بوادر تهدئة في العلاقات بين الجزائر وفرنسا

تبون يتحدث عن تواصله مع ماكرون للمرة الأولى منذ بدء الأزمة

الرئيس الجزائري خلال مقابلته الصحافية ليل السبت - الأحد (وسائل التواصل الاجتماعي)
الرئيس الجزائري خلال مقابلته الصحافية ليل السبت - الأحد (وسائل التواصل الاجتماعي)
TT

بوادر تهدئة في العلاقات بين الجزائر وفرنسا

الرئيس الجزائري خلال مقابلته الصحافية ليل السبت - الأحد (وسائل التواصل الاجتماعي)
الرئيس الجزائري خلال مقابلته الصحافية ليل السبت - الأحد (وسائل التواصل الاجتماعي)

دخلت العلاقات بين الجزائر وفرنسا في مرحلة تهدئة إثر تصريحات للرئيس عبد المجيد تبون أكد فيها أنه تواصل مع نظيره الرئيس إيمانويل ماكرون، لتجاوز التوترات التي اندلعت الصيف الماضي بسبب خروج باريس عن حيادها من نزاع الصحراء الغربية، ثم أخذ الخلاف شكل كرة ثلج تسببت في إثارة مشكلات قديمة بين البلدين، أهمها قضية الهجرة ومخلفات الاستعمار.

وبث التلفزيون العمومي الجزائري ليل السبت - الأحد مقابلة صحافية مع الرئيس تبون، تناول فيها التوترات مع فرنسا وقضايا عديدة تخص الوضع الداخلي سياسياً واقتصادياً. وأكد تبون للمرة الأولى منذ بداية الأزمة مع باريس وجود مؤشرات على تجاوزها، بعدما بلغت تصعيداً خطيراً لامس القطيعة الدبلوماسية. وقال: «سأقتصر على كلمات كي لا نغرق في هذا الهرج والمرج والفوضى السياسية السائدة في فرنسا حالياً. نحن نتمسك بشيء واحد، وهو الرئيس إيمانويل ماكرون. نحن نعمل معاً. نعم، كان هناك لحظة من سوء الفهم، لكن يبقى هو رئيس الجمهورية الفرنسية. شخصياً، يجب حل جميع القضايا معه أو مع من ينوبه بشكل صحيح، وهو وزير الخارجية».

ويفهم من تصريح تبون أن الجزائر ترفض التعامل مع وزير الداخلية الفرنسي برونو ريتايو، الذي يتصدر إدارة الأزمة بين البلدين. وبدا هذا الموقف من الرئيس الفرنسي وقدرته على حل المشكلات بين البلدين، مختلفاً عن تصريحات أدلى بها تبون مطلع فبراير (شباط) الماضي، لصحيفة «لوبينيون» الفرنسية، ذكر فيها أن بلاده «تضيّع الوقت مع السيد ماكرون»، وكان يلمّح إلى أنه بات ضعيفاً أمام رموز اليمين الفرنسي المتطرف الذين هيمنوا على المشهد في الخلاف الثنائي من خلال شن حملات سياسية وإعلامية شديدة ضد الجزائر، خصوصاً في قضية الهجرة غير النظامية، ومارسوا ضغطاً شديداً لإلغاء اتفاق يعود إلى 1968 يسير الهجرة العادية بين البلدين.

الرئيسان الجزائري والفرنسي في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

«مشكلات مفتعلة»

ووصف الرئيس الجزائري الخلاف مع فرنسا بـ«ملف مثير للجدل تم افتعاله من لا شيء، وقد أصبح في يد شخص كفء للغاية ويحظى بثقتي التامة، وهو وزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف»، مؤكداً أن الجزائر وفرنسا «دولتان مستقلتان»، حيث تمثل الجزائر «قوة أفريقية وفرنسا قوة أوروبية، ورئيسان يعملان معاً». ويفهم من كلام تبون أن هناك بداية تواصل بين الرئيسين بخلاف الاعتقاد السائد في الأيام الأخيرة؛ إذ تركت «حرب التصريحات والبيانات» من الجانبين، انطباعاً بأن آفاق العلاقات أصبحت مسدودة وأن التصعيد هو البديل المحتمل، خصوصاً بعد أن رفضت الجزائر قائمة تضم 60 جزائرياً تسلمتها من وزارة الداخلية الفرنسية بغرض تسلّمهم، على أساس أنهم «مصدر خطر على النظام العام في فرنسا».

وزادت «قضية سجن الكاتب الجزائري - الفرنسي بوعلام صنصال» من تفاقم التوتر بين البلدين، خصوصاً بعدما صرح ماكرون أن سجنه «لا يشرف الجزائر». والخميس الماضي، التمست النيابة بمحكمة بالعاصمة سجن الروائي السبعيني 10 سنوات مع التنفيذ، بتهم «المساس بوحدة الوطن وإهانة هيئة نظامية والقيام بممارسات من شأنها الإضرار بالاقتصاد الوطني، وحيازة فيديوهات ومنشورات تهدد الأمن والاستقرار الوطني».

ولدى سؤاله عن زيارة وزيرة الثقافة الفرنسية رشيدة داتي ورئيس مجلس الشيوخ جيرارد لارشي إلى الأراضي الصحراوية، منذ أيام، أكد تبون أن بلاده «لا تراها استفزازاً». وكانت وزارة الخارجية الجزائرية احتجّت على زيارة داتي، مشيرة إلى أنها «تعكس ازدراءً واضحاً للقانون الدولي من طرف عضو دائم في مجلس الأمن»، فيما أعلن مجلس الأمة الجزائري قطع علاقته مع مجلس الشيوخ.

وأضاف تبون حول الموضوع نفسه: «نحن لسنا سذّجاً، نعرف أن مسألة الحكم الذاتي (المغربي) كانت فرنسية قبل أن يدافع عنها جيراننا في الغرب. فرنسا لم تُخفِ صداقتها مع المغرب، وهذا لا يزعجنا، على عكس ما يُقال. هناك علاقات عمودية بين فرنسا والمغرب. كانت فرنسا والمغرب على وفاق حتى قبل استقلالنا. خيرٌ لهم وهذا لا يزعج الجزائر. نعلم أن فرنسا كانت دائماً إلى جانب المغرب في قضية الصحراء الغربية. ولكن أن يتم ذلك بطريقة علنية يسبب مشكلة. إنه يزعج الأمم المتحدة والقانون الدولي»، في إشارة إلى إعلان «الإليزيه» في نهاية يوليو (تموز) الماضي، انحيازه للطرح المغربي لحل مشكلة الصحراء، والذي أثار استياء الجزائر فسحبت سفيرها من فرنسا ولم تعده إلى اليوم. ويشار إلى أن انحياز إسبانيا إلى المغرب حول المسألة الصحراوية في 2022، خلّف أزمة كبيرة مع الجزائر التي أوقفت التجارة مع جارتها المتوسطية. وقال تبون في المقابلة الصحافية إن العلاقات بين البلدين قد عادت إلى طبيعتها منذ أشهر.

وتناول تبون في ردوده على الأسئلة «مخاوف» الجالية الجزائرية في فرنسا من التوصيفات السلبية التي تطولها خلال الأزمة الحالية، من اليمين المتطرف ووسائل الإعلام التابعة له، فقال: «أقول لمهاجرينا في فرنسا، نحن هنا بجنبكم. لا أحد يستطيع أن يمسهم... ما داموا يحترمون الدولة وقوانين البلد، فلن يحدث لهم شيء. ثم إن الرئيس ماكرون نفسه قال إنه يحترم من يعيشون هناك بسلام وطمأنينة».

رئيس المجلس الشعبي الوطني الجزائري (البرلمان)

«قانون لتجريم الاستعمار»

وفي سياق الأزمة بين البلدين، أعلن رئيس «المجلس الشعبي الوطني» إبراهيم بوغالي، الأحد، بالعاصمة، عن تنصيب «لجنة خاصة» لصياغة مقترح «قانون لتجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر» (1830-1962). وتم إطلاق «اللجنة» في ختام اجتماع لمكتب الغرفة البرلمانية الأولى ترأسه بوغالي، ضم رؤساء الكتل الست. وسيحال النص بعد صياغته من طرف النواب أصحاب المسعى، إلى «اللجنة القانونية» لمراجعته وإدخال تعديلات محتملة عليه، قبل عرضه على جلسة عامة للتصويت.

وجاءت هذه المبادرة في إطار «الرد» على الطيف اليميني الفرنسي الذي أثار ماضي فرنسا الاستعماري في الجزائر خلال الأزمة السياسية الحالية، معتبراً أن وجودها في البلد الشمال أفريقي خلال القرنين الـ19 والـ20 «لم يكن تراجيدياً كما يصوره البعض». وقالت مارين لوبين زعيمة كتلة نواب «التجمع الوطني» البرلمان، إن فرنسا «قدمت للجزائر اقتصادياً ومن حيث البنية التحتية، رأس مال كان يجب أن يمكّنها من التطور وأن تصبح مثل النرويج في المغرب العربي».



تونس تطالب بـ«دعم أوروبي استثنائي» لاسترجاع الأموال المنهوبة

وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)
وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)
TT

تونس تطالب بـ«دعم أوروبي استثنائي» لاسترجاع الأموال المنهوبة

وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)
وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)

التقى وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي، بالعاصمة الألمانية برلين، مساء أمس (الأربعاء)، رئيسة البرلمان الفيدرالي الألماني يوليا كلوكنر، وجرى خلال اللقاء استعراض مختلف أوجه التعاون الثنائي، لا سيما في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والبيئية، فضلاً عن الأكاديمية والعلمية.

وخلال اللقاء عبَّر الوزير عن تطلّع تونس إلى دعم استثنائي من شركائها الأوروبيين، خصوصاً ألمانيا؛ لتجاوز العراقيل التي تحُول دون استرجاع الأموال المنهوبة، مشيراً إلى الأهميّة القصوى التي توليها تونس إلى هذا الموضوع، بوصف هذه الأموال ملكاً للشعب التّونسي ولا تسقط بالتّقادم.

وأكد النفطي، خلال اللقاء، ضرورة مراجعة اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، التي يعود إنشاؤها إلى أكثر من 30 سنة، «حتى تكون أكثر توازناً»، وتأخذ بعين الاعتبار خيارات الشعوب، والواقعَين الإقليمي والدولي الجديدَين، والتحديات التي يفرضانها، بما في ذلك الهجرة غير النظامية. وبيَّن في هذا السّياق المقاربة التّونسيّة في التعاطي مع الهجرة غير النّظاميّة، التي تدعو إلى معالجة الأسباب العميقة لهذه الظّاهرة، وتضافر الجهود لمحاربة الشبكات الإجراميّة التي تتاجر بالبشر، وتأمين العودة الطوعية وإعادة الإدماج للمهاجرين غير النّظاميِّين في بلدانهم الأصليّة. ودعا في المقابل إلى تعزيز آليّات التّعاون في مجال الهجرة المنظّمة، بوصفها رافداً للتنمية ونقل المهارات، مؤكّداً ضرورة أن تراعي هذه البرامج حاجيات الطّرفين.

وتأتي هذه العودة بعد أيام قليلة من مطالبة الرئيس التونسي، قيس سعيد، بمراجعة الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، ودعم أكبر لترحيل المهاجرين العالقين بتونس طوعاً إلى بلدانهم. وجاء ذلك خلال مكالمة هاتفية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمناسبة احتفال تونس بالذكرى الـ70 للاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، حيث طالب الرئيس سعيد بشراكة «متوازنة وأكثر عدلاً وانصافاً».

لكن البيان الذي نشرته الرئاسة التونسية لم يتضمَّن مقترحات واضحة للرئيس التونسي لتعديل اتفاق الشراكة المُوقَّع منذ عام 1995.

وسمح الاتفاق برفع صادرات تونس إلى الاتحاد الأوروبي، الذي يستحوذ على نحو 75 في المائة من مبادلاتها الاقتصادية والتجارية الخارجية، وتعزيز بناها التحتية في برامج تعاون. في حين تشكو تونس باستمرار من عجز في المبادلات بعدد من القطاعات مع شريكها الأوروبي. ويطالب الرئيس سعيد بجهود أكبر لدعم رحلات العودة الطوعية لآلاف المهاجرين غيرالنظاميِّين العالقين بتونس إلى دولهم بأفريقيا جنوب الصحراء. وأوضح أن بلاده «قدَّمت كثيراً، وهي ضحية نظام اقتصادي عالمي غير عادل، وضحية شبكات إجرامية بجنوب الصحراء وشمال البحر المتوسط التي تتاجر بهؤلاء الضحايا، وعلى المنظمات الدولية المعنية، وعلى دول الشمال أن تقوم بدورها كاملاً لأنَّ تونس رفضت منذ البداية أن تكون معبراً أو مستقَرّاً».


مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
TT

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

قُتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان، وفق ما أفادت مصادر طبية وكالة الصحافة الفرنسية، اليوم (الخميس).

واستهدفت إحدى الغارتين الأربعاء سوقاً في مدينة سرف عمرة بولاية شمال دارفور، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، وفق ما ذكر عامل صحي في المستشفى المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية.

وتسببت غارة أخرى، الأربعاء، أيضاً باشتعال النيران في شاحنة كانت على طريق في شمال كردفان. وأفاد مصدر طبي في مستشفى مدينة الرهد المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية بوصول 6 جثث إلى المستشفى، 3 منها متفحمة، بالإضافة إلى 10 جرحى، محملاً «قوات الدعم السريع» مسؤولية الهجوم.


البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
TT

البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)

صوّت البرلمان الجزائري، اليوم الأربعاء، خلال اجتماع لغرفتيه بالإجماع على وثيقة «التعديل الدستوري التقني»، التي أعلنت عنها الرئاسة نهاية العام الماضي، وعرضتها على الأحزاب مطلع العام الحالي بغرض الموافقة. وحاز المسعى على ثلاثة أرباع أعضاء البرلمان (75 في المائة)، الذي يتكون من 583 عضواً، موزعين بين 407 أعضاء في «المجلس الشعبي الوطني»، و176 عضواً في «مجلس الأمة».

تفاعل قادة أحزاب مع مشروع الرئاسة تعديل الدستوري في اجتماع 25 يناير 2026 (الرئاسة)

وكان وزير العدل لطفي بوجمعة قد قدم عرضاً عن هذا التعديل أمام مكتب غرفتي البرلمان، أمس الثلاثاء، مؤكداً أن المراجعة «تمس جوهر تنظيم السلطات»، لا سيما وظيفة رئيس الجمهورية والبرلمان، والسلطة القضائية، بالإضافة إلى «السلطة المستقلة للانتخابات».

وعزت الحكومة هذه التعديلات، وفق ما ذكره وزير العدل، إلى «نقائص كشفت عنها الممارسة الدستورية على مدار خمس سنوات»، أي منذ إقرار دستور 2020، عادَة أنها «مجرد تحسينات تقنية تهدف لتطوير أداء المؤسسات». وبكلام آخر، ترى الحكومة أن هذه التعديلات لا تستدعي استفتاء شعبياً لأنها «تقنية» ولا تمس «الثوابت».

أعضاء مكتب غرفتي البرلمان مع وزير العدل خلال عرض التعديلات الدستورية (البرلمان)

فيما يخص منصب رئاسة الجمهورية، نص التعديل المقترح على المادة 87 بضرورة حيازة المترشح لـ«مستوى تعليمي» باعتباره شرطاً أساسياً؛ نظراً لتعاظم مسؤوليات المنصب، والحاجة لاتخاذ قرارات حاسمة في ملفات معقدة، دون أن يحدد النص الدرجة العلمية المطلوبة بدقة. كما سيتعزز دور الرئيس بصلاحية استدعاء «الهيئة الناخبة» لانتخابات محلية مسبقة بموجب تعديل المادة 91، وهو ما يهدف لسد ثغرة دستورية، كانت تحصر هذه الصلاحية في الانتخابات الرئاسية والتشريعية فقط.

كما اتجه المشروع نحو «دسترة» الممارسة التاريخية المتعلقة بأداء القسم، حيث سيؤدي الرئيس المنتخب اليمين أمام البرلمان بغرفتيه في الأسبوع الذي يلي انتخابه، وبحضور كبار مسؤولي الدولة، على أن يتلو نص القسم الرئيس الأول لـ«المحكمة العليا».

أما على مستوى البرلمان، فقد شهدت أحكام «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا) تغييرات جوهرية، حيث اقترحت الحكومة مراجعة معيار التمثيل، الذي يمنح مقعدين لكل محافظة حالياً (58 محافظة)، ليصبح مقعداً واحداً أو اثنين بناء على الحجم الديموغرافي لكل محافظة، وذلك لتجاوز الفوارق السكانية الكبيرة، حسب معدي نص التعديل.

كما رُفعت عهدة رئيس «مجلس الأمة» إلى ست سنوات، بدلاً من ثلاث لـ«ضمان استمرارية المؤسسات». ويشار إلى أن شاغل هذا المنصب، هو الرجل الثاني في الدولة، بحسب الدستور.

مدير الديوان بالرئاسة أثناء عرض التعديل الدستوري التقني في 25 يناير الماضي (الرئاسة)

وفي سياق العلاقة بين غرفتي البرلمان، أتاح تعديل المادة 145 للحكومة طلب الفصل النهائي من إحدى الغرفتين في حال استمرار خلاف تشريعي بينهما، وهو إجراء يهدف لتسريع المسار التشريعي وتفادي حالة الانسداد، حسب المبررات التي وردت في نص التعديل «التقني».

وعلى صعيد السلطة القضائية، شملت المراجعة تشكيلة «المجلس الأعلى للقضاء» (الهيئة المشرفة على المسار المهني للقضاة)، حيث تقرر إلغاء التمثيل النقابي للقضاة لـ«تجنب تضارب المصالح بين العمل النقابي ومهام المجلس الدستورية». كما خرج رئيس «مجلس حقوق الإنسان» (هيئة استشارية تابعة لرئاسة الجمهورية) من التشكيلة مقابل إدراج النائب العام لدى «المحكمة العليا» (أعلى هيئة في القضاء المدني).

عودة «الداخلية» إلى مفاصل العملية الانتخابية

تحت غطاء «البحث عن الفعالية»، يُحدث تعديل الدستور تحولاً كبيراً في تنظيم الانتخابات في الجزائر. فبينما تحتفظ «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» رسمياً بمهام الرقابة وإعلان النتائج، فإنها تُجرد من عنصر أساسي في عملها، وهو التحضير المادي واللوجيستي. هذه المهمة، التي تشمل تسيير الموارد البشرية والتقنية ميدانياً، تُعاد رسمياً إلى وزارة الداخلية، وهو ما عده مراقبون تراجعاً عن مكسب ديمقراطي جاء به «الحراك الشعبي» المطالب بالتغيير في سياق رفض ترشح الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة عام 2019.

وتُبرر مذكرة أسباب هذا الخيار بـ«الرغبة في تمكين سلطة الانتخابات من تخفيف الأعباء الثقيلة للتركيز على دورها الرقابي». غير أن المراقبين ذاتهم يرون أن عودة الجهاز الإداري، ممثلاً في وزارة الداخلية والجماعات المحلية، إلى مفاصل العملية الانتخابية تُنهي مرحلة من الاستقلالية الكاملة لهذه الهيئة، وتعيد وضع السلطة التنفيذية في قلب المنظومة الانتخابية.

وشاركت معظم الأحزاب في «استشارة» نظمتها الرئاسة حول وثيقة التعديلات، ووافقت عليها رغم بعض التحفظات عليها. وأبرز هذه التحفظات صدرت عن الحزبين المعارضين «جبهة القوى الاشتراكية»، الذي يملك ثلاثة أعضاء في الغرفة البرلمانية العليا، ومن دون أي تمثيل في الغرفة السفلى (المجلس الشعبي الوطني)، و«حزب العمال» الغائب عن الغرفتين.

وزير العدل أثناء عرض التعديل الدستوري على مكتب غرفتي البرلمان (البرلمان)

وأكد قياديون في «حركة مجتمع السلم» الإسلامية المعارضة، أن كتلتها البرلمانية قررت رفع الأيدي لصالح وثيقة التعديل «رغم عدم اقتناعنا بها بشكل كامل».

ومن البداية أظهرت الأحزاب الموالية للرئيس والمهيمنة على البرلمان دعمها للخطوة، وهي «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، و«حركة البناء الوطني».

وبعكس هذا «الإجماع»، حذر عثمان معزوز، رئيس حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، في بيان، من تداعيات المراجعة الدستورية على المسار الديمقراطي، عادّا أنها «تمهد لاستعادة النظام الرئاسي المطلق». وانتقد معزوز بشدة توسيع صلاحيات الرئيس لتشمل حل المجالس المحلية مسبقاً، وتعديل هيكلة «مجلس الأمة»، مؤكداً أن الأمر يتعلَق بـ«خطوات تهدف إلى إحكام القبضة على آليات الخلافة المؤسساتية».

كما ندد الحزب، الذي لم يشارك في الاستشارة بخصوص تعديل الدستور، بما وصفه بـ«غياب النقاش العمومي»، وبـ«توجه البرلمان لتبني نص المشروع دون تمحيص»، محذراً من أن «تحويل أدوار السلطة المضادة إلى وظائف شكلية يهدد جوهر التوازن المؤسساتي في البلاد».