف المصريين من الغلاء

وسط العاصمة المصرية القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
وسط العاصمة المصرية القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

عمّقت الزيادة الجديدة في أسعار المحروقات بمصر المخاوف من الغلاء في الأسواق، وسط تعهدات حكومية بعدم المساس بسعر «الخبز المدعم».

وبحسب خبراء، فإن «تحريك أسعار المحروقات سيؤثر على معدلات التضخم في البلاد بصورة قد تزيد من حالة ركود السلع في الأسواق».

وأعلنت وزارة البترول المصرية عن رفع أسعار الوقود اعتباراً من الجمعة، في أول زيادة خلال عام 2025، بنسب تراوحت ما بين 11.76 و14.81 بالمائة.

وشملت الزيادات رفع سعر الديزل (السولار)، وهو أحد أكثر أنواع الوقود شيوعاً في البلاد، جنيهين إلى 15.50 جنيه لكل لتر، إلى جانب رفع سعر البنزين جنيهين، بأسعار متفاوتة؛ إذ زاد بنزين 80 إلى 15.75 جنيه للتر الواحد، وزاد بنزين 92 إلى 17.25 جنيه، وارتفع بنزين 95 إلى 19 جنيهاً، كما زاد سعر غاز الطهي للمنازل إلى 200 جنيه للأسطوانة من 150 جنيهاً (الدولار يساوي 51.3 جنيه في البنك المركزي المصري).

ورغم الزيادة الجديدة على أسعار المحروقات، فإن وزارة البترول المصرية أشارت إلى أن «الفجوة السعرية ما زالت قائمة بين تكلفة المنتجات البترولية وأسعار بيعها، نتيجة للزيادة الكبيرة في التكاليف»، وأشارت في إفادة لها، الجمعة، إلى أن «الحكومة تقوم بتوجيه الجزء الأكبر من الدعم إلى منتجات السولار والبوتاغاز وبنزين (80 و92)، لتخفيف الأعباء عن المواطنين».

وتستورد مصر نحو 40 بالمائة من كمية استهلاكها من السولار، و50 بالمائة من كمية استهلاك منتج البوتاغاز، و25 بالمائة من كمية استهلاك البنزين، حسب «البترول المصرية» التي قالت إن «حجم الدعم اليومي المقدم للمنتجات البترولية يصل لنحو 366 مليون جنيه مصري، ما يعادل 11 مليار جنيه شهرياً».

وأشارت «البترول» إلى أن انخفاض سعر خام برنت عالمياً أخيراً، لم يؤثر إلا على انخفاض طفيف بتكلفة لتر السولار بنحو «40 قرشاً فقط»؛ ما يعني استمرار وجود فجوة بين سعر البيع والتكلفة. وطالبت بـ«ضرورة الأخذ في الاعتبار توقعات عدم الاستقرار في أسعار المنتجات البترولية، بسبب التوترات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، وتطور تكاليف الإنتاج والنقل والاستيراد».

وبزيادة أسعار الوقود رفعت الحكومة المصرية «تعريفات ركوب المواصلات العامة، وخطوط النقل الداخلية والخارجية بالمحافظات»، وتراوحت الزيادات في أسعار «حافلات النقل الجماعي ما بين 10 و15 بالمائة»، حسب تقدير كل محافظة.

إحدى محطات الوقود في مصر (الشرق الأوسط)

وشددت وزارة التنمية المحلية المصرية، الجمعة، على «نشر نسب الزيادات الجديدة في أسعار المواصلات العامة داخل محطات النقل الجماعي»، إلى جانب «تكثيف الحملات الرقابية والمتابعة على سيارات الأجرة، للحد من أي زيادات مبالغ فيها على خطوط النقل الداخلي والخارجي».

ووسط مخاوف من تأثير الزيادات الجديدة في أسعار الوقود والنقل على غلاء السلع في الأسواق، تعهدت وزارة التموين المصرية بـ«ثبات سعر رغيف الخبز المدعم عند سعره الحالي (20 قرشاً) للرغيف»، وأكدت في إفادة لها، الجمعة، «استمرار تحمل الحكومة فرق تكلفة إنتاج الخبز وسداده لأصحاب المخابز، مع الوضع في الاعتبار تكلفة مدخلات إنتاج الخبز، ومن ضمنها سعر السولار».

وأثارت الزيادة الجديدة في أسعار الوقود تساؤلات لدى مصريين على منصات التواصل الاجتماعي في ظل انخفاض أسعار النفط عالمياً. وأكد متابعون أن «رفع أسعار الوقود سوف يفاقم الغلاء في البلاد».

وقال رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، إن «الانخفاض الأخير في أسعار النفط عالمياً ليس له تأثير على أسعار الوقود» في بلاده حالياً؛ وذلك لأن حكومته «تشتري النفط بعقود آجلة، وبمتوسطات سعرية لفترات طويلة»، وأكد الأربعاء أنه «حال استقرار الأسعار العالمية عند المستويات الحالية لفترة طويلة، يمكن أن تكون معدلات ارتفاعات أسعار الوقود في مصر أقل مما كان مستهدفاً الوصول إليه نهاية العام الحالي».

وتخضع أسعار الوقود في مصر إلى مجموعة من المتغيرات، تتعلق بضغوط خارجية بسبب تحديات سلاسل الإمداد، والأسعار العالمية، وانخفاض سعر العملة المحلية أمام الدولار، وفق الخبير الاقتصادي المصري وليد جاب الله الذي أشار إلى أن «الحكومة المصرية تتبنى سياسة سعر الوقود المرن، وهو ما يبرر الزيادات المتكررة في أسعاره، منذ بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، وتحرير سعر صرف الجنيه، وتراجع قيمته أمام الدولار».

حافلة نقل عام في مصر (الشرق الأوسط)

وقرر البنك المركزي المصري في مارس (آذار) 2024 تحديد سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، لتنخفض بذلك قيمة العملة المحلية.

ويعتقد جاب الله أن «الزيادة الحالية في سعر الوقود كانت متوقعة، مع انخفاض مخصصات دعم الوقود والطاقة في موازنة العام المالي القادم، واستنزاف مخصصات الدعم في موازنة العام الحالي»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الزيادة لن تكون الأخيرة، خصوصاً حال استمرار انخفاض قيمة العملة المحلية، وارتفاع الأسعار العالمية».

وتعهدت «البترول المصرية»، الجمعة، بعدم «دراسة تغيير الأسعار الجديدة للمنتجات البترولية قبل 6 أشهر»، وقالت إن «آخر تعديل في أسعارها كان قبل 6 أشهر، في 18 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي».

وستؤثر الزيادات الجديدة في أسعار الوقود على ارتفاع نسب التضخم في البلاد، وفق جاب الله الذي أشار إلى أن «جميع مدخلات الإنتاج تعتمد على الوقود؛ ما يعني تأثر أسعارها بالارتفاع الأخير في قيمة المحروقات».

ويتفق في ذلك رئيس «جمعية مواطنون ضد الغلاء» بمصر (مؤسسة مدنية)، محمود العسقلاني، مشيراً إلى أن «الحكومة المصرية حققت نتائج إيجابية في خفض معدلات التضخم منذ بداية العام الحالي، غير أن الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود ستزيد من نسبته مرة أخرى، مع ارتفاع أسعار السلع في الأسواق»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «كان من الأفضل تأجيل القرار في ظل انخفاض أسعار النفط العالمية».

ويرى العسقلاني أن الزيادة الجديدة في أسعار الوقود «ستزيد من حالة الركود في الأسواق، بسبب اتجاه التجار لزيادة السلع الأساسية والغذائية»، وأشار إلى أن «ارتفاع قيمة المواصلات العامة، وغاز المنازل، سيفاقم من أعباء الشرائح المجتمعية الفقيرة، وأكثر الأسر احتياجاً؛ ما يفرض التوسع في برامج الحماية الاجتماعية الموجهة لتلك الفئات».


مقالات ذات صلة

«غِش» عصير القصب لم «يُزعزِع» ثقة المصريين بمشروبهم الشعبي المفضل

شمال افريقيا الإقبال على محال عصير القصب لم يتأثر رغم الإعلان مؤخراً عن حالات غش (الشرق الأوسط)

«غِش» عصير القصب لم «يُزعزِع» ثقة المصريين بمشروبهم الشعبي المفضل

رغم انشغال المصريين بما أُثير عن «غش» عصير القصب عبر إذابة مادة «ثاني أكسيد التيتانيوم» فيه لإكسابه لوناً أبيض، فإن ذلك لم يزعزع ثقتهم بمشروبهم الشعبي المفضل.

محمد عجم (القاهرة)
المشرق العربي وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي («الخارجية» المصرية)

مصر تدين افتتاح سفارة «أرض الصومال» في القدس

أعربت مصر عن إدانتها الشديدة لإعلان افتتاح ما يُسمى «سفارة أرض الصومال» في مدينة القدس المحتلّة، وعدَّت أن هذه الخطوة تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا ختام تدريب عسكري بين مصر واليونان (المتحدث العسكري للجيش المصري)

مناورات جوية مصرية - يونانية لتطوير القدرات القتالية

أجرى الجيش المصري ونظيره اليوناني مناورات عسكرية استمرت لمدة 5 أسابيع بمشاركة عناصر من القوات الجوية للبلدين إلى جانب مشاركة القوات الجوية الإسبانية بصفة مراقب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد معروضات لبعض السلع الغذائية داخل منفذ بيع في مصر (الصفحة الرسمية لوزارة التموين على «فيسبوك»)

لماذا تحول انخفاض أسعار البيض والدجاج في مصر إلى «أزمة»؟

تتزايد شكاوى تجار البيض والدجاج في مصر من انخفاض أسعار منتجاتهم وما يترتب عليه من «خسائر»، ويطالبون الحكومة بالتدخل لحماية هذا القطاع.

رحاب عليوة (القاهرة )
الاقتصاد مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)

هبوط الدولار... تفاؤل مصري بـ«ارتدادات إيجابية» بعد وقف «حرب إيران»

تجاوب سعر الجنيه المصري بشكل إيجابي مع قرب توقيع اتفاق وقف الحرب بين طهران وواشنطن، إذ بدأ سعر الدولار رحلة هبوط لليوم الثاني.

محمد محمود (القاهرة )

خالد حفتر يبحث مع خوري سبل توحيد المؤسسات الليبية

خالد حفتر مستقبلاً خوري بمقر رئاسة الأركان في بنغازي الثلاثاء (رئاسة الأركان العامة)
خالد حفتر مستقبلاً خوري بمقر رئاسة الأركان في بنغازي الثلاثاء (رئاسة الأركان العامة)
TT

خالد حفتر يبحث مع خوري سبل توحيد المؤسسات الليبية

خالد حفتر مستقبلاً خوري بمقر رئاسة الأركان في بنغازي الثلاثاء (رئاسة الأركان العامة)
خالد حفتر مستقبلاً خوري بمقر رئاسة الأركان في بنغازي الثلاثاء (رئاسة الأركان العامة)

بحث الفريق خالد حفتر، رئيس الأركان العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي، مع ستيفاني خوري، نائبة رئيس بعثة الأمم المتحدة للشؤون السياسية بالبلاد، سبل دعم الجهود الرامية لتعزيز الاستقرار وتوحيد المؤسسات الليبية.

يأتي هذا اللقاء في ظل جهود مكثفة تبذلها البعثة الأممية في أعقاب إعلان مخرجات «الحوار المهيكل» الأسبوع الماضي، فضلاً عن حراك دولي يتعلق بالمسار السياسي في البلاد لتفعيل «الخريطة الأممية»، الهادفة إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية.

وأفادت رئاسة الأركان العامة، الثلاثاء، بأن خالد حفتر تطرق في اجتماعه مع خوري إلى «آخر مستجدات الأوضاع السياسية في ليبيا، مع تأكيد أهمية دور بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في الدفع بالعملية السياسية نحو تحقيق الاستقرار الدائم».

الأمين العام للقيادة العامة الفريق خيري التميمي خلال مباحثاته مع خوري (البعثة الأممية)

وسبق أن التقت خوري الأمين العام للقيادة العامة، الفريق خيري التميمي، الاثنين، وبحثت معه، وفقاً للبعثة الأممية، «آخر المستجدات على الساحة، بما في ذلك الاختتام الناجح لأعمال (الحوار المهيكل)، ولا سيما التوصيات الصادرة عنه، والهادفة إلى إصلاح وتوحيد المؤسستين الأمنية والعسكرية».

وحسب بيان البعثة، أشادت خوري بـ«الدور الذي تضطلع به اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)، وبالنموذج الذي أرسته في مجال التنسيق والتعاون بين المؤسسات العسكرية الوطنية»، مؤكدةً «أهمية دعم جميع الجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات، بما يسهم في تحقيق تطلعات الليبيين إلى الاستقرار والتنمية».

وفي إطار التباحث بشأن مخرجات الحوار، التقت خوري، الاثنين، سفير روسيا لدى ليبيا، أيدار أغانين، لمناقشة آخر التطورات السياسية والاقتصادية والأمنية في البلاد.

وتناولت المناقشات، حسب البعثة، نتائج عملية «الحوار المُهيكل»، و«التقدم المحرز» في الاجتماع المصغر المكلف بمعالجة العراقيل التي أعاقت تنفيذ الخطوتين الأوليين من خريطة الطريق، التي ترعاها الأمم المتحدة للوصول إلى انتخابات وطنية.


من قلب الدمار... الخرطوم تبحث عن فرحها المفقود

سودانيون في سوق بأم درمان الذي دبت فيه الحياة 26 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانيون في سوق بأم درمان الذي دبت فيه الحياة 26 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

من قلب الدمار... الخرطوم تبحث عن فرحها المفقود

سودانيون في سوق بأم درمان الذي دبت فيه الحياة 26 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانيون في سوق بأم درمان الذي دبت فيه الحياة 26 أبريل 2026 (أ.ب)

بعد سنوات من الحرب التي تركت وراءها دماراً هائلاً وفراغاً واسعاً في الشوارع، بدأت العاصمة الخرطوم تستفيق من غفوتها، وتعيد شيئاً من ألقها المفقود، وسط محاولات حكومية لإعادة الأنشطة الرياضية إلى الملاعب، واستئناف الفرق الموسيقية لعروضها الفنية، وفتح صالات الأفراح أبوابها مرة أخرى، إلى جانب تجمعات الشباب في أندية مشاهدة مباريات كأس العالم، وهي ملامح شاحبة في مدينة أنهكتها الحرب.

وبين ركام المباني وآثار التخريب، وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة يومياً، ومصاعب الحياة الأخرى، يحاول السكان استعادة تفاصيل حياتهم اليومية وصناعة مساحات للأمل، في مشهد يعكس رغبة قوية في تجاوز آثار الصراع والعودة إلى الحياة الطبيعية رغم التحديات الكبيرة التي لا تزال قائمة.

ذكريات جميلة

عاد استاد الخرطوم إلى الواجهة الرياضية من جديد باحتضانه أول ديربي بين الهلال والمريخ (أكبر ناديين في السودان)، بحضور رئيس الوزراء كامل إدريس، الذي بذلت حكومته جهوداً من أجل إبراز هذه الجوانب. وشكلت المباراة حدثاً استثنائياً؛ لأنها أعادت كرة القدم إلى أحد أبرز ملاعب السودان بعد توقف دام أكثر من ثلاث سنوات. ورغم الأوضاع الصعبة وارتفاع درجات الحرارة، حرصت الجماهير على الحضور إلى استاد الخرطوم لاستعادة ذكريات جميلة، غيبتها الحرب.

مشهد من مباراة الهلال والمريخ بأستاذ الخرطوم الذي أعيد تأهيله (الشرق الأوسط)

يقول المواطن عيسى إبراهيم إن مشاعر الفرح غمرته مع عودة النشاط الرياضي إلى الخرطوم، مؤكداً أن رؤية لاعبي فريقه الهلال على أرض استاد الخرطوم أعادت إليه ذكريات جميلة، وأشعرته بأن الحياة بدأت تستعيد إيقاعها الطبيعي من جديد.

من جانبه، يرى المواطن مصطفى عبد الجليل أن عودة المنافسات الرياضية إلى العاصمة تمثل خطوة بالغة الأهمية في مسار التعافي المجتمعي، معرباً عن سعادته بمشاهدة لاعبي فريقه المريخ وهم يخوضون مبارياتهم داخل البلاد بعد فترة طويلة من الغياب. ويقول إن الرياضة تمنح الناس متنفساً يحتاجون إليه بشدة في ظل الظروف المعيشية الصعبة، بما في ذلك الانقطاعات المتكررة للكهرباء والمياه وارتفاع تكاليف الحياة.

لكن المواطن موسى الضو، وآخرين، يرون أن هذه الخطوة هي الأولى في مسيرة المليون خطوة لاستعادة الحياة بالكامل. ويرون أن وقف الحرب، ومعالجة آثارها، واستعادة الخدمات الأساسية، مثل الصحة والتعليم والنقل، وتوفير المتطلبات الضرورية، كل ذلك يشكل الأولوية القصوى.

مشاهدة كأس العالم

وفي مؤشر آخر، تحاول حكومة إدريس الدفع به، وهو إعادة نشاط أندية المشاهدة، تدريجياً، حيث فتحت أبوابها في قصر الشباب والأطفال وعدد من المناطق لاستقبال الجماهير الراغبة في متابعة منافسات كأس العالم. وتحولت هذه المساحات إلى نقاط تجمع اجتماعي يلتقي فيها الشباب حول شاشات العرض.

وحرم الآلاف من سكان العاصمة والمدن الأخرى، من مشاهدة مباريات كأس العالم بسبب الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، الذي يمتد يومياً لساعات طويلة. لذا فقد جاءت خطوة فتح بعض الأندية للجمهور الرياضي، لتعيد بعض الفرح في بلد خيم عليه الحزن منذ سنوات.

كما عاد المواطنون إلى تنظيم حفلات الأعراس داخل الصالات المغلقة بعد سنوات من التوقف والاضطراب. وتصدح الموسيقى مجدداً في مناسبات طال انتظارها.

الفنان التشكيلي عثمان حسين أمام أحد المعارض في الخرطوم (الشرق الأوسط)

وفي جانب آخر، يقول الفنان التشكيلي عثمان حسين إن مرحلة ما بعد الحرب تتطلب إعادة بناء المشهد التشكيلي عبر المعارض والجداريات والأنشطة الفنية التي تعيد الحياة إلى الفضاء العام، مشيراً إلى أنه ظل في الخرطوم طوال سنوات الحرب إيماناً منه بدور الفن في توثيق ذاكرة الصمود والأمل.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، قال حسين إن الفنانين يتجهون حالياً نحو الفضاءات العامة والمواقع السياحية القريبة من المجتمع، لما توفره من فرص للتفاعل مع الأسر والأطفال والزوار، مستشهداً بمعرض الزهور الذي أقيم الفترة الماضية في حديقة مارينا بوصفه نموذجاً يجمع بين الجمال والطابع الثقافي والترفيهي.

ويرى حسين أن الفن التشكيلي يمثل وسيلة للتعبير عن آمال السودانيين وتطلعاتهم، كما يسهم في الدعم النفسي والترويح عن الذات، مؤكداً أن الألوان تحمل أثراً إيجابياً يساعد على التعافي من آثار الحرب. وأشار إلى أن أعماله تستلهم ملامح البيت السوداني وتراث مناطق السودان المختلفة، سعياً لإبراز القيم الجمالية والإنسانية التي تعكس تنوع الثقافة السودانية وثرائها.

عودة الفرق الموسيقية

وعادت «فرقة جاز الديوم» إلى الخرطوم بعد سنوات الحرب التي تسببت في توقف نشاطها وفقدان جزء كبير من معداتها وتشتيت أعضائها، حاملةً إيمانها بأن الفن قادر على مواجهة الخراب واستعادة نبض الحياة.

وتُعد الفرقة من أبرز رموز «العصر الذهبي» لموسيقى الجاز السوداني؛ إذ تأسست بين عامي 1965 و1966، ونجحت في تقديم تجربة موسيقية مميزة مزجت بين السلم الخماسي السوداني والآلات الغربية، لتصنع هوية فنية أفرو سودانية خاصة.

أعضاء فرقة «جاز الديوم» خلال إحدى البروفات (الشرق الأوسط)

يقول رئيس الفرقة إبراهيم حسين، الذي تولى قيادتها منذ عام 1983، إن الحرب أوقفت نشاطها لنحو ثلاثة أعوام، قبل أن تستأنف أعمالها بخطط لإحياء عدد من أغنياتها الشهيرة، مثل «إشراقة» و«براي يا خِلة» و«ساكن قصاد الدار»، إلى جانب تقديم أعمال جديدة أبرزها أغنية «أنساها».

وأوضح في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الفرقة فقدت العديد من آلاتها الموسيقية بسبب أعمال النهب، ما اضطرهم إلى إعادة بناء تجربتهم من الصفر. ورغم الخسائر المادية والنفسية، نجحت مؤخراً في تنظيم حفل جماهيري حظي بتفاعل واسع داخل السودان وخارجه، في مؤشر على عودة الحياة الثقافية والفنية إلى العاصمة.

ورغم أن آثار الحرب لا تزال حاضرة في الشوارع والأحياء وعلى وجوه كثير من السكان، فإن عودة المباريات إلى الملاعب، وامتلاء الصالات بالأفراح، واحتشاد الجماهير حول شاشات متابعة كأس العالم، تمثل مؤشرات واضحة على تمسك أهل الخرطوم بالحياة؛ فبين أنقاض الدمار، يواصل السكان كتابة فصل جديد عنوانه الأمل والتعافي، مؤمنين بأن المدينة التي صمدت في وجه الحرب قادرة أيضاً على استعادة نبضها واسترجاع مكانتها بوصفها عاصمة نابضة بالحركة والثقافة والفرح.


«غِش» عصير القصب لم «يُزعزِع» ثقة المصريين بمشروبهم الشعبي المفضل

الإقبال على محال عصير القصب لم يتأثر رغم الإعلان مؤخراً عن حالات غش (الشرق الأوسط)
الإقبال على محال عصير القصب لم يتأثر رغم الإعلان مؤخراً عن حالات غش (الشرق الأوسط)
TT

«غِش» عصير القصب لم «يُزعزِع» ثقة المصريين بمشروبهم الشعبي المفضل

الإقبال على محال عصير القصب لم يتأثر رغم الإعلان مؤخراً عن حالات غش (الشرق الأوسط)
الإقبال على محال عصير القصب لم يتأثر رغم الإعلان مؤخراً عن حالات غش (الشرق الأوسط)

اعتادت محلات «عصير القصب» في مصر أن تفترش موائد أمامها وعلى أرصفتها، كي تتيح لقاصديها تناول مشروبهم الشعبي المفضل في أجواء صيفية حارة، يقتنصون خلالها دقائق معدودة يمتزج فيها مذاق العصير المثلج مع شعور منعش بذهاب الظمأ، بينما يتسلل في الخلفية -في أحيان كثيرة- صوت المنشد ياسين التهامي وهو يشدو «أكادُ من فرطِ الجمالِ أذوبُ»، كأنه يصف حالهم مع مشروبهم.

المشهد المعتاد لا يزال محتفظاً بتفاصيله، إلا أنه بات مهدداً بأن يفقد «جماله» مع ما أثير خلال الأيام الماضية عن «غش» عصير القصب، عبر إذابة مادة «ثاني أكسيد التيتانيوم» فيه لإكسابه لوناً أبيض.

وتصدَّر الإعلان عن ضبط هذه المادة في عدد من المحلات بمحافظات مختلفة اهتمام وسائل الاعلام المصرية، مع توالي الضبطيات.

عامل يعصر أعواد القصب أمام أعين الزبائن (الشرق الأوسط)

وانتشر الجدل حول المادة الكيميائية مع ضبط كميات منها نهاية الأسبوع الماضي بمحافظة القليوبية شمالي القاهرة، وتكرار الأمر في محافظة أسيوط بصعيد البلاد، حيث ضُبطت المادة نفسها داخل أحد محال بيع عصير القصب.

ومع شن الأجهزة الرقابية حملات تفتيش مفاجئة بمختلف المحافظات، تم ضبط 18 كيلوغراماً من «ثاني أُكسيد التيتانيوم» بمحافظة بني سويف، الواقعة على بعد 120 كيلومتراً إلى الجنوب من القاهرة، و4 كيلوغرامات بمحافظة الغربية بدلتا النيل، وفق وسائل إعلام محلية.

هل تأثر المشهد؟

ولا تكاد شوارع المدن المصرية والأحياء الشعبية بالقاهرة تخلو من محال وعصّارات القصب التي تصطف على مسافات متقاربة، فيما يتزاحم عليها الزبائن العطشى. لكن هل تأثر مشهد الزحام بما أثير مؤخراً عن «غش» القصب؟

لا يبدو ثمة تأثر رصدته «الشرق الأوسط» في جولة بين عدد من المحال والعصارات. ففي منطقة الإسعاف بوسط القاهرة، وقف عشرات الزبائن بأكواب القصب أمام محلين شهيرين متجاورين، دون أن يختلف المشهد عما هو معتاد.

من بين الزبائن، قال محمد سامي الذي أوصى البائع بعصّر أعواد قصب لا تتضمن «الزَّعزوعة»، وهي الجزء العلوي غير السكري: «عصير القصب بالنسبة لي طقس يومي في الصيف منذ الصغر، ولن أوقف عادتي بسبب واقعة أثيرت حوله. هناك كلام كثير يُقال، لكننا نستطيع تمييز القصب الطبيعي من المغشوش. أعتقد هناك مبالغة، ولا أصدق كل ما يتردد».

عصير القصب خيار صحي ومنعش لدى المصريين (الشرق الأوسط)

ومن وسط القاهرة إلى وسط دلتا النيل، وتحديداً مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية، لم يختلف مشهد الزبائن أمام محلات العصائر التي قال أحد أصحابها، جمال العجواني، إن الإقبال على المشروب الشعبي لم يتأثر، مؤكداً أن حركة البيع تسير بمعدلاتها الطبيعية.

وأضاف: «بعض الزبائن يُبدون مخاوفهم، والاطمئنان يأتي عبر التجربة المباشرة، حيث نطلب منهم ترك كوب العصير 10 ثوانٍ قبل تناوله، فإذا بدأ اللون في التغير نحو الأغمق، فهذا دليل قاطع على أنه عصير طبيعي؛ أما إذا ظل الكوب محتفظاً بلونه الأبيض، فهذا يعني وجود إضافات غير طبيعية».

وهو يرى أن الهجوم الأخير على محلات عصير القصب ليس عفوياً، بل «حملة ممنهجة» قال إن بعض شركات المشروبات الغازية تقف وراءها للتغلب على تراجع مبيعاتها نتيجة الارتفاع الكبير في أسعارها.

يتفق معه مصطفى خليل، وهو تاجر قصب بصعيد مصر وصاحب محلات للعصائر بعدة محافظات، مُرجحاً أن ما يُروَّج يستهدف التشكيك في سلامة عصير القصب «كمحاولة من بعض الشركات لصالح مشروباتها، التي يُحذر منها الأطباء، ويقاطعها المستهلك».

ويضيف: «على غير المتوقع، هذه الضجة الأخيرة أحدثت أثراً إيجابياً، وأسهمت في فرز السوق، حيث تراجعت حركة البيع في المحلات التي كانت تعتمد على الإضافات المبيضّة، بينما شهدت المحلات الموثوقة زيادة في الإقبال». وتابع: «الناس أصبحوا أكثر وعياً، وبدأوا يميزون بين العصير الطبيعي والمغشوش».

العصر أمام الزبائن

وتحظر الهيئة القومية لسلامة الغذاء في مصر، استخدام مادة «ثاني أكسيد التيتانيوم» كمادة مضافة إلى العصائر الطبيعية. وبشأن ما أثير عن إضافتها إلى عصير القصب، طمأنت الهيئة المصريين بالقول في بيان يوم الأحد: «لا توجد حتى تاريخه مؤشرات تدل على انتشار هذه الممارسة»، لافتةً إلى أن احتمالية وقوع بعض الممارسات المخالفة من جانب عدد محدود من متداولى الغذاء تظل قائمة.

حركة بيع عصير القصب تسير بمعدلات طبيعية وفق تأكيدات أصحاب المحلات (الشرق الأوسط)

ويؤكد الدكتور أيمن حسني، المدير السابق لمعهد المحاصيل السكرية، لـ«الشرق الأوسط» أن ما يُتداول حول استخدام إضافات مثل «أكسيد التيتانيوم» يمثل في جوهره حالات فردية استثنائية لا تعكس الواقع العام للصناعة.

ويُرجع حسني ثقة المستهلك في عصير القصب إلى طبيعته كمنتَج يُحضَّر طازجاً أمام أعين الزبائن، قائلاً: «المواطن يراقب عملية العصر لحظة بلحظة، وهذا يختلف جذرياً عن المنتجات المعبأة مسبقاً التي لا يمكن للزبون التأكد من سلامة مراحل تصنيعها».

كما يلفت إلى أن عصير القصب بما يمثله من مصدر طبيعي للطاقة وما يزخر به من عناصر غذائية يجعله خياراً صحياً ومنعشاً، إذا ما قورن بكثير من المشروبات المصنعة.

Your Premium trial has ended