فرنسا تبحث خيارات الرد على ما تعده «إذلالاً» جزائرياً

وزراء وسياسيون فرنسيون يعرضون مروحة واسعة لـ«الانتقام من الإهانة» التي لحقت ببلادهم

وزير العدل الفرنسي جيرالد درامانان خارجاً من قصر الإليزيه في 8 الجاري ويتبعه وزير الدفاع سيباستيان لو كورنو (رويترز)
وزير العدل الفرنسي جيرالد درامانان خارجاً من قصر الإليزيه في 8 الجاري ويتبعه وزير الدفاع سيباستيان لو كورنو (رويترز)
TT

فرنسا تبحث خيارات الرد على ما تعده «إذلالاً» جزائرياً

وزير العدل الفرنسي جيرالد درامانان خارجاً من قصر الإليزيه في 8 الجاري ويتبعه وزير الدفاع سيباستيان لو كورنو (رويترز)
وزير العدل الفرنسي جيرالد درامانان خارجاً من قصر الإليزيه في 8 الجاري ويتبعه وزير الدفاع سيباستيان لو كورنو (رويترز)

تتوجه الأنظار في فرنسا نحو البرلمان لتلمس المسار الذي ستسلكه الأزمة الفرنسية - الجزائرية بمناسبة الكلمة المرتقبة، الثلاثاء، لرئيس الحكومة الجديد فرنسوا بايرو، الذي سيُعرض، للمرة الأولى، للنواب، برنامجه الحكومي في الداخل والخارج.

وبالنظر إلى التعبئة الحكومية والسياسية إزاء ملف بالغ الحساسية، من المنتظر أن يكشف بايرو عن الإجراءات التي تنوي الحكومة اتخاذها للرد على ما عدَّه وزير الداخلية برونو روتايو «تحقيراً» أو «إذلالاً» لفرنسا عندما رفضت سلطات الأمن في مطار الجزائر استعادة مواطنها «بوعلام ن» المؤثر والناشط على وسائل التواصل الاجتماعي الذي سحبت منه ترخيص إقامته عل الأراضي الفرنسية ورحَّلته إلى الجزائر بحجة «الدعوة إلى اللجوء إلى العنف» ضد معارضين للنظام الجزائري.

الرئيس إيمانويل ماكرون متحدثاً في إطار الاجتماع السنوي لسفراء فرنسا عبر العالم بقصر الإليزيه (رويترز)

وما كان لحادثة من هذا النوع أن تتفاعل بهذا الشكل وتثير هذه «التعبئة» من الجانب الفرنسي، لو أن العلاقات الفرنسية - الجزائرية «طبيعية». وإذا كانت هذه العلاقات تعرف منذ عشرات السنوات «مطبات هوائية» متكررة، فلأنها، تاريخياً، بالغة الحساسية بسبب الخلافات المتراكمة بين الطرفين التي لم تنجح الجهود التي بذلها الرئيسان إيمانويل ماكرون وعبد المجيد تبون، في الأعوام الثلاثة الماضية، في تسويتها. وبكلام آخر، فإن الحادثة الأخيرة ليست سوى الجزء الظاهر من «جبل الجليد» الذي يمنع حقيقة تجاوز الخلافات والتوصل إلى «مصالحة حقيقية» بين الطرفين.

العاهل المغربي مستقبلاً الرئيس الفرنسي خلال زيارته الأخيرة للمغرب (أ.ف.ب)

بيد أن الانفجار الحقيقي للعلاقات يعود للصيف الماضي، عندما وجه ماكرون رسالة رسمية إلى ملك المغرب محمد السادس، في 27 يوليو (تموز )الماضي، بمناسبة «عيد العرش» وفيها يتبنى سياسة إزاء الصحراء الغربية، مختلفة جذرياً عن السياسة الفرنسية التقليدية.

وجاء في رسالة ماكرون اعتباره أن «حاضر ومستقبل الصحراء الغربية يُدرجان في إطار السيادة المغربية»، مشدداً على «ثبات الموقف الفرنسي إزاء هذا التحدي للأمن الوطني المغربي». وكان رد الجزائر عبر استدعاء سفيرها وتجميد العلاقات الثنائية في غالبية المجالات وحملة تعبئة ضد فرنسا، القوة المستعمرة السابقة.

صورة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال زيارته إيطاليا يونيو الماضي بمناسبة قمة السبع (د.ب.أ)

ومؤخراً، جاءت كلمة ماكرون، يوم 6 الجاري، في حديثه عن احتجاز الكاتب الجزائري - الفرنسي بوعلام صنصال منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) لدى وصوله إلى مطار الجزائر، بأن الجزائر «ألحقت العار بنفسها لمنع العلاج عن رجل مريض للغاية»، ووصفه بأنه «مناضل من أجل الحرية»، وأنه «محتجز بطريقة تعسفية من المسؤولين الجزائريين»، لتصب الزيت على النار.

كان تبون قد رأى أن باريس «أرسلت محتالاً لا يعرف هويته ولا يعرف والده، وجاء ليقول إن نصف الجزائر ينتمي إلى دولة أخرى»... يقصد المغرب.

ما سبق غيض من فيض الخلافات المتنوعة بين البلدين. ولاكتمال الصورة، تجدر الإشارة إلى أن جهود الطرفين من أجل «مصالحة الذاكرة» الثنائية باءت بالفشل رغم ما أنجزته اللجنة التي يترأسها من الجانب الفرنسي المؤرخ بنجامين ستورا. فالجزائر تريد اعتذاراً من فرنسا على ما قامت به خلال فترة الاستعمار الممتدة لـ132 عاماً. كما تريد جلاء مجموعة من الملفات، منها التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية، والحصول على تعويضات، فضلاً عن استعادة الآثار الجزائرية المنهوبة.

كذلك تطلب الجزائر، دورياً، من باريس أن تسلمها من تسمّيهم «المخربين»، أي المعارضين الجزائريين المقيمين على الأراضي الفرنسية الذين يهاجمون النظام على وسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي ترفضه باريس، معتبرةً أنه من «صلاحيات المحاكم وحدها».

وزير الداخلية برونو روتايو متحدثاً خلال اجتماع يوم الاثنين في مدينة لو هافر (شمال فرنسا) حول أمن المواني (أ.ف.ب)

من جانبها، تأخذ باريس على الجزائر رفضها التعاون القنصلي في استقبال الجزائريين الذين فقدوا حق البقاء على الأراضي الفرنسية والذين تريد باريس ترحيلهم، بالتوازي مع مماطلة الجزائر في إعطاء تأشيرات دخول للفرنسيين، بعكس ما تقوم به السلطات الفرنسية.

يضاف إلى ما سبق، أن فرنسا لا ترى أن علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع الجزائر تذهب في الاتجاه الصحيح، فضلاً عن أن الجزائر تماطل أيضاً في دفع متأخرات ومستحقات شركات فرنسية كبرى عاملة في الجزائر.

فرنسا تتهيأ للرد

ولعبت حادثة الناشط «المؤثر»، (بوعلام ن)، دور القشة التي قصمت ظهر البعير. ومنذ الخميس الماضي، ثمة ما يشبه التنافس بين الوزراء والسياسيين الفرنسيين في طرح وسائل الرد على «الإهانة» الجزائرية. فوزير الداخلية القادم إلى الحكم من اليمين، والساعي إلى إبراز عضلاته في فرض الأمن، والتعامل بشدة مع ملفات الهجرة والعصابات والتهريب والمخدرات، كان أول من أطلق النفير بدعوته إلى الرد على «العمل العدواني» الجزائري من خلال «درس جميع وسائل الانتقام المتاحة لنا، وأعني كل هذه الوسائل».

من لقاء سابق بين الرئيسين الفرنسي والجزائري (الرئاسة الفرنسية)

ومن وسائل الردع، أشار برونو روتايو إلى تفعيل مبدأ «المعاملة بالمثل» في موضوع التأشيرات، واستخدام المساعدات الإنمائية التي تقدمها باريس. ويريد روتايو اللجوء إلى الاتحاد الأوروبي لليّ ذراع الجزائر، من خلال تجميد المحادثات الخاصة باتفاقية التجارة بينها وبين الاتحاد.

بيد أن السلاح الرادع الذي يريد الوزير المعنيّ اللجوء إليه عنوانه تعليق أو إلغاء اتفاقية عام 1968 بين الطرفين التي توفر تسهيلات إقامة وعمل للجزائريين في فرنسا. وقال روتايو: «شخصياً، لطالما كنت أؤيد ذلك. ولكن لا يمكن أن يكون الأمر منوطاً بي فقط».

وتجدر الإشارة إلى أن السلطات الفرنسية أوقفت أخيراً، ثلاثة «مؤثرين» جزائريين، للاشتباه في «تحريضهم على الإرهاب»، ووضع منشورات تحض على ارتكاب أعمال عنف في فرنسا ضد معارضين للنظام الجزائري.

لم يتأخر رئيس الحكومة السابق غابرييل أتال، في الانضمام إلى وزير الداخلية بدعوته إلى وقف العمل باتفاقية عام 1968. ومن جانبه، لحق جان نويل بارو، وزير الخارجية، بالداعين إلى اتخاذ إجراءات مضادة. وأعلن الجمعة، في حديث تلفزيوني، أنه «لن يكون أمام فرنسا سوى الرد... إذا داوم الجزائريون على موقفهم التصعيدي». وأشار إلى أنه «من بين الأوراق التي نستطيع تفعيلها، التأشيرات، ومساعدات التنمية»، فضلاً عن «عدد معين من مواضيع التعاون الأخرى»، لتي لم يسمّها.

الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس حكومته فرنسوا بايرو (رويترز)

أما جيرالد درامانان، وزير العدل الحالي والداخلية، فقد عثر على الرد الذي من شأنه أن يؤذي «النخبة الجزائرية». واقترح درامانان الذي له أصول جزائرية، مساء الأحد، إلغاء الاتفاق الحكومي المشترك المبرم في عام 2013، الذي يتيح لمن يحملون جوازات سفر رسمية، أو جوازات سفر دبلوماسية جزائرية، (وهناك الآلاف منهم)، بالمجيء إلى فرنسا من دون تأشيرة والتنقل بحرية.

وحسب الوزير المذكور، فإن هذا الإجراء «الانتقامي» يصيب النخب، ويعد «أكثر ذكاءً وفاعلية ويمكن القيام به بسرعة كبيرة». كما دعم درامانان مقترح مراجعة أو إلغاء اتفاقية عام 1968، التي وصفها بأنها «أصبحت قديمة»، و«تمت مراجعتها في كثير من المرات» في السابق.

لا شيء يشي، من الجانبين، بأن الأمور ذاهبة نحو التهدئة. لكنَّ سفيراً فرنسياً سابقاً قال لـ«الشرق الأوسط» إن علاقات البلدين عرفت منذ عقود كثيراً من التوترات، إلا أن الطرفين «أخذا دوماً في الاعتبار مصلحتهما المشتركة في الحفاظ عليها». فهل سيلجمان، هذه المرة، الموجة التصعيدية أم أنها ستتواصل؟ المؤشر قد يأتي عبر خطاب بايرو، الذي سيدلّ ربما على المسار الذي ستسلكه هذه العلاقات.


مقالات ذات صلة

ماكرون يدعو إيران إلى «الانخراط بنية حسنة في المفاوضات» لإنهاء الحرب

شؤون إقليمية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

ماكرون يدعو إيران إلى «الانخراط بنية حسنة في المفاوضات» لإنهاء الحرب

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الثلاثاء، إيران إلى «الانخراط بنيّة حسنة في مفاوضات» تهدف إلى «خفض التصعيد» في الحرب الدائرة بالشرق الأوسط، وذلك عقب محادثة…

«الشرق الأوسط» (باريس )
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً خلال زيارته لمعرض «جبيل، مدينة لبنان الألفية»، في معهد العالم العربي في باريس 23 مارس 2026 (أ.ب)

ماكرون يحذّر من «احتلال» لبنان خلال افتتاحه معرضاً عن مدينة جبيل الأثرية

أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين، أن أي «احتلال» لا يضمن «أمن أيّ شخص كان»، محذراً إسرائيل من مخاطر عملياتها البرية في لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي خلال مشاركته في القمة الأوروبية في بروكسل (إ.ب.أ)

ماكرون: مفاوضات لبنان وإسرائيل المباشرة رهن بضوء أخضر إسرائيلي

أكد الرئيس الفرنسي للصحافيين عقب قمة أوروبية في بروكسل أنه «لا يوجد أي مقترح فرنسي على الإطلاق يتضمن» اعتراف لبنان بإسرائيل.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يحضران مؤتمراً صحافياً في برلين ألمانيا 23 يوليو 2025 (رويترز)

ماكرون يلتقي ميرتس في بروكسل الأربعاء عشية قمة للاتحاد الأوروبي

أعلنت الرئاسة الفرنسية أن الرئيس إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس سيلتقيان الأربعاء في بروكسل لتنسيق جهودهما عشية قمة للاتحاد الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت بعد اقتراعهما في الانتخابات المحلية بمدينة لو توكيه في شمال فرنسا (أ.ف.ب)

ماكرون: فرنسا غير مستعدة للمشاركة في تأمين مضيق هرمز في الظرف الراهن

أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن فرنسا غير مستعدة للمشاركة في تأمين مضيق هرمز «في الظرف الراهن».

«الشرق الأوسط» (باريس)

تونس تطالب بـ«دعم أوروبي استثنائي» لاسترجاع الأموال المنهوبة

وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)
وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)
TT

تونس تطالب بـ«دعم أوروبي استثنائي» لاسترجاع الأموال المنهوبة

وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)
وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)

التقى وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي، بالعاصمة الألمانية برلين، مساء أمس (الأربعاء)، رئيسة البرلمان الفيدرالي الألماني يوليا كلوكنر، وجرى خلال اللقاء استعراض مختلف أوجه التعاون الثنائي، لا سيما في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والبيئية، فضلاً عن الأكاديمية والعلمية.

وخلال اللقاء عبَّر الوزير عن تطلّع تونس إلى دعم استثنائي من شركائها الأوروبيين، خصوصاً ألمانيا؛ لتجاوز العراقيل التي تحُول دون استرجاع الأموال المنهوبة، مشيراً إلى الأهميّة القصوى التي توليها تونس إلى هذا الموضوع، بوصف هذه الأموال ملكاً للشعب التّونسي ولا تسقط بالتّقادم.

وأكد النفطي، خلال اللقاء، ضرورة مراجعة اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، التي يعود إنشاؤها إلى أكثر من 30 سنة، «حتى تكون أكثر توازناً»، وتأخذ بعين الاعتبار خيارات الشعوب، والواقعَين الإقليمي والدولي الجديدَين، والتحديات التي يفرضانها، بما في ذلك الهجرة غير النظامية. وبيَّن في هذا السّياق المقاربة التّونسيّة في التعاطي مع الهجرة غير النّظاميّة، التي تدعو إلى معالجة الأسباب العميقة لهذه الظّاهرة، وتضافر الجهود لمحاربة الشبكات الإجراميّة التي تتاجر بالبشر، وتأمين العودة الطوعية وإعادة الإدماج للمهاجرين غير النّظاميِّين في بلدانهم الأصليّة. ودعا في المقابل إلى تعزيز آليّات التّعاون في مجال الهجرة المنظّمة، بوصفها رافداً للتنمية ونقل المهارات، مؤكّداً ضرورة أن تراعي هذه البرامج حاجيات الطّرفين.

وتأتي هذه العودة بعد أيام قليلة من مطالبة الرئيس التونسي، قيس سعيد، بمراجعة الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، ودعم أكبر لترحيل المهاجرين العالقين بتونس طوعاً إلى بلدانهم. وجاء ذلك خلال مكالمة هاتفية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمناسبة احتفال تونس بالذكرى الـ70 للاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، حيث طالب الرئيس سعيد بشراكة «متوازنة وأكثر عدلاً وانصافاً».

لكن البيان الذي نشرته الرئاسة التونسية لم يتضمَّن مقترحات واضحة للرئيس التونسي لتعديل اتفاق الشراكة المُوقَّع منذ عام 1995.

وسمح الاتفاق برفع صادرات تونس إلى الاتحاد الأوروبي، الذي يستحوذ على نحو 75 في المائة من مبادلاتها الاقتصادية والتجارية الخارجية، وتعزيز بناها التحتية في برامج تعاون. في حين تشكو تونس باستمرار من عجز في المبادلات بعدد من القطاعات مع شريكها الأوروبي. ويطالب الرئيس سعيد بجهود أكبر لدعم رحلات العودة الطوعية لآلاف المهاجرين غيرالنظاميِّين العالقين بتونس إلى دولهم بأفريقيا جنوب الصحراء. وأوضح أن بلاده «قدَّمت كثيراً، وهي ضحية نظام اقتصادي عالمي غير عادل، وضحية شبكات إجرامية بجنوب الصحراء وشمال البحر المتوسط التي تتاجر بهؤلاء الضحايا، وعلى المنظمات الدولية المعنية، وعلى دول الشمال أن تقوم بدورها كاملاً لأنَّ تونس رفضت منذ البداية أن تكون معبراً أو مستقَرّاً».


مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
TT

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

قُتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان، وفق ما أفادت مصادر طبية وكالة الصحافة الفرنسية، اليوم (الخميس).

واستهدفت إحدى الغارتين الأربعاء سوقاً في مدينة سرف عمرة بولاية شمال دارفور، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، وفق ما ذكر عامل صحي في المستشفى المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية.

وتسببت غارة أخرى، الأربعاء، أيضاً باشتعال النيران في شاحنة كانت على طريق في شمال كردفان. وأفاد مصدر طبي في مستشفى مدينة الرهد المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية بوصول 6 جثث إلى المستشفى، 3 منها متفحمة، بالإضافة إلى 10 جرحى، محملاً «قوات الدعم السريع» مسؤولية الهجوم.


البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
TT

البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)

صوّت البرلمان الجزائري، اليوم الأربعاء، خلال اجتماع لغرفتيه بالإجماع على وثيقة «التعديل الدستوري التقني»، التي أعلنت عنها الرئاسة نهاية العام الماضي، وعرضتها على الأحزاب مطلع العام الحالي بغرض الموافقة. وحاز المسعى على ثلاثة أرباع أعضاء البرلمان (75 في المائة)، الذي يتكون من 583 عضواً، موزعين بين 407 أعضاء في «المجلس الشعبي الوطني»، و176 عضواً في «مجلس الأمة».

تفاعل قادة أحزاب مع مشروع الرئاسة تعديل الدستوري في اجتماع 25 يناير 2026 (الرئاسة)

وكان وزير العدل لطفي بوجمعة قد قدم عرضاً عن هذا التعديل أمام مكتب غرفتي البرلمان، أمس الثلاثاء، مؤكداً أن المراجعة «تمس جوهر تنظيم السلطات»، لا سيما وظيفة رئيس الجمهورية والبرلمان، والسلطة القضائية، بالإضافة إلى «السلطة المستقلة للانتخابات».

وعزت الحكومة هذه التعديلات، وفق ما ذكره وزير العدل، إلى «نقائص كشفت عنها الممارسة الدستورية على مدار خمس سنوات»، أي منذ إقرار دستور 2020، عادَة أنها «مجرد تحسينات تقنية تهدف لتطوير أداء المؤسسات». وبكلام آخر، ترى الحكومة أن هذه التعديلات لا تستدعي استفتاء شعبياً لأنها «تقنية» ولا تمس «الثوابت».

أعضاء مكتب غرفتي البرلمان مع وزير العدل خلال عرض التعديلات الدستورية (البرلمان)

فيما يخص منصب رئاسة الجمهورية، نص التعديل المقترح على المادة 87 بضرورة حيازة المترشح لـ«مستوى تعليمي» باعتباره شرطاً أساسياً؛ نظراً لتعاظم مسؤوليات المنصب، والحاجة لاتخاذ قرارات حاسمة في ملفات معقدة، دون أن يحدد النص الدرجة العلمية المطلوبة بدقة. كما سيتعزز دور الرئيس بصلاحية استدعاء «الهيئة الناخبة» لانتخابات محلية مسبقة بموجب تعديل المادة 91، وهو ما يهدف لسد ثغرة دستورية، كانت تحصر هذه الصلاحية في الانتخابات الرئاسية والتشريعية فقط.

كما اتجه المشروع نحو «دسترة» الممارسة التاريخية المتعلقة بأداء القسم، حيث سيؤدي الرئيس المنتخب اليمين أمام البرلمان بغرفتيه في الأسبوع الذي يلي انتخابه، وبحضور كبار مسؤولي الدولة، على أن يتلو نص القسم الرئيس الأول لـ«المحكمة العليا».

أما على مستوى البرلمان، فقد شهدت أحكام «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا) تغييرات جوهرية، حيث اقترحت الحكومة مراجعة معيار التمثيل، الذي يمنح مقعدين لكل محافظة حالياً (58 محافظة)، ليصبح مقعداً واحداً أو اثنين بناء على الحجم الديموغرافي لكل محافظة، وذلك لتجاوز الفوارق السكانية الكبيرة، حسب معدي نص التعديل.

كما رُفعت عهدة رئيس «مجلس الأمة» إلى ست سنوات، بدلاً من ثلاث لـ«ضمان استمرارية المؤسسات». ويشار إلى أن شاغل هذا المنصب، هو الرجل الثاني في الدولة، بحسب الدستور.

مدير الديوان بالرئاسة أثناء عرض التعديل الدستوري التقني في 25 يناير الماضي (الرئاسة)

وفي سياق العلاقة بين غرفتي البرلمان، أتاح تعديل المادة 145 للحكومة طلب الفصل النهائي من إحدى الغرفتين في حال استمرار خلاف تشريعي بينهما، وهو إجراء يهدف لتسريع المسار التشريعي وتفادي حالة الانسداد، حسب المبررات التي وردت في نص التعديل «التقني».

وعلى صعيد السلطة القضائية، شملت المراجعة تشكيلة «المجلس الأعلى للقضاء» (الهيئة المشرفة على المسار المهني للقضاة)، حيث تقرر إلغاء التمثيل النقابي للقضاة لـ«تجنب تضارب المصالح بين العمل النقابي ومهام المجلس الدستورية». كما خرج رئيس «مجلس حقوق الإنسان» (هيئة استشارية تابعة لرئاسة الجمهورية) من التشكيلة مقابل إدراج النائب العام لدى «المحكمة العليا» (أعلى هيئة في القضاء المدني).

عودة «الداخلية» إلى مفاصل العملية الانتخابية

تحت غطاء «البحث عن الفعالية»، يُحدث تعديل الدستور تحولاً كبيراً في تنظيم الانتخابات في الجزائر. فبينما تحتفظ «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» رسمياً بمهام الرقابة وإعلان النتائج، فإنها تُجرد من عنصر أساسي في عملها، وهو التحضير المادي واللوجيستي. هذه المهمة، التي تشمل تسيير الموارد البشرية والتقنية ميدانياً، تُعاد رسمياً إلى وزارة الداخلية، وهو ما عده مراقبون تراجعاً عن مكسب ديمقراطي جاء به «الحراك الشعبي» المطالب بالتغيير في سياق رفض ترشح الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة عام 2019.

وتُبرر مذكرة أسباب هذا الخيار بـ«الرغبة في تمكين سلطة الانتخابات من تخفيف الأعباء الثقيلة للتركيز على دورها الرقابي». غير أن المراقبين ذاتهم يرون أن عودة الجهاز الإداري، ممثلاً في وزارة الداخلية والجماعات المحلية، إلى مفاصل العملية الانتخابية تُنهي مرحلة من الاستقلالية الكاملة لهذه الهيئة، وتعيد وضع السلطة التنفيذية في قلب المنظومة الانتخابية.

وشاركت معظم الأحزاب في «استشارة» نظمتها الرئاسة حول وثيقة التعديلات، ووافقت عليها رغم بعض التحفظات عليها. وأبرز هذه التحفظات صدرت عن الحزبين المعارضين «جبهة القوى الاشتراكية»، الذي يملك ثلاثة أعضاء في الغرفة البرلمانية العليا، ومن دون أي تمثيل في الغرفة السفلى (المجلس الشعبي الوطني)، و«حزب العمال» الغائب عن الغرفتين.

وزير العدل أثناء عرض التعديل الدستوري على مكتب غرفتي البرلمان (البرلمان)

وأكد قياديون في «حركة مجتمع السلم» الإسلامية المعارضة، أن كتلتها البرلمانية قررت رفع الأيدي لصالح وثيقة التعديل «رغم عدم اقتناعنا بها بشكل كامل».

ومن البداية أظهرت الأحزاب الموالية للرئيس والمهيمنة على البرلمان دعمها للخطوة، وهي «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، و«حركة البناء الوطني».

وبعكس هذا «الإجماع»، حذر عثمان معزوز، رئيس حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، في بيان، من تداعيات المراجعة الدستورية على المسار الديمقراطي، عادّا أنها «تمهد لاستعادة النظام الرئاسي المطلق». وانتقد معزوز بشدة توسيع صلاحيات الرئيس لتشمل حل المجالس المحلية مسبقاً، وتعديل هيكلة «مجلس الأمة»، مؤكداً أن الأمر يتعلَق بـ«خطوات تهدف إلى إحكام القبضة على آليات الخلافة المؤسساتية».

كما ندد الحزب، الذي لم يشارك في الاستشارة بخصوص تعديل الدستور، بما وصفه بـ«غياب النقاش العمومي»، وبـ«توجه البرلمان لتبني نص المشروع دون تمحيص»، محذراً من أن «تحويل أدوار السلطة المضادة إلى وظائف شكلية يهدد جوهر التوازن المؤسساتي في البلاد».