​تباين ليبي بشأن الدعوة للعودة إلى نظام «الحكم الفيدرالي»

البعض يتخوف من التقسيم... وآخرون يعدونه حلاً لإنهاء الخلاف حول السلطة

نائب رئيس المجلس الرئاسي موسى الكوني ملتقياً السفير البريطاني (المجلس الرئاسي)
نائب رئيس المجلس الرئاسي موسى الكوني ملتقياً السفير البريطاني (المجلس الرئاسي)
TT

​تباين ليبي بشأن الدعوة للعودة إلى نظام «الحكم الفيدرالي»

نائب رئيس المجلس الرئاسي موسى الكوني ملتقياً السفير البريطاني (المجلس الرئاسي)
نائب رئيس المجلس الرئاسي موسى الكوني ملتقياً السفير البريطاني (المجلس الرئاسي)

عاد الجدل السياسي والدستوري في ليبيا بشأن دعوة للعودة إلى «الحكم الفيدرالي»، وذلك على خلفية تصريحات نائب رئيس «المجلس الرئاسي» موسى الكوني عن «ضرورة العمل بنظام الأقاليم الثلاثة بمجالس تشريعية مستقلة».

وتباينت آراء ساسة وقانونيين ليبيين بشأن ما ذهب إليه الكوني، الذي جدد الحديث عن النظام الفيدرالي، أو النظام شبه الفيدرالي ليكون نموذجاً لحكم محلي لأقاليم ليبيا الثلاثة (فزان) و(برقة) و(طرابلس)، مع تقاسم للسلطة والثروة، بقصد إنهاء الخلافات حول السلطة.

موسى الكوني نائب رئيس المجلس الرئاسي (الشرق الأوسط)

وألغي النظام الفيدرالي في ليبيا عام 1963، من خلال التعديل الدستوري بالقانون رقم (1) لسنة 1963 الذي اعتمد نظام الدولة الموحدة.

المعارضون لهذا النظام السياسي يتمسكون برفضه بوصفه مقدمة لـما عدوه «تقسيم ليبيا»، ومن بينهم عضو مجلس النواب علي التكبالي، الذي حذّر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من «مغبة تمزيق الدولة إلى دوليات بحثاً عن مصالح شخصية تحت شعار الفيدرالية».

وهنا يتساءل الناشط السياسي الليبي محمد علي المبروك قائلاً: «ألا يكفي ليبيا أن تكون مقسمة إلى جهتين ليزيدوها تقسيماً لتصبح ثلاث جهات ما يمهد للتقسيم الفعلي». وذهب بعض السياسيين للحديث عن ما سموه «المخطط الغربي»، وأنه يقف وراء الدعوات إلى «الفيدرالية» من بينهم رئيس «حزب الكرامة» أستاذ العلوم السياسية بجامعة درنة يوسف الفارسي، الذي وصفها بـ«المشروع الفاشل ذي الآثار الوخيمة على مستقبل البلاد»، وفق تصريح لـ«الشرق الأوسط».

أما وكيل وزارة الخارجية السابق حسن الصغير فقد أدرج دعوة «الأقاليم الثلاثة» ضمن ما يعتقد أنها «مغازلة من جانب الكوني لأبناء إقليم فزان إظهاراً للحرص على حقوقهم».

أنصار القذافي ينزلون صورة الملك إدريس السنوسي (أرشيفية متداولة على صفحات أنظار النظام السابق)

ودائماً ما تتكرر الدعوات لـ«الفيدرالية» منذ إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011، إذ ظهرت في شرق ليبيا تعويضاً عن سياسة «التهميش» التي عانتها المنطقة.

وقتذاك جرى إعلان (برقة) إقليماً فيدرالياً في 24 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2013، كما تشكلت حكومة محلية تتكون من 24 حقيبة لتسيير شؤون (الإقليم) استناداً إلى الدستور الذي أقر عقب استقلال ليبيا عام 1951.

وهنا يستعيد دعاة «الأقاليم الثلاثة» حديثاً سبق أن طرحوه استناداً إلى نشأة الدولة في عهد الملك إدريس السنوسي عام 1951 وفق نظام فيدرالي بمجالس تشريعية محلية، وحكومات محلية في كل إقليم.

ويتمسك القيادي في «التيار الفيدرالي» أبو بكر القطراني، بفكرة العودة إلى «خيار الأقاليم الثلاثة الذي لطالما طالب به تياره منذ فبراير (شباط) عام 2011»، في ظل ما عده «ظلم الإدارة المركزية المجحفة في حق الأقاليم».

وعدّ القطراني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» الدولة الاتحادية «بداية الطريق لعودة ليبيا إلى وضعها الطبيعي بين الدول في محيطها الإقليمي والدولي بعد رحلة تيه».

من شرفة قصر «المنار» ببنغازي زفّ السنوسي لشعبه عام 1951 بشارة الاستقلال (أرشيفية - متداولة)

وفي محاولة لإثبات صحة رأي أنصار «التيار الفيدرالي»، فإن المحامي والحقوقي فرج العجيلي أعاد التذكير بمطالبة سبق أن طرحها في 2011 بالنظام الفيدرالي، وتحذيره في مقال منشور بإحدى الصحف المحلية من «متاهات لا تحمد عقباها حال عدم الرجوع لدستور 1951».

ومن بين أنصار التيار الفيدرالي، من استقبل دعوة الكوني بتحفظ، ومنهم عضو «ملتقى الحوار الوطني الليبي» بالقاسم محمد النمر، الذي تحدث عن «التفاف محتمل» على مطالب الكوني ممن وصفهم بـ«قوى الأمر الواقع» التي تروج لـ«حكم محلي أيضاً بوحدات إدارية».

دستورياً، فإن الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور تعيد التذكير بأن «النظام الفيدرالي لم يحصل على النصاب الكامل لاعتماده ضمن مسودة الدستور»، وفق رئيس الهيئة نوح عبد السيد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، مشيراً إلى أن «الهيئة هي الجهة المختصة الوحيدة بعرض نظام الحكم على الشعب عن طريق الاستفتاء».

الكوني مستقبلاً خوري في طرابلس (المجلس الرئاسي الليبي)

ويرى عبد السيد أنه «لا يحق للكوني بصفته عضواً في المجلس الرئاسي طرح أي نظام للحكم، وكان يتوجب عليه تنفيذ قانون الاستفتاء على مشروع الدستور بصفته من الجهات التنفيذية في الدولة».

وبين معسكر المؤيدين والمعارضين، يذهب عضو «المجلس الأعلى للدولة» فتح الله السريري، إلى الاعتقاد أن «إنقاذ ليبيا يبدأ من إقرار نظام المحافظات وليس الأقاليم».

ويقترح السريري لـ«الشرق الأوسط»، أن «يكون المحافظ رئيس حكومة مصغرة بصلاحيات إدارية ومالية عدا ما يتعلق بالأمور السيادية (الجيش، والاستخبارات العامة، والقضاء، والأمن الداخلي، والأجهزة الرقابية)».

ووفق رؤية السريري «تكون المحافظات ذات سلطات تنفيذية وتنظيمية دون إصدار القوانين»، على أن يتم «منحها 60 في المائة من الميزانية العامة، ويؤول الباقي من هذه الميزانية للحكومة المركزية».

أما عضو «المجلس الأعلى للدولة» أحمد أبو بريق فقال لـ«الشرق الأوسط» إن «شكل الدولة ونظام الحكم من الأمور التي يجب أن يكون للشعب الليبي رأي فيها».


مقالات ذات صلة

بينهم مصريون... أوكار لتعذيب «المهاجرين» و«التخلص من جثثهم» في أجدابيا الليبية

شمال افريقيا عدد من المهاجرين غير النظاميين تم تحريرهم من قبضة عصابات في أجدابيا الليبية أمس الاثنين (مديرية أمن أجدابيا)

بينهم مصريون... أوكار لتعذيب «المهاجرين» و«التخلص من جثثهم» في أجدابيا الليبية

تجويع وتعذيب ينتهي بقتل... وقائع مأساة جديدة تكشفها مديرية أمن أجدابيا في (شرق ليبيا) يتعرض لها مهاجرون غير نظاميين على يد عصابات الاتجار بالبشر.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي مستقبلاً بالقاسم حفتر مساء الأحد (مجلس الوزراء المصري)

مصر تعزز حضورها في مشاريع «إعادة إعمار» ليبيا

بحث مدير «صندوق إعادة إعمار ليبيا»، بالقاسم حفتر، في القاهرة «سبل الاستفادة من الخبرات والشركات المصرية في تنفيذ مشروعات الإسكان والطرق والمرافق في بلاده».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مهاجرون غير شرعيين بعد ضبطهم على ساحل مدينة القره بوللي الليبية (وزارة الداخلية الليبية)

«قوارب الموت» في ليبيا... إخفاق أمني أمام تمدُّد «شبكات التهريب»

تتدفق أفواج المهاجرين غير النظاميين على شواطئ ليبيا بقصد الهجرة إلى دول أوروبية، وسط تساؤلات عن أسباب إخفاق الأجهزة الأمنية في مواجهة «مافيا الاتجار بالبشر».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة مجتمعاً مع عدد من أعضاء هيئة صياغة الدستور في ديسمبر 2024 (مكتب الدبيبة)

تمسّك الدبيبة بـ«الدستور أولاً» يعيد الجدل في ليبيا

أثار حديث عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» بليبيا، حول ضرورة اعتماد الدستور أولاً حالة من الجدل، لا سيما أن حكومته تشارك في اجتماعات لجنة «4+4».

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا مهاجرون غير نظاميين أمكن إنقاذهم قبالة طبرق الليبية أبريل الماضي (الهلال الأحمر الليبي)

سواحل ليبيا تستنفر ضد قوارب الهجرة غير النظامية

أعلنت وزارة الخارجية المصرية نجاحها في الإفراج عن 1379 مواطناً كانوا محتجزين في ليبيا بسبب «تورطهم في قضايا الهجرة غير النظامية»، محذرة من «عصابات تهريب البشر».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الجزائر تستنفر لمواجهة «فيروس هانتا» بإجراءات استباقية

سفينة الرحلات البحرية التي تم فيها اكتشاف الفيروس (رويترز)
سفينة الرحلات البحرية التي تم فيها اكتشاف الفيروس (رويترز)
TT

الجزائر تستنفر لمواجهة «فيروس هانتا» بإجراءات استباقية

سفينة الرحلات البحرية التي تم فيها اكتشاف الفيروس (رويترز)
سفينة الرحلات البحرية التي تم فيها اكتشاف الفيروس (رويترز)

سارعت الجزائر على سبيل الاحتراز لاتخاذ أول إجراءاتها الوقائية لمواجهة فيروس «هانتا»، وذلك عقب رصد حالات إصابة على متن سفينة الرحلات البحرية (MV Hondius).

وتأتي هذه التحركات الاستباقية بعد تسجيل إصابة مؤكدة في فرنسا لراكب من بين خمسة تم إجلاؤهم، بالإضافة إلى رصد إصابة أخرى في إسبانيا لراكب لم تظهر عليه أي أعراض. ورغم أن منظمة الصحة العالمية استبعدت خطر تحول الفيروس إلى وباء عالمي، فإن الجزائر آثرت أخذ زمام المبادرة بتفعيل مخططات الترصد واليقظة الصحية لضمان أقصى درجات الحماية.

ملصق للهلال الأحمر الجزائري حول سبل مواجهة فيروس «هانتا»

وفي مذكرة موجهة إلى الهياكل الاستشفائية والولاة، أوضحت وزارة الصحة التنظيم الخاص بالتحضير والإنذار لمرض فيروس «هانتا أنديز»، وغيره من الأمراض الحيوانية المنشأ التي تنقلها القوارض، حسبما نشره الموقع الإخباري الفرنكفوني «كل شيء عن الجزائر»، الثلاثاء.

تحسب لفيروس «هانتا»

وحددت وزارة الصحة ثلاثة أهداف رئيسية، وفق ما تضمنته المذكرة. يتمثل الهدف الأول في عرض أهم المعطيات المتعلقة بهذا المرض، وتقييم مستوى الخطر في الجزائر، والتي «يجب تعميمها على نطاق واسع بين مستخدمي قطاع الصحة».

أما الهدف الثاني فهو توضيح كيفية التكفل بـ«حالة مشتبه فيها بفيروس (هانتا) منذ اكتشافها إلى غاية تحويلها إلى مكان التكفل بها». فيما يتمثل الهدف الثالث في التذكير بـ«الإجراءات المتعلقة بتعزيز الوقاية، ومكافحة الأمراض الحيوانية المنشأ التي تنقلها القوارض».

وطمأنت وزارة الصحة المواطنين، مؤكدة أن الخطر بالنسبة للجزائر «يُعد ضعيفاً»؛ لأنه «لم يتم تحديد أي رابط وبائي مباشر، كما أن انتقال فيروس (أنديز) بين البشر يبقى نادراً، ويتطلب احتكاكاً وثيقاً ومطولاً». ومع ذلك، أكدت الوزارة أن هناك حاجة إلى «تعزيز اليقظة بسبب التنقل الدولي، وفترة الحضانة التي قد تصل إلى ستة أسابيع، مما يترك احتمال اكتشاف حالات مستوردة في وقت متأخر».

وزارة الصحة الجزائرية تطلق إجراءات احترازية لمواجهة فيروس «هانتا»

وحددت الوزارة الحالة المشتبه فيها بأنها «كل شخص شارك، أو استعمل وسيلة نقل تم فيها تسجيل حالة مؤكدة، أو محتملة للإصابة بفيروس هانتا (ANDV)، وظهرت عليه أعراض حادة حالية أو سابقة تتوافق مع الإصابة بهذا الفيروس».

ومن بين هذه الأعراض الحمى (أكثر من 38 درجة مئوية)، وآلام العضلات، والقشعريرة، وأعراض هضمية حادة مثل الغثيان، والتقيؤ، الإسهال، وآلام البطن، أو أعراض تنفسية حادة، مثل السعال، وضيق التنفس، وألم الصدر، وصعوبة التنفس.

إجراءات على الحدود

بخصوص الإجراءات على مستوى الحدود (الموانئ، المطارات والمعابر البرية)، طلبت وزارة الصحة، التأكد من توفر معدات الحماية الفردية، والمحاليل الكحولية، وأجهزة المراقبة مثل مقاييس الحرارة الأمامية أو عن بُعد، وتخصيص فضاء يسمح بالعزل المؤقت لأي مسافر تظهر عليه الأعراض، وإعداد قائمة بمعلومات المستشفى المرجعي والأشخاص المسؤولين، الذين يجب الاتصال بهم لتحويل أي حالة مشتبه فيها وفق تعريف منظمة الصحة العالمية، وتحديد الشخص المسؤول عن عملية نقل الحالة المشتبه فيها، وتسجيل بيانات المسؤول على مستوى مديرية الصحة والسكان. كما طلبت إعلام وتحسيس جميع العاملين في نقاط الدخول بالإجراءات الخاصة بالكشف والتبليغ.

وعلى مستوى المستشفيات، تم تحديد أربع إجراءات أساسية: التأكد من إمكانية إعادة تفعيل نظام استقبال والتكفل بالحالات، الذي تم اعتماده خلال التهديدات الصحية السابقة، وأن يكون جاهزاً للعمل في أي وقت، وإدراج سؤال منهجي في أثناء الفرز الأولي حول السفر، والاتصالات، والتعرض لعوامل الخطر خلال الـ42 يوماً السابقة لظهور الأعراض، ومراقبة توفر معدات الحماية الفردية، وأجهزة قياس الحرارة، والمحاليل الكحولية.

كما طلبت الوزارة التأكد من تطبيق بروتوكولات العزل والعلاج المناسبة للحالات المشتبه فيها بفيروس «هانتا».

مكافحة القوارض

وفي تعليماتها، ذكّرت وزارة الصحة بالأمراض الأخرى التي تنقلها القوارض، وأصدرت توجيهات لمكافحتها، من بينها: توعية ميدانية من خلال برامج الإعلام والتثقيف، والاتصال حول طرق الوقاية من الأمراض التي تنقلها القوارض، واحترام قواعد النظافة الجماعية. وتكثيف حملات القضاء على الجرذان والقوارض، وإنشاء تنسيق بين مختلف القطاعات المعنية (الصحة، البيئة، الجماعات المحلية)، علاوة على إدراج هذه الإجراءات ضمن «استراتيجية شاملة للوقاية من الأمراض الحيوانية المنشأ».

ملصق تحسيسي ضد فيروس «هانتا»

وتحولت رحلة استكشافية انطلقت من الأرجنتين إلى أزمة صحية عالمية، بعد تفشي فيروس «هانتا» على متن السفينة MV Hondius. وتعود جذور القصة إلى مطلع أبريل (نيسان) الماضي، حين أبحرت السفينة من مدينة «أوشوايا» في رحلة عبر المحيط الأطلسي باتجاه السواحل الأفريقية، قبل أن تتحول إلى بؤرة عائمة للفيروس وتستنفر السلطات الصحية في عدة دول.


بينهم مصريون... أوكار لتعذيب «المهاجرين» و«التخلص من جثثهم» في أجدابيا الليبية

عدد من المهاجرين غير النظاميين تم تحريرهم من قبضة عصابات في أجدابيا الليبية أمس الاثنين (مديرية أمن أجدابيا)
عدد من المهاجرين غير النظاميين تم تحريرهم من قبضة عصابات في أجدابيا الليبية أمس الاثنين (مديرية أمن أجدابيا)
TT

بينهم مصريون... أوكار لتعذيب «المهاجرين» و«التخلص من جثثهم» في أجدابيا الليبية

عدد من المهاجرين غير النظاميين تم تحريرهم من قبضة عصابات في أجدابيا الليبية أمس الاثنين (مديرية أمن أجدابيا)
عدد من المهاجرين غير النظاميين تم تحريرهم من قبضة عصابات في أجدابيا الليبية أمس الاثنين (مديرية أمن أجدابيا)

كشف العثور على ثلاث جثث ملقاة على شاطئ البحر بمنطقة قريبة من مدينة أجدابيا، الواقعة شرق ليبيا، مأساة جديدة يتعرض لها المهاجرون غير النظاميين، تتمثل في احتجازهم داخل أوكار، وإخضاعهم للتعذيب والتجويع قبيل تهريبهم إلى أوروبا عبر البحر، أو «التخلص منهم».

قارب خشبي قيد التجهيز داخل مصنع عثر عليه في أجدابيا (مديرية أمن أجدابيا)

وبدأت القصة بحسب رواية مديرية أمن أجدابيا، مساء الاثنين، بتلقي بلاغ من «اللواء 166 مشاة» التابع لـ«الجيش الوطني»، حول وجود ثلاث جثث ملقاة على شاطئ البحر بمنطقة بشر القريبة من أجدابيا، بجوار قارب قذفه البحر على الشاطئ. وقالت المديرية إن اللواء امبارك بوحرارة، مدير المديرية، كلّف قوة أمنية انتقلت إلى مكان الواقعة، «ليعثروا بالفعل على ثلاث جثث لأشخاص فارقوا الحياة في ظروف مأساوية، إضافة إلى قارب مرمي على الشاطئ؛ وبتفتيشه عُثر بداخله على 9 جوازات سفر، أربعة منها تعود لأشخاص من بنغلاديش، وخمسة لمواطنين مصريين».

وأمام هذه المعلومات، كلّفت مديرية الأمن قسم التحريات العامة بها بتسلم ملف القضية، والتعاون مع مركز شرطة منطقة بشر لكشف ملابسات الواقعة، وتحديد المسؤولين عن «هذه الجريمة البشعة».

احتجاز وتعذيب

تقول المديرية إنه مع بداية عمليات التحري وتفعيل الدوريات الأمنية، «تم الاشتباه في شخص يتجول بمنطقة بشر، وقد بدا مرهقاً، فتم توقيفه واقتياده إلى مقر المركز، وبالاستدلال معه تبين أنه مصري الجنسية، تمكن من الهروب من أحد أوكار احتجاز المهاجرين غير الشرعيين بمنطقة بشر».

وذهبت المديرية إلى أن المواطن المصري «أدلى بإفادات صادمة»، تبين منها أنه «كان محتجزاً مع عدد من المصريين، وآخرين من جنسيات أخرى مختلفة داخل وكر يُستخدم لتعذيب المهاجرين وابتزاز ذويهم من أجل الحصول على الأموال».

وعادة ما يتعرض المهاجرون الراغبون في الهجرة إلى أوروبا للخطف في ليبيا، والتعذيب على يد عصابات الاتجار بالبشر، ومساومة أسرهم على الأموال مقابل إطلاق سراحهم، أو القتل في حال عدم حصولهم على «الفدية» المطلوبة.

ورصدت الأمم المتحدة في تقرير نشرته في 17 فبراير (شباط) الماضي، إخضاع المهاجرين واللاجئين، وطالبي اللجوء في ليبيا «لانتهاكات وتجاوزات ممنهجة وقاسية لحقوق الإنسان، تشمل القتل والتعذيب والعنف الجنسي والاتجار بالبشر».

ثلاث جثث

بعض ما رصدته الأمم المتحدة تجسّد في الأوكار التي كُشف عنها في أجدابيا؛ حيث قالت المديرية إن المواطن المصري نجح في التعرف على هوية الجثث الثلاث، مؤكداً أن «اثنين منهم من الجنسية البنغلاديشية والثالث مصري»، وأنهم كانوا ضمن المجموعة ذاتها المحتجزة داخل الوكر الإجرامي، كما تعرف أيضاً على جوازات السفر التي عُثر عليها في القارب.

16 مصرياً بينهم طفل قبيل ترحيلهم من شرق طرابلس اليوم الثلاثاء (جهاز مكافحة الهجرة)

وقال مصدر أمني في شرق ليبيا لـ«الشرق الأوسط» إن «كثيراً من مافيا الاتجار بالبشر تتخلص من ضحاياها، بعد تعذيبهم وتجويعهم إذا لم تحصل على الأموال المطلوبة من أسرهم»، مشيراً إلى أن «عديداً من التشكيلات الإجرامية سبق وتطورت في جرائم من هذه النوعية».

وكانت الأجهزة الأمنية قد فككت، العام الماضي، لغز العثور على 19 جثة كانت مدفونة في «3 مقابر جماعية» داخل مزرعة بمنطقة إجخرة، الواقعة جنوب شرقي ليبيا، والخاضعة لنفوذ بعض مهربي البشر، وتبين حينها أن المزرعة كانت تستعملها شبكة للاتجار بالبشر.

وعلى إثر فاجعة أجدابيا، قالت المديرية إنه تم تشكيل فريق عمل للتحري وجمع المعلومات حول هذه الواقعة، والأماكن المستخدمة في احتجاز المهاجرين غير النظاميين، مشيرة إلى أن «التحريات كشفت عن وجود تشكيل عصابي إجرامي خطير، يضم عناصر من ذوي السوابق في قضايا الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر».

«تحرير 120 مهاجراً»

وأوضحت المديرية أنه بعد عمل متواصل استمر قرابة أسبوعين، تمكنت الفرق الأمنية من «تحرير 120 مهاجراً غير نظامي من جنسيات مختلفة، رجالاً ونساءً، كانوا محتجزين في أماكن ومواقع مختلفة». كما تم «تحديد مواقع عدة تُستخدم كأوكار لإيواء وتعذيب المهاجرين؛ إلى جانب مواقع لتصنيع القوارب المستخدمة في عمليات التهريب»، منوهة إلى أنها ضبطت 6 قوارب تستخدم في تهريب المهاجرين عبر البحر المتوسط، منها 3 تحت التصنيع. كما لفتت إلى أن المداهمات «كشفت عن وجود مصنع متكامل داخل وكر إجرامي في مدينة أجدابيا، يُستخدم في تصنيع قوارب التهريب، مجهز بآلات النجارة والمعدات والمواد الخام اللازمة لبناء القوارب محلية الصنع».

جوازات سفر لمواطنين من مصر وبنغلاديش تم العثور عليها في قارب قذفته الأمواج إلى الشاطئ قرب أجدابيا (مديرية أمن أجدابيا)

ويعتبر التقرير الأممي أن المهاجرين «يتعرضون لانتهاكات وتجاوزات مروعة بشكل روتيني في ليبيا؛ بما في ذلك الاستعباد والتعذيب والتشغيل القسري، والإجبار على ممارسة الدعارة، وغيرها من أشكال العنف الجنسي، والابتزاز مقابل فدية. فضلاً عن مصادرة ممتلكاتهم ووثائقهم الثبوتية وإعادة بيعها».

وأمام هذه الجرائم التي توصّلت إليها مديرية أمن أجدابيا، أصدرت أوامر ضبط وإحضار بحق عناصر التشكيل العصابي الفارين، وترحيل من تم ضبطهم، وعرض الجثث على الطبيب الشرعي.

لكن بين محطات رحلة الهروب إلى ليبيا بهدف الوصول إلى أوروبا يسقط أشخاص في قبضة عصابات، ويفلت آخرون، بينما يظل هناك مفقودون بالمئات، تظل أسرهم تبحث عنهم ويقعون هم الآخرين ضحايا عمليات ابتزاز من «أطراف مجهولة».

وجرائم خطف المهاجرين وتعذيبهم وطلب «الفدية» لا تختلف في غرب ليبيا عن شرقها، فقد قال جهاز المباحث الجنائية إنه «فكك شبكة إجرامية لتهريب المهاجرين عبر البحر، والاتجار بالبشر في العاصمة الليبية طرابلس».

وأوضح الجهاز، مساء الاثنين، أنه «تمكن عقب تنفيذ عملية أمنية دقيقة استهدفت أوكار عناصر الشبكة داخل نطاق مدينة طرابلس»، لافتاً إلى أن ذلك يأتي في إطار التعاون الأمني المشترك، والتنسيق المستمر بين الإدارة العامة للدعم المركزي ومديرية أمن طرابلس.

وتعمل ليبيا على التوسع في ترحيل المهاجرين غير النظاميين عبر برنامج «العودة الطوعية» الذي ترعاه المنظمة الدولية للهجرة. وفي هذا الإطار، قال جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية بشرق طرابلس، الثلاثاء، إنه رحّل 16 مهاجراً من الجنسية المصرية، كانوا من ضمن نزلاء مركز إيواء المهاجرين غير الشرعيين شرق طرابلس، وذلك عبر مطار معيتيقة الدولي.


موريتانيا: تصعيد سياسي منذ فشل الجلسات التمهيدية للحوار الوطني

وزير الصيد الموريتاني خلال الجلسة المثيرة للجدل (وزارة الصيد على «فيسبوك»)
وزير الصيد الموريتاني خلال الجلسة المثيرة للجدل (وزارة الصيد على «فيسبوك»)
TT

موريتانيا: تصعيد سياسي منذ فشل الجلسات التمهيدية للحوار الوطني

وزير الصيد الموريتاني خلال الجلسة المثيرة للجدل (وزارة الصيد على «فيسبوك»)
وزير الصيد الموريتاني خلال الجلسة المثيرة للجدل (وزارة الصيد على «فيسبوك»)

في موجة جديدة من التصعيد السياسي الذي تعيشه موريتانيا، منذ فشل الجلسات التمهيدية للحوار بين المعارضة والسلطة، في أبريل (نيسان) الماضي، علَّق البرلمان، الاثنين، جلسة علنية كان يحضرها وزير الصيد والبنى التحتية البحرية والمينائية، وذلك على أثر مشادات كلامية بين الوزير وأحد نواب المعارضة.

كان وزير الصيد، المختار أحمد بوسيف، يعرض أمام البرلمان مشروعيْ قانونين يتعلقان بتعزيز الإطار القانوني البحري في موريتانيا، وذلك من خلال الانضمام إلى اتفاقيتين دوليتين في مجال النقل والملاحة البحرية، لكن أثناء عرضه دخل في مشادات مع النائب يحيى ولد أبو بكر، رئيس الفريق البرلماني لحزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية «تواصل» المعارِض.

واندلعت المشادات بين الوزير والنائب حين قال الوزير إن نظام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني شيَّد منذ وصوله إلى الحكم في عام 2019 أكثر من 3700 كيلومتر من الطرق المعبَّدة، وهو ما اعترض عليه النائب البرلماني الذي عَدَّ أن الأرقام غير دقيقة.

واحتجّ الوزير على مقاطعة النائب إياه مشيراً إلى أنها المرة الثالثة التي قاطعه فيها، وقال: «أنا لا أتلقى منك الدروس، ولا تعلمني ما يجب أن أقول، لا تقاطعني. أنجزت في هذا البلد 3700 كيلومتر من الطرق، ولا يمكن أن يمحوها وقوفك أمام القمامة وما تقوم به من شعبوية»، مضيفاً: «نحن نحترمكم كنواب، لكن عليكم أيضاً أن تنتبهوا للغة التي تتكلمون بها معنا».

وأثارت طريقة حديث الوزير غضب نواب المعارضة، في حين رد عليه النائب ولد أبو بكر: «وقوفي بين النفايات لنقل معاناة المواطنين أشرف من وقوفك وزيراً متبجحاً أمام البرلمان»، قبل أن يتهم نوابُ المعارضة الوزير باستخدام ألفاظ مُهينة للنائب، وطلبوا منه سحبها والاعتذار عنها، لكنه رفض بشدة وقال: «لن أسحب أي كلمة».

وأمام تصاعد التوتر بين الوزير ونواب المعارضة، قرر رئيس الجلسة رفعها لحين التوصل إلى حل. وبعد ساعات من التفاوض وراء الكواليس، استؤنفت الجلسة، بعد أن قدَّم الوزير اعتذاراً للبرلمان عمّا قد يُفهَم من تصريحاته، مؤكداً أن مهمة النواب لا تشمل مقاطعة أعضاء الحكومة أثناء مداخلاتهم.

من جانبه قال النائب البرلماني إن مقاطعته مداخلة الوزير جاءت في إطار واجبه بصفته نائباً في البرلمان، بهدف تصحيح ما قال إنها «معلومة مغلوطة» قدَّمها الوزير للشعب الموريتاني، على حد تعبيره.

وتعيش موريتانيا حالة من التصعيد بين المعارضة والسلطة، وذلك منذ فشل الجلسات التمهيدية للحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بعد إعادة انتخابه رئيساً للبلاد في عام 2024، لكن هذا الحوار يواجه عقبات منعت انطلاقه بعد أكثر من عام من التحضير له.

وخرجت المعارضة إلى الشارع، الأحد الماضي، وندَّدت بسياسات الحكومة التي قالت المعارضة إنها تقوم على رفع الأسعار وزيادة الضرائب وتكميم الأفواه، وذلك في إشارة إلى رفع أسعار المحروقات بشكل متكرر بسبب تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى إحالة ناشطين سياسيين وحقوقيين إلى السجن مؤخراً.

وتعيش موريتانيا حالة من التهدئة السياسية منذ وصول ولد الغزواني إلى الحكم في عام 2019، حيث فتح باب التشاور مع قادة المعارضة، وأصبح يلتقي معهم بشكل دوري، ولكن مؤخراً بدأ الخطاب السياسي لأحزاب المعارضة يزداد حدة.