تتراكم الخلافات الفرنسية - الجزائرية ويرتفع منسوب التوتر بين الطرفين. وغالباً ما يفاقم تدهور العلاقات هذا الاستغلال السياسي لكل حادث وتسخيره في الداخل والخارج. وآخر مستجدات ذلك، كانت عملية الطعن التي قام بها مواطن جزائري السبت الماضي في مدينة مولوز، الواقعة شرقي فرنسا، والتي أوقعت قتيلاً برتغالي الجنسية، وخمسة جرحى من الشرطة البلدية، بينهم ثلاثة جروحهم خفيفة. واعتقل الجاني سريعاً في موقع ارتكابه جريمته.
جاءت ردود الفعل الرسمية والسياسية سريعة على الحادثة التي وصفها الرئيس إيمانويل ماكرون بأنها «عمل إرهابي إسلاموي». وأضاف أن الحكومة عازمة على مواصلة «بذل كل ما هو ممكن لاجتثاث الإرهاب من أراضينا». وحصل تجمع يوم الاثنين في موقع الحادثة، للتنديد بالإرهاب ولدعوة السلطات إلى تحمل مسؤولياتها.

عودة الإرهاب!
تعود سرعة التوصيف لكون «إبراهيم.أ»، الجزائري مرتكب العملية، صرخ عدة مرات «الله أكبر» قبل أن يهاجم بسكين رجال الشرطة البلدية على مدخل السوق المغلقة لمدينة مولوز الواقعة في وسط المدينة. وجاءت الحادثة باعتبارها أول عمل إرهابي يحصل في فرنسا منذ أكثر من عام. بيد أن ما صب الزيت على النار يعود إلى شخصية هذا الرجل البالغ من العمر 37 عاماً والذي كان قد وصل إلى فرنسا بطريقة غير شرعية قبل 11 عاماً.
وبحسب وزير الداخلية، برونو روتايو، الذي سارع للاطلاع ميدانياً على ما جرى مساء اليوم نفسه، فإن مرتكب الجريمة قد أمضى مؤخراً عقوبة السجن بتهمة الإرهاب. والاثنين، كرر فرنسوا بايرو، رئيس الحكومة، بمناسبة زيارته للمعرض الزراعي في باريس، ما سبقه إليه روتايو ومفاده بأن باريس سعت «عشر مرات» لترحيل المواطن الجزائري إنفاذاً لمذكرة إدارية صادرة بحقه، وأن اسمه موجود على لائحة الأفراد الذين يهددون الأمن الداخلي الفرنسي. بيد أن عملية الترحيل لم تتم بسبب رفض السلطات الجزائرية المتكرر التعاون.

وتساءل بايرو: «هل هذا مقبول»؟ وسارع إلى الإجابة قائلاً: «بالنسبة لي الأمر واضح تماماً إنه غير مقبول ومسؤوليتنا هي عدم قبول هذا الأمر». وأضاف بايرو في جملة تحمل تحذيراً للجزائر: «علينا أن نعدّ القرارات، وأن نعمل بمضمونها حتى تفهم الحكومة الجزائرية والسلطات العمومية الجزائرية ما هو تصميم فرنسا».
ومن المرتقب أن ينعقد مجلس وزاري مشترك فرنسي - جزائري يوم الأربعاء للنظر في موضوع الهجرة. وكان الاجتماع مقرراً قبل حادثة مولوز. وسارعت النيابة العامة المتخصصة في مكافحة الإرهاب إلى فتح تحقيق رسمي بـ«عملية اغتيال ذات علاقة بمشروع إرهابي».
وتذكر هذه الحادثة بحادثة أخرى، جرت قبل أسبوع، عندما رفضت الجزائر استقبال أحد مواطنيها الذي حكم عليه بالسجن، في شهر مايو (أيار) الماضي، لمدة ستة أشهر في مدينة طونون ليه بان (شرق فرنسا) وصدرت بحقه مذكرة ترحيل بعد تنفيذ مدة حكمه. ووضعته السلطات على متن طائرة متجهة لمدينة وهران. إلا أن السلطات المحلية رفضت تسلمه ما استدعى عودته إلى فرنسا.
وهاجم روتايو الجزائر متهماً إياها بأنها «ترفض تطبيق القوانين» خصوصاً أن الشخص المرحل غير مشكوك بهويته لأنه يحمل جواز سفر جزائرياً وبالتالي لم تكن فرنسا بحاجة لموافقة مسبقة من القنصلية الجزائرية لإتمام الترحيل.

وقبل ذلك، سعت باريس لترحيل المؤثر الجزائري المعروف بوعلام «دوالمن» الذي تم توقيفه بعد بثه مقاطع فيديو أثارت جدلاً واسعاً بسبب تعليقات تستهدف أحد معارضي النظام الجزائري، وقد رأت السلطات الفرنسية في البداية أنها دعوة واضحة إلى القتل. ووضع «دوالمن» على متن طائرة متجهة إلى الجزائر في 9 يناير (كانون الثاني) إلا أنه أعيد إلى فرنسا في اليوم ذاته، بسبب رفض الجزائر استقباله. وها هو الاثنين يمثل أمام المحكمة في مدينة مونبلييه، (جنوب فرنسا)، بتهمة «التحريض على ارتكاب جريمة». وبالتوازي، فإن مؤثراً جزائرياً آخر على منصة «تيك توك» يدعى «يوسف.أ» (25 عاماً) معروف باسم «زازو يوسف»، اعتُقل سابقاً، وفق معلومات قضائية، بشبهة الدعوة إلى شن هجمات في فرنسا ضد «معارضي النظام الحالي في الجزائر».
حقيقة الأمر أن تكرار هذه الأحداث ليس سوى غيض من فيض. فالملفات الخلافية بين الطرفين كثيرة وليس أقلها اعتقال الكاتب الجزائري بوعلام صنصال لدى عودته قبل أشهر إلى الجزائر وما أثار ذلك من انتقادات للنظام الجزائري وتعبئة رسمية ومجتمعية في فرنسا لإخلاء سبيله.

وما أثار النزاع، وأشعل التوتر الراهن، هو التغير في المقاربة الفرنسية لملف الصحراء حيث تخلت فرنسا عن موقفها السابق وأيدت، في رسالة وجهها الرئيس إيمانويل ماكرون لملك المغرب، خطة الرباط للحل في الصحراء الغربية واعتبر «أن حاضر الصحراء ومستقبلها قائم في إطار السيادة المغربية». وترى أوساط فرنسية أن الجزائر تستخدم رفض استقبال مواطنيها وسيلة ضغط على فرنسا، بينما يريد اليمين الفرنسي إعادة النظر في الاتفاقية الموقعة بين العاصمتين في العام 1968، والتي توفر تسهيلات للجزائريين للسفر والعمل في فرنسا.

وتتداخل هذه المسائل مع ملف الهجرة الذي يدفع به اليمين التقليدي واليمين المتطرف إلى الواجهة، كما يتداخل مع ملفي الإسلام والإرهاب. ومنذ وصوله إلى وزارة الداخلية، ينهج روتايو سياسة بالغة التشدد إلى درجة تبنيه مقاربة اليمين المتطرف ممثلاً بـ«التجمع الوطني» الذي تقوده المرشحة الرئاسية الدائمة مارين لوبن. ووفق روتايو، فإن المجتمع الفرنسي «يريد التشدد في التعاطي مع هذه الملفات» ويريد، كما قال ذلك علانية، في مقابلة الأحد مع قناة التلفزة الأولى، تعاملاً بعيداً عن «الضعف». كما يسعى لتغيير القوانين التي تمنعه من رفع نسبة الترحيل. وطموح وزير الداخلية أن يرتبط اسمه بقانون قانون جديد بخصوص الهجرة.

وحزبياً، يسعى روتايو إلى الوصول إلى رئاسة حزب «اليمين الجمهوري» التقليدي. كما يحلم، بحسب التقارير الصحافية في باريس، بالترشح لرئاسة الجمهورية في العام 2027 مستنداً إلى ما يعتبره نجاحاً في مهمته الوزارية. بيد أن رئيس الوزراء الأسبق دومينيك دو فيلبان انتقده الاثنين في مقابلة تلفزيونية معتبراً أنه «يفتقر إلى المهنية»، وأن التعامل مع الجزائر لا يتم وفق النهج الذي يسير عليه.






