الأمم المتحدة تعلّق مساعداتها الغذائية في مخيم للاجئين بالسودان جراء القتال

نازحون سودانيون فروا من مخيم زمزم يتجمعون بالقرب من مدينة طويلة في شمال دارفور... السودان 14 فبراير 2025 (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون فروا من مخيم زمزم يتجمعون بالقرب من مدينة طويلة في شمال دارفور... السودان 14 فبراير 2025 (أ.ف.ب)
TT

الأمم المتحدة تعلّق مساعداتها الغذائية في مخيم للاجئين بالسودان جراء القتال

نازحون سودانيون فروا من مخيم زمزم يتجمعون بالقرب من مدينة طويلة في شمال دارفور... السودان 14 فبراير 2025 (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون فروا من مخيم زمزم يتجمعون بالقرب من مدينة طويلة في شمال دارفور... السودان 14 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، اليوم (الأربعاء)، أنّه اضطرّ إلى تعليق عملياته في مخيّم زمزم للنازحين ومحيطه في شمال دارفور في السودان، بسبب تصاعد العنف.

وقالت الوكالة الأممية ومقرها روما في بيان، إنّ «القتال العنيف في مخيّم زمزم في منطقة شمال دارفور في السودان، أجبر برنامج الأغذية العالمي على التوقف مؤقتا عن توزيع الأطعمة المنقذة للحياة والمساعدات الغذائية في مخيم النازحين الذي يعاني من المجاعة»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأضاف أنّه «على مدى الأسبوعين الماضيين لم يترك تصاعد العنف لشركاء برنامج الأغذية العالمي أي خيار سوى إجلاء الموظفين من أجل سلامتهم».

وقال لوران بوكيرا المدير الإقليمي لبرنامج الأغذية العالمي في شرق أفريقيا والقائم بأعمال مدير البرنامج في السودان، «من دون مساعدات فورية، قد تتعرّض آلاف العائلات اليائسة في زمزم لمجاعة في الأسابيع المقبلة».

وأضاف: «يجب أن نستأنف إيصال المساعدات المنقذة للحياة داخل (مخيّم) زمزم وفي محيطه بأمان وبسرعة وعلى نطاق واسع. ولتحقيق هذه الغاية، يجب أن يتوقّف القتال وأن تُمنح المنظمات الإنسانية ضمانات أمنية».

ويدور نزاع منذ أبريل (نيسان) 2023 في السودان بين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو.

وأسفرت الحرب عن سقوط عشرات آلاف القتلى ودفعت أكثر من 12 مليون شخص للنزوح وأدت إلى أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم.

واقتحمت «قوات الدعم السريع» في 11 فبراير (شباط)، مخيم زمزم الواقع جنوب مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور، والذي يقطنه ما لا يقل عن نصف مليون شخص، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات مع الجيش السوداني وفصائل متحالفة معه.

وقال برنامج الأغذية العالمي في بيانه إنّ «أعمال العنف الأخيرة أدّت إلى تدمير السوق المركزي في زمزم جراء القصف، ما دفع سكان المخيّم إلى أماكن أبعد عن (إمكانية) الوصول إلى الغذاء والإمدادات الغذائية الأساسية».

وأُعلن رسميا في أغسطس (آب) الماضي أن مخيم زمزم الذي تقول الأمم المتحدة إنه يستضيف أكثر من 500 ألف شخص، يعاني المجاعة.

ويعيش ثمانية ملايين شخص في السودان على شفا المجاعة، بينما يعاني حوالي 25 مليون شخص، أو حوالي نصف السكان، من انعدام الأمن الغذائي الحاد.


مقالات ذات صلة

«تأسيس» ينفي اتهامات «الجنائية الدولية» ويطالب بتحقيق دولي

شمال افريقيا عبد الرحيم دقلو نائب قائد «قوات الدعم السريع» (وسط) خلال اجتماعات لإطلاق «تحالف تأسيس» بنيروبي في فبراير الماضي (أ.ب)

«تأسيس» ينفي اتهامات «الجنائية الدولية» ويطالب بتحقيق دولي

نفى تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) الموالي لقوات الدعم السريع الاتهامات التي وجهتها له نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، ووصفها بأنها «عارية من الصحة

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)

«الجنائية الدولية»: «الدعم» حفرت مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب» في السودان

اتهمت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهت شميم خان، الاثنين، «قوات الدعم السريع» بحفر مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية».

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
شمال افريقيا إحدى الأسواق الشعبية في جنوب الخرطوم بعد أشهر من بداية الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)

الحياة تعود إلى سوق الخرطوم المركزية ولكن «لا شيء كما كان»

في سوق الخرطوم المركزيّة، عاد الباعة إلى عرض الفاكهة والخضراوات أمام المارّة في أكوام صغيرة افترش الجزء الأكبر منها الأرض، «ولكن لا شيء كما كان قبل الحرب».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا انتشار المجاعة في شمال دارفور وجنوب كردفان بغرب السودان وجنوبه (أ.ب)

الأمم المتحدة: أكثر من 8 ملايين سوداني يحتاجون للغذاء في 2026

حذرت الأمم المتحدة وشركاؤها من «فجوات حرجة» في خدمات التغذية بالسودان، تتسع باطراد نتيجة استمرار الحرب والنزوح.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا مكتبة «دار العلوم الحديثة» في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

الخرطوم ترمِّم جراحها بالقراءة والعودة للكتب

بدأ السودانيون يعودون إلى القراءة، تحدياً للإنهاك الذي أصاب العقول والنفوس بسبب الحرب، فأصرت العاصمة الخرطوم على استعادة سيرتها الأولى كمدينة قارئة.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

«تأسيس» ينفي اتهامات «الجنائية الدولية» ويطالب بتحقيق دولي

عبد الرحيم دقلو نائب قائد «قوات الدعم السريع» (وسط) خلال اجتماعات لإطلاق «تحالف تأسيس» بنيروبي في فبراير الماضي (أ.ب)
عبد الرحيم دقلو نائب قائد «قوات الدعم السريع» (وسط) خلال اجتماعات لإطلاق «تحالف تأسيس» بنيروبي في فبراير الماضي (أ.ب)
TT

«تأسيس» ينفي اتهامات «الجنائية الدولية» ويطالب بتحقيق دولي

عبد الرحيم دقلو نائب قائد «قوات الدعم السريع» (وسط) خلال اجتماعات لإطلاق «تحالف تأسيس» بنيروبي في فبراير الماضي (أ.ب)
عبد الرحيم دقلو نائب قائد «قوات الدعم السريع» (وسط) خلال اجتماعات لإطلاق «تحالف تأسيس» بنيروبي في فبراير الماضي (أ.ب)

نفى تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) الموالي لـ«قوات الدعم السريع» الاتهامات التي وجّهتها إليه نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، في إحاطتها الدورية أمام مجلس الأمن الدولي بشأن الأوضاع في إقليم دارفور ومدينة الفاشر، واصفاً تلك الاتهامات بأنها «عارية تماماً من الصحة». ودعا التحالف إلى تشكيل لجان دولية لتقصي الحقائق تقوم بزيارة المناطق الخاضعة لسيطرته، والاستماع مباشرة إلى شهادات السكان.

وكانت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، نزهت شميم خان، قد اتهمت، خلال إحاطتها لمجلس الأمن يوم الاثنين، «قوات الدعم السريع» بحفر «مقابر جماعية» في مدينة الفاشر؛ بهدف إخفاء ما وصفته بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت في إقليم دارفور غرب السودان. كما اتهمت «قوات الدعم السريع» بممارسة «التعذيب الجماعي»، واستهداف المجتمعات غير العربية، واستخدام العنف الجنسي سلاحاً في الحرب، عقب سقوط مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور.

وفي ردّه على هذه الاتهامات، قال تحالف «تأسيس»، الذي يترأسه قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي»، في بيان صحافي، إن ما ورد في إحاطة خان بشأن ممارسة التعذيب الجماعي واستهداف المجتمعات غير العربية بعد سقوط الفاشر «بعيد تماماً عن الواقع». ودعا الناطق الرسمي باسم التحالف، علاء الدين عوض نقد، في بيان صدر الثلاثاء، إلى تشكيل لجان دولية مستقلة لتقصي الحقائق، تزور مناطق سيطرة «قوات الدعم السريع»، وتستمع مباشرة إلى السكان، عادَّاً أن مزاعم نائبة المدعي العام تضمنت «الكثير من المغالطات»، ووصفها بأنها «جزء من حملات إعلامية كاذبة» وقال إن المجتمع الدولي «انساق خلفها».

جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

وانتقد نقد توصيف نزهت خان للأوضاع في إقليم دارفور، متسائلاً: «عن أي مكان تتحدث؟»، وأضاف أن الإقليم «لم يشهد أي نزاع قبلي» بعد ما وصفه بـ«دحر جيش جماعة (الإخوان المسلمين) الإرهابية». كما دعا إلى وقف ما سماه دور الاستخبارات العسكرية في «زرع الفتنة والقبلية» بين السودانيين وقبائلهم، نافياً ما ورد في إحاطة نائبة المدعي العام بشأن تعرض مدينة الفاشر، عقب سقوطها، لحملة منظمة وممنهجة استهدفت المجتمعات غير العربية. وأضاف: «قمة المعاناة والعنصرية والقبلية كانت تُدار عبر جماعة (الإخوان المسلمين) الإرهابية، وجيشها وميليشياتها».

وحمّل نقد المسؤولية عن «معاناة سكان الفاشر» لما أسماها «القوات المشتركة» المتحالفة مع الجيش السوداني، قائلاً إنها «تحالفت مع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، وخرجت عن الحياد في هذه الحرب مقابل حفنة من المال».

وطالب بيان التحالف مجدداً بتشكيل لجان دولية لتقصي الحقائق تزور مناطق سيطرة «حكومة السلام وتحالف تأسيس»، وتستمع إلى شهادات المواطنين، وتعاين «حجم الدمار الذي يصرّ مشعلو الحرب والمستفيدون منها على استمرارها». وأضاف البيان أن «تلك الجهات ترفض أي مبادرة تهدف إلى إيقاف الحرب».

كما اتهم التحالف المنظمات والهيئات الدولية بـ«ازدواجية المعايير» في تعاملها مع مسألة زيارة مناطق السودان المختلفة والاستماع إلى المواطنين، عادَّاً ذلك «أبسط الحقوق». وقال: «سبق أن رحبنا بتشكيل لجان تقصي حقائق دولية لزيارة مناطق سيطرتنا».

وأوضح علاء الدين عوض نقد أن «المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية والعدالة الدولية» يوجدون في مناطق سيطرة الجيش السوداني، وأنهم «ينعمون بالحرية والرفاهية تحت حماية البرهان»، الذي قال إنه يرفض تسليمهم للمحكمة الجنائية الدولية رغم المطالبات المتكررة. وأضاف: «هؤلاء هم من يقودون هذه الحرب، ويرفضون أي مبادرة لإيقافها».

ومنذ أكثر من عقد من الزمان، تطالب المحكمة الجنائية الدولية بتسليم الرئيس السوداني الأسبق عمر البشير، إلى جانب مساعده أحمد محمد هارون، الذي يشغل حالياً منصب رئيس حزب المؤتمر الوطني، ووزير دفاعه السابق عبد الرحيم محمد حسين، دون جدوى. ويواجه البشير ومساعدوه اتهامات بارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم تطهير عرقي، غير أن السلطات السودانية، سواء في عهد البشير أو في العهود اللاحقة، ظلت تماطل في تنفيذ مطالب تسليمهم.

وفيما يتعلق بما ورد في إحاطة خان بشأن المدان من قبل المحكمة الجنائية الدولية علي كشيب، قال بيان التحالف إن البرهان كان يصدر له الأوامر، وعدّ أن «المجرم الحقيقي لا يزال حراً طليقاً». ويُشار إلى أن البرهان كان يشغل مناصب عسكرية وسياسية، من بينها منصب معتمد محلية نيرتتي في دارفور، وهو منصب يجعله رئيساً للجنة الأمن في الولاية، بحسب ما ذكره القيادي الإسلامي أمين حسن عمر. واختتم تحالف «تأسيس» بيانه بالتعهد بمواصلة كشف ما أسماه «حقائق هذه الحرب» أمام العالم والرأي العام السوداني، مؤكداً أنه لن يسمح باستمرار «أي تضليل أو تعتيم للحقيقة»، وفق ما جاء في البيان.


«ثورة أم عيد للشرطة»... جدل سنوي في مصر حول توصيف «25 يناير»

متظاهرون مصريون في ميدان التحرير خلال أحداث 2011 (رويترز)
متظاهرون مصريون في ميدان التحرير خلال أحداث 2011 (رويترز)
TT

«ثورة أم عيد للشرطة»... جدل سنوي في مصر حول توصيف «25 يناير»

متظاهرون مصريون في ميدان التحرير خلال أحداث 2011 (رويترز)
متظاهرون مصريون في ميدان التحرير خلال أحداث 2011 (رويترز)

في الـ25 من يناير (كانون الثاني) من كل عام، يعود هذا التاريخ إلى واجهة المشهد المصري بوصفه أكثر من مجرد تاريخ في الذاكرة المصرية، إذ تتقاطع عنده روايات متعارضة، ليصبح مناسبةً لـ«نزاع رمزي» سنوي متجدد، حول سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره: هل هو «عيد للشرطة»، أم إنه عيد لذكرى «ثورة 25 يناير»؟، التي أطاحت بحكم الرئيس الراحل حسني مبارك، وبينهما مقاربة وسطية تقول إنه «يحمل المعنيين معاً في آن واحد».

ومع اقتراب الذكرى الـ15، أطلت هذه الإشكالية التقليدية برأسها من جديد، بعدما أدلى عضو مجلس الشيوخ المصري، ناجي الشهابي، بتصريحات خلال جلسة الاثنين أكد فيها أن «حزبه لا يعترف بـ25 يناير إلا بوصفه عيداً للشرطة المصرية». تصريحات أعادت فتح ملف لم يُغلَق منذ أكثر من عقد، وكشفت عمق الانقسام حول هذا التاريخ في الأوساط السياسية والإعلامية.

تاريخياً، يعود عيد الشرطة المصرية إلى 25 يناير 1952، حين رفضت قوات الشرطة في الإسماعيلية تسليم أسلحتها للاحتلال البريطاني، فاندلعت مواجهة غير متكافئة أسفرت عن استشهاد العشرات.

ومنذ عام 2011، باتت مصر تحيي هذا التاريخ وهو محمّل بدلالتين متداخلتين، غير أن الجدل حوله تصاعد بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة.

ويرى محللون أن ذكرى «25 يناير» تحولت إلى ما يشبه «القلق الدائم» في المجال العام المصري، إذ تتنازعها ولاءات وعداءات، وتتداخل فيها السياسة بالذاكرة.

فبالنسبة لمؤيدي أحداث 25 يناير 2011، يمثل هذا اليوم لحظةً فارقةً عندما خرج ملايين المصريين، مطالبين بـ«الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية»، وأسقطوا حكم مبارك بعد 30 عاماً في السلطة. أما معارضوها، فيرون فيها «بدايةً لفترة من الفوضى السياسية والانفلات الأمني، ومُقدِّمةً لصعود جماعات الإسلام السياسي، وما ترتَّب على ذلك من اضطرابات، وعدم استقرار في السنوات التالية».

السيسي في احتفال أكاديمية الشرطة بمناسبة يوم الخريجين أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

هذا «النزاع الرمزي» لم يبقَ حبيس النقاشات النظرية، بل ينعكس بوضوح في التعامل الرسمي والإعلامي مع المناسبة، والتي يبدو فيها «حضور باهت» لذكرى أحداث 2011، مقابل تركيز أكبر على الاحتفال بعيد الشرطة، عبر لوغوهات تكسو شاشات وبرامج خاصة تسبق الموعد بأيام.

ويمثل تصريح الشهابي، وفق متابعين، تياراً يضم سياسيين وإعلاميين يرون في «انتفاضة يناير سبباً مباشراً لما شهدته البلاد من فوضى وتدخلات خارجية». ويذهب بعضهم في تدوينات عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى وصفها بـ«المؤامرة المكتملة الأركان»، بل دعا آخرون إلى إجراء استفتاء شعبي لحسم توصيف 25 يناير، بل وحسموا نتيجته مسبقاً بالحديث عن أنه «سيكون عيداً للشرطة فقط»، مع فصل تام عن أحداث عام 2011.

في المقابل، تمسَّك المعسكر الآخر، الذي يضم حقوقيين وقانونيين وناشطين شاركوا في أحداث 2011، بالاحتفال بـ25 يناير بوصفه تاريخاً متعدد الدلالات. وتكشف منشوراتهم «السوشيالية» عن اعتقاد بأن إنكار أي من معانيه يمثل ظلماً للتاريخ نفسه، محذرين من محاولات طمس الأسباب التي دفعت ملايين المصريين إلى النزول للشوارع، وفي مقدمتها الفقر، والبطالة، وتراجع الحريات، واستشراء الفساد. ويؤكد هؤلاء أن «التاريخ أكبر من رواية واحدة»، وأن اختزاله في معنى واحد يُفقده تعقيده وثراءه.

وفي قلب هذا النزاع الرمزي، يلحظ أستاذ علم الاجتماع السياسي، الدكتور سعيد صادق، أن هناك «تشويشاً يحدث من كلا الطرفين على الآخر تحكمه مصالح سياسية، تحكمها المكاسب والخسائر، أو توجهات عاطفية تحكم أصحاب تلك الآراء»، وهو ما عزاه في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى «الطبيعة المركبة لديناميات الربيع العربي في مصر، إذ اقترنت فيها التحركات الشعبية مع مساندة القوة العسكرية في الدولة، سواء في يناير 2011، أو في 30 يونيو (حزيران) 2013 عند الإطاحة بحكم الإخوان».

وبين معسكرَي أنصار وخصوم انتفاضة 25 يناير، تبرز نظرة مغايرة يمثلها أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، الدكتور مصطفى كامل السيد، الذي يرى أن الانقسام حول يناير هو في جوهره «صراع على كتابة التاريخ السياسي لمصر».

ويشير لـ«الشرق الأوسط» إلى «تنافس بين تيار يسعى لإسقاط الثورة من الذاكرة الوطنية، يضم بقايا نظام مبارك وبعض أنصار النظام الحالي، بدعوى ما أعقبها من فوضى وغياب للاستقرار، في مقابل تيار آخر يتمسك بأهدافها الأساسية المتمثلة في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية».

وقد عدَّ السيد هذا النوع من الجدل «طبيعي في لحظات التحول الكبرى»، مستشهداً باستمرار الخلاف التاريخي نفسه حول ثورة 23 يوليو (تموز) 1952، التي لم تحسم روايتها النهائية بعد عقود طويلة، وهو، بحسب رؤيته، «جدل قابل للتكرار في أحداث أخرى قد تمرُّ بها مصر مستقبلاً».

الملاحظ أن الدستور المصري الصادر عام 2014 طاله جانب من هذا السجال، إذ أقرَّ في ديباجته بثورة 25 يناير 2011، إلى جانب ثورة 30 يونيو 2013، واعتبرهما «فريدتين بين الثورات الكبرى في تاريخ الإنسانية».

ويؤكد فقهاء دستوريون، من بينهم الدكتور عبد الله المغازي، أن الديباجة جزء لا يتجزأ من الدستور، وملزمة للمسؤولين والبرلمانيين كافة بحكم القسم الدستوري. ويشير لـ«الشرق الأوسط» إلى أن تعديلها أو حذفها أمر بالغ الصعوبة في ظل الآليات الدستورية المعقدة المطلوبة لذلك.

وهكذا، يبقى 25 يناير يوماً عصياً على الاختزال، تتنازعه الذاكرة والسياسة، ويعكس في جوهره صراعاً أوسع حول الماضي والحاضر، وربما المستقبل أيضاً.


الجزائر: ضربة رمزية ثانية في أقل من شهر ضد «دولة القبائل المستقلة»

أغور مهني نجل زعيم انفصاليي القبائل (التلفزيون الجزائري)
أغور مهني نجل زعيم انفصاليي القبائل (التلفزيون الجزائري)
TT

الجزائر: ضربة رمزية ثانية في أقل من شهر ضد «دولة القبائل المستقلة»

أغور مهني نجل زعيم انفصاليي القبائل (التلفزيون الجزائري)
أغور مهني نجل زعيم انفصاليي القبائل (التلفزيون الجزائري)

وجهت الحكومة الجزائرية، خلال شهر واحد، ضربة رمزية ثانية للتنظيم الانفصالي «حركة تقرير مصير القبائل»؛ تمثّلت في السماح بعودة أغور مهني، نجل زعيم الحركة فرحات مهني، في توقيت تزامن مع تدابير 11 يناير (كانون الثاني) 2026، الرامية للتهدئة مع المعارضة، إضافة إلى تنظيم لقاء إعلامي له مع الصحافة المحلية.

وتهدف هذه الخطوة إلى تقويض مصداقية مشروع «دولة القبائل المستقلة» الذي أعلن عنه فرحات مهني في 14 ديسمبر (كانون الأول) 2025 بباريس.

وكان أغور مهني، الابن الأكبر لقائد الحركة المسماة اختصاراً «ماك»، قد أثار جدلاً واسعاً الشهر الماضي عندما أعلن عبر التلفزيون الجزائري ابتعاده عن مشروع والده السياسي. وبعد أسابيع قليلة من تصريحاته، عاد إلى الجزائر قادماً من فرنسا.

عناصر التنظيم الانفصالي خلال مظاهرة بفرنسا (ناشطون بالتنظيم)

وأكد أغور، وهو أربعيني يحمل اسماً أمازيغياً يرمز إلى الهدوء والصفاء، في مقابلات صحافية نُشرت الثلاثاء، أن وجوده في الجزائر بعد فترة من الغياب «يعكس حنيناً شخصياً حقيقياً، فالجزائر بلد أفكر فيه كثيراً جداً».

وخلال أسبوع واحد في الجزائر، زار أغور الذي بدأ يظهر عليه الشيب، بعض مناطق العاصمة وقريته الأصلية في منطقة القبائل شرق العاصمة، إضافة إلى مدينة تيبازة الساحلية غرب العاصمة.

ووصف أغور زيارته بأنها «شخصية بحتة مدفوعة بإحساس واحد فقط، هو الحاجة القوية لإعادة رؤية الوطن».

«تدابير 11 يناير»

وتشير «تدابير 11 يناير» إلى مبادرة رئاسية أُعلنت في ذلك اليوم من العام الحالي بهدف تسوية وضعية المعارضين السياسيين والمهاجرين الجزائريين في الخارج، عبر منحهم حماية قانونية واجتماعية، والسماح لهم بالعودة للوطن دون ملاحقات، ما لم يكونوا متورطين بجرائم خطيرة، وذلك لطي صفحة الخلافات وإعادة ربطهم ببلادهم.

ولاقت هذه المبادرة تأييداً من بعض الأحزاب الجزائرية، ورأت فيها جهات أجنبية فرصة لتسوية الملفات؛ وهو ما عدَّه البعض «ضربة» للحركات الانفصالية.

فرحات مهني رئيس تنظيم «ماك» الانفصالي (ناشطون بالتنظيم)

وفيما يتعلق بأغور مهني، فقد غادر الجزائر إلى فرنسا في سن التاسعة، وكان يقضي عطلته الصيفية في منطقة القبائل حتى سن السادسة عشرة، قبل أن تتوالى فترات الانقطاع عن البلاد. وتعود آخر زيارة له إلى سنة 2018، حسب تصريحاته.

وفي فرنسا، نشأ أغور في حي شعبي بضواحي باريس، وكان لديه متسع من الوقت لسماع «الأحكام المسبقة والصور النمطية» عن بلده، وتعرَّف على أبناء الجالية الجزائرية هناك، مؤكداً: «في الجالية الجزائرية، لا نتحدث أبداً عن الانقسام، عن عرب أو قبائل أو غير ذلك. أنت جزائري فقط. وعندما يلعب المنتخب الوطني (لكرة القدم)، يكون الجميع خلفه».

وأشار أغور إلى أن هذه الأجواء من التضامن بين الجزائريين ساهمت في تشكيل شخصيته، وأنه تعرف في الجالية على زوجته وأم أطفاله، وهي جزائرية من خارج منطقة القبائل.

وأضاف أن تضحيات أجداده خلال فترة الاستعمار، وخاصة إبادة الجيش الاستعماري لإخوة جده خلال حرب التحرير الوطني، «رفعت من شعوري بالوطنية»، مؤكداً أن الانتماء للوطن أمر «يترك أثراً عميقاً في الدم، وليس السياسة، وسيبقى كذلك طوال الحياة».

تبرؤ العائلة من «دولة القبائل»

في مطلع عام 2026، قرر أغور زيارة الوطن مجدداً، ودخل الجزائر مثل أي مواطن، مبرزاً جواز سفره. وعلَّق قائلاً: «عند وصولي، كل شيء أبهرني: لطف الناس، مستوى البنية التحتية، جودة المعيشة، الأمن».

وأضاف: «الآن بعدما جئت، لن أتردد في العودة كلما سنحت لي الفرصة. إنه نقص شعرت به لسنوات طويلة، واليوم أرغب في تدارك كل هذا التأخير». ودعا أفراد الجالية الجزائرية إلى القيام بالمثل، قائلاً: «لدينا بلد جميل جداً، هناك أشياء كثيرة يمكن القيام بها ورؤيتها هنا، فلا ينبغي التردد إطلاقاً».

مظاهرة في منطقة القبائل رافضة لمشروع الانفصال (مناضلون ضد الانفصال)

وكان أغور قد أعلن نهاية العام الماضي عبر القناة العمومية الجزائرية تبرؤ العائلة الصريح من مبادرة «دولة القبائل المستقلة» التي أطلقها والده فرحات المهني في فرنسا، مع عشرات من أعضاء حركة «ماك».

ورأى مراقبون أن هذا التصريح الإعلامي يمثل خطوة مهمة تعكس تحولاً في إدارة الصراع السياسي والإعلامي ضد حركة «ماك»، المصنفة «جماعة إرهابية» ويواجه المنتسبون لها اتهامات بالإرهاب.

وخلال حديثه، اختار أغور وضع مسافة واضحة بينه وبين توجهات أبيه الانفصالية، معبراً عن رغبته في «استعادة شرف العائلة» الذي اعتبر أنه تضرر نتيجة مواقف والده. وبنبرة تأثر، شرح أغور دوافعه لكسر الصمت، قائلاً إنه تحمل لسنوات «تبعات قرارات سياسية لم يكن طرفاً فيها ولا مؤمناً بها».

وكان فرحات قد قال في مقابلة مع القناة الدعائية على «يوتيوب» التي تتبع «ماك»، بُثت مطلع الشهر الحالي، إنه «يحب ابنه»، مؤكداً أن علاقتهما العائلية لم تتأثر بخلافاتهما السياسية.

وأضاف أنه لم يسبق له أن حاول فرض مواقفه السياسية على أبنائه، ولم يخلط بين حياته السياسية وخيارات حياته الشخصية أو خيارات أبنائه مثل الزواج أو العمل.