شح المياه... كابوس يهدد الأمن الغذائي والاجتماعي لدول المغرب العربي

المغرب يدعو مواطنيه عدم ذبح الأضاحي... والجزائريون يتظاهرون بسبب العطش... وتونس تحت خط «الفقر المائي»

صورة تبين حجم الجفاف الذي تعاني منه مناطق شاسعة جنوب المغرب (أ.ف.ب)
صورة تبين حجم الجفاف الذي تعاني منه مناطق شاسعة جنوب المغرب (أ.ف.ب)
TT

شح المياه... كابوس يهدد الأمن الغذائي والاجتماعي لدول المغرب العربي

صورة تبين حجم الجفاف الذي تعاني منه مناطق شاسعة جنوب المغرب (أ.ف.ب)
صورة تبين حجم الجفاف الذي تعاني منه مناطق شاسعة جنوب المغرب (أ.ف.ب)

حذر عدد من السياسيين والخبراء في مجال الزراعة والأمن الغذائي من أن اضطراب المناخ في عدد من دول شمال أفريقيا، ومن بينها المغرب وتونس والجزائر، وارتفاع درجات الحرارة بشكل سنوي، أثرا بشكل مباشر على الموارد المائية لهذه الدول، وهو ما قد يهدد بدوره الأمن الغذائي والاقتصادي وحتى الاجتماعي لهذه الدول، التي تعتمد هيكلياً وبشكل أساسي على واردات المنتجات الغذائية، ولا سيما الحبوب، وخسارة الإمكانات الزراعية للأراضي، وانخفاض الإنتاج الفلاحي، وتأثر القطاع السياحي أيضاً.

المغرب يدعو مواطنيه عدم ذبح الأضاحي

في المغرب يعيش السكان للعام السابع على التوالي جفافاً حادّاً، بعد أن انخفضت نسبة هطول الأمطار هذا العام 53 في المائة مقارنة بمتوسط ​​​​السنوات الثلاثين الماضية، وهو ما تسبب في عجز بمراعي تغذية الماشية. كما انخفض إنتاج اللحوم، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار في السوق المحلية، وزيادة واردات الماشية والأغنام الحية واللحوم الحمراء.

العاهل المغربي دعا لعدم ذبح أضاحي العيد هذا العام بسبب الجفاف الحاد (ماب)

ووقعت البلاد مؤخراً صفقة لاستيراد ما يصل إلى 100 ألف رأس من الأغنام من أستراليا. كما علقت الحكومة في ميزانية 2025، رسوم الاستيراد وضريبة القيمة المضافة على الماشية والأغنام والإبل واللحوم الحمراء، للحفاظ على استقرار الأسعار في السوق المحلية.

وتسبّبت موجة الجفاف المتواصلة، التي تعد الأسوأ منذ مطلع الثمانينات، في تراجع أعداد المواشي بنسبة 38 في المائة، مع تسجيل عجز في الأمطار بـ53 في المائة مقارنة مع متوسط الثلاثين عاماً الأخيرة، وفق ما أفاد وزير الزراعة أحمد البواري منتصف فبراير (شباط) الماضي.

وكنتيجة لذلك جرى إفراغ خزانات السدود المغربية، وهو ما تسبب في خسائر فادحة بالوظائف في قطاع الزراعة، ودفعت البلاد إلى تسريع خططها لتحلية المياه.

وفي هذا السياق، أوضح الوزير البواري أن نسبة امتلاء سدود الري في منطقتي دكالة، وسوس ماسة، بلغت اثنين في المائة فقط، و15 في المائة على الترتيب، رغم أنهما من أهم المناطق الزراعية في البلاد. مؤكداً أن معدل امتلاء خزانات السدود الوطنية انخفض إلى 26 في المائة، إذ تم إعطاء الأولوية لتزويد المدن بالمياه الصالحة للشرب على حساب المزارع.

قلة التساقطات وتوالي سنوات الجفاف أدّيا إلى انخفاض كبير في عدد رؤوس الأغنام في المغرب (أ.ب)

وأثر الجفاف على تراجع حصة المواطن المغربي من المياه بشكل كبير. وحسب تقرير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المغربي (مؤسسة دستورية استشارية) فإن الموارد المائية حالياً بالنسبة للفرد تقدر سنوياً بأقل من 650 متراً مكعباً، مقارنة مع 2500 متر مكعب للفرد في سنة 1960، وقد توقع تقرير للمجلس أن تنخفض حصة الفرد عن 500 متر مكعب بحلول سنة 2030. مشيراً إلى أن الدراسات الدولية تشير إلى أن التغيرات المناخية يمكن أن تتسبب في اختفاء 80 في المائة من موارد المياه المتاحة في البلاد خلال الـ25 سنة المقبلة.

ولمواجهة هذه المعضلة، لجأ المغرب منذ سنوات إلى بناء عدة سدود بلغ عددها حالياً 149 سداً كبيراً، بسعة تخزينية تفوق طاقتها 19 مليار متر مكعب، إلى جانب سدود متوسطة وأخرى صغيرة. كما عمل المغرب أيضاً على مشاريع لتحلية مياه البحر من خلال 9 محطات تنتج 147 مليون متر مكعب في السنة، بالإضافة إلى آلاف الآبار والأثقاب لتعبئة المياه الجوفية. وأمس الأربعاء، دعا العاهل المغربي الملك محمد السادس لعدم ذبح أضاحي العيد هذا العام بسبب الجفاف الحاد، والتراجع الكبير في أعداد المواشي.

وقال الملك في رسالة تلاها وزير الشؤون الدينية، أحمد التوفيق، عبر التلفزيون العمومي: «نهيب بشعبنا العزيز عدم القيام بشعيرة أضحية العيد لهذه السنة»، وأوضح أنّ السبب وراء هذا الطلب هو «ما يواجه بلادنا من تحديات مناخية واقتصادية، أدت إلى تسجيل تراجع كبير في أعداد الماشية».

وأوضح الملك في الرسالة، التي نشرتها «وكالة الأنباء المغربية» أنّه «أخذاً بعين الاعتبار أنّ عيد الأضحى هو سُنّة مؤكدة مع الاستطاعة، فإنّ القيام بها في هذه الظروف الصعبة سيُلحق ضرراً محقّقاً بفئات كبيرة من أبناء شعبنا، لا سيّما ذوي الدخل المحدود».

الجزائر: مظاهرات بسبب العطش

عاشت ولاية تيارت (300 كلم غرب) الجزائرية، الصيف الماضي، مظاهرات كبيرة بسبب انقطاع المياه عن سكان المحافظة نتيجة جفاف السد المحلي. وأوفدت الحكومة كبار مسؤوليها إلى المنطقة لتهدئة الغضب، وأطلقوا وعوداً بـ«تفكيك قنبلة العطش» في أقرب وقت.

سد بغرب الجزائر ضربه الجفاف في السنين الأخيرة (متداولة)

جاء ذلك بعد أن أعلنت وزارة الموارد المائية أن الجزائر باتت من ضمن الدول الفقيرة، من حيث مصادر المياه، بسبب فترات جفاف طويلة ومتكررة، مع عجز في نسب تساقط الأمطار بلغ، حسبها، بين 40 و50 في المائة خلال السنوات الأخيرة، مقارنة بالمعدلات السنوية الماضية، خصوصاً في الجهتين الوسطى والغربية للبلاد.

وأوضحت الوزارة أن «نقص وشح الأمطار بفعل التغيرات المناخية، أثرا بشكل كبير على تزويد السكان بالمياه الصالحة للشرب، وقد برزت آثار هذه التحولات جلياً على 20 محافظة في البلاد»، من أصل 58 محافظة. مؤكدة أن «الجزائر تعيش، على غرار دول البحر الأبيض المتوسط، عجزاً مائياً ناجماً عن التغيرات المناخية، التي أثرت بشكل كبير على الدورات الطبيعية للمتساقطات المطرية».

رئيس البلاد خلال إطلاق تشغيل محطة لتحلية مياه البحر غرب العاصمة (الرئاسة)

وبسبب ندرة التساقطات، سرّعت الحكومة الجزائرية تنفيذ خطة لتحلية مياه البحر، التي تم إطلاقها منذ سنوات طويلة، لتفادي الاحتجاجات الشعبية التي أصبحت مألوفة مع اقتراب فصل الصيف، حيث يزداد الطلب على مياه الشرب. وتعهّد رئيس البلاد عبد المجيد تبون في عام 2023 بتوفير المياه لكل السكان (45 مليون نسمة) لمدة 15 سنة، دون أي انقطاع في الإمدادات.

وقبل أيام قام الرئيس عبد المجيد تبون بحضور نشاطين مهمين لتخفيف أزمة المياه: الأول كان في وهران، كبرى مدن غرب البلاد، (400 كلم عن العاصمة)، والثاني في محافظة تيبازة (70 كلم غرب العاصمة). تمثلا في تشغيل محطتين لتحلية مياه البحر المتوسط، بهدف التقليل من «أزمة العطش» التي يعاني منها ملايين السكان في المناطق الغربية.

محطة تحلية مياه البحر الجديدة غرب العاصمة الجزائرية (الرئاسة)

وتشمل خطة الحكومة بناء 5 محطات، كل واحدة منها تنتج 300 ألف متر مكعب يومياً. وتعد محطة معالجة مياه البحر بوهران من أكبر المحطات في البلاد، بطاقة إنتاج 300 ألف متر مكعب من المياه يومياً. وهي كمية «تساهم في تلبية احتياجات سكان وهران، وست ولايات أخرى في الغرب الجزائري»، حسب تصريحات تبون.

وسبق أن دق وزير الموارد المائية والأمن المائي السابق، كريم حسني، ناقوس الخطر، عندما صرح بأن مناخ الجزائر، «أصبح اليوم جافاً». معلناً عن «استراتيجية جديدة» في قطاعه، تتمثل في مضاعفة الاعتماد على محطات تحلية المياه. مؤكداً أن تحلية مياه البحر باتت «الحل الأمثل لأن المياه السطحية أصبحت شحيحة، وبلادنا تزخر بكل الإمكانات اللازمة، منها شريط ساحلي يمتد لأكثر من 1200 كلم، وكذا الخبرة والموارد البشرية اللازمة في هذا المجال».

تونس تقطع المياه عن المواطنين

بسبب أسوأ جفاف تشهده تونس، وبعد أن أصبحت الخزانات والسدود شبه فارغة، اضطرت السلطات التونسية لقطع المياه عن السكان لمدة سبع ساعات في الليل، وهو القرار الذي هدد بتأجيج التوتر الاجتماعي، كما اضطرت وزارة الزراعة لإدخال نظام حصص لمياه الشرب، وحظرت استخدامها جزئياً في الزراعة، وفي غسل السيارات، وري المساحات الخضراء، وتنظيف الشوارع والأماكن العامة، وملء المسابح الخاصة، وهددت بمعاقبة المخالفين.

صورة تبين حجم الجفاف الذي ضرب مدينة نابلس (إ.ب.أ)

ووفقاً لقانون المياه يعاقب المخالفون بغرامة مالية، وبالسجن من 6 أيام إلى 6 أشهر. كما يمنح القانون الحق للسلطات في تعليق الربط بالماء الصالح للشرب، الذي توفره شركة توزيع المياه الحكومية، في خطوة أثارت غضباً واحتجاجاً في مدينة صفاقس (جنوب). لكن خبراء يجمعون على أنه لم يعد أمام السلطات أي حل سوى ترشيد المياه لتفادي الأسوأ، في ظل واحدة من أسوأ موجات الجفاف.

بسبب الجفاف الحاد يضطر سكان القرى التونسية إلى قطع مسافات طويلة للعثور على المياه (رويترز)

وبحسب تقرير صادر في شهر مارس (آذار) 2024 عن المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية، فإن تونس، التي شهدت ست سنوات من الجفاف خلال العقد الماضي، باتت تعدّ خامس دولة في العالم الأكثر عرضة لخطر الجفاف ونقص المياه. ولذلك حذر مؤلفو التقرير من أن هذا الوضع «يمكن أن يعوق التنمية الاقتصادية والاجتماعية لتونس، وأوصوا بمراعاة واقع تغير المناخ وضرورة تعزيز تدابير التكيف معه».

ووفقاً للمعايير الدولية، التي تحدد الحد الأدنى لاحتياجات البلاد من المياه عند 1000 متر مكعب لكل ساكن سنوياً، فإن تونس باتت تحت خط الفقر المائي بأقل من 500 متر مكعب لكل ساكن سنوياً.



«يوم أفريقيا»... تعهدات مصرية بمقاربة تجمع بين التنمية وتعزيز الأمن المائي

وزير الري المصري هاني سويلم في صورة تذكارية مع متدربين أفارقة بالقاهرة (وزارة الري)
وزير الري المصري هاني سويلم في صورة تذكارية مع متدربين أفارقة بالقاهرة (وزارة الري)
TT

«يوم أفريقيا»... تعهدات مصرية بمقاربة تجمع بين التنمية وتعزيز الأمن المائي

وزير الري المصري هاني سويلم في صورة تذكارية مع متدربين أفارقة بالقاهرة (وزارة الري)
وزير الري المصري هاني سويلم في صورة تذكارية مع متدربين أفارقة بالقاهرة (وزارة الري)

في «يوم أفريقيا»، أكدت مصر استمرار دعمها تنمية القارة وتعزيز الأمن المائي والاستقرار بها، مع استضافة القمة التنسيقية للاتحاد الأفريقي في الشهر المقبل، لافتة إلى أن القارة «على أعتاب مرحلة جديدة».

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن تلك التعهدات التي تجمع بين التنمية وتعزيز الأمن على كل المستويات، والعزم على استمرار تنفيذ مشروعات تعاون ثنائية مع دول القارة، تؤكد حرص القاهرة على علاقات بناء متوازنة ومتميزة.

وتحتفل القارة الأفريقية سنوياً بـ«يوم أفريقيا» في 25 مايو (أيار)، إحياءً لذكرى تأسيس «منظمة الوحدة الأفريقية» عام 1963، التي تحولت لاحقاً إلى «الاتحاد الأفريقي».

وكانت العلاقات المصرية - الأفريقية قد شهدت تراجعاً ملحوظاً في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك عقب محاولة اغتيال تعرض لها في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا عام 1995؛ غير أنه في مرحلة ما بعد 30 يونيو (حزيران) 2013، بدأت مرحلة علاقات جديدة وتعاون واسع، تولت مصر خلالها رئاسة الاتحاد الأفريقي عام 2019، ورأست تجمع «الكوميسا»، وصولاً إلى استضافة القمة التنسيقية للاتحاد الأفريقي في يونيو (حزيران) المقبل.

مشروعات واتفاقيات تعاون

بمناسبة الاحتفال بـ«يوم أفريقيا»، أكد وزير الري المصري هاني سويلم، الاثنين، حرص الوزارة على التعاون مع الدول الأفريقية، حيث نفذت كثيراً من مشروعات التعاون الثنائي في مجالات حصاد مياه الأمطار، وحفر الآبار الجوفية، والتدريب وبناء القدرات، بخلاف إطلاق الدولة آلية تمويلية بمخصصات قدرها 100 مليون دولار لتمويل دراسات ومشروعات تنموية بدول حوض النيل.

وقال سويلم إن مصر «ستواصل التزامها الراسخ بدعم الأشقاء الأفارقة في مجالات المياه والبيئة والمناخ، وتعزيز تبادل الخبرات وبناء القدرات، والعمل مع الدول والمؤسسات الأفريقية لمواجهة التحديات المشتركة، بما يدعم الأمن المائي والتنمية المستدامة والرخاء لشعوب القارة الأفريقية».

ويقول خبير الشؤون الأفريقية بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، حسين البحيري: «احتفال مصر بـ(يوم أفريقيا) يتزامن مع النجاحات الدبلوماسية المتواصلة التي حققتها القيادة السياسية المصرية بأفريقيا على كل المستويات، والذي انعكس في اتفاقيات تعاون مع عدد كبير من الدول الأفريقية، لا سيما في منطقة حوض النيل، ومنطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر».

وزير الخارجية بدر عبد العاطي يتفقد موقع سد «جوليوس نيريري» الذي تقيمه مصر بتنزانيا في مارس 2025 (وزارة الخارجية)

وضرب مثلاً بالاتفاقات الموقعة مؤخراً بين مصر وإريتريا لتعزيز التعاون في قطاعات اقتصادية حيوية مثل النقل والطاقة المتجددة، وإنشاء مصر محطة لتوليد الطاقة الشمسية في ريف جيبوتي، ومشروع سد جوليوس نيريري في تنزانيا.

«أعتاب مرحلة جديدة»

في كلمة للرئيس المصري، الأحد، بمناسبة احتفال مصر بـ«يوم أفريقيا»، أكد أن القارة تقف «على أعتاب مرحلة جديدة من البناء والتنمية».

ويكتسب اختيار الاتحاد الأفريقي «قضية المياه» موضوع هذا العام أهمية بالغة، بحسب السيسي الذي دعا إلى ضرورة احترام القانون الدولي المنظم للأنهار الدولية العابرة للحدود، وضمان الإدارة الرشيدة لتلك الأنهار، واتباع نهج يقوم على تحقيق المصالح المشتركة، والمنفعة المتبادلة، والحفاظ على السلم والأمن وتحقيق التكامل، بدلاً من التوترات.

وأكد أن مصر ستظل «شريكاً فاعلاً في دعم مسيرة التنمية والبناء بالدول الأفريقية الشقيقة من خلال تبادل الخبرات، وتنفيذ المشروعات، والانفتاح على التعاون مع مختلف الشركاء الدوليين، وذلك في إطار من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، تحقيقاً لأولويات شعوب ودول القارة».

ويرى البحيري، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، أن استضافة مصر للقمة التنسيقية للاتحاد الأفريقي «ترجمة حقيقية لتوظيفها أدوات الدبلوماسية السياسية والاقتصادية، ودبلوماسية الزيارات الرئاسية المكثفة»، منوهاً بزيارات السيسي إلى عدد من الدول الأفريقية خلال الفترة الأخيرة، واستقبال القاهرة عدداً لافتاً من رؤساء الدول والحكومات الأفريقية.

وتأتي هذه الخطوات، بحسب البحيري، تأكيداً لإدراك الدول الأفريقية لعمق وثقل مكانة مصر السياسية والاقتصادية والأمنية، ما جعلها وجهة للمسؤولين الأفارقة الساعين لتعزيز وتطوير مسارات العلاقات المشتركة.

وأضاف: «تقدم مصر نفسها اليوم شريكاً تنموياً واستراتيجياً موثوقاً به يُعتمد عليه في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة».


«الأعلى للدولة» الليبي يتحرك لعزل رئيس «الرقابة الإدارية»

صورة نشرها المجلس الأعلى للدولة لجلسته في طرابلس يوم 24 مايو
صورة نشرها المجلس الأعلى للدولة لجلسته في طرابلس يوم 24 مايو
TT

«الأعلى للدولة» الليبي يتحرك لعزل رئيس «الرقابة الإدارية»

صورة نشرها المجلس الأعلى للدولة لجلسته في طرابلس يوم 24 مايو
صورة نشرها المجلس الأعلى للدولة لجلسته في طرابلس يوم 24 مايو

أعلن المجلس الأعلى للدولة في ليبيا أنه كلف مكتب رئاسته باتخاذ إجراءات ومتابعات عاجلة، وفقاً للاختصاصات القانونية والتنظيمية، للرد على قيام رئيس هيئة الرقابة الإدارية عبد الله قادربوه بتكريم مسؤولين سابقين من نظام الرئيس الراحل معمر القذافي.

اجتماع سابق لقادربوه وأعضاء من المجلس الأعلى للدولة (الرقابة الإدارية)

وفي مؤشر جديد على عمق الانقسامات حول ملف العدالة الانتقالية في البلاد، شدد المجلس، عقب جلسة تشاورية مساء الأحد، برئاسة محمد تكالة، في العاصمة طرابلس، على أن «الاحتفاء بأسماء ترتبط بوقائع وتجاوزات لا تزال حاضرة في الذاكرة الوطنية يمس مشاعر الضحايا وذويهم».

ويعني هذا التكليف، بحسب مراقبين، أن المجلس قرر نقل الأزمة من مجرد الإدانة السياسية إلى المسار القانوني والرقابي الفعلي سعياً لعزل قادربوه، مستنداً إلى صلاحياته السيادية والتشريعية في مراجعة ومراقبة أعمال وتعيينات الأجهزة الرقابية الكبرى في البلاد.

وجاء هذا التحرك بعد تحذيرات المجلس من أن الاحتفاء بأسماء مرتبطة بوقائع وتجاوزات في الذاكرة الوطنية «يهدد السلم الاجتماعي والتوافق الهش بين الأطراف الليبية».

وكان قادربوه قد كرّم هدى بن عامر، إحدى أبرز الشخصيات النسائية في عهد الرئيس الراحل معمر القذافي، والتي ارتبط اسمها في الذاكرة الليبية بـ«وقائع وإعدامات ميدانية شهيرة في ثمانينيات القرن الماضي». لكن المجلس الأعلى للدولة اعتبر في المقابل أن «الاحتفاء بشخصية تحمل هذا الإرث الجدلي يعد استفزازاً صارخاً لمشاعر الضحايا وعائلاتهم، وتحدياً لجهود المصالحة الوطنية التي تحاول البلاد إرساءها».

ولم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من قادربوه أو هيئة الرقابة الإدارية للرد على انتقادات «المجلس الأعلى»، أو لتوضيح التكريم المثير للجدل.

ودخل مفتي غرب ليبيا، الصادق الغرياني، على خط هذه الأزمة، بمطالبته علناً المجلس الأعلى للدولة باتخاذ قرار حاسم بإعفاء قادربوه من منصبه، و«شكك في مصداقية التقارير الأخيرة الصادرة عن الهيئة بشأن إنفاق ما قيمته تريليون دينار ليبي» (الدولار يساوي 6.35 دينار في السوق الرسمية، و8.33 دينار في السوق الموازية)، مؤكداً أن هذا المبلغ الضخم لا يشمل حتى مصاريف صندوق إعمار ليبيا.

ولفتت وسائل إعلام محلية إلى أن تصاعد الجدل بشأن احتمال إعفاء قادربوه من منصبه يتزامن مع اقتراب انتهاء ولايته الثانية والأخيرة لرئاسته للهيئة، وسط تساؤلات ومؤشرات متزايدة حول قرب رحيله.

وتسلم قادربوه مهامه رسمياً رئيساً لهيئة الرقابة الإدارية في يوليو (تموز) 2023، خلفاً لسليمان الشنطي، بموجب قرار تكليف سابق صادر عن مجلس النواب وحكم قضائي من محكمة استئناف طرابلس، مما يضع التحركات الحالية لإنهاء ولايته في سياق صراع ممتد حول إدارة هذا المنصب السيادي النافذ.

وكان 75 عضواً من المجلس الأعلى للدولة قد طالبوا بعقد جلسة طارئة الأحد لمناقشة ما اعتبروه «تجاوزات» من قبل قادربوه، و«استغلاله منصبه»، إلا أن خلافات داخلية حالت دون اكتمال النصاب المطلوب لعقد الجلسة بشكل رسمي.


دعوات حقوقية ليبية للكف عن «الاحتجاز التعسفي» و«تصفير السجون»

جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)
جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)
TT

دعوات حقوقية ليبية للكف عن «الاحتجاز التعسفي» و«تصفير السجون»

جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)
جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)

دعا حقوقيون ليبيون الأجهزة الأمنية في البلاد إلى وقف «الاحتجاز التعسفي» و«سياسات إذلال البشر»، و«تصفير السجون»، وذلك على خلفية عفو أطلقته سلطات شرق البلاد عن عدد من السجناء بداعي «ترسيخ الاستقرار».

جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)

واعتبر الحقوقي الليبي، طارق لملوم، عملية الإفراج عن 250 شخصاً من سجن قرنادة في بنغازي بادرة «تستحق الترحيب»، وقال إن «أي خطوة تؤدي إلى إنهاء معاناة المحتجزين، وتخفيف الظلم عنهم تُعد تحركاً إيجابياً، ومهماً؛ بغض النظر حالياً عن تفاصيل الترتيبات التي قادت إليها، أو ما إذا كانت جزءاً من مسار قانوني مكتمل وواضح».

ورأى لملوم في تصريح صحافي ضرورة أن «تتم تسوية أوضاع المفرج عنهم بصورة قانونية وإنسانية تحفظ كرامتهم وحقوقهم، وأن يحصل كل من تعرض للاحتجاز التعسفي أو الظلم على حقه في الإنصاف، والتعويض، والاعتذار، وجبر الضرر، وفق القانون ومبادئ العدالة».

وقال: «آمل أن تكون هذه الخطوة رسالة إلى جميع الجهات والمقرات والسجون وأماكن الاحتجاز في ليبيا بضرورة التوقف عن سياسات التوسع في الاحتجاز التعسفي»، داعياً إلى أن «يكون إنفاذ القانون قائماً على العدالة واحترام الكرامة الإنسانية، لا على الانتقام، أو التعسف، أو استغلال النفوذ».

لقطة من الداخل لسجن مدينة زليتن شرق طرابلس (غيتي)

وكان مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قد رصد مخالفات قانونية وإنسانية عدة، في تقرير سابق جاء تحت عنوان: «تجاوزات خلف القضبان»، وقال إنه «لا تتوافر أرقام دقيقة عن عدد المحتجزين، ومراكز الاحتجاز الموجودة في ليبيا. كما أنه لا توجد إحصاءات بشأن مراكز الاحتجاز التابعة شكلياً لوزارتي الداخلية والدفاع، ولا تلك التي تديرها المجموعات المسلحة مباشرة».

ولفت لملوم إلى أن «الترحيب بالإفراج عن هؤلاء المحتجزين لا يعني إغلاق هذا الملف، أو طي صفحة الانتهاكات»، مشدداً على ضرورة أن «من تعرض للضرر أو الظلم، حتى وإن أُفرج عنه لاحقاً، يبقى من حقه المطالبة بالإنصاف، والمحاسبة القانونية لكل من تسبب في احتجازه، أو إساءة معاملته خارج إطار القانون».

واتفق حقوقيون ليبيون مع دعوة لملوم، كما شددوا على ضرورة أن تشمل هذه الإجراءات «تصفير السجون» في جميع أنحاء ليبيا.

في السياق ذاته، استغل أحمد عبد الحكيم حمزة، رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، عملية إطلاق سراح 250 موقوفاً في بنغازي، ودعا إلى «تصفير السجون» في عموم البلاد.

وأكد حمزة لـ«الشرق الأوسط» على «ضرورة إطلاق سراح من انقضت مدة محكوميتهم، أو من صدر بحقه حكم بالبراءة، وأن يتم الإفراج عنهم»، كما شدد على أهمية إخلاء سبيل المعتقلين على خلفية آرائهم السياسية.

ورحب حمزة بعملية الإفراج عن دفعة من السجناء بسجن قرنادة، وتسوية أوضاعهم ومراكزهم القانونية ممن انطبقت عليهم شروط قرار العفو العام عن باقي العقوبة الصادر عن المجلس الأعلى للقضاء.

ودعا إلى «الاستمرار في مراجعة ملفات السجناء بصورة دورية، وتفعيل آليات الرقابة، والإشراف، والمتابعة داخل السجون، ومرافق الاحتجاز، بما يضمن احترام حقوق السجناء، والكرامة الإنسانية، وترسيخ مبادئ العدالة، وسيادة القانون».

جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)

وكان صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، قد بحث مع رئيس «اللجنة الوطنية لمتابعة أوضاع السجناء والسجون»، المستشار إبراهيم بوشناف، التحضيرات النهائية لتنفيذ قرارات العفو عن باقي مدة العقوبة للمحكوم عليهم ممن تنطبق عليهم الشروط والضوابط.

وقالت القيادة العامة مساء الأحد إن الفريق صدام حفتر اطّلع خلال الاجتماع على آخر التحضيرات التي تتخذها اللجنة الوطنية بشأن تنفيذ قرارات العفو عن باقي مدة العقوبة للمحكوم عليهم ممن تنطبق عليهم الشروط، والتي شملت أكثر من 250 سجيناً، مشيرة إلى أن ذلك يأتي «ضمن تدابير قانونية وإنسانية استثنائية لمعالجة تداعيات المراحل السابقة، وفي إطار مشروع الاستقرار الوطني».

وتأتي هذه الجهود، وفقاً للقيادة العامة، «دعماً لمساعي العفو، ولمّ الشمل، وترسيخ الاستقرار، والمصالحة الوطنية».