عملية «ليّ ذراع» بين الجزائر وفرنسا بسبب ملف الترحيل

باريس تمهل الجزائر شهراً لاختبار مدى تعاونها قبل إعادة النظر بالاتفاقيات المبرمة

رئيس الحكومة فرنسوا بايرو خلال اجتماع مع عدد من أعضاء الحكومة لمناقشة قضية الهجرة (إ.ب.أ)
رئيس الحكومة فرنسوا بايرو خلال اجتماع مع عدد من أعضاء الحكومة لمناقشة قضية الهجرة (إ.ب.أ)
TT

عملية «ليّ ذراع» بين الجزائر وفرنسا بسبب ملف الترحيل

رئيس الحكومة فرنسوا بايرو خلال اجتماع مع عدد من أعضاء الحكومة لمناقشة قضية الهجرة (إ.ب.أ)
رئيس الحكومة فرنسوا بايرو خلال اجتماع مع عدد من أعضاء الحكومة لمناقشة قضية الهجرة (إ.ب.أ)

من المرجح جدا أن تدخل العلاقات الفرنسية - الجزائرية مرحلة أعلى من التوتر، بعد القرارات التي صدرت مؤخرا عن السلطات الفرنسية الخاصة بالجزائر، وتلك التي أعلن عنها رئيس الحكومة، فرنسوا بايرو، مساء الأربعاء، عقب انتهاء اجتماع اللجنة الوزارية برئاسته للبحث في ملف الهجرات.

وزير داخلية فرنسا برونو ريتاليو (أ.ف.ب)

وسارعت الجزائر، من خلال بيان صادر الأربعاء عن خارجيتها إلى التهديد بإجراءات مماثلة ردا على التدابير، التي كشف عنها وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو. وتتناول هذه التدابير حاملي الجوازات الدبلوماسية الجزائرية، الذين يحق لهم دخول فرنسا من غير تأشيرات، بالإضافة إلى العمل على خفض تأشيرات الدخول للمواطنين الجزائريين، وتعميم هذا الإجراء على المستوى الأوروبي.

 

* خيبة فرنسية

 

تأتي موجة التصعيد الأخيرة على خلفية الخيبة الفرنسية من عدم تجاوب الجزائر في ملف استعادة مواطنيها، الذين تصدر بحقهم مذكرات ترحيل إلى بلادهم. وجاءت العملية الإرهابية التي شهدتها مدينة ميلوز الفرنسية، السبت الماضي، حيث أقدم مواطن جزائري على قتل رجل طعنا بالسكين، وهو يصيح «ألله أكبر»، وإصابة ستة أشخاص بجروح مختلفة، بينهم ثلاثة من الشرطة البلدية.

وما فاقم من وقع الحادثة، التي وصفها الرئيس إيمانويل ماكرون بـ«العمل الإرهابي الإسلاموي»، والتي نددت بها الطبقة السياسية مجتمعة، هو أن المواطن الجزائري سبق أن صدرت بحقه مذكرة ترحيل، لكنها بقيت دون تنفيذ بسبب عدم تعاون السلطات الجزائرية، ورفضها لعشر مرات توفير وثيقة رسمية لترحيل الشخص المعني. من هنا، فإن أحد أهداف اجتماع اللجنة الوزارية البحث في الأوراق، التي تمتلكها فرنسا للضغط على الطرف الجزائري.

رئيس الحكومة الفرنسية فرانسوا بايرو (أ.ف.ب)

إضافة إلى ملف التأشيرات، أشار رئيس الحكومة إلى أن فرنسا تتأهب لاختبار مدى استعداد الجزائر للتعاون، وإلا فإن فرنسا ستعمد إلى إعادة النظر في الاتفاقيات المبرمة معها، ومنها اتفاقية عام 1968. وقال بايرو إنه خلال شهر أو ستة أسابيع «سنقدم إلى السلطات الجزائرية مستعجلة، تتضمن أسماء أشخاص حساسين تريد الحكومة ترحيلهم». وفي حال عدم تجاوب الجانب الجزائري، فإن باريس «ستعيد النظر بالتسهيلات الخاصة المعطاة للجزائريين، بما في ذلك الاتفاقيات نفسها». ولا شك أن أمرا كهذا ستكون من نتائجه أزمة كبرى بين البلدين.

 

وسائل الضغط الفرنسية

 

حقيقة الأمر أن ما جرى في ميلوز ليس سوى غيض من فيض الخلافات بين الطرفين. ففي ملف الترحيل، تفيد الأرقام الفرنسية بأن الجزائر تعاونت بنسبة 34.9 في المائة في عام 2023، وبنسبة 42 بالمائة في العام 2024. كما أن باريس تأخذ على الجزائر اعتقال الكاتب الجزائري - الفرنسي بوعلام صنصال، ورميه في السجن بتهمة تهديد وحدة وسلامة الأراضي الجزائرية. ورغم مطالبة ماكرون والضغوط السياسية والمجتمعية، فإن الجزائر رفضت إطلاق سراحه. وكونه كاتبا معروفا، فإن التعبئة لصالحه جاءت واسعة، وتخطت الانقسامات السياسية. وبالمقابل، فإن الجزائر تأخذ على فرنسا ملاحقتها لـ«مؤثرين» جزائريين على وسائل التواصل الاجتماعي، تعتبر باريس أنهم إما يدعون لأعمال عنف أو لإثارة الحقد والنعرات، وهو ما بعد انتهاكات للقوانين سارية المفعول. ومؤخرا صدرت أحكام بالسجن ضد اثنين منهم، وهما ينضمان إلى لائحة طويلة سبقتهما.

فرنسا وجهت انتقادات حادة للجزائر بسبب سجن الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال (أ.ف.ب)

واضح اليوم أن هناك عملية لي ذراع بين باريس والجزائر. وكان هذا الملف أحد المواضيع الرئيسية التي تناولها اجتماع اللجنة الوزارية الفرنسية، بحضور ثمانية وزراء. ومشكلة الحكومة الفرنسية أنها تتأرجح بين خطين: الأول يمثله راهنا وزير الداخلية برونو روتايو، الداعي إلى سياسة متشددة، وإلى أن تبرز فرنسا عضلاتها في التعامل مع شريكتها المتوسطية. والثاني، يمثله وزير الخارجية جان نويل بارو، الذي يفضل الوسائل الدبلوماسية والتفاوض. وفي الحالتين، فإن باريس تبحث عن وسائل ضغط، من شأنها أن تدفع الجزائر للتعاون في هذا الملف المتفجر، الذي يستخدمه اليمين واليمين المتطرف وسيلة تعبئة سياسية.

ويعد خفض إعطاء تأشيرات الدخول لفرنسا إحدى الوسائل المتاحة. ففرنسا منحت العام الماضي 250 ألف تأشيرة دخول وإقامة للجزائريين، لكنها بالمقابل لم تحصل إلا على ألفي قبول لاستعادة مواطنين جزائريين. وسبق لباريس في عام 2021 أن جربت هذه الوسيلة، التي تبين أنها غير ناجعة. إلا أنها تبرز كإحدى الأدوات المتاحة والتي تنفذ فورا.

وقال بارو الثلاثاء إن باريس أقرت «قيودا على حركة ودخول الأراضي الفرنسية بحق بعض الشخصيات الجزائرية»، موضحا أنها «إجراءات يمكن الرجوع عنها، وستنتهي بمجرد استئناف التعاون الذي ندعو إليه». ونبه لاستعداده لاتخاذ المزيد من الإجراءات، لكن في إطار من «الدراية».

كما لوح الوزير الفرنسي، الأربعاء، إلى إمكانية الاستعانة بالرافعة الأوروبية لجهة مطالبة شركاء فرنسا بخفض التأشيرات الممنوحة للدول غير المتعاونة من جهة، وخفض الرسوم الجمركية للدول التي تقبل التعاون. كما اقترح اللجوء إلى وقف مساعدات التنمية للدول غير المتعاونة. فيما دعا وزير العدل، جيرالد درامانان، إلى وقف العمل بالاتفاق المبرم مع الجزائر في عام 2007، والذي يتيح لحاملي الجوازات الدبلوماسية الدخول إلى فرنسا من غير تأشيرات، وحجته في ذلك أن الجزائر وفرت «آلاف الجوازات» من هذا النوع لمحظيي السلطات ولعائلاتهم، وبالتالي فإن وقف هذا التدبير سيكون له وقع قوي على السلطات هناك.

 

* تعديل اتفاقية 1968

 

ثمة سلاح رادع بيد الجانب الفرنسي عنوانه إعادة النظر في اتفاقية عام 1968، التي تمنح الجزائريين معاملة خاصة لجهة الإقامة لمدد طويلة، والعمل والاستفادة من الخدمات الاجتماعية، ولم شمل العائلات. ويبلغ عديد الجزائريين الحاصلين على إجازات إقامة 650 ألف شخص، ويعتبرون الأكثر عددا من بين كافة الجنسيات. بيد أن الرئيس تبون عبر عن معارضته لتعديل الاتفاقية، باعتبارها «مسألة مبدئية»، وذلك في حديث لصحيفة «أوبينيون» الفرنسية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وسبق له أن وصفها بـ«صدفة فارغة». بيد أن أمرا كهذا منوط بالرئيس ماكرون، الذي يعود إليه أمر الموافقة أو الرفض.

وليست هذه المرة الأولى التي تطرح فيها هذه الفرضية، وهو ما أكدته صحيفة «لو موند» في عددها الأخير بأن الرئيس ماكرون «يبحث» في احتمال مراجعة الاتفاقية المذكورة.

وتحظى هذه المراجعة بدعم اليمين واليمين المتطرف، وأيضا بدعم رئيس الحكومة الأسبق غبرييل أتال. وسبق لرئيس الحكومة أدورا فيليب أن دعا لإعادة النظر بها، ولكن من دون نتيجة.

هل وصلت العلاقات الجزائرية الفرنسية إلى نقطة اللاعودة؟ (الرئاسة الجزائرية)

وجاء في تقرير لمجلس الشيوخ أن الاتفاقية توفر امتيازات للجزائريين، وأن الزمن قد تغير وحان الوقت للتفاوض بشأنها من جديد.

في سياق متصل، يدعو دارمانان إلى وقف العمل بقانون الحصول بشكل آلي، وعند البلوغ، على الجنسية الفرنسية للمولودين على الأراضي الفرنسية، وهو القانون المعمول به منذ عام 1989. وفي أي حال، فإن أي تدبير تقوم به فرنسا سيواجهه تدبير جزائري مقابل.

 



مصر تقرر إبطاء وتيرة مشاريع حكومية بسبب حرب إيران

مدبولي وبجانبه وزراء المجموعة الاقتصادية والإعلام يتحدث عن تداعيات «حرب إيران» الاقتصادية على مصر (رئاسة مجلس الوزراء)
مدبولي وبجانبه وزراء المجموعة الاقتصادية والإعلام يتحدث عن تداعيات «حرب إيران» الاقتصادية على مصر (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

مصر تقرر إبطاء وتيرة مشاريع حكومية بسبب حرب إيران

مدبولي وبجانبه وزراء المجموعة الاقتصادية والإعلام يتحدث عن تداعيات «حرب إيران» الاقتصادية على مصر (رئاسة مجلس الوزراء)
مدبولي وبجانبه وزراء المجموعة الاقتصادية والإعلام يتحدث عن تداعيات «حرب إيران» الاقتصادية على مصر (رئاسة مجلس الوزراء)

قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، السبت، إن الحكومة ستُبطئ وتيرة تنفيذ مشاريع حكومية كبرى تتطلب استهلاكاً عالياً للوقود والسولار لمدة شهرين على الأقل، مع عزمها خفض مخصصات الوقود لجميع المركبات الحكومية 30 في المائة.

وأضاف مدبولي أن القطاعين العام والخاص، باستثناء قطاعَي الخدمات والصناعات التحويلية، سيعملان عن بعد في أيام الأحد من شهر أبريل (نيسان). وقد يمدد هذا الإجراء بإضافة يوم آخر في الأسبوع، أو بسريانه لأشهر تالية في حالة استمرار الحرب.

وتأتي هذه الخطوة ضمن إجراءات أوسع نطاقاً لمواجهة التداعيات الاقتصادية لحرب إيران، والتي أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة والضغط على المالية العامة.

ومصر ليست طرفاً مباشراً في الصراع، لكنها تأثرت بشكل كبير، لا سيما في قطاع الطاقة، نظراً لاعتمادها على الوقود المستورد. وارتفعت التكاليف بشكل كبير في ظل تعطل إنتاج وتجارة النفط والغاز في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط.

وارتفعت بالفعل أسعار الوقود وأسعار خدمات المواصلات العامة. غير أن مدبولي قال إن هذه الإجراءات مؤقتة، مضيفاً أن الحكومة تعمل على مساعدة المواطنين، وتناقش رفع الحد الأدنى للأجور، وزيادة المخصصات للرعاية الصحية والتعليم في السنة المالية المقبلة.

في غضون ذلك، قال وزير المالية المصري أحمد كجوك إن تكاليف خدمة الدين، التي عادة ما تبتلع الجزء الأكبر من ميزانية مصر، لن ترتفع إلا 5 في المائة خلال السنة المالية المقبلة التي تبدأ في يوليو (تموز).


في ذكرى «جلاء البريطانيين»... ليبيون يرفضون بقاء القوات الأجنبية

الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية - رويترز)
TT

في ذكرى «جلاء البريطانيين»... ليبيون يرفضون بقاء القوات الأجنبية

الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية - رويترز)

تجددت في ليبيا دعوات رافضة للوجود العسكري الأجنبي، تزامناً مع حلول ذكرى جلاء القوات البريطانية من إحدى القواعد العسكرية بشرق البلاد في 28 مارس (آذار) 1970، وذلك في ظل واقع يتسم بانقسام سياسي وعسكري حاد منذ عام 2011، وتزامناً مع استمرار وجود عسكري أجنبي، لا سيما الروسي والتركي، إلى جانب عناصر من المرتزقة.

ويعود جلاء القوات البريطانية من ليبيا إلى عام 1970، عقب شروع السلطات الجديدة، إثر وصول العقيد الراحل معمر القذافي إلى الحكم بعد «ثورة الفاتح من سبتمبر (أيلول)»، في إغلاق القواعد العسكرية الأجنبية. وغادر بعدها آخر جندي بريطاني قاعدة «العدم» قرب طبرق، بعد مفاوضات بدأت أواخر 1969، تلا ذلك لاحقاً جلاء القوات الأميركية من قاعدة «ويلس»، التي عُرفت لاحقاً بـ«معيتيقة».

غير أن الاستهجان الليبي للوجود الأجنبي المستمر منذ بضع سنوات عبر عن نفسه بشكل ملحوظ بواسطة سياسيين وحقوقيين ورجال قبائل، تزامناً مع هذه الذكرى، حيث أعربوا عبر منشورات بوسائل التواصل الاجتماعي عن رفضهم لهذا التواجد في مشهد يعكس مفارقة تاريخية، بين ماضٍ احتُفل فيه بـ«استعادة السيادة»، وحاضرٍ يراه كثيرون مثقلاً بتدخلات خارجية متعددة.

واستثمر العجمي العتيري، قائد كتيبة «أبو بكر الصديق»، والحارس السابق لسيف الإسلام القذافي، هذه الذكرى للتأكيد على أسفه لما اعتبره «عودة القواعد الأجنبية»، متهماً أطرافاً سياسية بما أسماه «جلب الاستعمار مجدداً»، وذلك بعدما استذكر ما وصفه بـ«طرد الإنجليز المغتصبين من تراب ليبيا سنة 1970 بفضل عزيمة أبناء البلاد»، مشيراً إلى ما تمثله ذكرى إجلاء القواعد الأجنبية من فخر لليبيين.

طائرات مقاتلة في قاعدة طبرق العسكرية الجوية التي تم إجلاء القوات البريطانية عنها في عام 1970 (إعلام القيادة العامة)

أما أحمد حمزة، رئيس «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا»، فجمع بين «الاعتزاز بذكرى وطنية مجيدة»، و«الحزن على عودة القواعد الأجنبية والمرتزقة»، مرجعاً ذلك إلى ما وصفه بأنه «تدخلات سلبية من دول إقليمية في الشأن الليبي».

في حين رأى الناشط محمد الشيباني أن الاحتفاء بالجلاء لا ينفصل عن الواقع الحالي، قائلاً إن الليبيين «يحتفلون بالجلاء رغم عودة الاستعمار»، معتبراً أن «النضال سيستمر حتى استعادة السيادة»، في إشارة إلى استمرار الوجود العسكري الأجنبي.

وأعادت صفحات ليبية على مواقع التواصل تداول مقتطفات من كلمة القذافي خلال الجلسة الافتتاحية للمفاوضات الليبية - البريطانية، التي يسرت جلاء القوات البريطانية عن تلك القاعدة، والتي قال فيها إن «المعاهدات والصداقات والتعاون أمور لا يمكن أن تُبنى في ظل السيف وتحت أزيز الطائرات»، وعلق رئيس المجلس الاجتماعي لقبيلة القذاذفة بدوره قائلاً: «ستبقى ذكرى الجلاء شاهداً على أن الأوطان تستعاد بالعزم لا بالتمني».

ومنذ الإطاحة بنظام العقيد القذافي عام 2011، تحولت البلاد إلى ساحة لتقاطع نفوذ إقليمي ودولي، حيث وثّقت تقارير أممية متكررة وجود قوات أجنبية ومرتزقة. ويرى مراقبون أن استدعاء هذه الذكرى في الخطاب الليبي المعاصر يعكس حالة «الحنين السيادي»، حيث تُستخدم المناسبات الوطنية، مثل عيد الاستقلال وذكرى الجلاء، للتعبير عن رفض الانقسام والتدخلات الخارجية.

في غرب البلاد، تنتشر قوات تركية وصلت بناءً على اتفاق أمني مع حكومة «الوفاق الوطني» السابقة نهاية 2019، وتشمل مستشارين عسكريين وأنظمة دفاع جوي، إضافة إلى مقاتلين مرتزقة سوريين تم نقلهم خلال فترة الحرب على طرابلس (2019-2020)، حسب تقارير للأمم المتحدة.

وفي الشرق والجنوب، سبق أن أشارت تقارير للأمم المتحدة إلى وجود عناصر ما يعرف بـ«الفيلق الروسي»، كما تحدثت تقارير دولية عن وجود مجموعات مسلحة أجنبية من دول أفريقية، خاصة في الجنوب، في ظل هشاشة السيطرة الأمنية على الحدود. ورغم اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، الذي نص على خروج جميع القوات الأجنبية خلال 90 يوماً، فإن هذا البند لم يُنفذ حتى الآن.

ومن منظور الباحث السياسي الليبي، علام الفلاح، فإن «المزاج العام في ليبيا لا يزال متأثراً بإرث طويل من العداء، وصراع طويل ضد الاستعمار الغربي وأسهم في تكوين حساسية واضحة تجاه أي وجود أجنبي على الأراضي الليبية».

وسلط الفلاح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» الضوء على أن إرث الحساسية تجاه الوجود الأجنبي «ترسخ على مراحل تاريخية متعاقبة، سواء خلال حركة المقاومة الليبية ضد الاستعمار الإيطالي بقيادة الشيخ عمر المختار، أو خلال فترة الإدارتين الفرنسية والبريطانية، وأيضاً خلال حكم معمر القذافي»، عاداً «هذا الإرث يفسّر إلى حد كبير حالة الرفض الواسعة لوجود القوات الأجنبية والمرتزقة في البلاد».

واعتبر الفلاح أن المواقف الصادرة في ذكرى الجلاء تعكس ما وصفه بـ«مشروع وطني» يحظى بقدر واسع من التوافق، يقوم على رفض بقاء أي قوات غير ليبية داخل البلاد، مشيراً إلى أن «عودة هذا الوجود منذ عام 2011 أعادت تنشيط هذا الرفض على المستويين الشعبي والسياسي في كل مناسبة ترتبط باحتفالات وطنية تتقارب مع هذا السياق».

وبينما تختلف الأطراف الليبية في تحالفاتها السياسية والعسكرية، يبقى مطلب «إنهاء الوجود الأجنبي» نقطة مشتركة في الخطاب العام، وإن ظل تحقيقه رهناً بتسوية سياسية شاملة لم تتبلور بعد، حسب محللين.


قرارات «الإغلاق المبكّر» بمصر تُدخل عُمال المساء في «دائرة الخطر»

الحكومة المصرية قررت إغلاق المقاهي والكافيهات مبكراً ابتداء من السبت (وزارة التنمية المحلية)
الحكومة المصرية قررت إغلاق المقاهي والكافيهات مبكراً ابتداء من السبت (وزارة التنمية المحلية)
TT

قرارات «الإغلاق المبكّر» بمصر تُدخل عُمال المساء في «دائرة الخطر»

الحكومة المصرية قررت إغلاق المقاهي والكافيهات مبكراً ابتداء من السبت (وزارة التنمية المحلية)
الحكومة المصرية قررت إغلاق المقاهي والكافيهات مبكراً ابتداء من السبت (وزارة التنمية المحلية)

يخشى طارق صدقة، العامل بأحد مقاهي ضاحية الدقي في محافظة الجيزة المصرية، من خسارة غالبية «البقشيش» (دخله الإضافي) الذي يحصل عليه بشكل يومي من عمله، بعد دخول قرار الحكومة بـ«الإغلاق المبكر» للمحال والمقاهي ودور العرض السينمائي حيز التنفيذ مساء السبت.

ويقول صدقة لـ«الشرق الأوسط» إن المقهى الشعبي الذي يعمل فيه لا يشهد ازدحاماً إلا في المساء، وتحديداً من بعد الساعة الثامنة مساءً، وهو ما يعني أن أمامه أقل من ساعة قبل مواعيد الإغلاق الرسمية. ويلفت إلى أن «سلطات حي الدقي تشدد الإجراءات على المقاهي بضرورة الإغلاق في الموعد المحدد».

ولا يخفي الشاب العشريني، الذي يسعى للزواج العام المقبل، مخاوفه من إطالة أمد القرارات الحكومية وتأثيرها على دخله بعدما سيكون مضطراً للعودة مبكراً لمنزله، في حين ستتقلص ساعات عمله في المقهى التي تبدأ من الخامسة مساءً وتنتهي في الواحدة من صباح اليوم التالي، وبذلك يكون مهدداً في عمله ويدخل «دائرة الخطر، وقد يترك عمله». لكنه يشير إلى أن صاحب المقهى لم يحدثه حتى الآن حول تخفيض راتبه الذي لا يتجاوز 4 آلاف جنيه (الدولار يساوي 52.3 جنيه في البنوك).

وجددت «إجراءات ترشيد الطاقة» التي تستمر لمدة شهر واحد، وتتضمن غلق المحال العامة وقاعات الأفراح والمولات التجارية والأنشطة كافة باستثناء القطاعات السياحية، المخاوف بشأن مصير «عمالة الدوام المسائي» في مصر، مع اعتماد عديد من المحال على العمل حتى الساعات الأولى من الصباح، لا سيما في القاهرة الكبرى.

استثناء المحال والمدن السياحية من قرار «الإغلاق المبكر» في مصر (محافظة جنوب سيناء)

ولا يختلف الوضع كثيراً بالنسبة للثلاثيني محمد كامل، الذي يعمل في إحدى دور العرض السينمائي بمنطقة 6 أكتوبر بالجيزة، والتي ستغلق أبوابها مبكراً بسبب القرار، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «القرار سيؤثر على (دخله الإضافي) الذي يحصل عليه باعتبار أن زبائن الحفلات المسائية أكثر سخاءً من زبائن الحفلات الصباحية التي تعتمد على الطلبة». وتحدث عن مخاوف لديه ولدى زملائه بشأن إمكانية الاستغناء عنهم بسبب «الإغلاق المبكر»، وإمكانية اعتماد «الصالة» على وردية عمل واحدة وليس اثنتين كما هو الحال الآن.

أما الخمسيني سيد طه، صاحب أحد محال الحلويات في الدقي، فقرر تعديل مواعيد العمل لتبدأ من العاشرة صباحاً بدلاً من الثانية عشرة ظهراً، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «بعض العمال لديه سيتقاضون رواتب أقل بسبب صعوبة توفيق مواعيد عملهم الجديدة مع أعمالهم الأخرى؛ لأن كلاً منهم لديه عمل آخر، وتم إخبارهم بذلك».

وتطبق الحكومة المصرية القرارات بسبب تداعيات الحرب الإيرانية التي دفعت لاتخاذ إجراءات عدة، منها زيادة أسعار المحروقات بنسب تجاوزت 30 في المائة منتصف الشهر الحالي، بالإضافة إلى رفع أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة».

لكن عضو مجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، أحمد علاء فايد، عدّ قرار الحكومة بالإغلاق المبكر «متسرعاً» حتى مع تفهم الحاجة لترشيد الطاقة في الوقت الحالي، ويشير إلى أن الدولة المصرية لديها مخزون واحتياطي استراتيجي آمن لعدة شهور، و«قرارات الترشيد» التي اتخذتها الحكومة «استباقية»، وبها قدر كبير من التحوط الذي لا يتناسب مع تطورات الأحداث بسبب الحرب الإيرانية.

ويضيف فايد لـ«الشرق الأوسط» أن «المقاهي والكافيهات ودور العرض السينمائي تعد الأكثر تأثراً؛ لأن غالبية عملها تتم ليلاً، الأمر الذي سيكون له تأثير على العمالة لديهم، والتي إما سيتم تخفيض أجورها لتقليل عدد ساعات العمل، أو الاستغناء عنها بشكل كامل لحين العودة للمواعيد الطبيعية، وهو ما يعرض هؤلاء العمالة للخطر الاقتصادي من دون البحث عن بدائل لهم». ويشكك في قدرة الحكومة على الإلزام بالتطبيق الكامل لقرارات «الإغلاق المبكر» في ربوع البلاد.

المقاهي والكافيهات ودور العرض السينمائي الأكثر تضرراً من القرار الحكومي (وزارة التموين)

في المقابل، يعتبر أستاذ التمويل والاستثمار بكلية التجارة في جامعة القاهرة، كريم يحيى، قرار «الإغلاق المبكر» ضرورياً، وليس مجرد «تنظيم إداري لحركة الأسواق». ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن القرار يرتبط بشكل مباشر بملف ترشيد استهلاك الطاقة، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة على موارد الوقود وتكلفتها الدولارية.

وبحسب يحيى، فإن قرارات «الترشيد» الحكومية «تسهم بصورة غير مباشرة في احتواء الضغوط التضخمية».

ويفسر أن «تكلفة الطاقة تُعد عنصراً رئيسياً في هيكل تكاليف التشغيل والإنتاج، وأي خفض فيها يحد من انتقال الضغوط إلى أسعار السلع والخدمات. ومن ثم، فإن هذه الإجراءات يمكن اعتبارها أداة استباقية لتجنب موجات تضخم جديدة، في وقت تسعى فيه الدولة إلى استعادة الاستقرار السعري».

لكن يحيى يشدد على «ضرورة عدم إغفال التأثيرات السلبية على بعض الأنشطة، خاصة المقاهي التي تعتمد بشكل كبير على الذروة الليلية، فضلاً عن العمالة المرتبطة بنظام الورديات المسائية».

في غضون ذلك، قرر رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، السبت، تفعيل منظومة العمل عن بُعد يوم الأحد أسبوعياً اعتباراً من الأسبوع المقبل لأجهزة الدولة باستثناء القطاعات الخدمية والإنتاجية، ويؤكد أن «هذه الخطوة تأتي ضمن خطة الحكومة لتقليل استهلاك الطاقة وتعزيز مرونة العمل».