«قوارب الموت» في ليبيا... إخفاق أمني أمام تمدُّد «شبكات التهريب»

إنقاذ 68 «مهاجراً» من الغرق قبالة طبرق في آخر عملية

مهاجرون غير شرعيين بعد ضبطهم على ساحل مدينة القره بوللي الليبية (وزارة الداخلية الليبية)
مهاجرون غير شرعيين بعد ضبطهم على ساحل مدينة القره بوللي الليبية (وزارة الداخلية الليبية)
TT

«قوارب الموت» في ليبيا... إخفاق أمني أمام تمدُّد «شبكات التهريب»

مهاجرون غير شرعيين بعد ضبطهم على ساحل مدينة القره بوللي الليبية (وزارة الداخلية الليبية)
مهاجرون غير شرعيين بعد ضبطهم على ساحل مدينة القره بوللي الليبية (وزارة الداخلية الليبية)

يزداد بشكل ملحوظ إبلاغ أُسَر من دول عربية وأفريقية عدة عن فقد أبنائها خلال تنفيذ عمليات هجرة غير نظامية من ليبيا إلى أوروبا، في وقت تعلن فيه الأجهزة الأمنية بشرق البلاد وغربها عن إنقاذ عشرات الأشخاص من الغرق في البحر المتوسط.

وأحصت «المنظمة الدولية للهجرة» غرق أكثر من ألف شخص في «المتوسط» منذ بداية العام الجاري، بعد انطلاقهم من ليبيا عبر قوارب متهالكة باتجاه السواحل الأوروبية.

وأمام تدفق مئات المهاجرين غير النظاميين على ليبيا، بقصد الهروب عبر البحر، تزداد التساؤلات عن أسباب إخفاق الإجراءات الأمنية في الحد من هذه العمليات، رغم تأكيدات رسمية على مواجهة هذه الظاهرة.

وتدفع عصابات الاتجار في البشر مئات الأشخاص إلى رحلات هجرة غير نظامية إلى أوروبا، عبر ما تعرف بـ«قوارب الموت».

«جمعية الهلال الأحمر» في طبرق تقدِّم مساعدات لعدد من المهاجرين تم إنقاذهم من الغرق مساء الأحد (الجمعية)

وفي أحدث عملية إنقاذ، أعلنت الأجهزة الأمنية في مدينة طبرق (شرق ليبيا) عن إنقاذ مركب كان يقل 68 مهاجراً غير نظامي، ينتمون لجنسيات أفريقية وعربية: «بعد رحلة بحرية خطيرة واجهوا خلالها ظروفاً إنسانية صعبة في عرض البحر».

وقالت «جمعية الهلال الأحمر» (فرع طبرق) مساء الأحد، إنها تلقَّت بلاغاً من أمن السواحل في طبرق التابع للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، بإعادة مركب هجرة غير نظامية إلى الشاطئ يحمل 68 مهاجراً من جنسيات مختلفة، بعد إنقاذهم.

وأوضحت «الجمعية» أنه عقب وصول المهاجرين إلى نقطة الإنزال في طبرق، تحركت فرقها لتقديم الإسعافات الأولية والمساعدات الإنسانية: «ضمن مشروع الشراكة مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين».

ونوَّهت «الجمعية» إلى أنه «رغم تكرار هذه المشاهد المؤلمة، تبقى كل عملية إنقاذ رسالة بأن البحر لا يزال يحمل كثيراً من المآسي، وأن الهجرة غير النظامية طريق محفوف بالخطر والمعاناة».

«وجود ثغرات»

ويقول حقوقي ليبي مهتم بملف المهاجرين واللاجئين، لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك ثغرات كثيرة تسمح لعصابات الاتجار بالبشر بمواصلة أنشطة قذرة عبر الأراضي الليبية»، متهماً «أجهزة أمنية (شبه رسمية) بتسهيل عمل هذه العصابات، من أجل تحصيل الأموال».

وقال الحقوقي الذي رفض ذكر اسمه لدواعٍ أمنية: «إن كثيراً من المهاجرين الذين تتم إعادتهم من البحر يتم إدخالهم إلى مقار إيواء غير معتمدة، بعيداً عن أعين السلطات».

وفي مارس (آذار) 2025، تعهد عصام أبو زريبة، وزير الداخلية بالحكومة المكلَّفة من مجلس النواب، بكشف أسماء المتورطين في «الاتجار بالبشر» في كل ليبيا، خلال 10 أيام، ولكن المهلة انتهت دون الإعلان عن ذلك حتى الآن.

توقيف 10 مهاجرين غير نظاميين من الجنسية الصومالية غرب مصراتة يوم 27 أبريل الماضي (جهاز مكافحة الهجرة)

وقصص الغرق لا تقتصر على سواحل شرق ليبيا، فبيانات «المنظمة الدولية للهجرة» تسجِّل حوادث مماثلة لقوارب عدة انطلقت من مدن بغرب ليبيا، بينها تاجوراء.

وسبق أن رصدت المنظمة الدولية في أبريل (نيسان) الماضي انقلاب قارب في «المتوسط» بعد مغادرته تاجوراء، وكان يقل 120 مهاجراً، تم إنقاذ 32 منهم، وجرى انتشال جثتين، بينما لا يزال الباقون في عداد المفقودين.

تكرار هذه المشاهد يعكس حجم المعاناة التي يعيشها المهاجرون في رحلات محفوفة بالمخاطر؛ حيث يتحول السعي وراء «الفردوس الأوروبي» إلى تجربة إنسانية قاسية، تختلط فيها الهجرة بالألم والموت المحتمل.

بين محطات هذه الرحلة القاسية، قد ينجح بعض المهاجرين في الوصول إلى «الشاطئ الثاني»، بينما تتم إعادة البعض الآخر إلى ليبيا وإدخالهم إلى مقار الاحتجاز، وما بين هذا وذاك يغرق عشرات المهاجرين في «المتوسط»، أو يظلون في عداد المفقودين.

صورة ضوئية من جواز سفر المواطن المصري مؤمن عبد الكريم وهو أحد المفقودين في ليبيا (الشرق الأوسط)

على الجانب الآخر، تظل أنظار أُسر وذوي هؤلاء المهاجرين عالقة باتجاه ليبيا، تتلمَّس أخبارهم بعد انقطاع الاتصال بهم. من بين هؤلاء المصري مؤمن عبد الكريم سعيد، الذي ينتمي إلى محافظة أسيوط بصعيد مصر.

وقالت أسرة مؤمن لـ«الشرق الأوسط» إنه أخبرها في 18 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، باستقلال قارب من مدينة الخُمس (135 كيلومتراً شرق طرابلس) للتوجه إلى أوروبا، ولكن وصلت إلى الأسرة أنباء بأن المركب قد غرق في «المتوسط».

وتتبع مصر، وفق ما تشير إكرام زيادة، الباحثة في المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب «سياسة ممنهجة في تعاملها مع ملف الهجرة غير النظامية، عبر إجراءات أمنية وتشريعات للتصدي لعصابات التهريب؛ بالإضافة إلى تعاون عابر للحدود بين القاهرة والمؤسسات الدولية ودول الاتحاد الأوروبي».

وبشأن قوارب انطلقت من ليبيا وكانت تقل مهاجرين، من بينهم مصريون، قالت «الخارجية المصرية» الأحد، إنه جرى نقل 94 جثماناً خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى أبريل الماضيين، بالإضافة إلى رفات 5 أشخاص أمكن التعرف عليهم عبر تحليل البصمة الوراثية، بعد العثور على الرفات أمام السواحل التونسية.

ودائماً ما تحضُّ السلطات المصرية مواطنيها على «عدم الانسياق وراء عصابات تهريب البشر»، بينما تواصل استقبال أُسَر المواطنين المتغيبين لبحث مشكلاتهم. وكانت وزارة الخارجية قد أعلنت، الأحد، عن استعادة 1379 مهاجراً كانوا محتجزين في طرابلس وبنغازي، لتورطهم في قضايا الهجرة غير النظامية.

من عملية إنقاذ مهاجرين من الغرق قبالة شرق طبرق في مارس الماضي (الهلال الأحمر الليبي)

وأفادت «جمعية الهلال الأحمر الليبي» ومصادر أمنية، في نهاية أبريل الماضي، بانتشال ما لا يقل عن 17 جثة لمهاجرين، وفقدان 9، بينما تم إنقاذ 7 بعد تعطل قاربهم وانقطاع السبل بهم وسط البحر مدة 8 أيام.

وكانت المنظمة الدولية قد أحصت وجود 928 ألف مهاجر في ليبيا خلال عام 2025، بينما قال وزير الهجرة اليوناني ثانوس بليفريس، إن هناك أكثر من نصف مليون مهاجر ولاجئ ينتظرون في ليبيا حالياً، من أجل توفُّر فرصة للوصول إلى أوروبا، وفق تصريحات للتلفزيون اليوناني نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» الأحد.

إزالة أوكار في سبها

وقالت رئاسة جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة، الاثنين، إنها عملت على «إزالة أوكار المهاجرين والعشوائيات، بمدينة سبها في جنوب ليبيا».

وغادر العاصمة (طرابلس) 105 مهاجرين من الجنسية النيجيرية، يوم الاثنين، عبر مطار معيتيقة الدولي، إلى بلدهم، وفق برنامج «العودة الطوعية» الذي ترعاه المنظمة الدولية للهجرة.


مقالات ذات صلة

«واحد يدخل وآخر يخرج»... محادثات فرنسية - بريطانية لإنهاء اتفاق بشأن الهجرة

أوروبا  مهاجرون قاصرون يجلسون على الأرض بانتظار سماح الشرطة لهم بمغادرة المكان في إسبانيا (رويترز)

«واحد يدخل وآخر يخرج»... محادثات فرنسية - بريطانية لإنهاء اتفاق بشأن الهجرة

كشف مصدر بوزارة الداخلية الفرنسية اليوم (الأربعاء)، عن أن فرنسا ​وبريطانيا تُجريان محادثات لإنهاء اتفاق بينهما بشأن الهجرة يقوم على مبدأ «واحد يدخل وآخر يخرج».

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه بالنخبة العلمية في المهجر (الرئاسة)

الجزائر تستنفر عقولها المهاجرة لخدمة أولوياتها الاقتصادية

أطلقت الجزائر «المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية في الخارج»، تحت إشراف مباشر لرئاسة الجمهورية، وبمشاركة 27 خبيراً جزائرياً.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا خفر السواحل الموريتاني ينقذ مهاجرين غير نظاميين بينهم أطفال يوم الأحد (خفر السواحل)

موريتانيا: خفر السواحل ينقذ 260 مهاجراً غير نظامي

أنقذ خفر السواحل الموريتاني، الأحد، 260 مهاجراً غير نظامي بعد رصد زورقين قبالة سواحل العاصمة نواكشوط كانا قد أبحرا من مدينة بانجول، عاصمة غامبيا.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أوروبا قارب يتبع وكالة حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبية (حساب فرونتكس عبر منصة إكس)

ألمانيا تقترح قوة تدخل سريع أوروبية للتعامل مع أزمات الهجرة

دعت ألمانيا إلى تشكيل قوة تدخل سريع تابعة للوكالة الأوروبية لحرس الحدود (فرونتكس)، لمساعدة الدول في حال حدوث «ضغط» مفاجئ للهجرة عند الحدود الخارجية للاتحاد

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا متظاهرون في مدريد يحملون الأعلام وصورة لبيغونيا زوجة رئيس الوزراء المتهمة بالفساد (رويترز)

آلاف يتظاهرون في مدريد احتجاجاً على أزمة سبتة ويطالبون بانتخابات مبكرة

تظاهر آلاف الأشخاص في مدريد، اليوم السبت، احتجاجاً على ما وصفوه بإخفاق الحكومة الإسبانية في التعامل مع التدفق الهائل للمهاجرين من المغرب إلى جيب سبتة.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

موريتانيا: المحكمة العليا تسقط عضوية برلمانيتين معارضتين

مريم الشيخ وقامو عاشور تفقدان عضوية البرلمان الموريتاني بقرار من المحكمة العليا (إعلام محلي)
مريم الشيخ وقامو عاشور تفقدان عضوية البرلمان الموريتاني بقرار من المحكمة العليا (إعلام محلي)
TT

موريتانيا: المحكمة العليا تسقط عضوية برلمانيتين معارضتين

مريم الشيخ وقامو عاشور تفقدان عضوية البرلمان الموريتاني بقرار من المحكمة العليا (إعلام محلي)
مريم الشيخ وقامو عاشور تفقدان عضوية البرلمان الموريتاني بقرار من المحكمة العليا (إعلام محلي)

أصدرت الغرفة الجزائية بالمحكمة العليا الموريتانية، مساء الثلاثاء، قراراً نهائياً برفض الطعن المقدم من البرلمانيتين مريم الشيخ جنك وقامو عاشور سالم، وتأييد حكم الاستئناف القاضي بحرمانهما من الحقوق المدنية والسياسية 5 سنوات، في تطور يفتح الباب أمام إعلان شغور مقعديهما بالبرلمان رسمياً.

وتنتمي النائبتان إلى حركة «إيرا» الحقوقية، ودخلتا البرلمان عبر حزب «الصواب» ذي الميول القومية البعثية، وتعود القضية إلى أبريل (نيسان) الماضي، إثر بثّ مباشر على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» انتقدت خلاله البرلمانيتان الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، في تصريحات اعتبرت النيابة العامة أنها تضمنت مساساً بالرموز الوطنية، وإهانة لرئيس الجمهورية، وتحريضاً على العنف.

وجرى توقيف البرلمانيتين بموجب حالة «التلبس»، التي تتيح تجاوز الحصانة البرلمانية استثنائياً، حيث أصدرت محكمة نواكشوط الغربية في مايو (أيار) حكماً بسجنهما 4 سنوات نافذة، خفّفتها محكمة الاستئناف في يوليو (تموز) إلى سنتين، مع إضافة الحرمان من الحقوق السياسية 5 سنوات، وهو الشق الذي يمس مباشرة عضويتهما البرلمانية.

وبعد صدور قرار محكمة الاستئناف، أصدر الرئيس ولد الغزواني عفواً رئاسياً أسقط عقوبة السجن، لكنه استثنى الحرمان من الحقوق السياسية والمدنية، فيما أصدر المجلس الدستوري بعد ذلك قراراً يقضى بعدم إمكانية تأكيد فقدان النائبتين صفتهما البرلمانية في تلك المرحلة.

واستند المجلس في قراره إلى أن حكم محكمة الاستئناف، الصادر وقتها، لم يكن قد اكتسب بعد الصفة النهائية لكونه لا يزال قابلاً للطعن أمام المحكمة العليا؛ وبالتالي عادت البرلمانيتان إلى البرلمان مؤقتاً بعدما كان الحرس قد منعهما من الدخول في وقت سابق. غير أن هذه العودة لم تخلُ من توتر إضافي، إذ فرض البرلمان لاحقاً عقوبات تأديبية بحقهما تمثلت في طرد مؤقت، إثر اعتصام نظمتاه داخل المبنى.

واليوم أصبح حكم الحرمان نهائياً بقرار المحكمة العليا، حيث يتوقع أن تبدأ إجراءات خروجهما من البرلمان ليحل محلهما آخران من نفس الحزب.

وكان قرار المحكمة قد فجّر جدلاً سياسياً حاداً، حيث انتقد حزب «الصواب»، في بيان، قرار المحكمة العليا، معتبراً أنه يندرج ضمن «سياسة إسكات أصوات المعارضين» والتضييق على البرلمانيين، ومستشهداً بالمادة 50 من الدستور التي تحظر متابعة أي نائب بسبب رأيه أو تصويته أثناء أداء مهامه.

ووصف الحزب توقيت القرار بأنه يأتي في «ظرف سياسي دقيق»، مشيراً إلى أن المساس بحرية النائبتين يمتد أثره إلى «حق المواطنين في التمثيل» داخل البرلمان.

ويتجدد هذا الجدل، في وقت تستعد الأطراف السياسية لتنظيم حوار وطني شامل، دعا له ولد الغزواني، بهدف التوصل إلى اتفاق سياسي يقود إلى إصلاحات متفق عليها.


«الوحدة الليبية» لتعزيز التعاون الأمني مع أميركا

مسعد بولس وعماد الطرابلسي خلال لقاء في واشنطن الثلاثاء (الصفحة الرسمية لوزير الداخلية في غرب ليبيا)
مسعد بولس وعماد الطرابلسي خلال لقاء في واشنطن الثلاثاء (الصفحة الرسمية لوزير الداخلية في غرب ليبيا)
TT

«الوحدة الليبية» لتعزيز التعاون الأمني مع أميركا

مسعد بولس وعماد الطرابلسي خلال لقاء في واشنطن الثلاثاء (الصفحة الرسمية لوزير الداخلية في غرب ليبيا)
مسعد بولس وعماد الطرابلسي خلال لقاء في واشنطن الثلاثاء (الصفحة الرسمية لوزير الداخلية في غرب ليبيا)

تسعى حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة إلى توسيع التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، بالتزامن مع تحركات لإعادة ترتيب الخريطة الأمنية والعسكرية في طرابلس، وذلك خلال زيارة وزير الداخلية المكلف عماد الطرابلسي إلى واشنطن، التي شملت لقاءات مع مسؤولين أميركيين بارزين.

والتقى الطرابلسي مع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، ووين وول، المساعد الخاص للرئيس ومدير شؤون الشرق الأوسط وأفريقيا في مجلس الأمن القومي الأميركي، في وقت متأخر من مساء الثلاثاء بتوقيت طرابلس.

وشملت المباحثات، بحسب بيان حكومي، اتفاق التعاون الأمني بين البلدين، ودعم قدرات الأجهزة الأمنية وتبادل الخبرات، إلى جانب مكافحة الهجرة غير النظامية وتعزيز أمن الحدود، في وقت تكثف فيه واشنطن اتصالاتها مع الأطراف الليبية بشأن توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، بالتوازي مع المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة.

ويكتسب لقاء الطرابلسي مع مسؤول في مجلس الأمن القومي الأميركي دلالة إضافية، إذ يضع التعاون الأمني الليبي ـ الأميركي في إطار الاتصالات الأوسع التي تجريها واشنطن بشأن مستقبل المؤسسات الأمنية والعسكرية وترتيبات توحيدها.

الأمين العام للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي خيري التميمي خلال لقاء مع وفد عسكري فرنسي في بنغازي الثلاثاء (إعلام القيادة العامة)

ووفق بيان للحكومة، تناولت اللقاءات سبل تطوير التعاون بين المؤسسات الأمنية في البلدين، وتعزيز القدرات وتبادل الخبرات، فضلاً عن ملف الهجرة غير النظامية والحد من تداعياتها، ورفع قدرات المؤسسات المختصة في تأمين الحدود والتعامل مع هذا الملف.

وشدد الجانبان على أهمية استمرار التنسيق والتواصل، ودعم الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار في ليبيا، وتطوير آليات التعاون بين المؤسسات الأمنية بما يخدم المصالح المشتركة.

وذهب الطرابلسي إلى التأكيد على «أهمية تطوير مجالات العمل المشترك بين المؤسسات الأمنية الليبية ونظيرتها الأميركية، ورفع القدرات الأمنية وتبادل الخبرات وتطوير آليات التنسيق، إلى جانب تكثيف التعاون في مواجهة الهجرة غير النظامية وتعزيز أمن الحدود».

وتأتي الزيارة في توقيت تشهد فيه طرابلس تحركات لإعادة ترتيب انتشار التشكيلات المسلحة والأجهزة الأمنية، وسط استمرار تعدد القوى الفاعلة داخل العاصمة وتداخل مناطق نفوذها.

وبحسب مصدر سياسي مطلع في طرابلس، تتزامن التحركات الأميركية مع ترتيبات أمنية تقودها أطراف في حكومة «الوحدة»، من بينها وكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي ووزير الداخلية عماد الطرابلسي، لإعادة تنظيم الخريطة الأمنية والعسكرية في العاصمة.

وتداولت وسائل إعلام محلية معلومات عن اعتماد رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة، خلال اجتماع أمني في مصراتة، خطة لإعادة توزيع التشكيلات المسلحة في طرابلس، بعد تصنيفها إلى «موثوقة» و«غير موثوقة». ولم تؤكد حكومة «الوحدة» هذه المعلومات أو تنفها.

وعاد التوتر خلال الأيام الماضية بين تشكيلات أمنية وعسكرية إلى العاصمة، على خلفية خلاف بشأن الانتشار في «جزيرة القادسية» وسط طرابلس، بما يعكس استمرار هشاشة الترتيبات الأمنية التي أعيد تشكيلها خلال العامين الماضيين، رغم مساعي حكومة «الوحدة» إلى إعادة تنظيم وجود القوى المسلحة والأجهزة الأمنية داخل العاصمة.

ومنذ اشتباكات العام الماضي، تعمل حكومة الدبيبة على إعادة ترتيب الخريطة الأمنية في طرابلس، لكنها اعتمدت في الوقت نفسه على أكثر من قوة لتأمين العاصمة، الأمر الذي أبقى التوازن بين التشكيلات المسلحة عاملاً رئيسياً في تحديد طبيعة الانتشار الأمني.

وفي شرق ليبيا، برز تحرك فرنسي موازٍ مع قيادة الجيش الوطني، إذ استقبل الفريق خيري التميمي، الأمين العام للقيادة العامة، السفير الفرنسي تيري فالا والملحق العسكري الجديد تانغي تروغييه، الثلاثاء، في لقاء تناول تطوير العلاقات والتنسيق وتبادل الخبرات.

وجاء اللقاء عقب وصول سفينة الدعم الفرنسية «لوار» إلى قاعدة بنغازي البحرية. وتنتمي السفينة إلى فئة سفن الدعم والمساعدة متعددة المهام، وتستخدم في الدعم اللوجيستي والتدريب والمساعدة الفنية.

وكانت السفينة قد شاركت مؤخراً في نشاط بحري قبالة الساحل الغربي لليبيا، إلى جانب سفن جزائرية وإيطالية، ضمن أنشطة مبادرة «5+5 دفاع» الهادفة إلى تعزيز الأمن والسلامة البحرية وتبادل الخبرات ورفع الجاهزية العملياتية.

وتشارك فرنسا في رئاسة مجموعة العمل الأمنية المنبثقة عن مسار برلين، وتدعم الحوار بين المؤسسات الأمنية في شرق ليبيا وغربها، بينما تضع الولايات المتحدة توحيد المؤسسات وتعزيز التعاون الأمني ضمن محاور اتصالاتها مع الأطراف الليبية.


نقل البشير إلى مستشفى بالخرطوم ومزاعم عن ترتيبات لسفره

الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)
الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)
TT

نقل البشير إلى مستشفى بالخرطوم ومزاعم عن ترتيبات لسفره

الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)
الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)

نُقل الرئيس السوداني السابق عمر البشير، البالغ من العمر 80 عاماً، من مدينة مروي في شمال البلاد إلى مستشفى علياء العسكري، التابع للسلاح الطبي في العاصمة الخرطوم، لمواصلة العلاج وإجراء فحوصات، في ظل ظهور أعراض لم تُعرف أسبابها.

وقال محاميه محمد الحسن الأمين لـ«الشرق الأوسط»، الأربعاء، إن موكله نُقل إلى الخرطوم قبل أسبوعين لإجراء فحوصات دورية، مؤكداً أنه «لا جديد في وضعه الصحي». لكنه أشار إلى ظهور بعض الأعراض التي «لم يتم التعرف على أسبابها»، وهو ما قد يستدعي سفره إلى خارج البلاد لاحقاً لإجراء فحوصات باستخدام أجهزة متطورة.

وأحجم الأمين عن تقديم مزيد من التفاصيل بشأن الحالة الصحية للبشير، التزاماً بالقوانين المتعلقة بحماية خصوصية المرضى وسرية معلوماتهم الطبية. غير أنه ذكر أن الرئيس السابق يعاني، بصورة متكررة، انخفاضاً في ضغط الدم والتهابات، مضيفاً: «هذا كل ما نستطيع الإفصاح عنه في هذه المرحلة».

محمد الحسن الأمين محامي الرئيس السابق عمر البشير (الشرق الأوسط)

وأوضح الأمين أن نقل البشير إلى الخرطوم جاء بعد استقرار الأوضاع الأمنية في الولاية مؤخراً، مشيراً إلى أنه لم تعد هناك دواعٍ لبقائه في المعتقل بمدينة مروي. وأضاف أن موكله يتنقل بين السجن والمستشفى لاستكمال علاجه.

وبشأن ما يُتداول عن موافقة السلطات السودانية على سفر البشير إلى الخارج، قال الأمين: «لا يوجد قرار رسمي حتى الآن»، لكنه أشار إلى أن بعض المسؤولين في الحكومة، الذين لم يسمّهم، أبدوا عدم ممانعتهم. وأضاف: «هذا الطلب أُثير قبل أكثر من عام، لكن لم يحدث أي تقدم في تنفيذه».

وأكد الأمين أن الجهات الرسمية نفسها سهّلت سفر نائب الرئيس السابق، بكري حسن صالح، إلى العاصمة التركية أنقرة لتلقي العلاج، كاشفاً للمرة الأولى عن وجوده خارج البلاد.

عمر البشير أثناء محاكمته في الخرطوم (الشرق الأوسط)

وتتهم المحكمة الجنائية الدولية البشير بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور خلال حكمه. كما أُدين بتهم فساد وتمويل غير مشروع، وواجه محاكمات أخرى قبل اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023. وكان آنذاك محتجزاً في قاعدة عسكرية بأم درمان، قبل نقله إلى مروي في شمال السودان.

وكانت تقارير إعلامية سودانية قد أفادت بتدهور الحالة الصحية للرئيس السابق بصورة كبيرة خلال الأيام الماضية، ما استدعى نقله إلى الخرطوم.

في المقابل، فندت مصادر رفيعة المستوى لـ«الشرق الأوسط» ما يقال عن تدهور صحة البشير، وقالت إن الإجراءات الأخيرة تهدف إلى التمهيد لسفره إلى خارج البلاد، استباقاً لأي تحولات سياسية في الداخل أو تطورات في دول الإقليم.

البشير مع زعيم الحركة الإسلامية حسن الترابي في الأيام الأولى لانقلاب 1989 (أ.ف.ب)

وقالت المصادر إن الإسلاميين يسعون إلى استباق تحولات متسارعة محتملة في المشهد السياسي، قد تضع السلطة بقيادة رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، في حرج بالغ أمام المحكمة الجنائية الدولية إذا ظل البشير داخل البلاد. ووفقاً للمصادر، التي فضّلت عدم الكشف عن هويتها، فإن قيادات إسلامية بارزة في حزب المؤتمر الوطني المعزول، أجرت اتصالات، في وقت سابق، لترتيب نقل البشير إلى دولة خارجية، بعد الحصول على موافقتها على استقباله. وأضافت المصادر أنه سبق أن عُرض على الرئيس المعزول الانتقال إلى إريتريا، لكنه رفض، رغم أن الرئيس الإريتري أسياس أفورقي كان قد أبدى استعداده لاستضافته.

واعتبرت المصادر أن الحديث عن تدهور صحة البشير لا يرتبط بحالته الصحية، وإنما يندرج في إطار ترتيبات ذات دوافع سياسية بحتة.

من جانبه، قال الناطق الرسمي باسم هيئة الاتهام في قضية انقلاب عام 1989، الذي قاده البشير، المحامي معز حضرة، إن قانون الإجراءات الجنائية السوداني لسنة 1991 لا يجيز السماح لأي متهم أو محكوم عليه بالسفر خارج البلاد. وأوضح حضرة لـ«الشرق الأوسط» أن «السلطة القضائية، وفقاً للقانون، هي الجهة الوحيدة التي تتحكم في مكان وجود المتهم، وليس أي جهة أخرى، سياسية أو عسكرية أو غيرها».

وأضاف أن البشير يواجه عدة بلاغات، ولذلك فإن «الإجراء القانوني السليم هو أن يتلقى العلاج في السجن أو في مستشفيات حكومية تحت رقابة السلطة القضائية». واعتبر أنه «إذا صح ما يُتداول عن محاولة نقله إلى الخارج، فإن ذلك يشكّل تهريباً لمتهم».

عمر البشير (أ.ف.ب)

ويخضع البشير و27 من شركائه الإسلاميين للمحاكمة بتهم تقويض النظام الدستوري، التي تصل عقوبتها إلى الإعدام وفقاً للقوانين السودانية، على خلفية انقلاب 30 يونيو (حزيران) 1989، الذي استولت بموجبه الجبهة الإسلامية على السلطة. ومن أبرز المتهمين في القضية علي عثمان محمد طه، النائب الأسبق لحسن الترابي، وبكري حسن صالح، نائب البشير السابق، إلى جانب قيادات عسكرية ومدنية شاركت في الانقلاب.