«طوارق ليبيا»... رحلة تقارب نصف قرن من البحث عن «الهوية»

اشتكوا مجدداً من عدم حصولهم على أوراق ثبوتية

الدبيبة في لقاء سابق مع وفد من أعيان «الطوارق» (حكومة الوحدة)
الدبيبة في لقاء سابق مع وفد من أعيان «الطوارق» (حكومة الوحدة)
TT

«طوارق ليبيا»... رحلة تقارب نصف قرن من البحث عن «الهوية»

الدبيبة في لقاء سابق مع وفد من أعيان «الطوارق» (حكومة الوحدة)
الدبيبة في لقاء سابق مع وفد من أعيان «الطوارق» (حكومة الوحدة)

يسود اعتقاد لدى قادة قبائل «الطوارق» بجنوب ليبيا بأن عدم حصولهم على الجنسية الليبية منذ عقود، بات ورقة «ضغط ومساومة» لدى الدولة الليبية وسياسيين، خصوصاً بعد وعود حكومية متكررة لم تتحقق حتى الآن.

ويعتقد محللون وباحثون بوجود «توظيف سياسي» لهذه القضية، في ظل انقسام البلاد بين معسكر شرق ليبيا وغربها.

وتحدّث رئيس المجلس الاجتماعي الأعلى لـ«طوارق ليبيا»، مولاي قديدي، عن وجود «موقف سياسي مستمر من الدولة الليبية ضد (الطوارق)» منذ نظام الرئيس الراحل معمر القذافي حتى اليوم، يتجلّى في «عدم الوفاء بوعود متكررة بمنحهم الجنسية».

وقال قديدي لـ«الشرق الأوسط»: «يبدو كأن الدولة تريد الإبقاء على الأوراق الثبوتية لـ(الطوارق) بوصفهم ورقة ضغط للعمل في السلك العسكري، لكنها تبحث عنهم في حالة وجود خطر داهم، أو مشكلة أمنية أو خارجية». مشيراً إلى أن «الانقسام السياسي في ليبيا يلعب دوراً أساسياً في تأزيم قضايا (الطوارق)، وتأخير حلولها الجذرية».

ويطالب «الطوارق» منذ عهد نظام القذافي بالحصول على حقوق المواطنة، واستخراج أرقام وطنية تُمكنهم من المشاركة في الاستحقاقات الدستورية، وتتيح لهم حقوقاً خدمية أخرى، مثل «الالتحاق بالمدارس، ومنحة الأبناء والآباء، والحج والعمرة، والعلاج بالخارج»، وفق نشطاء محليين.

وفي مسعى لإيجاد حل إنساني مؤقت لهذه المشكلة، قررت السلطات الليبية استخراج «أرقام إدارية» مؤقتة لـ«الطوارق» منذ عام 2014، في حين تأخر منحهم حقهم الكامل في «أرقام وطنية»، مثل عموم الليبيين، وسط أقاويل وحجج لا تزال تلاحقهم بأنهم ينتمون إلى دول أفريقية، مثل مالي والنيجر.

حصر أعداد «الطوارق»

يؤكد رئيس المجلس الاجتماعي لـ«الطوارق» أنهم «مكتملو المواطنة منذ أكثر من نصف قرن»، ويقول إن لجاناً حكومية مختصة «أجرت عمليات حصر لأعدادهم في عهد النظام السابق، وعلى مدار سنوات التقينا عدداً من المسؤولين دون أي استجابة».

وسبق أن التقى عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، قيادات من «الطوارق» في عامي 2021 و2022، حضرها قديدي لبحث مشكلاتهم. وأقرّ الدبيبة بحق «الطوارق» في الحصول على الأرقام الوطنية، وقال قبل أكثر من عامين: «نعرف أن إخوتنا في (الطوارق) و(التبو) لا يملكون أرقاماً وطنية، وهم ليبيون يعتزّون بليبيتهم، وقد شكَّلنا لجنة من أجل ذلك».

في الوقت نفسه، لا تمانع مصلحة الأحوال المدنية في إنجاز أرقام الهوية الوطنية للمواطنين من مكون «الطوارق»، إلا أن مصدراً مسؤولاً في المصلحة قال لـ«الشرق الأوسط» إن «عدم صدور قرار سيادي بمنحهم الجنسية يقف عقبة دون إصدارها».

وتمتد مشكلة جنسية «الطوارق» لنحو 5 عقود. وفي هذا السياق يقول رئيس المنظمة، ناصر الهواري، لـ«الشرق الأوسط» إن القذافي «لم يُقدم حلولاً جذرية لهذه المشكلة؛ واستمرت بعد (ثورة فبراير«شباط»)»، علماً بأن بعض من سمّاهم «بدون ليبيا» حصلوا على الجنسية في عهد القذافي لاعتبارات سياسية، أو عبر إثبات أصولهم، أو حصلوا عليها تحت مسمى «الجنسية العربية».

ووسط تأخر الحلول من جانب حكومة غرب ليبيا، رجحت الناشطة الليبية المدافعة عن حقوق «الطوارق»، خديجة عنديدي، أن تتحول قضية هويتهم إلى «ورقة مساومة للمقايضة، وتحقيق بعض المصالح السياسية الشخصية»، في ظل الانقسام السياسي، واصفة ما يحدث بأنه «تمييز عنصري».

وتُفسر الناشطة الليبية رؤيتها قائلة لـ«الشرق الأوسط» إن بعض «الطوارق» الحاملين لأوراق هوية وطنية، «تلقوا وعوداً من سياسيين بحصول كل (الطوارق) على حقوق الجنسية، مقابل التصويت لهم في أي استحقاق انتخابي»، معيدة تأكيد أن أغلب «الطوارق» «لا يملكون هوية وطنية تتيح لهم حق التصويت».

ولا توجد تقديرات رسمية لأعداد مكون «الطوارق» في ليبيا، إلا أن مولاي قديدي قدّر أعدادهم بنحو 14 ألف أسرة، يتمركزون في عدد من مدن بالجنوب الليبي، منها غات وأوباري.

ومن منظور أوسع لما يعتقد أنه «توظيف سياسي» في إشكالية جنسية «الطوارق»، لا يستبعد محللون وباحثون ليبيون استخدام ورقة الأقليات، ومن بينها «الطوارق»، ضمن أوراق الانقسام السياسي بين الأفرقاء الليبيين.

ورقة ضغط

يؤيد المحلل السياسي الليبي، أيوب الأوجلي، الرأي القائل بأن «تعطيل أوراق الجنسية لقبائل (الطوارق) هو ورقة ضغط تستخدمها حكومة غرب ليبيا، في ظل دعم شرائح واسعة منهم للجيش الوطني في شرق البلاد»، إلى جانب أن جزءاً منهم «من أنصار النظام السابق»، حسب تقديره.

ويعتقد الأوجلي أن الهدف من حرمان «الطوارق» من حقهم في الجنسية والاستحقاقات الانتخابية هو «ضمان إقصائهم إذا أجريت أي انتخابات مفاجئة»، متحدثاً عن «سعي حكومة الدبيبة لتوظيف كل الأوراق، سواء العلاقات الداخلية أو الخارجية، ومن بينها ملف الأقليات».

في السياق ذاته، تُشكك دوائر بحثية مستقلة في العاصمة طرابلس فيما جرى تداوله قبل أقل من 3 أعوام، بشأن تزوير الأرقام الوطنية لصالح مواطنين «طوارق»، ضمن قضية تزوير كُبرى فجّرها مكتب النائب العام الليبي في مايو (أيار) 2022، عادّةً أنها «قنبلة دخان لتعطيل أوراق الجنسية لـ(الطوارق)».

الصديق الصور النائب العام الليبي (مكتب النائب العام)

ويستدل مصدر بحثي مستقل، فضل عدم ذكر اسمه، على «عبثية» هذه الاتهامات بالقول إن «النائب العام شكّل لجان تحقيق بمهنية، خلصت إلى وجود 88 ألف بطاقة هوية مزورة في عموم البلاد، ولم يُحددها في مكان جغرافي واحد، أو ضد مكون قبلي أو عرقي محدد».

وأمام استمرار هذه «المظلومية» التاريخية، يدرس المجلس الاجتماعي الأعلى لـ«طوارق ليبيا» «خيارات كثيرة» من أجل الحصول على حقوق مَن يُمثلهم، وفق رئيس المجلس، الذي أجاب عن سؤال لـ«الشرق الأوسط» حول احتمالات تصعيد قضيتهم دولياً قائلاً: «عندما نستنفد خياراتنا محلياً سيكون لكل حادث حديث».

وإلى جانب «التبو» و«الأمازيغ»، يعد «الطوارق» من المكونات الثقافية في ليبيا، وسط اختلاف حول جذور نسبهم، بين مَن يُرجعهم إلى قبائل «صنهاجة» الأمازيغية، أو «الجرمنتيين» الليبيين، الذين سكنوا الصحراء الكبرى، لكنهم يبحثون عن استكمال «هويتهم المنقوصة».

وربما تكون «التشعبات الديموغرافية لهذا المكون في أكثر من دولة جوار جعلها كتلة عابرة للحدود، يتغيّر عددها بين الحين الآخر»، وفق الكاتب الليبي أحمد الفيتوري، الذي رأى أن «أوضاع هذه الكتلة الديموغرافية تؤهلها لتكون بيئة خصبة للتوظيف السياسي والاقتصادي والأمني»، وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط».


مقالات ذات صلة

«الأعلى للدولة» الليبي يتحرك لعزل رئيس «الرقابة الإدارية»

شمال افريقيا صورة نشرها المجلس الأعلى للدولة لجلسته في طرابلس يوم 24 مايو

«الأعلى للدولة» الليبي يتحرك لعزل رئيس «الرقابة الإدارية»

بدا أن المجلس الأعلى للدولة في ليبيا مُصعّداً تجاه رئيس هيئة الرقابة الإدارية عبد الله قادربوه، على خلفية قيام الأخير بتكريم مسؤولين سابقين من نظام القذافي.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)

دعوات حقوقية ليبية للكف عن «الاحتجاز التعسفي» و«تصفير السجون»

عبّر الحقوقي الليبي طارق لملوم عن أمله في أن يمثّل إطلاق 250 موقوفاً في بنغازي رسالة إلى جميع الجهات، وأماكن الاحتجاز بالتوقف عن التوسع في الاحتجاز التعسفي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المحمودي في أحد المؤتمرات قبل عام 2011 (حسابات موثوقة على مواقع التواصل)

البغدادي المحمودي يدعو الليبيين لـ«فتح صفحة جديدة وطي سنوات الألم»

حضّ البغدادي المحمودي، آخر رئيس وزراء في عهد الرئيس الراحل معمر القذافي، على اتّباع مسار «المصالحة الوطنية»، وقال: «لقد أنهكت الانقسامات وطننا».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا ممثلو الأمازيغ والطوارق والتبو في ليبيا خلال مؤتمر صحافي يوم 23 مايو (المجلس الأعلى للأمازيغ)

الأمازيغ والتبو والطوارق في ليبيا يشتكون «الإقصاء السياسي»

يشتكي الأمازيغ والتبو والطوارق في ليبيا من «الإقصاء السياسي» منذ دخول البلاد مرحلة البحث عن صيغة جديدة للاستقرار في أعقاب سقوط نظام القذافي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع سابق للمجلس الأعلى للدولة في ليبيا (المكتب الإعلامي للمجلس)

«الأعلى للدولة» الليبي يفشل في عزل رئيس «الرقابة الإدارية»

فشل اكتمال النصاب القانوني لجلسة كانت مقررة (الأحد) لأعضاء المجلس الأعلى للدولة في العاصمة الليبية بشأن المكلّف برئاسة هيئة الرقابة الإدارية، عبد الله قادربوه.

خالد محمود (القاهرة)

«يوم أفريقيا»... تعهدات مصرية بمقاربة تجمع بين التنمية وتعزيز الأمن المائي

وزير الري المصري هاني سويلم في صورة تذكارية مع متدربين أفارقة بالقاهرة (وزارة الري)
وزير الري المصري هاني سويلم في صورة تذكارية مع متدربين أفارقة بالقاهرة (وزارة الري)
TT

«يوم أفريقيا»... تعهدات مصرية بمقاربة تجمع بين التنمية وتعزيز الأمن المائي

وزير الري المصري هاني سويلم في صورة تذكارية مع متدربين أفارقة بالقاهرة (وزارة الري)
وزير الري المصري هاني سويلم في صورة تذكارية مع متدربين أفارقة بالقاهرة (وزارة الري)

في «يوم أفريقيا»، أكدت مصر استمرار دعمها تنمية القارة وتعزيز الأمن المائي والاستقرار بها، مع استضافة القمة التنسيقية للاتحاد الأفريقي في الشهر المقبل، لافتة إلى أن القارة «على أعتاب مرحلة جديدة».

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن تلك التعهدات التي تجمع بين التنمية وتعزيز الأمن على كل المستويات، والعزم على استمرار تنفيذ مشروعات تعاون ثنائية مع دول القارة، تؤكد حرص القاهرة على علاقات بناء متوازنة ومتميزة.

وتحتفل القارة الأفريقية سنوياً بـ«يوم أفريقيا» في 25 مايو (أيار)، إحياءً لذكرى تأسيس «منظمة الوحدة الأفريقية» عام 1963، التي تحولت لاحقاً إلى «الاتحاد الأفريقي».

وكانت العلاقات المصرية - الأفريقية قد شهدت تراجعاً ملحوظاً في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك عقب محاولة اغتيال تعرض لها في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا عام 1995؛ غير أنه في مرحلة ما بعد 30 يونيو (حزيران) 2013، بدأت مرحلة علاقات جديدة وتعاون واسع، تولت مصر خلالها رئاسة الاتحاد الأفريقي عام 2019، ورأست تجمع «الكوميسا»، وصولاً إلى استضافة القمة التنسيقية للاتحاد الأفريقي في يونيو (حزيران) المقبل.

مشروعات واتفاقيات تعاون

بمناسبة الاحتفال بـ«يوم أفريقيا»، أكد وزير الري المصري هاني سويلم، الاثنين، حرص الوزارة على التعاون مع الدول الأفريقية، حيث نفذت كثيراً من مشروعات التعاون الثنائي في مجالات حصاد مياه الأمطار، وحفر الآبار الجوفية، والتدريب وبناء القدرات، بخلاف إطلاق الدولة آلية تمويلية بمخصصات قدرها 100 مليون دولار لتمويل دراسات ومشروعات تنموية بدول حوض النيل.

وقال سويلم إن مصر «ستواصل التزامها الراسخ بدعم الأشقاء الأفارقة في مجالات المياه والبيئة والمناخ، وتعزيز تبادل الخبرات وبناء القدرات، والعمل مع الدول والمؤسسات الأفريقية لمواجهة التحديات المشتركة، بما يدعم الأمن المائي والتنمية المستدامة والرخاء لشعوب القارة الأفريقية».

ويقول خبير الشؤون الأفريقية بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، حسين البحيري: «احتفال مصر بـ(يوم أفريقيا) يتزامن مع النجاحات الدبلوماسية المتواصلة التي حققتها القيادة السياسية المصرية بأفريقيا على كل المستويات، والذي انعكس في اتفاقيات تعاون مع عدد كبير من الدول الأفريقية، لا سيما في منطقة حوض النيل، ومنطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر».

وزير الخارجية بدر عبد العاطي يتفقد موقع سد «جوليوس نيريري» الذي تقيمه مصر بتنزانيا في مارس 2025 (وزارة الخارجية)

وضرب مثلاً بالاتفاقات الموقعة مؤخراً بين مصر وإريتريا لتعزيز التعاون في قطاعات اقتصادية حيوية مثل النقل والطاقة المتجددة، وإنشاء مصر محطة لتوليد الطاقة الشمسية في ريف جيبوتي، ومشروع سد جوليوس نيريري في تنزانيا.

«أعتاب مرحلة جديدة»

في كلمة للرئيس المصري، الأحد، بمناسبة احتفال مصر بـ«يوم أفريقيا»، أكد أن القارة تقف «على أعتاب مرحلة جديدة من البناء والتنمية».

ويكتسب اختيار الاتحاد الأفريقي «قضية المياه» موضوع هذا العام أهمية بالغة، بحسب السيسي الذي دعا إلى ضرورة احترام القانون الدولي المنظم للأنهار الدولية العابرة للحدود، وضمان الإدارة الرشيدة لتلك الأنهار، واتباع نهج يقوم على تحقيق المصالح المشتركة، والمنفعة المتبادلة، والحفاظ على السلم والأمن وتحقيق التكامل، بدلاً من التوترات.

وأكد أن مصر ستظل «شريكاً فاعلاً في دعم مسيرة التنمية والبناء بالدول الأفريقية الشقيقة من خلال تبادل الخبرات، وتنفيذ المشروعات، والانفتاح على التعاون مع مختلف الشركاء الدوليين، وذلك في إطار من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، تحقيقاً لأولويات شعوب ودول القارة».

ويرى البحيري، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، أن استضافة مصر للقمة التنسيقية للاتحاد الأفريقي «ترجمة حقيقية لتوظيفها أدوات الدبلوماسية السياسية والاقتصادية، ودبلوماسية الزيارات الرئاسية المكثفة»، منوهاً بزيارات السيسي إلى عدد من الدول الأفريقية خلال الفترة الأخيرة، واستقبال القاهرة عدداً لافتاً من رؤساء الدول والحكومات الأفريقية.

وتأتي هذه الخطوات، بحسب البحيري، تأكيداً لإدراك الدول الأفريقية لعمق وثقل مكانة مصر السياسية والاقتصادية والأمنية، ما جعلها وجهة للمسؤولين الأفارقة الساعين لتعزيز وتطوير مسارات العلاقات المشتركة.

وأضاف: «تقدم مصر نفسها اليوم شريكاً تنموياً واستراتيجياً موثوقاً به يُعتمد عليه في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة».


«الأعلى للدولة» الليبي يتحرك لعزل رئيس «الرقابة الإدارية»

صورة نشرها المجلس الأعلى للدولة لجلسته في طرابلس يوم 24 مايو
صورة نشرها المجلس الأعلى للدولة لجلسته في طرابلس يوم 24 مايو
TT

«الأعلى للدولة» الليبي يتحرك لعزل رئيس «الرقابة الإدارية»

صورة نشرها المجلس الأعلى للدولة لجلسته في طرابلس يوم 24 مايو
صورة نشرها المجلس الأعلى للدولة لجلسته في طرابلس يوم 24 مايو

أعلن المجلس الأعلى للدولة في ليبيا أنه كلف مكتب رئاسته باتخاذ إجراءات ومتابعات عاجلة، وفقاً للاختصاصات القانونية والتنظيمية، للرد على قيام رئيس هيئة الرقابة الإدارية عبد الله قادربوه بتكريم مسؤولين سابقين من نظام الرئيس الراحل معمر القذافي.

اجتماع سابق لقادربوه وأعضاء من المجلس الأعلى للدولة (الرقابة الإدارية)

وفي مؤشر جديد على عمق الانقسامات حول ملف العدالة الانتقالية في البلاد، شدد المجلس، عقب جلسة تشاورية مساء الأحد، برئاسة محمد تكالة، في العاصمة طرابلس، على أن «الاحتفاء بأسماء ترتبط بوقائع وتجاوزات لا تزال حاضرة في الذاكرة الوطنية يمس مشاعر الضحايا وذويهم».

ويعني هذا التكليف، بحسب مراقبين، أن المجلس قرر نقل الأزمة من مجرد الإدانة السياسية إلى المسار القانوني والرقابي الفعلي سعياً لعزل قادربوه، مستنداً إلى صلاحياته السيادية والتشريعية في مراجعة ومراقبة أعمال وتعيينات الأجهزة الرقابية الكبرى في البلاد.

وجاء هذا التحرك بعد تحذيرات المجلس من أن الاحتفاء بأسماء مرتبطة بوقائع وتجاوزات في الذاكرة الوطنية «يهدد السلم الاجتماعي والتوافق الهش بين الأطراف الليبية».

وكان قادربوه قد كرّم هدى بن عامر، إحدى أبرز الشخصيات النسائية في عهد الرئيس الراحل معمر القذافي، والتي ارتبط اسمها في الذاكرة الليبية بـ«وقائع وإعدامات ميدانية شهيرة في ثمانينيات القرن الماضي». لكن المجلس الأعلى للدولة اعتبر في المقابل أن «الاحتفاء بشخصية تحمل هذا الإرث الجدلي يعد استفزازاً صارخاً لمشاعر الضحايا وعائلاتهم، وتحدياً لجهود المصالحة الوطنية التي تحاول البلاد إرساءها».

ولم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من قادربوه أو هيئة الرقابة الإدارية للرد على انتقادات «المجلس الأعلى»، أو لتوضيح التكريم المثير للجدل.

ودخل مفتي غرب ليبيا، الصادق الغرياني، على خط هذه الأزمة، بمطالبته علناً المجلس الأعلى للدولة باتخاذ قرار حاسم بإعفاء قادربوه من منصبه، و«شكك في مصداقية التقارير الأخيرة الصادرة عن الهيئة بشأن إنفاق ما قيمته تريليون دينار ليبي» (الدولار يساوي 6.35 دينار في السوق الرسمية، و8.33 دينار في السوق الموازية)، مؤكداً أن هذا المبلغ الضخم لا يشمل حتى مصاريف صندوق إعمار ليبيا.

ولفتت وسائل إعلام محلية إلى أن تصاعد الجدل بشأن احتمال إعفاء قادربوه من منصبه يتزامن مع اقتراب انتهاء ولايته الثانية والأخيرة لرئاسته للهيئة، وسط تساؤلات ومؤشرات متزايدة حول قرب رحيله.

وتسلم قادربوه مهامه رسمياً رئيساً لهيئة الرقابة الإدارية في يوليو (تموز) 2023، خلفاً لسليمان الشنطي، بموجب قرار تكليف سابق صادر عن مجلس النواب وحكم قضائي من محكمة استئناف طرابلس، مما يضع التحركات الحالية لإنهاء ولايته في سياق صراع ممتد حول إدارة هذا المنصب السيادي النافذ.

وكان 75 عضواً من المجلس الأعلى للدولة قد طالبوا بعقد جلسة طارئة الأحد لمناقشة ما اعتبروه «تجاوزات» من قبل قادربوه، و«استغلاله منصبه»، إلا أن خلافات داخلية حالت دون اكتمال النصاب المطلوب لعقد الجلسة بشكل رسمي.


دعوات حقوقية ليبية للكف عن «الاحتجاز التعسفي» و«تصفير السجون»

جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)
جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)
TT

دعوات حقوقية ليبية للكف عن «الاحتجاز التعسفي» و«تصفير السجون»

جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)
جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)

دعا حقوقيون ليبيون الأجهزة الأمنية في البلاد إلى وقف «الاحتجاز التعسفي» و«سياسات إذلال البشر»، و«تصفير السجون»، وذلك على خلفية عفو أطلقته سلطات شرق البلاد عن عدد من السجناء بداعي «ترسيخ الاستقرار».

جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)

واعتبر الحقوقي الليبي، طارق لملوم، عملية الإفراج عن 250 شخصاً من سجن قرنادة في بنغازي بادرة «تستحق الترحيب»، وقال إن «أي خطوة تؤدي إلى إنهاء معاناة المحتجزين، وتخفيف الظلم عنهم تُعد تحركاً إيجابياً، ومهماً؛ بغض النظر حالياً عن تفاصيل الترتيبات التي قادت إليها، أو ما إذا كانت جزءاً من مسار قانوني مكتمل وواضح».

ورأى لملوم في تصريح صحافي ضرورة أن «تتم تسوية أوضاع المفرج عنهم بصورة قانونية وإنسانية تحفظ كرامتهم وحقوقهم، وأن يحصل كل من تعرض للاحتجاز التعسفي أو الظلم على حقه في الإنصاف، والتعويض، والاعتذار، وجبر الضرر، وفق القانون ومبادئ العدالة».

وقال: «آمل أن تكون هذه الخطوة رسالة إلى جميع الجهات والمقرات والسجون وأماكن الاحتجاز في ليبيا بضرورة التوقف عن سياسات التوسع في الاحتجاز التعسفي»، داعياً إلى أن «يكون إنفاذ القانون قائماً على العدالة واحترام الكرامة الإنسانية، لا على الانتقام، أو التعسف، أو استغلال النفوذ».

لقطة من الداخل لسجن مدينة زليتن شرق طرابلس (غيتي)

وكان مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قد رصد مخالفات قانونية وإنسانية عدة، في تقرير سابق جاء تحت عنوان: «تجاوزات خلف القضبان»، وقال إنه «لا تتوافر أرقام دقيقة عن عدد المحتجزين، ومراكز الاحتجاز الموجودة في ليبيا. كما أنه لا توجد إحصاءات بشأن مراكز الاحتجاز التابعة شكلياً لوزارتي الداخلية والدفاع، ولا تلك التي تديرها المجموعات المسلحة مباشرة».

ولفت لملوم إلى أن «الترحيب بالإفراج عن هؤلاء المحتجزين لا يعني إغلاق هذا الملف، أو طي صفحة الانتهاكات»، مشدداً على ضرورة أن «من تعرض للضرر أو الظلم، حتى وإن أُفرج عنه لاحقاً، يبقى من حقه المطالبة بالإنصاف، والمحاسبة القانونية لكل من تسبب في احتجازه، أو إساءة معاملته خارج إطار القانون».

واتفق حقوقيون ليبيون مع دعوة لملوم، كما شددوا على ضرورة أن تشمل هذه الإجراءات «تصفير السجون» في جميع أنحاء ليبيا.

في السياق ذاته، استغل أحمد عبد الحكيم حمزة، رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، عملية إطلاق سراح 250 موقوفاً في بنغازي، ودعا إلى «تصفير السجون» في عموم البلاد.

وأكد حمزة لـ«الشرق الأوسط» على «ضرورة إطلاق سراح من انقضت مدة محكوميتهم، أو من صدر بحقه حكم بالبراءة، وأن يتم الإفراج عنهم»، كما شدد على أهمية إخلاء سبيل المعتقلين على خلفية آرائهم السياسية.

ورحب حمزة بعملية الإفراج عن دفعة من السجناء بسجن قرنادة، وتسوية أوضاعهم ومراكزهم القانونية ممن انطبقت عليهم شروط قرار العفو العام عن باقي العقوبة الصادر عن المجلس الأعلى للقضاء.

ودعا إلى «الاستمرار في مراجعة ملفات السجناء بصورة دورية، وتفعيل آليات الرقابة، والإشراف، والمتابعة داخل السجون، ومرافق الاحتجاز، بما يضمن احترام حقوق السجناء، والكرامة الإنسانية، وترسيخ مبادئ العدالة، وسيادة القانون».

جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)

وكان صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، قد بحث مع رئيس «اللجنة الوطنية لمتابعة أوضاع السجناء والسجون»، المستشار إبراهيم بوشناف، التحضيرات النهائية لتنفيذ قرارات العفو عن باقي مدة العقوبة للمحكوم عليهم ممن تنطبق عليهم الشروط والضوابط.

وقالت القيادة العامة مساء الأحد إن الفريق صدام حفتر اطّلع خلال الاجتماع على آخر التحضيرات التي تتخذها اللجنة الوطنية بشأن تنفيذ قرارات العفو عن باقي مدة العقوبة للمحكوم عليهم ممن تنطبق عليهم الشروط، والتي شملت أكثر من 250 سجيناً، مشيرة إلى أن ذلك يأتي «ضمن تدابير قانونية وإنسانية استثنائية لمعالجة تداعيات المراحل السابقة، وفي إطار مشروع الاستقرار الوطني».

وتأتي هذه الجهود، وفقاً للقيادة العامة، «دعماً لمساعي العفو، ولمّ الشمل، وترسيخ الاستقرار، والمصالحة الوطنية».