العلاقات الفرنسية - الجزائرية إلى مزيد من التأزم وملف «المرحَّلين» يواصل التفجر

وزير خارجية فرنسا: نريد حل هذه التوترات بشدة ودون أي ضعف

الرئيسان الجزائري والفرنسي في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
TT

العلاقات الفرنسية - الجزائرية إلى مزيد من التأزم وملف «المرحَّلين» يواصل التفجر

الرئيسان الجزائري والفرنسي في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

يوماً يعد يوم، يبدو أن العلاقات الفرنسية - الجزائرية متجهة إلى مزيد من التصعيد. وتتأرجح التوصيفات بين الحديث عن «عملية لي ذراع» بين باريس والجزائر، و«حوار الطرشان» بين بلدين يجمع بينهما التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة.

وحتى الساعة، ليست هناك من مؤشرات تدل على بداية تهدئة، في ملف تلعب فيه السياسات الداخلية دوراً مهماً، إلى جانب اختلاف جذري في الرؤى بشأن مصير الصحراء التي بدَّلت باريس مقاربتها منها جذرياً، باعترافها بسيادة المغرب عليها.

اعتراف ماكرون بسيادة المغرب على صحرائه فاقم الخلافات بين فرنسا والجزائر (أ.ب)

وليس سراً عند متابعي هذا الملف المعقد أنه ليست هناك «سياسة ثنائية» فرنسية - مغربية، أو فرنسية - جزائرية؛ بل هناك سياسة «ثلاثية»، بحيث إن أي تقارب في هذه الناحية يترجم فتوراً في الناحية المقابلة. ولم تنجح العهود الفرنسية المختلفة في التغلب على هذه الإشكالية إلا لماماً، ولفترات قصيرة.

آخر ما استجد بين الطرفين كان في ملف الجزائريين المقيمين في فرنسا بصفة غير شرعية، أو أولئك الذين تسعى فرنسا لترحيلهم إلى بلدهم الأصلي، بعد صدور مذكرات عن السلطات الرسمية بهذا الشأن. ولكن ليس الجزائريون المعنيين الوحيدين بهذه المسألة.

وزير الداخلية الفرنسية برونو روتايو مع وزير العدل جيرلالد دارمان (رويترز)

وبعد عملية طعن في مدينة ميلوز (شرق فرنسا) في 22 من فبراير (شباط) الماضي، أسفرت عن مقتل شخص وجرح 5، ارتكبها مواطن جزائري سعت باريس لترحيله عشر مرات لكنها لم تنجح، ثارت ثائرة وزير الداخلية برونو روتايو، واليمين الفرنسي بجناحيه التقليدي والمتطرف، ووُجهت انتقادات حامية للجزائر التي ترفض استقبال مواطنيها، وترفض التعاون مع السلطات الفرنسية. وعلى أثرها، التأم اجتماع وزاري برئاسة رئيس الحكومة فرنسوا بايرو الذي وجه إنذاراً شديد اللهجة للجزائر، وأمهلها «ما بين 4 وستة أسابيع» لكي تقبل تسلُّم مجموعة من الجزائريين. أما في حال الرفض، فإن بايرو هدد بإعادة النظر في الاتفاقيات المبرمة مع الجزائر التي توفر لمواطنيها منذ عام 1968 تسهيلات في الإقامة والعمل ولم الشمل العائلي.

الامتحان

يوم الجمعة الماضي، استُدعي القائم بالأعمال الجزائري إلى الخارجية الفرنسية؛ حيث سُلِّمت له قائمة تتضمن 60 اسماً من «المؤهلين» للترحيل، مع دعوة السلطات هناك للتعاون بشأنها. ولم تتأخر ردة الفعل الجزائرية؛ إذ عمدت الخارجية الجزائرية، الاثنين، إلى استدعاء القائم بأعمال السفارة الفرنسية في الجزائر؛ وسلمه لوناس مقرمان، أمين عام الخارجية، مذكرة شفوية تتضمن «رفض الجزائر القاطع لغة التهديد والوعيد (الفرنسية) والمهل، وكافة أشكال الابتزاز، واعتراضها على المقاربة الانتقائية التي تنتهجها فرنسا إزاء الاتفاقيات الثنائية والدولية» التي تربط البلدين. وشدد مقرمان على أن «المحرك الرئيسي للموقف الجزائري يتمثل في الوفاء بما يقع على بلادنا من واجب توفير الحماية القنصلية لرعاياها الموجودين بالخارج».

رئيس حزب اليمين المحافظ في فرنسا (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وبكلام آخر، فإن الجزائر ترفض استقبال الأشخاص الستين، وترفض التعامل الفرنسي «شكلاً ومضموناً». وتعد برونو روتايو الساعي لترؤس حزب «الجمهوريين» اليميني التقليدي، يمارس الشعبوية على حساب الجزائريين، من خلال استغلال هذا الملف.

الرد المتدرج

لم تتأخر ردة فعل الأخير على «رسالة» الجزائر. وجاء رده مزدوجاً: فهو، من جهة، هدد بالاستقالة إذا تراجعت الحكومة عن سياسة التشدد مع الجزائر. ودأب روتايو على الدعوة لاتباع سياسة «لي الذراع» مع الجزائر، وكان قد نجح في دفع رئيس الحكومة للسير وراءه في تبني الخط المتشدد. ولأن وزير الداخلية يحظى بدعم شعبي في ملفي الهجرات والترحيل تظهره استطلاعات الرأي، فإن ماكرون وبايرو لا يستطيعان التخلي عنه في الوقت الحاضر، وهو يعي ذلك، ما يمكِّنه من ممارسة سياسة الضغط، وثمة من يسميها الابتزاز.

والقسم الثاني من مقاربته عنوانه «الرد المتدرج»، وقد عبَّر عن ذلك في تغريدة على منصة «إكس» بعد ساعتين فقط من وصول الرفض الجزائري. وكتب روتايو: «سيتم إطلاق استجابة متدرجة»، وفق ما قررت اللجنة الوزارية المشتركة برئاسة رئيس الحكومة».

التوترات بين الجزائر وفرنسا أخذت منحى تصاعدياً خطيراً في الأسابيع الأخيرة (متداولة)

والمقصود بذلك أن باريس لن تلجأ فوراً إلى تدابير جذرية بحق الجزائر؛ بل ستعمد إلى اتباع سياسة الخطوات، بمعنى اتخاذ تدابير أكثر إيلاماً شيئاً فشيئاً. وإذ لم يوضح روتايو تفاصيل الرد «المتدرج»، فمن المرجح جداً أن يبدأ في تعليق اتفاق عام 2007 المعدل في عام 2013 الذي يستفيد منه الحاصلون على جوازات السفر الدبلوماسية.

وليس سراً أن عدة آلاف من الجزائريين يستفيدون منه، وهم القريبون مع عائلاتهم من دوائر السلطة. وكتب روتايو: «يأتي الإجراء الخاص بجوازات السفر الدبلوماسية على رأس القائمة، ولكن سيتم تحديد الترتيب الذي سيتم العمل به في الأيام المقبلة». أما تعديل الاتفاقية الرئيسية الموقعة في عام 1968، وهي بمنزلة «معاهدة»؛ لأنها تحمل توقيع رئيس الجمهورية «الجنرال ديغول وقتها»، فإن إيمانويل ماكرون ليس من المدافعين عن إلغائها؛ بل يدعو إلى تعديلها. وثمة معلومات تفيد بتوتر بينه وبين بايرو الذي هدد يوم 26 فبراير بـ«إعادة النظر» فيها وفي غيرها من الاتفاقيات.

يريد روتايو أن يكون «بطل» الدفاع عن الفرنسيين. وقال لصحيفة «لوباريزيان» في مقابلة نشرت السبت الماضي: «إذا طُلب مني أن أتنازل في هذه القضية الرئيسية (المهمة) لأمن الشعب الفرنسي (الترحيل)، فسأرفض بالطبع»، وذلك لتبرير موقفه المتشدد من الملف الجزائري. والواضح اليوم أن لا الجزائر تريد الخضوع، ولا فرنسا قابلة بالهزيمة؛ الأمر الذي يفتح الباب لمزيد من التوتير والتصعيد.

يبقى أن جان نويل بارو، وزير الخارجية، يسعى لكيلا تذهب الأمور إلى حد القطيعة؛ لذا، فإن مبادرته لقبول الدعوة، مساء الثلاثاء، إلى إفطار رمضاني في «مسجد باريس الكبير» الذي تموله الجزائر يحمل كثيراً من المعاني، وأولها المحافظة على هذا الخيط الرفيع، بانتظار أن تهدأ النفوس، ويعود الطرفان للتعامل بعقلانية ودون تحدٍّ.

وثمة تطور جديد في هذه الأزمة، يتمثل في تصريحات إيجابية لوزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، اليوم الثلاثاء، والتي قال فيها إن بلاده ليست مسؤولة عن التوترات الأخيرة مع الجزائر. وأوضح أمام الجمعية الوطنية أن «فرنسا تتطلع إلى علاقة متوازنة وبناءة» مع الجزائر؛ مضيفاً: «نريد حل هذه التوترات بشدة ودون أي ضعف».

رئيس الوزراء فرنسوا بايرو دعا إلى التمييز بين الجزائريين والحكومة الجزائرية (رويترز)

ورداً على الأسئلة الموجهة للحكومة في الجمعية الوطنية اليوم، دعا رئيس الوزراء فرنسوا بايرو إلى التمييز بين الجزائريين والحكومة الجزائرية التي تعيش فرنسا معها حالياً أزمة دبلوماسية كبيرة. ورفض تعليق منح التأشيرات لجميع المواطنين الجزائريين؛ وعدَّ أن من شأن ذلك «إنزال العقاب بشعب ومواطنين لا يستحقونه». وقال بايرو: «نحن لا نتحدث عن دولة مارقة. ولا ألوم الجزائريين على قرارات حكومتهم... وكثير من مواطنينا من أصل جزائري، وكثير منهم مزدوجو الجنسية الجزائرية والفرنسية. لن أحمِّلهم مسؤولية القرارات التي تتخذها حكومتهم».


مقالات ذات صلة

اليونان وفرنسا تمدّدان اتفاقاً أمنياً دفاعياً

أوروبا رئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس يحمل نسخة من الاتفاقات ويصافح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي يزور أثينا (أ.ف.ب)

اليونان وفرنسا تمدّدان اتفاقاً أمنياً دفاعياً

استقبل رئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في أثينا لتوقيع عدد من الاتفاقات وتجديد اتفاق أمني.

«الشرق الأوسط» (أثينا)
خاص صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)

خاص فرنسا تجدد دعمها غير المحدود للبنان... حتى بعد رحيل «اليونيفيل»

دعم فرنسي غير محدود للبنان وسعي جدي للتعامل مع رحيل «اليونيفيل» ونواف سلام من قصر الإليزيه: «لن نسمح لـ(حزب الله) بترهيبنا».

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي صورة نشرها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في صفحته على «إكس» للجندي الفرنسي أنيسيه جيراردان الذي توفي الأربعاء متأثراً بجراحه بعد إصابته بكمين استهدف قوات حفظ السلام «يونيفيل» خلال مهمة بجنوب لبنان (إكس)

ماكرون يعلن وفاة جندي فرنسي ثانٍ من قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان

أعلن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، عن وفاة جندي فرنسي ثانٍ، الأربعاء، «متأثراً بجراحه» التي أصيب بها في كمين نُصب لقوات «يونيفيل» جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يصافح رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في نهاية مؤتمر صحافي مشترك عقب اجتماعهما في قصر الإليزيه الرئاسي في باريس 21 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ماكرون يدعو إسرائيل للتخلي عن «أطماعها التوسعية» في لبنان

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الثلاثاء، إسرائيل إلى «التخلي عن أطماعها» التوسعية في لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك يعقدان مؤتمراً صحافياً مشتركاً في قاعة المدينة الرئيسية في غدانسك... بولندا 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ماكرون وتوسك يعطيان زخماً جديداً للتعاون الدفاعي بين بلديهما

أعطى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك زخماً جديداً لتعاون بلديهما في مجالات الردع النووي والأقمار الاصطناعية العسكرية.

«الشرق الأوسط» (غدانسك)

وزير الدفاع المصري يؤكد جاهزية الجيش واستعداده القتالي الدائم

وزير الدفاع المصري الفريق أشرف سالم زاهر (صفحة المتحدث العسكري المصري)
وزير الدفاع المصري الفريق أشرف سالم زاهر (صفحة المتحدث العسكري المصري)
TT

وزير الدفاع المصري يؤكد جاهزية الجيش واستعداده القتالي الدائم

وزير الدفاع المصري الفريق أشرف سالم زاهر (صفحة المتحدث العسكري المصري)
وزير الدفاع المصري الفريق أشرف سالم زاهر (صفحة المتحدث العسكري المصري)

أكد القائد العام وزير الدفاع المصري، الفريق أشرف سالم زاهر، على «جاهزية الجيش المصري، واستعداده القتالي الدائم، لحماية الأمن القومي المصري على الاتجاهات الاستراتيجية كافة.

وبعث زاهر برسالة طمأنة، خلال مشاركته في أحد الأنشطة التدريبية للقوات المسلحة المصرية، وأكد أن «المهام التدريبية تبعث برسالة طمأنة للمصريين على جيشهم واستعداده لمواجهة التحديات كافة»، حسب إفادة للمتحدث الرسمي للقوات المسلحة المصرية العميد غريب حافظ، الأربعاء.

شهد الفريق أشرف سالم زاهر المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية، ومقره في محافظة السويس (شرق القاهرة)، وذلك بحضور رئيس أركان القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء البرلمان.

وفي ختام المشروع، أكد وزير الدفاع المصري أن «القوات المسلحة المصرية، تعمل بكل جهد للحفاظ على ما تمتلكه من نظم قتالية وأسلحة ومعدات»، وأشار إلى «حرصها الدائم على بناء المقاتل الشامل الواعي وتدريبه وفقاً لأرقى أساليب التدريب الحديثة».

وشدد زاهر على أن «القوات المسلحة بما تملكه من إمكانات وقدرات بمختلف تخصصاتها قادرة على حماية البلاد، وصون مقدساته في ظل ما تموج به المنطقة من متغيرات وتحديات»، وأشاد في الوقت نفسه بـ«الجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة في المشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عالية»، عادّاً ما جرى تنفيذه من أنشطة تدريبية «يبعث برسالة طمأنة إلى الشعب المصري على قواته المسلحة واستعدادها القتالي الدائم لحماية الأمن القومي المصري على الاتجاهات الاستراتيجية كافة»، حسب بيان المتحدث العسكري.

ودائماً ما تؤكد القوات المسلحة استعدادها الدائم لمواجهة التحديات الأمنية المحيطة بمصر، على وقع اضطرابات إقليمية في السنوات الاخيرة، شملت الحرب على قطاع غزة، والحرب في السودان، والأوضاع الأمنية في ليبيا، وصولاً إلى التصعيد العسكري الأخير في إيران.

وحسب بيان المتحدث العسكري المصري، شهد رئيس أركان حرب القوات المسلحة، إحدى مراحل المشروع التي تضمنت تنفيذ أعمال القتال لاقتحام الحد الأمامي لدفاعات العدو بمعاونة القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات القائمة بالهجوم، وناقش عدداً من القادة والضباط بالمشروع في أسلوب تخطيط وإدارة المهام وكيفية التعامل مع المواقف التكتيكية الطارئة التي يمكن التعرض لها في أثناء مراحل القتال.


مصريون يجدون في شبكات النقل الجماعي الحديثة «بديلاً آمناً» بعد غلاء الوقود

القطار الكهربائي الخفيف وفَّر ربطاً فعالاً بين المدن الجديدة والمناطق الحيوية (وزارة النقل المصرية)
القطار الكهربائي الخفيف وفَّر ربطاً فعالاً بين المدن الجديدة والمناطق الحيوية (وزارة النقل المصرية)
TT

مصريون يجدون في شبكات النقل الجماعي الحديثة «بديلاً آمناً» بعد غلاء الوقود

القطار الكهربائي الخفيف وفَّر ربطاً فعالاً بين المدن الجديدة والمناطق الحيوية (وزارة النقل المصرية)
القطار الكهربائي الخفيف وفَّر ربطاً فعالاً بين المدن الجديدة والمناطق الحيوية (وزارة النقل المصرية)

أجبر غلاء الوقود وارتفاع فاتورة تشغيل السيارات الخاصة شريحة واسعة من المصريين على تغيير نمطهم في التنقل، ليتصدر النقل الجماعي الحديث المشهد باعتباره خياراً يقلص النفقات، ويستفيد من البنية التحتية المتطورة التي دشنتها البلاد في السنوات الأخيرة.

من بين هؤلاء ليلى عبده، التي لم تعد تحمل همَّ الطريق الطويل الذي تقطعه ذهاباً وإياباً إلى العمل، أو تكلفة «تفويلة» البنزين التي كانت تلتهم جزءاً كبيراً من راتبها؛ فهي بدلاً من ذلك تدير محرك سيارتها لدقائق معدودة من مكان إقامتها في مدينة الشروق، بشرق القاهرة، إلى محطة القطار الكهربائي الخفيف (LRT) القريبة من مسكنها.

وبثقة، تترك سيارتها في ساحات الانتظار المجهزة التي وفرتها وزارة النقل مجاناً، وتتجه لركوب القطار الذي ينقلها إلى العاصمة الجديدة، حيث تعمل بوزارة التعليم العالي.

وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «تقليل تكلفة استهلاك البنزين، وركن السيارة دون رسوم، كانا الحافز الأكبر لاستخدام القطار. كما أن المشروع قلل الزحام، ووفَّر مجهود القيادة اليومية. باختصار هذا هو أفضل مشروع في السنوات الأخيرة».

تطوير منظومة النقل

ويعد القطار الكهربائي الخفيف إلى جانب الأوتوبيس الترددي (BRT) أهم وسائل النقل الجماعي الحديثة التي دشنتها الحكومة المصرية على مدار السنوات الماضية، إلى جانب التوسع في إنشاء مترو الأنفاق الذي يخدم ملايين الركاب يومياً في القاهرة الكبرى، ضمن خطط تطوير منظومة النقل في البلاد، بما يسهم كثيراً في تحسين التنقل، ودعم المدن الجديدة بمحاور ربط إضافية، وتعزيز الاستدامة البيئية، وتحفيز الاقتصاد المحلي، وفق بيانات صادرة عن وزارة النقل.

عشرات السيارات في إحدى ساحات الانتظار بمحطات القطار الكهربائي الخفيف (وزارة النقل المصرية)

ورفعت الحكومة الشهر الماضي أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، مشيرة إلى «الوضع الاستثنائي الناتج عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، والتي أدّت إلى ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد، والإنتاج المحلي»، وفق بيان لوزارة البترول.

وجاءت هذه الزيادة بعد 4 أشهر فقط من زيادة أخرى أقرّتها الحكومة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بنسبة 13 في المائة، ووعدت بعدها بتثبيت الأسعار لمدة عام، ما لم تشهد المنطقة أوضاعاً إقليمية جديدة.

وفي إطار التوسع في شبكة النقل الجماعي، قام الرئيس عبد الفتاح السيسي، الثلاثاء، بجولة تفقدية للأعمال الإنشائية لمشروع محطة «الأهرامات» بمحافظة الجيزة، في إطار المرحلة الأولى من الخط الرابع لمترو الأنفاق، حيث استمع إلى الخطة الشاملة التي تنفذها وزارة النقل لإنشاء شبكة من وسائل النقل الجماعي الأخضر المستدام، ووجَّه بأهمية ربط المناطق ذات الكثافة السكانية العالية بهذه الشبكة.

جودة الخدمة «العامل الحاسم»

ويرى أستاذ هندسة الطرق والنقل بجامعة عين شمس، حسن مهدي، أن توسع الدولة في شبكات النقل الجماعي حل عملي لمواجهة ارتفاع أسعار الوقود، وتكاليف الصيانة، والترخيص، مضيفاً: «المواطن الذي كان يعتمد على سيارته الخاصة بات يجد في المترو والقطار الكهربائي، والأوتوبيس الترددي بديلاً آمناً، وأقل تكلفة، ويخفف عنه أعباء القيادة، والزحام، ويمنحه وسيلة أكثر استقراراً».

واستطرد في حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «جودة الخدمة هي العامل الحاسم في تغيير سلوك المصريين؛ فالمواطن لن يترك سيارته إذا كانت وسائل النقل العام سيئة، أو غير منضبطة. لكن مع تحسين مستوى الخدمة، وتطوير الشبكات، أصبح الاتجاه إلى النقل الجماعي خياراً طبيعياً لا إجبارياً، حيث إنه يعكس ثقة متزايدة في هذه الوسائل».

مترو الأنفاق يخدم ملايين الركاب يومياً في القاهرة الكبرى (وزارة النقل المصرية)

وبحسب تصريحات أدلى بها وزير النقل، كامل الوزير، خلال الشهر الجاري، فإن وسائل النقل الجماعي «توفر ربطاً فعالاً بين المدن الجديدة والمناطق الحيوية، مما يسهل الوصول إلى الخدمات، والمرافق الأساسية، ويعزز من التنمية الاقتصادية المحلية من خلال تسهيل حركة الأفراد، كما تُحسن هذه الوسائل من جودة الحياة، وتدعم النمو العمراني المستدام، بتقليل الاعتماد على السيارات الخاصة، والقضاء على ظاهرة النقل العشوائي من خلال توفير وسائل نقل آمنة، وتنظيم حركة المرور، والحد من التكدسات، ورفع مستوى السلامة على الطرق، وتحسين الصورة الحضارية للمدن».

«أثر تنموي»

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي عادل عامر، رئيس مركز المصريين للدراسات الاقتصادية والاجتماعية، أن توسع الدولة في شبكات النقل الجماعي وربط المدن الجديدة بها «ليس مجرد مشروع خدمي، بل استراتيجية اقتصادية واجتماعية متكاملة».

وأضاف، متحدثاً لـ«الشرق الأوسط»، أن غياب وسائل النقل الميسّرة كان أحد أسباب عزوف المواطنين عن الانتقال إلى المجتمعات العمرانية الجديدة، بينما ربط هذه المدن بوسائل حديثة، وبتكلفة منخفضة يسهّل تحريك الكثافة السكانية، ويعزز فرص الاستثمار التجاري، والصناعي.

وواصل حديثه: «وزارة النقل شجعت المواطنين على ترك سياراتهم في ساحات الانتظار، واستخدام القطار الكهربائي، والمترو، والمونوريل؛ فهذه الوسائل الحديثة تتميز بسرعة الاستخدام، وانخفاض التكلفة، وتساهم في تخفيف الضغط المروري، ما جعلها خياراً عملياً لشرائح واسعة من المصريين، بعيداً عن الاعتماد على السيارات الخاصة».

وهو يرى أن الأثر الاقتصادي الأبرز لهذا التحول «يتمثل في تقليل فاتورة استيراد السيارات، والوقود، وهو ما يوفر العملة الصعبة، ويخفف الضغط على الموازنة العامة، إلى جانب تسهيل وصول العمال والموظفين إلى مواقع الإنتاج، ويكون لذلك أثر تنموي إيجابي».


تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)

حذّرت وكالات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية محلية من التبِعات الخطيرة لاستخدام الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي على نطاق واسع سلاح حرب في السودان، ولا سيما بالنسبة لصحة الضحايا النفسية.

ويشهد السودان، منذ أبريل (نيسان) 2023، حرباً ضارية بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، أوقعت عشرات الآلاف من القتلى وتسببت بنزوح نحو 11 مليون شخص، وسط تصاعد حادّ في أعمال العنف الجنسي، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكشفت منظمة «أطباء بلا حدود»، في تقرير الشهر الماضي، أنه في الفترة بين يناير (كانون الثاني) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025، طلب ما لا يقل عن 3396 من الناجين من العنف الجنسي، جميعهم تقريباً من النساء والفتيات، الرعاية الصحية في المرافق التي تُدعمها المنظمة في شمال وجنوب دارفور، مندّدة بهذه الجرائم التي أصبحت «علامة مميّزة» للنزاع في السودان.

وحذّرت منظمة الصحة العالمية من أن الأرقام المتوافرة لا تمثل، بالتأكيد، سوى «قمة جبل الجليد».

وقالت أفني أمين، مسؤولة وحدة العنف القائم على النوع الاجتماعي بمنظمة الصحة العالمية، إن «الوصول إلى خدمات الدعم بعد التعرض للاغتصاب أمر صعب للغاية»، متحدثة، خلال فعالية نُظّمت، الثلاثاء، في مقر الأمم المتحدة بجنيف حول الوضع الإنساني والصحي المُلحّ في السودان.

وأشارت أفني، بشكل خاص، إلى انعدام الأمان وصعوبة الوصول إلى المرافق الصحية العاملة، بالإضافة إلى «الوصمة الشديدة» التي تلاحق الضحايا، ونقص الطواقم الصحية المدرَّبة لرعايتهم.

وقالت: «مقابل كل امرأة تتكلم، هناك، على الأرجح، ثماني أو تسع نساء أخريات تعرضن للاغتصاب وسيعانين في صمت».

السودان سجَّل أكبر عملية نزوح داخلي في العالم (رويترز)

«لا أمان إطلاقاً»

وصفت نعمت أحمدي، من «مجموعة عمل نساء دارفور»، الظروف المروِّعة التي يعيشها الضحايا في بحثهم عن الرعاية بعد تعرضهم لجرائم اغتصاب جماعي عنيفة تتسبب، في غالب الأحيان، بمضاعفات طبية خطيرة.

وأعربت عن أسفها قائلة إنه حتى في أوقات السلم، لم يكن هناك في دارفور سوى عدد ضئيل من الأطباء يمكنهم التعامل مع مثل هذه الحالات، و«اليوم باتوا غير موجودين تماماً».

كما شددت على أن الذين يضطرون للانتقال إلى مراكز الرعاية لا يحظون بـ«أي أمان على الإطلاق»، مؤكدة أن الضحايا يترددون في طلب العلاج بالمستشفيات المتبقية؛ لأنها غالباً ما تكون تحت سيطرة الأطراف المتحاربة.

ووصفت نعمت أحمدي كيف اقتحم مقاتلون من قوات «الدعم السريع» مستشفى في دارفور وأقدموا على اغتصاب وقتل إحدى العاملات بمجال الصحة فيه.

وأشارت إلى أن هذا الوضع تفاقم مع انسحاب المنظمات الإنسانية الدولية في ظل الأوضاع الأمنية والاقتطاعات الحادة في التمويل الإنساني.

وأوضحت أن هذا الأمر يُرغم الهيئات الصغيرة التي تُديرها النساء، مثل منظمتها، على الكفاح من أجل إيجاد موارد، بينما «يموت الناس».

الانتحار خوفاً من الاغتصاب

وأكدت شوكو أراكاكي، مديرة قسم الاستجابة الإنسانية في صندوق الأمم المتحدة للسكان، أنه من «الأساسيّ للغاية» أن يتلقى ضحايا العنف الجنسي الرعاية السريرية في غضون 72 ساعة.

وأضافت: «لكننا لا نملك خدمات ولا أدوية» في السودان، لافتة كذلك إلى ضرورة تقديم الدعم النفسي والاجتماعي في ظل ازدياد أعداد الضحايا الذين يعانون مشاكل حادة في الصحة العقلية.

وأقرّت أراكاكي بأن «معدلات الانتحار مرتفعة». ورغم صعوبة الحصول على أرقام رسمية، قالت أحمدي أيضاً إنها على علم بإقدام عدد كبير من النساء على الانتحار في ولاية الجزيرة جنوب شرقي العاصمة الخرطوم؛ خوفاً من التعرض للاغتصاب.

وقالت أفني أمين إنه «يجب دمج دعم الصحة العقلية»، مشيرة إلى «العواقب الطويلة الأمد»، سواء بالنسبة للضحايا أم للذين يشهدون هذه الفظاعات.

وأضافت: «نحن نعلم من نزاعات أخرى أن التبِعات لا تقتصر على المدى الطويل، بل تنتقل من جيل إلى جيل» منوهة: «علينا أن نستعدّ لذلك».