رفع أسعار المحروقات يُعمّق مخاوف المصريين من الغلاء

وسط تأكيد حكومي على عدم المساس بالخبز «المدعم»

وسط العاصمة المصرية القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
وسط العاصمة المصرية القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

رفع أسعار المحروقات يُعمّق مخاوف المصريين من الغلاء

وسط العاصمة المصرية القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
وسط العاصمة المصرية القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

عمّقت الزيادة الجديدة في أسعار المحروقات بمصر المخاوف من الغلاء في الأسواق، وسط تعهدات حكومية بعدم المساس بسعر «الخبز المدعم».

وبحسب خبراء، فإن «تحريك أسعار المحروقات سيؤثر على معدلات التضخم في البلاد بصورة قد تزيد من حالة ركود السلع في الأسواق».

وأعلنت وزارة البترول المصرية عن رفع أسعار الوقود اعتباراً من الجمعة، في أول زيادة خلال عام 2025، بنسب تراوحت ما بين 11.76 و14.81 بالمائة.

وشملت الزيادات رفع سعر الديزل (السولار)، وهو أحد أكثر أنواع الوقود شيوعاً في البلاد، جنيهين إلى 15.50 جنيه لكل لتر، إلى جانب رفع سعر البنزين جنيهين، بأسعار متفاوتة؛ إذ زاد بنزين 80 إلى 15.75 جنيه للتر الواحد، وزاد بنزين 92 إلى 17.25 جنيه، وارتفع بنزين 95 إلى 19 جنيهاً، كما زاد سعر غاز الطهي للمنازل إلى 200 جنيه للأسطوانة من 150 جنيهاً (الدولار يساوي 51.3 جنيه في البنك المركزي المصري).

ورغم الزيادة الجديدة على أسعار المحروقات، فإن وزارة البترول المصرية أشارت إلى أن «الفجوة السعرية ما زالت قائمة بين تكلفة المنتجات البترولية وأسعار بيعها، نتيجة للزيادة الكبيرة في التكاليف»، وأشارت في إفادة لها، الجمعة، إلى أن «الحكومة تقوم بتوجيه الجزء الأكبر من الدعم إلى منتجات السولار والبوتاغاز وبنزين (80 و92)، لتخفيف الأعباء عن المواطنين».

وتستورد مصر نحو 40 بالمائة من كمية استهلاكها من السولار، و50 بالمائة من كمية استهلاك منتج البوتاغاز، و25 بالمائة من كمية استهلاك البنزين، حسب «البترول المصرية» التي قالت إن «حجم الدعم اليومي المقدم للمنتجات البترولية يصل لنحو 366 مليون جنيه مصري، ما يعادل 11 مليار جنيه شهرياً».

وأشارت «البترول» إلى أن انخفاض سعر خام برنت عالمياً أخيراً، لم يؤثر إلا على انخفاض طفيف بتكلفة لتر السولار بنحو «40 قرشاً فقط»؛ ما يعني استمرار وجود فجوة بين سعر البيع والتكلفة. وطالبت بـ«ضرورة الأخذ في الاعتبار توقعات عدم الاستقرار في أسعار المنتجات البترولية، بسبب التوترات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، وتطور تكاليف الإنتاج والنقل والاستيراد».

وبزيادة أسعار الوقود رفعت الحكومة المصرية «تعريفات ركوب المواصلات العامة، وخطوط النقل الداخلية والخارجية بالمحافظات»، وتراوحت الزيادات في أسعار «حافلات النقل الجماعي ما بين 10 و15 بالمائة»، حسب تقدير كل محافظة.

إحدى محطات الوقود في مصر (الشرق الأوسط)

وشددت وزارة التنمية المحلية المصرية، الجمعة، على «نشر نسب الزيادات الجديدة في أسعار المواصلات العامة داخل محطات النقل الجماعي»، إلى جانب «تكثيف الحملات الرقابية والمتابعة على سيارات الأجرة، للحد من أي زيادات مبالغ فيها على خطوط النقل الداخلي والخارجي».

ووسط مخاوف من تأثير الزيادات الجديدة في أسعار الوقود والنقل على غلاء السلع في الأسواق، تعهدت وزارة التموين المصرية بـ«ثبات سعر رغيف الخبز المدعم عند سعره الحالي (20 قرشاً) للرغيف»، وأكدت في إفادة لها، الجمعة، «استمرار تحمل الحكومة فرق تكلفة إنتاج الخبز وسداده لأصحاب المخابز، مع الوضع في الاعتبار تكلفة مدخلات إنتاج الخبز، ومن ضمنها سعر السولار».

وأثارت الزيادة الجديدة في أسعار الوقود تساؤلات لدى مصريين على منصات التواصل الاجتماعي في ظل انخفاض أسعار النفط عالمياً. وأكد متابعون أن «رفع أسعار الوقود سوف يفاقم الغلاء في البلاد».

وقال رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، إن «الانخفاض الأخير في أسعار النفط عالمياً ليس له تأثير على أسعار الوقود» في بلاده حالياً؛ وذلك لأن حكومته «تشتري النفط بعقود آجلة، وبمتوسطات سعرية لفترات طويلة»، وأكد الأربعاء أنه «حال استقرار الأسعار العالمية عند المستويات الحالية لفترة طويلة، يمكن أن تكون معدلات ارتفاعات أسعار الوقود في مصر أقل مما كان مستهدفاً الوصول إليه نهاية العام الحالي».

وتخضع أسعار الوقود في مصر إلى مجموعة من المتغيرات، تتعلق بضغوط خارجية بسبب تحديات سلاسل الإمداد، والأسعار العالمية، وانخفاض سعر العملة المحلية أمام الدولار، وفق الخبير الاقتصادي المصري وليد جاب الله الذي أشار إلى أن «الحكومة المصرية تتبنى سياسة سعر الوقود المرن، وهو ما يبرر الزيادات المتكررة في أسعاره، منذ بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، وتحرير سعر صرف الجنيه، وتراجع قيمته أمام الدولار».

حافلة نقل عام في مصر (الشرق الأوسط)

وقرر البنك المركزي المصري في مارس (آذار) 2024 تحديد سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، لتنخفض بذلك قيمة العملة المحلية.

ويعتقد جاب الله أن «الزيادة الحالية في سعر الوقود كانت متوقعة، مع انخفاض مخصصات دعم الوقود والطاقة في موازنة العام المالي القادم، واستنزاف مخصصات الدعم في موازنة العام الحالي»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الزيادة لن تكون الأخيرة، خصوصاً حال استمرار انخفاض قيمة العملة المحلية، وارتفاع الأسعار العالمية».

وتعهدت «البترول المصرية»، الجمعة، بعدم «دراسة تغيير الأسعار الجديدة للمنتجات البترولية قبل 6 أشهر»، وقالت إن «آخر تعديل في أسعارها كان قبل 6 أشهر، في 18 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي».

وستؤثر الزيادات الجديدة في أسعار الوقود على ارتفاع نسب التضخم في البلاد، وفق جاب الله الذي أشار إلى أن «جميع مدخلات الإنتاج تعتمد على الوقود؛ ما يعني تأثر أسعارها بالارتفاع الأخير في قيمة المحروقات».

ويتفق في ذلك رئيس «جمعية مواطنون ضد الغلاء» بمصر (مؤسسة مدنية)، محمود العسقلاني، مشيراً إلى أن «الحكومة المصرية حققت نتائج إيجابية في خفض معدلات التضخم منذ بداية العام الحالي، غير أن الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود ستزيد من نسبته مرة أخرى، مع ارتفاع أسعار السلع في الأسواق»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «كان من الأفضل تأجيل القرار في ظل انخفاض أسعار النفط العالمية».

ويرى العسقلاني أن الزيادة الجديدة في أسعار الوقود «ستزيد من حالة الركود في الأسواق، بسبب اتجاه التجار لزيادة السلع الأساسية والغذائية»، وأشار إلى أن «ارتفاع قيمة المواصلات العامة، وغاز المنازل، سيفاقم من أعباء الشرائح المجتمعية الفقيرة، وأكثر الأسر احتياجاً؛ ما يفرض التوسع في برامج الحماية الاجتماعية الموجهة لتلك الفئات».


مقالات ذات صلة

«غِش» عصير القصب لم «يُزعزِع» ثقة المصريين بمشروبهم الشعبي المفضل

شمال افريقيا الإقبال على محال عصير القصب لم يتأثر رغم الإعلان مؤخراً عن حالات غش (الشرق الأوسط)

«غِش» عصير القصب لم «يُزعزِع» ثقة المصريين بمشروبهم الشعبي المفضل

رغم انشغال المصريين بما أُثير عن «غش» عصير القصب عبر إذابة مادة «ثاني أكسيد التيتانيوم» فيه لإكسابه لوناً أبيض، فإن ذلك لم يزعزع ثقتهم بمشروبهم الشعبي المفضل.

محمد عجم (القاهرة)
المشرق العربي وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي («الخارجية» المصرية)

مصر تدين افتتاح سفارة «أرض الصومال» في القدس

أعربت مصر عن إدانتها الشديدة لإعلان افتتاح ما يُسمى «سفارة أرض الصومال» في مدينة القدس المحتلّة، وعدَّت أن هذه الخطوة تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا ختام تدريب عسكري بين مصر واليونان (المتحدث العسكري للجيش المصري)

مناورات جوية مصرية - يونانية لتطوير القدرات القتالية

أجرى الجيش المصري ونظيره اليوناني مناورات عسكرية استمرت لمدة 5 أسابيع بمشاركة عناصر من القوات الجوية للبلدين إلى جانب مشاركة القوات الجوية الإسبانية بصفة مراقب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد معروضات لبعض السلع الغذائية داخل منفذ بيع في مصر (الصفحة الرسمية لوزارة التموين على «فيسبوك»)

لماذا تحول انخفاض أسعار البيض والدجاج في مصر إلى «أزمة»؟

تتزايد شكاوى تجار البيض والدجاج في مصر من انخفاض أسعار منتجاتهم وما يترتب عليه من «خسائر»، ويطالبون الحكومة بالتدخل لحماية هذا القطاع.

رحاب عليوة (القاهرة )
الاقتصاد مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)

هبوط الدولار... تفاؤل مصري بـ«ارتدادات إيجابية» بعد وقف «حرب إيران»

تجاوب سعر الجنيه المصري بشكل إيجابي مع قرب توقيع اتفاق وقف الحرب بين طهران وواشنطن، إذ بدأ سعر الدولار رحلة هبوط لليوم الثاني.

محمد محمود (القاهرة )

اجتماع ليبي - تونسي - جزائري لتأمين الحدود المشتركة

مظاهرة وسط العاصمة الليبية الثلاثاء لمطالبة السلطات بعدم توطين المهاجرين السريين المتسللين إلى ليبيا عبر الحدود (أ.ف.ب)
مظاهرة وسط العاصمة الليبية الثلاثاء لمطالبة السلطات بعدم توطين المهاجرين السريين المتسللين إلى ليبيا عبر الحدود (أ.ف.ب)
TT

اجتماع ليبي - تونسي - جزائري لتأمين الحدود المشتركة

مظاهرة وسط العاصمة الليبية الثلاثاء لمطالبة السلطات بعدم توطين المهاجرين السريين المتسللين إلى ليبيا عبر الحدود (أ.ف.ب)
مظاهرة وسط العاصمة الليبية الثلاثاء لمطالبة السلطات بعدم توطين المهاجرين السريين المتسللين إلى ليبيا عبر الحدود (أ.ف.ب)

أجرى مسؤولون أمنيون من تونس وليبيا والجزائر مباحثات في طرابلس، الثلاثاء، بشأن تعزيز التعاون لتأمين الحدود المشتركة.

وناقش الاجتماع، وفق وزارة الداخلية الليبية لحكومة طرابلس، سبل دعم التعاون في مجال تأمين الحدود، ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية، والتصدي لخطر الإرهاب، والحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية، وفق بيان صادر عن الوزارة.

وتكافح الأجهزة الأمنية في الدول الثلاث على الحدود المشتركة، تدفقات الهجرة غير النظامية الوافدة من دول أفريقيا جنوب الصحراء، وعمليات التهريب للسلع ومخاطر تسلل مسلحين.

وقالت الداخلية الليبية إن الدول الثلاث حريصة على تعزيز التعاون الأمني المشترك، وتطوير آليات العمل والتنسيق الميداني، بما يحقق أعلى مستويات الجاهزية في مواجهة التهديدات، والتحديات الأمنية العابرة للحدود، وبما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار وحماية المصالح المشتركة لشعوب المنطقة.

وأوضحت الوزارة، عبر صفحتها على «فيسبوك»، أن الاجتماع «تناول سبل تعزيز التعاون بين الدول الثلاث في مجال تأمين الحدود ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، بما يعزز الأمن والاستقرار في المنطقة». مؤكدةً أن هذه الاجتماع يأتي في إطار الجهود المستمرة التي تبذلها الدول الثلاث لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، وتعزيز الشراكة والتكامل الأمني، بما يسهم في حماية الحدود المشتركة ومكافحة مختلف أشكال الجريمة المنظمة.

وتأسس فريق العمل الليبي - الجزائري - التونسي المكلف تأمين الحدود المشتركة في يناير (كانون الثاني) من عام 2025. وجاء تشكيل هذا الفريق الثلاثي الميداني في إطار اتفاق بين وزراء داخلية الدول الثلاث لرفع مستوى التنسيق الأمني الميداني، وتوحيد الجهود لضبط الحدود، ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، والتصدي للهجرة غير القانونية.


خالد حفتر يبحث مع خوري سبل توحيد المؤسسات الليبية

خالد حفتر مستقبلاً خوري بمقر رئاسة الأركان في بنغازي الثلاثاء (رئاسة الأركان العامة)
خالد حفتر مستقبلاً خوري بمقر رئاسة الأركان في بنغازي الثلاثاء (رئاسة الأركان العامة)
TT

خالد حفتر يبحث مع خوري سبل توحيد المؤسسات الليبية

خالد حفتر مستقبلاً خوري بمقر رئاسة الأركان في بنغازي الثلاثاء (رئاسة الأركان العامة)
خالد حفتر مستقبلاً خوري بمقر رئاسة الأركان في بنغازي الثلاثاء (رئاسة الأركان العامة)

بحث الفريق خالد حفتر، رئيس الأركان العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي، مع ستيفاني خوري، نائبة رئيس بعثة الأمم المتحدة للشؤون السياسية بالبلاد، سبل دعم الجهود الرامية لتعزيز الاستقرار وتوحيد المؤسسات الليبية.

يأتي هذا اللقاء في ظل جهود مكثفة تبذلها البعثة الأممية في أعقاب إعلان مخرجات «الحوار المهيكل» الأسبوع الماضي، فضلاً عن حراك دولي يتعلق بالمسار السياسي في البلاد لتفعيل «الخريطة الأممية»، الهادفة إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية.

وأفادت رئاسة الأركان العامة، الثلاثاء، بأن خالد حفتر تطرق في اجتماعه مع خوري إلى «آخر مستجدات الأوضاع السياسية في ليبيا، مع تأكيد أهمية دور بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في الدفع بالعملية السياسية نحو تحقيق الاستقرار الدائم».

الأمين العام للقيادة العامة الفريق خيري التميمي خلال مباحثاته مع خوري (البعثة الأممية)

وسبق أن التقت خوري الأمين العام للقيادة العامة، الفريق خيري التميمي، الاثنين، وبحثت معه، وفقاً للبعثة الأممية، «آخر المستجدات على الساحة، بما في ذلك الاختتام الناجح لأعمال (الحوار المهيكل)، ولا سيما التوصيات الصادرة عنه، والهادفة إلى إصلاح وتوحيد المؤسستين الأمنية والعسكرية».

وحسب بيان البعثة، أشادت خوري بـ«الدور الذي تضطلع به اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)، وبالنموذج الذي أرسته في مجال التنسيق والتعاون بين المؤسسات العسكرية الوطنية»، مؤكدةً «أهمية دعم جميع الجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات، بما يسهم في تحقيق تطلعات الليبيين إلى الاستقرار والتنمية».

وفي إطار التباحث بشأن مخرجات الحوار، التقت خوري، الاثنين، سفير روسيا لدى ليبيا، أيدار أغانين، لمناقشة آخر التطورات السياسية والاقتصادية والأمنية في البلاد.

وتناولت المناقشات، حسب البعثة، نتائج عملية «الحوار المُهيكل»، و«التقدم المحرز» في الاجتماع المصغر المكلف بمعالجة العراقيل التي أعاقت تنفيذ الخطوتين الأوليين من خريطة الطريق، التي ترعاها الأمم المتحدة للوصول إلى انتخابات وطنية.


من قلب الدمار... الخرطوم تبحث عن فرحها المفقود

سودانيون في سوق بأم درمان الذي دبت فيه الحياة 26 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانيون في سوق بأم درمان الذي دبت فيه الحياة 26 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

من قلب الدمار... الخرطوم تبحث عن فرحها المفقود

سودانيون في سوق بأم درمان الذي دبت فيه الحياة 26 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانيون في سوق بأم درمان الذي دبت فيه الحياة 26 أبريل 2026 (أ.ب)

بعد سنوات من الحرب التي تركت وراءها دماراً هائلاً وفراغاً واسعاً في الشوارع، بدأت العاصمة الخرطوم تستفيق من غفوتها، وتعيد شيئاً من ألقها المفقود، وسط محاولات حكومية لإعادة الأنشطة الرياضية إلى الملاعب، واستئناف الفرق الموسيقية لعروضها الفنية، وفتح صالات الأفراح أبوابها مرة أخرى، إلى جانب تجمعات الشباب في أندية مشاهدة مباريات كأس العالم، وهي ملامح شاحبة في مدينة أنهكتها الحرب.

وبين ركام المباني وآثار التخريب، وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة يومياً، ومصاعب الحياة الأخرى، يحاول السكان استعادة تفاصيل حياتهم اليومية وصناعة مساحات للأمل، في مشهد يعكس رغبة قوية في تجاوز آثار الصراع والعودة إلى الحياة الطبيعية رغم التحديات الكبيرة التي لا تزال قائمة.

ذكريات جميلة

عاد استاد الخرطوم إلى الواجهة الرياضية من جديد باحتضانه أول ديربي بين الهلال والمريخ (أكبر ناديين في السودان)، بحضور رئيس الوزراء كامل إدريس، الذي بذلت حكومته جهوداً من أجل إبراز هذه الجوانب. وشكلت المباراة حدثاً استثنائياً؛ لأنها أعادت كرة القدم إلى أحد أبرز ملاعب السودان بعد توقف دام أكثر من ثلاث سنوات. ورغم الأوضاع الصعبة وارتفاع درجات الحرارة، حرصت الجماهير على الحضور إلى استاد الخرطوم لاستعادة ذكريات جميلة، غيبتها الحرب.

مشهد من مباراة الهلال والمريخ بأستاذ الخرطوم الذي أعيد تأهيله (الشرق الأوسط)

يقول المواطن عيسى إبراهيم إن مشاعر الفرح غمرته مع عودة النشاط الرياضي إلى الخرطوم، مؤكداً أن رؤية لاعبي فريقه الهلال على أرض استاد الخرطوم أعادت إليه ذكريات جميلة، وأشعرته بأن الحياة بدأت تستعيد إيقاعها الطبيعي من جديد.

من جانبه، يرى المواطن مصطفى عبد الجليل أن عودة المنافسات الرياضية إلى العاصمة تمثل خطوة بالغة الأهمية في مسار التعافي المجتمعي، معرباً عن سعادته بمشاهدة لاعبي فريقه المريخ وهم يخوضون مبارياتهم داخل البلاد بعد فترة طويلة من الغياب. ويقول إن الرياضة تمنح الناس متنفساً يحتاجون إليه بشدة في ظل الظروف المعيشية الصعبة، بما في ذلك الانقطاعات المتكررة للكهرباء والمياه وارتفاع تكاليف الحياة.

لكن المواطن موسى الضو، وآخرين، يرون أن هذه الخطوة هي الأولى في مسيرة المليون خطوة لاستعادة الحياة بالكامل. ويرون أن وقف الحرب، ومعالجة آثارها، واستعادة الخدمات الأساسية، مثل الصحة والتعليم والنقل، وتوفير المتطلبات الضرورية، كل ذلك يشكل الأولوية القصوى.

مشاهدة كأس العالم

وفي مؤشر آخر، تحاول حكومة إدريس الدفع به، وهو إعادة نشاط أندية المشاهدة، تدريجياً، حيث فتحت أبوابها في قصر الشباب والأطفال وعدد من المناطق لاستقبال الجماهير الراغبة في متابعة منافسات كأس العالم. وتحولت هذه المساحات إلى نقاط تجمع اجتماعي يلتقي فيها الشباب حول شاشات العرض.

وحرم الآلاف من سكان العاصمة والمدن الأخرى، من مشاهدة مباريات كأس العالم بسبب الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، الذي يمتد يومياً لساعات طويلة. لذا فقد جاءت خطوة فتح بعض الأندية للجمهور الرياضي، لتعيد بعض الفرح في بلد خيم عليه الحزن منذ سنوات.

كما عاد المواطنون إلى تنظيم حفلات الأعراس داخل الصالات المغلقة بعد سنوات من التوقف والاضطراب. وتصدح الموسيقى مجدداً في مناسبات طال انتظارها.

الفنان التشكيلي عثمان حسين أمام أحد المعارض في الخرطوم (الشرق الأوسط)

وفي جانب آخر، يقول الفنان التشكيلي عثمان حسين إن مرحلة ما بعد الحرب تتطلب إعادة بناء المشهد التشكيلي عبر المعارض والجداريات والأنشطة الفنية التي تعيد الحياة إلى الفضاء العام، مشيراً إلى أنه ظل في الخرطوم طوال سنوات الحرب إيماناً منه بدور الفن في توثيق ذاكرة الصمود والأمل.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، قال حسين إن الفنانين يتجهون حالياً نحو الفضاءات العامة والمواقع السياحية القريبة من المجتمع، لما توفره من فرص للتفاعل مع الأسر والأطفال والزوار، مستشهداً بمعرض الزهور الذي أقيم الفترة الماضية في حديقة مارينا بوصفه نموذجاً يجمع بين الجمال والطابع الثقافي والترفيهي.

ويرى حسين أن الفن التشكيلي يمثل وسيلة للتعبير عن آمال السودانيين وتطلعاتهم، كما يسهم في الدعم النفسي والترويح عن الذات، مؤكداً أن الألوان تحمل أثراً إيجابياً يساعد على التعافي من آثار الحرب. وأشار إلى أن أعماله تستلهم ملامح البيت السوداني وتراث مناطق السودان المختلفة، سعياً لإبراز القيم الجمالية والإنسانية التي تعكس تنوع الثقافة السودانية وثرائها.

عودة الفرق الموسيقية

وعادت «فرقة جاز الديوم» إلى الخرطوم بعد سنوات الحرب التي تسببت في توقف نشاطها وفقدان جزء كبير من معداتها وتشتيت أعضائها، حاملةً إيمانها بأن الفن قادر على مواجهة الخراب واستعادة نبض الحياة.

وتُعد الفرقة من أبرز رموز «العصر الذهبي» لموسيقى الجاز السوداني؛ إذ تأسست بين عامي 1965 و1966، ونجحت في تقديم تجربة موسيقية مميزة مزجت بين السلم الخماسي السوداني والآلات الغربية، لتصنع هوية فنية أفرو سودانية خاصة.

أعضاء فرقة «جاز الديوم» خلال إحدى البروفات (الشرق الأوسط)

يقول رئيس الفرقة إبراهيم حسين، الذي تولى قيادتها منذ عام 1983، إن الحرب أوقفت نشاطها لنحو ثلاثة أعوام، قبل أن تستأنف أعمالها بخطط لإحياء عدد من أغنياتها الشهيرة، مثل «إشراقة» و«براي يا خِلة» و«ساكن قصاد الدار»، إلى جانب تقديم أعمال جديدة أبرزها أغنية «أنساها».

وأوضح في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الفرقة فقدت العديد من آلاتها الموسيقية بسبب أعمال النهب، ما اضطرهم إلى إعادة بناء تجربتهم من الصفر. ورغم الخسائر المادية والنفسية، نجحت مؤخراً في تنظيم حفل جماهيري حظي بتفاعل واسع داخل السودان وخارجه، في مؤشر على عودة الحياة الثقافية والفنية إلى العاصمة.

ورغم أن آثار الحرب لا تزال حاضرة في الشوارع والأحياء وعلى وجوه كثير من السكان، فإن عودة المباريات إلى الملاعب، وامتلاء الصالات بالأفراح، واحتشاد الجماهير حول شاشات متابعة كأس العالم، تمثل مؤشرات واضحة على تمسك أهل الخرطوم بالحياة؛ فبين أنقاض الدمار، يواصل السكان كتابة فصل جديد عنوانه الأمل والتعافي، مؤمنين بأن المدينة التي صمدت في وجه الحرب قادرة أيضاً على استعادة نبضها واسترجاع مكانتها بوصفها عاصمة نابضة بالحركة والثقافة والفرح.