فرنسا تبحث خيارات الرد على ما تعده «إذلالاً» جزائرياً

وزراء وسياسيون فرنسيون يعرضون مروحة واسعة لـ«الانتقام من الإهانة» التي لحقت ببلادهم

وزير العدل الفرنسي جيرالد درامانان خارجاً من قصر الإليزيه في 8 الجاري ويتبعه وزير الدفاع سيباستيان لو كورنو (رويترز)
وزير العدل الفرنسي جيرالد درامانان خارجاً من قصر الإليزيه في 8 الجاري ويتبعه وزير الدفاع سيباستيان لو كورنو (رويترز)
TT

فرنسا تبحث خيارات الرد على ما تعده «إذلالاً» جزائرياً

وزير العدل الفرنسي جيرالد درامانان خارجاً من قصر الإليزيه في 8 الجاري ويتبعه وزير الدفاع سيباستيان لو كورنو (رويترز)
وزير العدل الفرنسي جيرالد درامانان خارجاً من قصر الإليزيه في 8 الجاري ويتبعه وزير الدفاع سيباستيان لو كورنو (رويترز)

تتوجه الأنظار في فرنسا نحو البرلمان لتلمس المسار الذي ستسلكه الأزمة الفرنسية - الجزائرية بمناسبة الكلمة المرتقبة، الثلاثاء، لرئيس الحكومة الجديد فرنسوا بايرو، الذي سيُعرض، للمرة الأولى، للنواب، برنامجه الحكومي في الداخل والخارج.

وبالنظر إلى التعبئة الحكومية والسياسية إزاء ملف بالغ الحساسية، من المنتظر أن يكشف بايرو عن الإجراءات التي تنوي الحكومة اتخاذها للرد على ما عدَّه وزير الداخلية برونو روتايو «تحقيراً» أو «إذلالاً» لفرنسا عندما رفضت سلطات الأمن في مطار الجزائر استعادة مواطنها «بوعلام ن» المؤثر والناشط على وسائل التواصل الاجتماعي الذي سحبت منه ترخيص إقامته عل الأراضي الفرنسية ورحَّلته إلى الجزائر بحجة «الدعوة إلى اللجوء إلى العنف» ضد معارضين للنظام الجزائري.

الرئيس إيمانويل ماكرون متحدثاً في إطار الاجتماع السنوي لسفراء فرنسا عبر العالم بقصر الإليزيه (رويترز)

وما كان لحادثة من هذا النوع أن تتفاعل بهذا الشكل وتثير هذه «التعبئة» من الجانب الفرنسي، لو أن العلاقات الفرنسية - الجزائرية «طبيعية». وإذا كانت هذه العلاقات تعرف منذ عشرات السنوات «مطبات هوائية» متكررة، فلأنها، تاريخياً، بالغة الحساسية بسبب الخلافات المتراكمة بين الطرفين التي لم تنجح الجهود التي بذلها الرئيسان إيمانويل ماكرون وعبد المجيد تبون، في الأعوام الثلاثة الماضية، في تسويتها. وبكلام آخر، فإن الحادثة الأخيرة ليست سوى الجزء الظاهر من «جبل الجليد» الذي يمنع حقيقة تجاوز الخلافات والتوصل إلى «مصالحة حقيقية» بين الطرفين.

العاهل المغربي مستقبلاً الرئيس الفرنسي خلال زيارته الأخيرة للمغرب (أ.ف.ب)

بيد أن الانفجار الحقيقي للعلاقات يعود للصيف الماضي، عندما وجه ماكرون رسالة رسمية إلى ملك المغرب محمد السادس، في 27 يوليو (تموز )الماضي، بمناسبة «عيد العرش» وفيها يتبنى سياسة إزاء الصحراء الغربية، مختلفة جذرياً عن السياسة الفرنسية التقليدية.

وجاء في رسالة ماكرون اعتباره أن «حاضر ومستقبل الصحراء الغربية يُدرجان في إطار السيادة المغربية»، مشدداً على «ثبات الموقف الفرنسي إزاء هذا التحدي للأمن الوطني المغربي». وكان رد الجزائر عبر استدعاء سفيرها وتجميد العلاقات الثنائية في غالبية المجالات وحملة تعبئة ضد فرنسا، القوة المستعمرة السابقة.

صورة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال زيارته إيطاليا يونيو الماضي بمناسبة قمة السبع (د.ب.أ)

ومؤخراً، جاءت كلمة ماكرون، يوم 6 الجاري، في حديثه عن احتجاز الكاتب الجزائري - الفرنسي بوعلام صنصال منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) لدى وصوله إلى مطار الجزائر، بأن الجزائر «ألحقت العار بنفسها لمنع العلاج عن رجل مريض للغاية»، ووصفه بأنه «مناضل من أجل الحرية»، وأنه «محتجز بطريقة تعسفية من المسؤولين الجزائريين»، لتصب الزيت على النار.

كان تبون قد رأى أن باريس «أرسلت محتالاً لا يعرف هويته ولا يعرف والده، وجاء ليقول إن نصف الجزائر ينتمي إلى دولة أخرى»... يقصد المغرب.

ما سبق غيض من فيض الخلافات المتنوعة بين البلدين. ولاكتمال الصورة، تجدر الإشارة إلى أن جهود الطرفين من أجل «مصالحة الذاكرة» الثنائية باءت بالفشل رغم ما أنجزته اللجنة التي يترأسها من الجانب الفرنسي المؤرخ بنجامين ستورا. فالجزائر تريد اعتذاراً من فرنسا على ما قامت به خلال فترة الاستعمار الممتدة لـ132 عاماً. كما تريد جلاء مجموعة من الملفات، منها التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية، والحصول على تعويضات، فضلاً عن استعادة الآثار الجزائرية المنهوبة.

كذلك تطلب الجزائر، دورياً، من باريس أن تسلمها من تسمّيهم «المخربين»، أي المعارضين الجزائريين المقيمين على الأراضي الفرنسية الذين يهاجمون النظام على وسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي ترفضه باريس، معتبرةً أنه من «صلاحيات المحاكم وحدها».

وزير الداخلية برونو روتايو متحدثاً خلال اجتماع يوم الاثنين في مدينة لو هافر (شمال فرنسا) حول أمن المواني (أ.ف.ب)

من جانبها، تأخذ باريس على الجزائر رفضها التعاون القنصلي في استقبال الجزائريين الذين فقدوا حق البقاء على الأراضي الفرنسية والذين تريد باريس ترحيلهم، بالتوازي مع مماطلة الجزائر في إعطاء تأشيرات دخول للفرنسيين، بعكس ما تقوم به السلطات الفرنسية.

يضاف إلى ما سبق، أن فرنسا لا ترى أن علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع الجزائر تذهب في الاتجاه الصحيح، فضلاً عن أن الجزائر تماطل أيضاً في دفع متأخرات ومستحقات شركات فرنسية كبرى عاملة في الجزائر.

فرنسا تتهيأ للرد

ولعبت حادثة الناشط «المؤثر»، (بوعلام ن)، دور القشة التي قصمت ظهر البعير. ومنذ الخميس الماضي، ثمة ما يشبه التنافس بين الوزراء والسياسيين الفرنسيين في طرح وسائل الرد على «الإهانة» الجزائرية. فوزير الداخلية القادم إلى الحكم من اليمين، والساعي إلى إبراز عضلاته في فرض الأمن، والتعامل بشدة مع ملفات الهجرة والعصابات والتهريب والمخدرات، كان أول من أطلق النفير بدعوته إلى الرد على «العمل العدواني» الجزائري من خلال «درس جميع وسائل الانتقام المتاحة لنا، وأعني كل هذه الوسائل».

من لقاء سابق بين الرئيسين الفرنسي والجزائري (الرئاسة الفرنسية)

ومن وسائل الردع، أشار برونو روتايو إلى تفعيل مبدأ «المعاملة بالمثل» في موضوع التأشيرات، واستخدام المساعدات الإنمائية التي تقدمها باريس. ويريد روتايو اللجوء إلى الاتحاد الأوروبي لليّ ذراع الجزائر، من خلال تجميد المحادثات الخاصة باتفاقية التجارة بينها وبين الاتحاد.

بيد أن السلاح الرادع الذي يريد الوزير المعنيّ اللجوء إليه عنوانه تعليق أو إلغاء اتفاقية عام 1968 بين الطرفين التي توفر تسهيلات إقامة وعمل للجزائريين في فرنسا. وقال روتايو: «شخصياً، لطالما كنت أؤيد ذلك. ولكن لا يمكن أن يكون الأمر منوطاً بي فقط».

وتجدر الإشارة إلى أن السلطات الفرنسية أوقفت أخيراً، ثلاثة «مؤثرين» جزائريين، للاشتباه في «تحريضهم على الإرهاب»، ووضع منشورات تحض على ارتكاب أعمال عنف في فرنسا ضد معارضين للنظام الجزائري.

لم يتأخر رئيس الحكومة السابق غابرييل أتال، في الانضمام إلى وزير الداخلية بدعوته إلى وقف العمل باتفاقية عام 1968. ومن جانبه، لحق جان نويل بارو، وزير الخارجية، بالداعين إلى اتخاذ إجراءات مضادة. وأعلن الجمعة، في حديث تلفزيوني، أنه «لن يكون أمام فرنسا سوى الرد... إذا داوم الجزائريون على موقفهم التصعيدي». وأشار إلى أنه «من بين الأوراق التي نستطيع تفعيلها، التأشيرات، ومساعدات التنمية»، فضلاً عن «عدد معين من مواضيع التعاون الأخرى»، لتي لم يسمّها.

الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس حكومته فرنسوا بايرو (رويترز)

أما جيرالد درامانان، وزير العدل الحالي والداخلية، فقد عثر على الرد الذي من شأنه أن يؤذي «النخبة الجزائرية». واقترح درامانان الذي له أصول جزائرية، مساء الأحد، إلغاء الاتفاق الحكومي المشترك المبرم في عام 2013، الذي يتيح لمن يحملون جوازات سفر رسمية، أو جوازات سفر دبلوماسية جزائرية، (وهناك الآلاف منهم)، بالمجيء إلى فرنسا من دون تأشيرة والتنقل بحرية.

وحسب الوزير المذكور، فإن هذا الإجراء «الانتقامي» يصيب النخب، ويعد «أكثر ذكاءً وفاعلية ويمكن القيام به بسرعة كبيرة». كما دعم درامانان مقترح مراجعة أو إلغاء اتفاقية عام 1968، التي وصفها بأنها «أصبحت قديمة»، و«تمت مراجعتها في كثير من المرات» في السابق.

لا شيء يشي، من الجانبين، بأن الأمور ذاهبة نحو التهدئة. لكنَّ سفيراً فرنسياً سابقاً قال لـ«الشرق الأوسط» إن علاقات البلدين عرفت منذ عقود كثيراً من التوترات، إلا أن الطرفين «أخذا دوماً في الاعتبار مصلحتهما المشتركة في الحفاظ عليها». فهل سيلجمان، هذه المرة، الموجة التصعيدية أم أنها ستتواصل؟ المؤشر قد يأتي عبر خطاب بايرو، الذي سيدلّ ربما على المسار الذي ستسلكه هذه العلاقات.


مقالات ذات صلة

فرنسا تجدد دعمها غير المحدود للبنان... حتى بعد رحيل «اليونيفيل»

خاص صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)

فرنسا تجدد دعمها غير المحدود للبنان... حتى بعد رحيل «اليونيفيل»

دعم فرنسي غير محدود للبنان وسعي جدي للتعامل مع رحيل «اليونيفيل» ونواف سلام من قصر الإليزيه: «لن نسمح لـ(حزب الله) بترهيبنا».

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي صورة نشرها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في صفحته على «إكس» للجندي الفرنسي أنيسيه جيراردان الذي توفي الأربعاء متأثراً بجراحه بعد إصابته بكمين استهدف قوات حفظ السلام «يونيفيل» خلال مهمة بجنوب لبنان (إكس)

ماكرون يعلن وفاة جندي فرنسي ثانٍ من قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان

أعلن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، عن وفاة جندي فرنسي ثانٍ، الأربعاء، «متأثراً بجراحه» التي أصيب بها في كمين نُصب لقوات «يونيفيل» جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يصافح رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في نهاية مؤتمر صحافي مشترك عقب اجتماعهما في قصر الإليزيه الرئاسي في باريس 21 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ماكرون يدعو إسرائيل للتخلي عن «أطماعها التوسعية» في لبنان

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الثلاثاء، إسرائيل إلى «التخلي عن أطماعها» التوسعية في لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك يعقدان مؤتمراً صحافياً مشتركاً في قاعة المدينة الرئيسية في غدانسك... بولندا 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ماكرون وتوسك يعطيان زخماً جديداً للتعاون الدفاعي بين بلديهما

أعطى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك زخماً جديداً لتعاون بلديهما في مجالات الردع النووي والأقمار الاصطناعية العسكرية.

«الشرق الأوسط» (غدانسك)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك يعقدان مؤتمراً صحافياً مشتركاً في قاعة المدينة الرئيسية في غدانسك... بولندا 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ماكرون يحض إيران وأميركا على خفض التصعيد على خلفية إغلاق مضيق هرمز

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم (الاثنين)، الولايات المتحدة وإيران إلى خفض التصعيد وسط تصاعد التوتر في مطلع الأسبوع بشأن مضيق هرمز.


الحكومة المصرية لتشجيع الصناعة المحلية رداً على «انتقادات»

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)
TT

الحكومة المصرية لتشجيع الصناعة المحلية رداً على «انتقادات»

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)

افتتح رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الخميس، 9 مشروعات صناعية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بإجمالي استثمارات نحو 182.5 مليون دولار، عملاً على تشجيع الصناعات المحلية مع توفير بيئة محفزة للاستثمار، وذلك رداً على انتقادات وجهت لها سابقاً بشأن توقف مصانع عن العمل وعدم التركيز على الإنتاج المحلي.

وقال مدبولي إن «حكومته تكثف جهودها لتشجيع الصناعة المحلية، وتوطين مختلف الصناعات الحيوية والإنتاجية بالشراكة مع القطاع الخاص»، وأشار إلى أنها «تسعى بكل الجهود الممكنة لزيادة الاستثمارات المحلية وجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية والعربية لضخها في قطاع الصناعة».

وأضاف أن «حكومته اتخذت إجراءات لتوفير بيئة محفزة لجذب المستثمرين المحليين والأجانب، وإقامة مصانع جديدة في مختلف المناطق الصناعية بالدولة»، لافتاً إلى أن «حكومته تعمل على احتواء الضغوط التي تواجهها الصناعات بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، في ظل التحديات التي تشهدها السوق العالمية».

وتحدث رئيس الوزراء المصري عن انتقادات وجهت لحكومته أخيراً على منصات التواصل الاجتماعي بسبب «توقف مصانع عن العمل والإنتاج»، وقال في مؤتمر صحافي على هامش جولته في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إن ما يجري تداوله «لا أساس له من الصحة»، مشيراً إلى أن «المصانع تعمل بكامل طاقتها الإنتاجية دون توقف».

وكثيراً ما توجَّه انتقادات للحكومة تستحثها على ضرورة التركيز على الصناعة والزراعة بدلاً من الاهتمام بالطرق، وذلك لدعم الإنتاج المحلي وتقليل فاتورة الاستيراد بالعملة الصعبة من الخارج.

وتتخذ الحكومة إجراءات عدة لاحتواء تأثيرات الحرب الإيرانية الاقتصادية، وأعلنت عن قرارات استثنائية، تضمنت رفع أسعار المحروقات بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، كما أعلنت عن إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، من بينها إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي داخل أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)

وشدد مدبولي، الخميس، على أن «أسعار الوقود والطاقة لن تعود سريعاً إلى مستويات ما قبل الحرب على إيران»، مضيفاً أنه «حال انتهاء الصراع خلال الفترة الحالية، فهذا لا يعني تراجعاً في أسعار النفط والغاز، ذلك لأن الأضرار التي لحقت بالبنية الأساسية للطاقة في دول الخليج وإيران ستحتاج إلى وقت قبل عودة الأسواق إلى الاستقرار الكامل».

ويرى رئيس الوزراء المصري أن الطاقة ستحتاج إلى فترة زمنية حتى تستعيد توازنها الطبيعي، مؤكداً أن بلاده لديها سيناريوهات للتعامل مع تداعيات التصعيد العسكري بالمنطقة.

وبحسب الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة، فإن هناك مؤشرات تعكس تحسن مستوى التصنيع المحلي في مصر، وقال إن الحكومة مهتمة بتوطين عدد من الصناعات بما يقلل من أعباء الاستيراد من الخارج بالعملة الصعبة، مع توفير منتجات منافسة تساهم في خفض الأسعار.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «دعم الصناعة المحلية يحقق مكاسب عدة من بينها توفير فرص عمل وزيادة معدلات التشغيل، مع فتح أسواق تصديرية للخارج».

رئيس الوزراء المصري مصطفلا مدبولي أكد أن حكومته تعمل على جذب استثمارات صناعية تُسهم في زيادة الإنتاج المحلي (مجلس الوزراء)

وزادت نسبة الصادرات بالنسبة إلى الناتج المحلي في مصر بنسبة 11.8 في المائة في العام الماضي، وفق وزير الاستثمار المصري محمد فريد الذي قال في كلمته بمجلس النواب، الأربعاء، إن معدل نمو القطاع الصناعي وصل إلى 14 في المائة في عام 2025.

ويرى بدرة أن «التحديات الإقليمية تُصعب من أي فرص جذب للاستثمارات الداخلية والخارجية في هذا التوقيت»، وأشار إلى أن هناك ضغوطاً اقتصادية على منظومة الإنتاج لدى غالبية الدول حالياً.

وأضاف: «الانتقادات الموجهة للحكومة بشأن إهمال التصنيع المحلي سوف تستمر في ظل الأعباء الاقتصادية العالمية القائمة».

من جهته، قال مدبولي، الخميس، إن حكومته «تعمل على جذب استثمارات صناعية تُسهم في زيادة الإنتاج المحلي وتعزز تنافسية الصادرات المصرية في الأسواق العالمية»، مشيراً إلى «التركيز على تعميق القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني».


بدء «التوقيت الصيفي» بمصر... هل تتغير مواعيد «غلق المحال»؟

إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)
إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)
TT

بدء «التوقيت الصيفي» بمصر... هل تتغير مواعيد «غلق المحال»؟

إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)
إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)

أثار «التوقيت الصيفي» في مصر، ويبدأ عند منتصف ليل الخميس، تساؤلات بشأن مواعيد «غلق المحال» التجارية التي تم إقرارها سابقاً ضمن إجراءات استثنائية اتخذتها الحكومة لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية.

ويكون تطبيق «التوقيت الصيفي» بتقديم الساعة 60 دقيقة. وعن موقف مواعيد غلق المحال مع التوقيت الجديد، قال رئيس الوزراء، الخميس، إن «لجنة إدارة الأزمات ستعقد اجتماعاً قريباً لتحديد القرار».

وكانت الحكومة المصرية قد قررت تطبيق «إجراءات استثنائية» لمدة شهر بدءاً من 28 مارس (آذار) الماضي، بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، من بينها إغلاق المحال والمقاهي الساعة 9 مساء - تم تمديدها لاحقاً إلى الساعة 11 يومياً - وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقار المصالح الحكومية، إلى جانب العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع.

وشهدت الأسابيع الماضية مطالبات برلمانية بإلغاء «التوقيت الصيفي»، وانتقد وكيل «لجنة القوى العاملة» بمجلس النواب إيهاب منصور تطبيقه وجدواه، وتقدم بسؤال برلماني للحكومة، الخميس، مطالباً بالكشف عن البيانات الرسمية حول حجم توفير استهلاك الطاقة عند تطبيق «التوقيت الصيفي».

في حين طالب الإعلامي المصري أحمد موسى بإعادة النظر في مواعيد غلق المحال التجارية خلال فصل الصيف، ودعا خلال برنامجه التلفزيوني، مساء الأربعاء، إلى تمديد مواعيد إغلاق المحال من 11 مساء إلى الواحدة صباحاً مع بدء التوقيت الصيفي، بما يتناسب مع طبيعة الموسم السياحي والحركة التجارية.

مدى توفير الطاقة

الخبير الاقتصادي المصري أحمد حنفي يرى أن «التوقيت الصيفي» يساهم في توفير استهلاك الطاقة بنسبة صغيرة ليس لها تأثير. وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه مع بدء التوقيت الصيفي وتقاطعه مع إجراءات الترشيد الحكومية يجب تعديل مواعيد غلق المحال حتى 12 مساءً؛ لأن التوقيت الجديد «يخصم ساعة يومياً من فترة عمل هذه المحال، ولا يتناسب مع طبيعة الأنشطة المختلفة والحركة التجارية خلال الصيف».

محال تجارية تنتظر القرار الحكومي الجديد بشأن المواعيد بعد تطبيق «التوقيت الصيفي» (وزارة التموين)

وخلال كلمته أمام مجلس النواب، الثلاثاء الماضي، تحدث مدبولي عن خطة «التقشف الحكومي» لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية، مؤكداً أن «ترشيد الطاقة خلال الفترة الماضية خيار، لكن كان ضرورة فرضتها علينا معطيات الأزمة».

وأضاف: «خطة ترشيد الاستهلاك لا تزال تحت التقييم لدراسة حجم الوفر الذي حققته، وإن كانت المؤشرات الأولية لها تشير إلى تحقيق وفر خلال الأسبوع الأول بلغ 18 ألف ميغاوات / ساعة، وتحقيق وفر في الوقود بلغ 3.5 مليون متر مكعب، ووفر في يوم العمل عن بُعد بلغ 4700 ميغاوات / ساعة، و980 ألف متر مكعب وفراً في الوقود».

وأضاف أن «انتهاء أزمة الحرب - حتى وإن تحقق من الناحية الشكلية - لا يعني بالضرورة زوال آثارها، التي من المرجح أن تستمر تداعياتها الاقتصادية لفترة تمتد على الأقل حتى نهاية العام الجاري».

ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)

ويرجح حنفي «استمرار الحكومة في تطبيق إجراءات الترشيد، وتمديد قرار الإغلاق المبكر للمحال لفترة أخرى كونه نوعاً من التحوط الاقتصادي».

وتثير خطة «التقشف الحكومي» والإغلاق المبكر جدلاً واسعاً في مصر منذ بدء تطبيقها.

وقال الخبير الاقتصادي المصري وائل النحاس لـ«الشرق الأوسط» إن تداعيات الحرب الإيرانية وأزمة الطاقة «تتطلب استمرار خطة التقشف والترشيد، لأن القادم أصعب»، وفق رأيه، مؤكداً أن «الأزمة تستدعي إجراءات أكثر حدة؛ لأن العالم مقبل على أزمة طاقة كبيرة، وتأثر في سلاسل الإمدادات خاصة للمواد الغذائية».

ويرى النحاس أنه «لا يوجد معنى الآن للحديث عن تأثر المحال بالإغلاق المبكر ساعة أو ساعتين، بسبب تصاعد تداعيات الأزمة»، لكنه أشار إلى أن «الحكومة المصرية ملتزمة بخطة الترشيد والحد من نفقاتها غير الضرورية».


السيسي في قبرص... محادثات تستعرض أزمات المنطقة وسبل دعم الاقتصاد

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالقاهرة في مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالقاهرة في مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي في قبرص... محادثات تستعرض أزمات المنطقة وسبل دعم الاقتصاد

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالقاهرة في مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالقاهرة في مايو 2024 (الرئاسة المصرية)

يشارك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القمة الأوروبية بقبرص، وسط توترات تشهدها المنطقة تسببت في أزمات اقتصادية عالمية كان للقاهرة نصيب كبير من تداعياتها.

وتحمل تلك القمة أهمية كبيرة لمصر وملفات التعاون مع أوروبا، وفي مقدمتها دعم الاقتصاد واحتواء أزمات المنطقة، حسبما قال عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية الأسبق، رخا أحمد حسن، لـ«الشرق الأوسط».

وتستقبل قبرص أعمال القمة غير الرسمية لقادة الاتحاد الأوروبي، تزامناً مع رئاستها مجلس الاتحاد الأوروبي في النصف الأول من عام 2026.

وتُعقد القمة على مدى يومين، الخميس والجمعة، حيث يبدأ البرنامج بعشاء عمل للقادة في منتجع آيا نابا الساحلي، قبل أن تنتقل يوم الجمعة إلى نيقوسيا، حيث سينضم إلى قادة الاتحاد الأوروبي رؤساء دول وحكومات من عدة دول في الشرق الأوسط، بينهم قادة عرب في خطوة تهدف إلى تعزيز التقارب السياسي والاقتصادي بين الجانبين، وهي إحدى الأولويات الأساسية للرئاسة القبرصية الحالية لمجلس الاتحاد الأوروبي.

وأفادت وسائل إعلام مصرية، الأربعاء، بأن القمة ستكون بمشاركة السيسي وبحضور عدد كبير من قادة دول الاتحاد الأوروبي، لافتة إلى أهميتها في ظل التطورات المتسارعة بالمنطقة.

الرئيسان المصري عبد الفتاح السيسي والفنلندي ألكسندر ستوب خلال مؤتمر صحافي بالقاهرة يوم الثلاثاء (الرئاسة المصرية)

وكان الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، قد قال في مؤتمر صحافي بالقاهرة مع نظيره المصري، الثلاثاء، إن هناك اجتماعاً مهماً في قبرص مع القادة الأوروبيين بحضور الرئيس السيسي لمناقشة العديد من القضايا والملفات التي تهم الجانبين.

ويرى حسن أن القمة تحمل أهمية كبيرة لمصر في ظل تداعيات اقتصادية عالمية جراء توترات المنطقة، متوقعاً أن تُجرى محادثات بالغة الأهمية بشأن مساعي احتواء التصعيد ودعم الاقتصاد المصري وتعزيز التعاون.

وأشار إلى أن حرب إيران ستتصدر ملفات أزمات المنطقة بجانب ملف الطاقة، مع تقديرات بأن تبحث القمة ما بعد انتهاء الحرب بين واشنطن وطهران، خاصة والمنطقة ستأخذ فترة حتى تعود للاستقرار أمنياً واقتصادياً.

ولفت إلى أن ما يحدث في المنطقة، لا سيما لبنان جراء العدوان الإسرائيلي، سيكون مطروحاً على الطاولة في ظل نزوح تتضرر منه اليونان وقبرص بشكل خاص.

وتابع: «إضافة لذلك ستكون الأزمات المتواصلة كحرب السودان وغزة وملف الهجرة غير المشروعة على طاولة القمة».

الرئيس المصري خلال مؤتمر صحافي مشترك مع قادة أوروبيين بالقاهرة في مايو 2024 (الرئاسة المصرية)

وتأتي القمة الأوروبية وسط تنامي علاقات القاهرة ودول الاتحاد الأوروبي وتقديمها مساعدات مالية.

وكانت المفوضية الأوروبية قد أعلنت في ديسمبر (كانون الأول) 2024 تقديم دعم مالي لمصر بقيمة مليار يورو، تم صرفه في يناير (كانون الثاني) 2025 باعتباره جزءاً من تمويل إجمالي يبلغ 7.4 مليار يورو (نحو 8.1 مليار دولار).

وفي 15 يناير 2026 أعلنت «المفوضية» صرف الشريحة الثانية بقيمة مليار يورو لمصر، وينتظر صرف شريحة ثالثة بقيمة 4 مليارات يورو.

وصدرت مطالبات مصرية متعددة لسرعة صرف الشريحة الثالثة، وذلك خلال اتصالين هاتفيين أجراهما وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس، ووزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو.

ويتوقع عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» أن يشهد الملف الاقتصادي والتعاون المشترك نقطة رئيسية في مسار المحادثات الثنائية أو على مستوى القمة التي يشارك فيها السيسي، مرجحاً أن تشهد مخرجات القمة تقديم مساعدات مالية أو تعجيل صرف شريحة مالية جديدة للقاهرة في ظل التداعيات الكبيرة للتوترات على الاقتصاد المصري.