«قوارب الموت» في ليبيا... إخفاق أمني أمام تمدُّد «شبكات التهريب»

إنقاذ 68 «مهاجراً» من الغرق قبالة طبرق في آخر عملية

مهاجرون غير شرعيين بعد ضبطهم على ساحل مدينة القره بوللي الليبية (وزارة الداخلية الليبية)
مهاجرون غير شرعيين بعد ضبطهم على ساحل مدينة القره بوللي الليبية (وزارة الداخلية الليبية)
TT

«قوارب الموت» في ليبيا... إخفاق أمني أمام تمدُّد «شبكات التهريب»

مهاجرون غير شرعيين بعد ضبطهم على ساحل مدينة القره بوللي الليبية (وزارة الداخلية الليبية)
مهاجرون غير شرعيين بعد ضبطهم على ساحل مدينة القره بوللي الليبية (وزارة الداخلية الليبية)

يزداد بشكل ملحوظ إبلاغ أُسَر من دول عربية وأفريقية عدة عن فقد أبنائها خلال تنفيذ عمليات هجرة غير نظامية من ليبيا إلى أوروبا، في وقت تعلن فيه الأجهزة الأمنية بشرق البلاد وغربها عن إنقاذ عشرات الأشخاص من الغرق في البحر المتوسط.

وأحصت «المنظمة الدولية للهجرة» غرق أكثر من ألف شخص في «المتوسط» منذ بداية العام الجاري، بعد انطلاقهم من ليبيا عبر قوارب متهالكة باتجاه السواحل الأوروبية.

وأمام تدفق مئات المهاجرين غير النظاميين على ليبيا، بقصد الهروب عبر البحر، تزداد التساؤلات عن أسباب إخفاق الإجراءات الأمنية في الحد من هذه العمليات، رغم تأكيدات رسمية على مواجهة هذه الظاهرة.

وتدفع عصابات الاتجار في البشر مئات الأشخاص إلى رحلات هجرة غير نظامية إلى أوروبا، عبر ما تعرف بـ«قوارب الموت».

«جمعية الهلال الأحمر» في طبرق تقدِّم مساعدات لعدد من المهاجرين تم إنقاذهم من الغرق مساء الأحد (الجمعية)

وفي أحدث عملية إنقاذ، أعلنت الأجهزة الأمنية في مدينة طبرق (شرق ليبيا) عن إنقاذ مركب كان يقل 68 مهاجراً غير نظامي، ينتمون لجنسيات أفريقية وعربية: «بعد رحلة بحرية خطيرة واجهوا خلالها ظروفاً إنسانية صعبة في عرض البحر».

وقالت «جمعية الهلال الأحمر» (فرع طبرق) مساء الأحد، إنها تلقَّت بلاغاً من أمن السواحل في طبرق التابع للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، بإعادة مركب هجرة غير نظامية إلى الشاطئ يحمل 68 مهاجراً من جنسيات مختلفة، بعد إنقاذهم.

وأوضحت «الجمعية» أنه عقب وصول المهاجرين إلى نقطة الإنزال في طبرق، تحركت فرقها لتقديم الإسعافات الأولية والمساعدات الإنسانية: «ضمن مشروع الشراكة مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين».

ونوَّهت «الجمعية» إلى أنه «رغم تكرار هذه المشاهد المؤلمة، تبقى كل عملية إنقاذ رسالة بأن البحر لا يزال يحمل كثيراً من المآسي، وأن الهجرة غير النظامية طريق محفوف بالخطر والمعاناة».

«وجود ثغرات»

ويقول حقوقي ليبي مهتم بملف المهاجرين واللاجئين، لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك ثغرات كثيرة تسمح لعصابات الاتجار بالبشر بمواصلة أنشطة قذرة عبر الأراضي الليبية»، متهماً «أجهزة أمنية (شبه رسمية) بتسهيل عمل هذه العصابات، من أجل تحصيل الأموال».

وقال الحقوقي الذي رفض ذكر اسمه لدواعٍ أمنية: «إن كثيراً من المهاجرين الذين تتم إعادتهم من البحر يتم إدخالهم إلى مقار إيواء غير معتمدة، بعيداً عن أعين السلطات».

وفي مارس (آذار) 2025، تعهد عصام أبو زريبة، وزير الداخلية بالحكومة المكلَّفة من مجلس النواب، بكشف أسماء المتورطين في «الاتجار بالبشر» في كل ليبيا، خلال 10 أيام، ولكن المهلة انتهت دون الإعلان عن ذلك حتى الآن.

توقيف 10 مهاجرين غير نظاميين من الجنسية الصومالية غرب مصراتة يوم 27 أبريل الماضي (جهاز مكافحة الهجرة)

وقصص الغرق لا تقتصر على سواحل شرق ليبيا، فبيانات «المنظمة الدولية للهجرة» تسجِّل حوادث مماثلة لقوارب عدة انطلقت من مدن بغرب ليبيا، بينها تاجوراء.

وسبق أن رصدت المنظمة الدولية في أبريل (نيسان) الماضي انقلاب قارب في «المتوسط» بعد مغادرته تاجوراء، وكان يقل 120 مهاجراً، تم إنقاذ 32 منهم، وجرى انتشال جثتين، بينما لا يزال الباقون في عداد المفقودين.

تكرار هذه المشاهد يعكس حجم المعاناة التي يعيشها المهاجرون في رحلات محفوفة بالمخاطر؛ حيث يتحول السعي وراء «الفردوس الأوروبي» إلى تجربة إنسانية قاسية، تختلط فيها الهجرة بالألم والموت المحتمل.

بين محطات هذه الرحلة القاسية، قد ينجح بعض المهاجرين في الوصول إلى «الشاطئ الثاني»، بينما تتم إعادة البعض الآخر إلى ليبيا وإدخالهم إلى مقار الاحتجاز، وما بين هذا وذاك يغرق عشرات المهاجرين في «المتوسط»، أو يظلون في عداد المفقودين.

صورة ضوئية من جواز سفر المواطن المصري مؤمن عبد الكريم وهو أحد المفقودين في ليبيا (الشرق الأوسط)

على الجانب الآخر، تظل أنظار أُسر وذوي هؤلاء المهاجرين عالقة باتجاه ليبيا، تتلمَّس أخبارهم بعد انقطاع الاتصال بهم. من بين هؤلاء المصري مؤمن عبد الكريم سعيد، الذي ينتمي إلى محافظة أسيوط بصعيد مصر.

وقالت أسرة مؤمن لـ«الشرق الأوسط» إنه أخبرها في 18 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، باستقلال قارب من مدينة الخُمس (135 كيلومتراً شرق طرابلس) للتوجه إلى أوروبا، ولكن وصلت إلى الأسرة أنباء بأن المركب قد غرق في «المتوسط».

وتتبع مصر، وفق ما تشير إكرام زيادة، الباحثة في المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب «سياسة ممنهجة في تعاملها مع ملف الهجرة غير النظامية، عبر إجراءات أمنية وتشريعات للتصدي لعصابات التهريب؛ بالإضافة إلى تعاون عابر للحدود بين القاهرة والمؤسسات الدولية ودول الاتحاد الأوروبي».

وبشأن قوارب انطلقت من ليبيا وكانت تقل مهاجرين، من بينهم مصريون، قالت «الخارجية المصرية» الأحد، إنه جرى نقل 94 جثماناً خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى أبريل الماضيين، بالإضافة إلى رفات 5 أشخاص أمكن التعرف عليهم عبر تحليل البصمة الوراثية، بعد العثور على الرفات أمام السواحل التونسية.

ودائماً ما تحضُّ السلطات المصرية مواطنيها على «عدم الانسياق وراء عصابات تهريب البشر»، بينما تواصل استقبال أُسَر المواطنين المتغيبين لبحث مشكلاتهم. وكانت وزارة الخارجية قد أعلنت، الأحد، عن استعادة 1379 مهاجراً كانوا محتجزين في طرابلس وبنغازي، لتورطهم في قضايا الهجرة غير النظامية.

من عملية إنقاذ مهاجرين من الغرق قبالة شرق طبرق في مارس الماضي (الهلال الأحمر الليبي)

وأفادت «جمعية الهلال الأحمر الليبي» ومصادر أمنية، في نهاية أبريل الماضي، بانتشال ما لا يقل عن 17 جثة لمهاجرين، وفقدان 9، بينما تم إنقاذ 7 بعد تعطل قاربهم وانقطاع السبل بهم وسط البحر مدة 8 أيام.

وكانت المنظمة الدولية قد أحصت وجود 928 ألف مهاجر في ليبيا خلال عام 2025، بينما قال وزير الهجرة اليوناني ثانوس بليفريس، إن هناك أكثر من نصف مليون مهاجر ولاجئ ينتظرون في ليبيا حالياً، من أجل توفُّر فرصة للوصول إلى أوروبا، وفق تصريحات للتلفزيون اليوناني نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» الأحد.

إزالة أوكار في سبها

وقالت رئاسة جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة، الاثنين، إنها عملت على «إزالة أوكار المهاجرين والعشوائيات، بمدينة سبها في جنوب ليبيا».

وغادر العاصمة (طرابلس) 105 مهاجرين من الجنسية النيجيرية، يوم الاثنين، عبر مطار معيتيقة الدولي، إلى بلدهم، وفق برنامج «العودة الطوعية» الذي ترعاه المنظمة الدولية للهجرة.


مقالات ذات صلة

50 قتيلاً ومفقوداً في انقلاب قارب مهاجرين قبالة سواحل ليبيا

شمال افريقيا مهاجرون على متن قارب مطاطي لدى وصول خفر السواحل الليبي لإنقاذهم في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا (رويترز - أرشيفية)

50 قتيلاً ومفقوداً في انقلاب قارب مهاجرين قبالة سواحل ليبيا

أسفر انقلاب قارب يقل نحو 60 مهاجراً قبالة سواحل شرق ليبيا عن مقتل أو فقدان 50 شخصاً، بينما يواصل خفر السواحل عمليات البحث عن مفقودين.

«الشرق الأوسط» (طرابلس)
الولايات المتحدة​ محتجون ضد دائرة الهجرة والجمارك «آيس» في ماين، يوم 14 يوليو (أ.ف.ب)

إدارة ترمب توجّه بتخفيف عمليات «آيس» بعد حوادث قتل وانتقادات

طلبت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من ضباط «آيس» تلطيف عمليات إيقاف المركبات بعدما قتلوا شخصين في حادثين منفصلين في ماين وتكساس.

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا رئيس أركان الجيش الوطني خالد حفتر في اجتماع مع القادة العسكريين والأمنيين في الجنوب الليبي أبريل الماضي (رئاسة الأركان)

«الوطني الليبي» يشن عملية عسكرية ضد متمردي الجنوب

شهد الجنوب الليبي تصعيداً ميدانياً جديداً، بعدما أطلق «الجيش الوطني» الليبي عملية عسكرية واسعة لتعقب مجموعات مسلحة متمردة يقودها محمد وردقو.

خالد محمود (القاهرة)
الولايات المتحدة​ ورود تحيط صورة الشاب الذي قتله ضابط من دائرة الهجرة والجمارك الأميركية «آيس» في بيدفورد - ماين (أ.ف.ب)

«آيس» تقتل مهاجراً بالخطأ في ماين بعد آخر في تكساس

قتلت دائرة الهجرة والجمارك «آيس» الأميركية سائق سيارة في ماين، في حادث هو الثاني خلال أسبوع، والتاسع منذ بدأ الرئيس دونالد ترمب حملته على الهجرة والمهاجرين.

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا مهاجرون على متن أحد «قوارب الموت» أُنقذوا من قِبل خفر السواحل الإسباني (أرشيفية - أ.ف.ب)

صور وصول جماعي لمهاجرين سرّيين جزائريين إلى إسبانيا تثير جدلاً

إحصاءات لوزارة الداخلية الإسبانية و«الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل» أظهرت قفزة نوعية في تدفقات الهجرة غير النظامية هذا العام.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

رئيس الوزراء الفرنسي يصل المغرب في زيارة لتعزيز الشراكة بين البلدين

رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش يستقبل نظيره الفرنسي سيباستيان ليكورنولدى وصوله إلى مطار الرباط  (ا.ف.ب)
رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش يستقبل نظيره الفرنسي سيباستيان ليكورنولدى وصوله إلى مطار الرباط (ا.ف.ب)
TT

رئيس الوزراء الفرنسي يصل المغرب في زيارة لتعزيز الشراكة بين البلدين

رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش يستقبل نظيره الفرنسي سيباستيان ليكورنولدى وصوله إلى مطار الرباط  (ا.ف.ب)
رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش يستقبل نظيره الفرنسي سيباستيان ليكورنولدى وصوله إلى مطار الرباط (ا.ف.ب)

وصل رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو إلى الرباط، ليل الأربعاء، لمناسبة انعقاد اجتماع وزاري رفيع المستوى يهدف إلى تعزيز الشراكة بين البلدين، قبل زيارة مرتقبة للملك محمد السادس لباريس.

وجاء لوكورنو برفقة 12 وزيرا من بينهم وزير الخارجية جان نويل بارو، ووزير الداخلية لوران نونيز، واستقبلهم في مطار الرباط سلا رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش وعدد من أعضاء حكومته.

وسيجتمع الطرفان الخميس في إطار الدورة الخامسة عشرة للاجتماع بين حكومتي البلدين، وهو الأول من نوعه منذ العام 2019.

وأفاد بيان لرئاسة الوزراء المغربية الأربعاء بأن ذلك يأتي «تكريسا للشراكة الاستثنائية الوطيدة التي تجمع المغرب وفرنسا، بقيادة قائدي البلدين».

ويرتقب أن تتوج هذه القمة بتوقيع حوالى 15 اتفاق تعاون في مجالات الاقتصاد والأمن والدفاع والهجرة، وفق ما أفاد مصدر دبلوماسي.

وأشار المصدر إلى أن هذه الاتفاقات تتضمن مشاريع في قطاعات الطيران المدني والدفاع والنقل السككي والمياه والكهرباء والتعاون الثقافي.

وسجّلت العلاقات بين فرنسا والمغرب تحسنا ملحوظا، منذ اعتراف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالسيادة المغربية على منطقة الصحراء الغربية المتنازع عليها في صيف 2024.

وكان ماكرون استُقبل بحفاوة بالغة في الرباط خلال زيارة رسمية استمرت ثلاثة أيام في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، أنهت ثلاث سنوات من التوترات التي غذّتها خصوصا شبهات بالتجسس وأزمة تأشيرات. واختُتمت هذه الزيارة بتوقيع عدد كبير من الاتفاقات.

والثلاثاء جدد الملك محمد السادس في برقية تهنئة للرئيس إيمانويل ماكرون لمناسبة العيد الوطني لبلاده، تأكيد «حرص المملكة المغربية على مواصلة العمل مع فرنسا بنفس روح الصداقة والثقة والالتزام، والارتقاء بشراكتهما الاستثنائية المعززة إلى مرتبة مثالية».

ومنذ اعتراف الولايات المتحدة بسيادته على الصحراء الغربية أواخر العام 2020، راهن المغرب على انتزاع موقف مماثل من فرنسا حليفته التقليدية والعضو الدائم في مجلس الأمن، في مقابل تعزيز التعاون الاقتصادي معها.

ويرتقب أن يقوم العاهل المغربي بزيارة دولة لفرنسا من أجل توقيع «معاهدة مغربية فرنسية»، وفق ما أعلن وزيرا خارجية البلدين في مايو (أيار) في الرباط، من دون تحديد موعد هذه الزيارة.

وتراهن فرنسا على تقوية علاقاتها مع المغرب، لا سيما في ما يخص الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل الإفريقي، بعدما تخلت عن سعيها للحفاظ على التوازن التقليدي في علاقتها المغاربية بين الرباط والجزائر.


50 قتيلاً ومفقوداً في انقلاب قارب مهاجرين قبالة سواحل ليبيا

مهاجرون على متن قارب مطاطي لدى وصول خفر السواحل الليبي لإنقاذهم في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا (رويترز - أرشيفية)
مهاجرون على متن قارب مطاطي لدى وصول خفر السواحل الليبي لإنقاذهم في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا (رويترز - أرشيفية)
TT

50 قتيلاً ومفقوداً في انقلاب قارب مهاجرين قبالة سواحل ليبيا

مهاجرون على متن قارب مطاطي لدى وصول خفر السواحل الليبي لإنقاذهم في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا (رويترز - أرشيفية)
مهاجرون على متن قارب مطاطي لدى وصول خفر السواحل الليبي لإنقاذهم في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا (رويترز - أرشيفية)

انقلب قارب يحمل نحو 60 مهاجراً، بينهم نساء وأطفال، وكان متجهاً إلى الشواطئ الأوروبية، قبالة سواحل شرق ليبيا في أحدث مأساة بحرية. وقالت السلطات إن ما لا يقل عن 50 شخصاً ماتوا أو فُقدوا، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ووقع الحادث يوم الثلاثاء بالقرب من جزيرة البردعة قبالة مدينة طبرق الساحلية، وفقاً لسلطات خفر السواحل في شرق ليبيا، وتمكن 10 ناجين من السباحة إلى الجزيرة لإنقاذ أنفسهم. وقال خفر السواحل إن البحث عن آخرين مستمر.

وهذه أحدث مأساة تقع قبالة سواحل ليبيا، وهي إحدى نقاط الانطلاق الرئيسية للمهاجرين الذين يحاولون عبور البحر المتوسط والوصول إلى الشواطئ الأوروبية من أجل حياة أفضل هناك. وفي الشهر الماضي أدى غرق سفينة قبالة سواحل شرق ليبيا إلى مقتل أو فقدان 51 مهاجراً.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة إنه تم تسجيل مقتل أو فقدان أكثر من 800 مهاجر في طريق وسط البحر المتوسط في الفترة من أول يناير (كانون الثاني) وحتى 16 مايو (أيار) من هذا العام. وأضافت أن العام الماضي شهد مقتل أو فقدان أكثر من 1300 مهاجر على هذا الطريق.


«الجنائية الدولية» تراجع اتهامات لأحد المتهمين بجرائم في دارفور

عبد الله بندة خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية يونيو 2010 (موقع المحكمة)
عبد الله بندة خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية يونيو 2010 (موقع المحكمة)
TT

«الجنائية الدولية» تراجع اتهامات لأحد المتهمين بجرائم في دارفور

عبد الله بندة خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية يونيو 2010 (موقع المحكمة)
عبد الله بندة خلال مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية يونيو 2010 (موقع المحكمة)

تعقد المحكمة الجنائية الدولية في 21 يوليو (تموز) الحالي جلسة علنية للنظر في طلب قدمه مكتب المدعي العام لسحب الاتهامات الموجهة إلى المواطن السوداني عبد الله بندة أبكر نورين، أحد المتهمين بارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور، في خطوة قد تنهي إحدى أقدم القضايا المنظورة أمام المحكمة.

وقالت المحكمة، في بيان نشرته على موقعها الإلكتروني، إن الدائرة الابتدائية الرابعة ستعقد الجلسة عند الساعة الثانية والنصف بعد الظهر بتوقيت لاهاي، للاستماع إلى ملاحظات الادعاء والدفاع والمشاركين بشأن طلب سحب الاتهامات، على أن تُبث الجلسة عبر الموقع الإلكتروني للمحكمة.

وتتعلق القضية بالهجوم الذي وقع في 29 سبتمبر (أيلول) 2007 على موقع قوة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي (أميد) في بلدة حسكنيتة بولاية شمال دارفور، وأسفر عن مقتل 12 من أفراد القوة، وإصابة ثمانية آخرين بجروح خطيرة. وكان بندة قد مثل طوعاً أمام المحكمة في يونيو (حزيران) 2010، قبل أن تؤكد الدائرة التمهيدية الأولى التهم الموجهة إليه في 7 مارس (آذار) 2011 وتحيله إلى المحاكمة، ثم تغيب عن جلسات المحكمة، فأصدرت الدائرة الابتدائية الرابعة مذكرة توقيف بحقه في 11 سبتمبر 2014، وظلت القضية معلقة لعدم مثوله أمام المحكمة التي لا تجري محاكمة غيابية.

الادعاء يطلب إسقاط التهم

وأعلن مكتب المدعي العام، الثلاثاء، أنه طلب الإذن بسحب ثلاث تهم بارتكاب جرائم حرب ضد عبد الله بندة، وأنه خلص إلى أن الأدلة لم تعد توفر «أسباباً جوهرية» للاعتقاد بمسؤوليته الجنائية عن الجرائم المنسوبة إليه. وقال مكتب المدعي العام إنه تقدم بطلب سحب الاتهامات في 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وظل سرياً؛ تنفيذاً لأوامر الدائرة، قبل أن ترفع السرية عن الوثائق ويعلن عنه هذا الأسبوع.

أرجع قراره إلى التدهور الكبير الذي أصاب الأدلة بمرور الزمن، واستنفاد جميع مسارات التحقيق، وتعذر الوصول إلى عدد من الشهود أو امتناعهم عن التعاون، إلى جانب وجود مشكلات تتعلق بمصداقية بعض الشهود الرئيسيين، وظهور أدلة جديدة تصبّ في مصلحة المتهم. وأضاف: «مرور أكثر من عقد على تأكيد التهم، ووصول التحقيقات إلى مراحلها النهائية، يجعلان من غير المرجح أن تؤدي أي تحريات إضافية إلى تغيير هذا التقييم».

وأرجع مكتب المدعي العام قراره إلى ما أسماه «تقييم موضوعي للأدلة»، والتزاماً بعد المضي إلى المحاكمة إلا عندما تتوافر أدلة كافية، مشيراً إلى أن سحب التهم – حال موافقة المحكمة عليه - سينهي قضية بندة، من دون أن يمنع الادعاء من إعادة توجيه الاتهامات مستقبلاً إذا ظهرت أدلة جديدة.

وقالت نائبة المدعي العام، نزهة خان، إن مكتبها يدرك أثر القرار على الضحايا الذين انتظروا العدالة لسنوات، بيد أنه ملتزم بضمان عدم إحالة أي قضية للمحاكمة إلا إذا استند إلى أدلة كافية.

نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهة خان (أ.ف.ب)

وتابعت: «طلب سحب التهم يخص بندة وحده، ولا يؤثر على القضايا الأخرى المتعلقة بجرائم دارفور، أو على التحقيقات التي يجريها مكتب الادعاء بشأن الجرائم المرتكبة خلال الحرب الحالية في السودان».

ويأتي طلب سحب التهم في حين لا يزال بندة حاضراً على الساحة العسكرية في السودان، فبعد اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في 15 أبريل (نيسان) 2023، انضم إلى القوة المشتركة التابعة للحركات المسلحة الموقّعة على اتفاق جوبا، والمتحالفة حالياً مع الجيش. وذكرت صحيفة «سودان تربيون» أنه وصل إلى مدينة الفاشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 على رأس قوة عسكرية، وأعلن انضمامه للقتال إلى جانب الجيش، قبل أن يشارك لاحقاً في العمليات العسكرية التي خاضتها القوة المشتركة في إقليم دارفور. وحسب الصحيفة، فإن بندة تعرض لإصابات بالغة خلال هجوم شنته «قوات الدعم السريع» على منطقة المالحة بشمال دارفور في مارس 2025، ونُقل إلى مصر لتلقي العلاج، ثم عاد بعدها إلى أم درمان.

ويجئ طلب سحب التهم في ظل التعقيدات التي واجهت أحد أقدم ملفات المحكمة الجنائية الدولية بشأن دارفور، في وقت يواصل فيه مكتب المدعي العام تحقيقاته في الجرائم المرتكبة بإقليم دارفور، منذ اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع».

وأحال مجلس الأمن الدولي قضية دارفور للمحكمة الجنائية الدولية في 2005، بموجب القرار 1593، لتصبح أول قضية تحال إلى المحكمة بقرار من المجلس. وتبعاً لذلك؛ أصدرت المحكمة مذكرات توقيف بحق عدد من المسؤولين السودانيين، بينهم الرئيس السابق عمر حسن أحمد البشير، الذي صدرت بحقه مذكرتا توقيف، الأولى في 4 مارس 2009 بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، والأخرى في 12 يوليو 2010 بتهمة الإبادة الجماعية. وأصدرت المحكمة كذلك أوامر قبض بحق وزير الدولة بوزارة الداخلية أحمد محمد هارون وقتها في أبريل 2007، ووزير الدفاع الأسبق عبد الرحيم محمد حسين في الأول من مارس 2012، إضافة إلى عبد الله بندة.

ورفضت حكومة الرئيس عمر البشير طوال فترة حكمها الاعتراف باختصاص المحكمة أو تسليم أي من المطلوبين، رغم مطالبة مجلس الأمن الدولي والمحكمة الجنائية الدولية بذلك بصورة متكررة.

وبعد سقوط نظام البشير في 11 أبريل 2019، أعلنت الحكومة الانتقالية استعدادها للتعاون مع المحكمة، ونص اتفاق جوبا للسلام الموقّع في أكتوبر 2020 على التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، كما وافق مجلس الوزراء في أغسطس (آب) 2021 على مشروع قانون للانضمام إلى نظام روما الأساسي، وأعلن مسؤولون التزامهم بتسليم المطلوبين، لكن تلك التعهدات لم تنفذ حتى انقلاب 25 أكتوبر 2021.

علي كوشيب خلال جلسة النطق بالحكم حيث أدين بجرائم حرب في دارفور 9 ديسمبر (أ.ف.ب)

ولا يزال مصير تنفيذ أوامر القبض الصادرة بحقهم المطلوبين من الجنائية الدولية معلقاً، وتخفي السلطات مكان وجودهم، علماً أن البشير يقيم في مكان ما بشمال البلاد.

ويعد علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف باسم «علي كوشيب»، أول وآخر متهم في قضية دارفور مثل أمام المحكمة الجنائية الدولية، فقد سلم الرجل نفسه للمحكمة في يونيو 2020، وأدانته الدائرة الابتدائية الأولى في 6 أكتوبر 2025 بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، وحكمت عليه في 9 ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالسجن لمدة عشرين عاماً.

وتعدّ إدانة كوشيب أول إدانة تصدرها المحكمة في قضايا دارفور منذ إحالة الملف إليها قبل أكثر من عشرين عاماً، ويظل الحكم الصادر بحقه قابلاً للاستئناف. أما بحر إدريس أبو قردة، الذي شغل منصب وزير الصحة بعد توقيعه اتفاقية سلام مع حكومة البشير، فقد مثُل طوعاً أمام المحكمة عام 2009 في القضية نفسها المتعلقة بهجوم حسكنيتة، ورفضت الدائرة التمهيدية اعتماد التهم بحقه، لتنتهي الإجراءات القضائية في مواجهته دون إحالته إلى المحاكمة.