البرد والجوع يقتلان الأطفال وكبار السن والحوامل في دارفور

متحدث باسم النازحين: الناس يأكلون أوراق الأشجار وأعلاف الحيوانات

لاجئون فرّوا حديثاً من منطقة في دارفور تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» في مخيم بتشاد (نيويورك تايمز)
لاجئون فرّوا حديثاً من منطقة في دارفور تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» في مخيم بتشاد (نيويورك تايمز)
TT

البرد والجوع يقتلان الأطفال وكبار السن والحوامل في دارفور

لاجئون فرّوا حديثاً من منطقة في دارفور تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» في مخيم بتشاد (نيويورك تايمز)
لاجئون فرّوا حديثاً من منطقة في دارفور تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» في مخيم بتشاد (نيويورك تايمز)

التصق جلد الطفلة فاطمة، البالغة من العمر 3 سنوات، بعظامها النحيلة من شدة الجوع، في حين كانت أمها حواء، وهي جائعة أيضاً، تنتظر بقلق حصة قليلة من المواد الغذائية توزعها جمعيات محلية تعرف باسم «التكايا»، وتقول: «كانت ابنتي مرحة وضاحكة، تلعب بنشاط مع أندادها، لكنها الآن لا تستطيع الحركة من الجوع»، وتتابع: «ليس لدينا أكل، فإذا توفرت لنا وجبة واحدة نكون سعداء جداً، فقدنا كل شيء بسبب الحرب».

الحرب في السودان والقيود المفروضة على توصيل المساعدات تسببتا في مجاعة في شمال دارفور (رويترز)

إلى جانب الجوع، يعيش سكان باقون في مدينة الفاشر، حاضرة ولاية شمال دارفور، وسط الموت الذي يأتيهم من الأرض والسماء، في حين غادرت أعداد كبيرة إلى معسكرات النزوح، لكن الموت بالقذائف والجوع ظل يلاحقهم هناك أيضاً، وهذا ما أورده الناطق باسم «منسقية النازحين واللاجئين في دارفور»، آدم رُجال، الذي قال في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن الناس في معسكرات النزوح في دارفور، يعيشون أوضاعاً سيئة للغاية، فمن لم يمت منهم بالرصاص والقذائف المتطايرة، «مات بالجوع وسوء التغذية والبرد والأمراض».

رُجال الذي ظل يدافع عن قضايا النازحين منذ حرب دارفور الأولى 2003، حضّ الجيش و«قوات الدعم السريع»، على إيقاف الحرب التي راح ضحيتها أكثر من 7 آلاف داخل مخيمات النازحين في دارفور، الذين تضاعفت أعدادهم... فبعد أن كانوا قبل اندلاع الحرب، نحو 3 ملايين نازح، صاروا الآن، أكثر من 6 ملايين، يقيمون في 171 مخيماً، 70 بالمائة من النساء والأطفال.

وفي تجسيده للمأساة، وصف رُجال معاناة الحرب التي تفاقمت بدخول فصل الشتاء والبرد القارس، بقوله: «هذه الأيام يموت الأطفال من البرد»، ويتابع: «أجبر القصف المدفعي من (قوات الدعم السريع)، ومقاتلات الجيش في الفاشر، سكان المدينة على مغادرتها. ووصلوا، بعد أيام، إلى مناطق في جبل مرة، وهي مناطق آمنة، لكن تنعدم فيها سبل الحياة».

وأضاف: «إن المئات من الذين فرّوا بأجسادهم وأرواحهم إلى هناك يعيشون في العراء وتحت الأشجار، بانتظار مواد إغاثية وخيام تقيهم برد دارفور القارس... منظر الأطفال وهم يبحثون عن الدفء يمزق القلوب، ومثلهم حال كبار السن».

ويتابع: «إلى جانب الجوع والبرد القارس، فإن الأمراض والالتهابات الناتجة عن البرد، تزيد من الوفيات بين الأطفال وكبار السن والنساء الحوامل»، وشدد: «الناس بحاجة ماسة للمسكن والغذاء والدواء».

الأحد الماضي، نفت الحكومة وجود مجاعة في البلاد، ووصفت تقرير «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، الذي صنف 5 مناطق جديدة في دارفور بأنها دخلت مرحلة الجوع، بـ«غير المحايد»، وبأنه يسهم في إطالة أمد الحرب، وذلك بعد أيام من إعلانها تعليق مشاركتها في «المرصد الأممي للجوع»، الذي يراقب مستويات الجوع في العالم.

ومنذ أبريل (نيسان) 2024، تُحاصر «قوات الدعم السريع» مدينة الفاشر، المنطقة الوحيدة التي تبقى من إقليم دارفور تحت سيطرة الجيش، وظل سكانها يواجهون الحصار والقذائف وقصف الطيران الحكومي، وانعدام الغذاء والدواء.

وتدخل مجلس الأمن الدولي، وطلب من «الدعم السريع» فك الحصار عن المدينة، ووقف الحرب لحماية المدنيين، دون جدوى، في حين تتزايد المأساة الإنسانية داخل المدينة، وفي معسكرات النزوح المحيطة بها.

ويضطر «الجوعى» في مخيمات النزوح إلى تناول أعلاف الحيوانات وأوراق الأشجار للبقاء على قيد الحياة. وقال رُجال، إن المساعدات الإنسانية التي تصل إلى هؤلاء النازحين قليلة مقارنة بعددهم، وطالب بزيادة العون الإنساني لهم، وتابع: «بعض الشاحنات التي تدخل الإقليم يتم اعتراضها من (قوات الدعم السريع)، ومجموعات مسلحة أخرى، ويتم الاستيلاء على 60 بالمائة من المواد الإغاثية التي تدخل بعض المناطق».

ويتعرض «معسكر أبو شوك»، المكتظ بالنازحين قرب الفاشر، لقصف كثيف، ما أدى لمقتل المئات، وتزعم «قوات الدعم»، أن القوات الموالية للحكومة «تستخدم النازحين دروعاً بشرية»، في حين يقول الجيش والقوات المشتركة، إن «الدعم السريع» يستهدف المدنيين.

نازحة سودانية تستريح داخل ملجأ في مخيم زمزم شمال دارفور (رويترز)

وانتقد رُجال ما سمّاه «صمت العالم» عن إدانة القصف، والتركيز على مخيم واحد من مخيمات النازحين هو مخيم زمزم، وتجاهل مخيم أبو شوك، الذي يضم 200 ألف شخص، فرّ بعضهم إلى منطقة طويلة، وقال: «الأوضاع الصحية في أبو شوك أصبحت أكثر حراجة، بعد قصف المركز الصحي الوحيد العامل في المخيم».

والى جانب الجوع والبرد والقصف، فإن رُجال يقول: «إن الأمراض المتوطنة، مثل الملاريا، تفتك بالنازحين، ونتجت عنها وفيات وسط الأطفال وكبار السن والنساء الحوامل، إضافة إلى الأمراض المزمنة، مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري؛ حيث لا دواء في مخيمات النزوح».


مقالات ذات صلة

الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيَّرة في كردفان

شمال افريقيا مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)

الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيَّرة في كردفان

أعلن الجيش السوداني، السبت، إسقاط طائرة مسيّرة معادية من طراز «FH – 95» صينية الصنع، في مدينة جبرة الشيخ بولاية شمال كردفان

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا البرهان يتوسط ياسر العطا وشمس الدين كباشي خلال الاحتفال بـ«عيد الجيش» (إعلام مجلس السيادة) p-circle 01:59

البرهان يفتح باب الحوار ويتمسك بحسم «الدعم السريع»

أعلن قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، موافقته رسمياً على مبادرة تقدمت بها مجموعة من السودانيين لإطلاق حوار سوداني خالص بضمانات وحصانات للمشاركين.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا حطام مسيَّرة أعلن الجيش عن إسقاطها في مدينة الأُبيّض كبرى مدن إقليم كردفان (أرشيفية - متداولة) p-circle

هجمات المسيّرات تشعل 3 جبهات في السودان

احتدم القتال بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، الخميس، على محورَي كردفان والنيل الأزرق، إضافة إلى الخرطوم في أكبر هجمات بالمسيرات منذ بداية الحرب

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا مواطنون يزيلون الأنقاض من ساحة جامع في الخرطوم بحري أصيب بهجوم المسيرات (أ.ف.ب)

«الدعم السريع» تشن هجوماً واسع النطاق بالمسيّرات على الخرطوم ومدن سودانية

شنّت «قوات الدعم السريع»، الأربعاء، هجوماً واسعاً بعشرات الطائرات المسيّرة طالت عدداً من المدن السودانية الكبرى في شمال البلاد وغربها.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
العالم العربي أحد أفراد الجيش السوداني يمرّ بين منازل متضررة جراء الحرب بالخرطوم (أرشيفية-رويترز)

هجوم بمسيّرات على الخرطوم ومدينتين في شمال السودان

وقع هجوم بمسيّرات، فجر اليوم، على الخرطوم ومدينتين في شمال السودان، وفق مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» وشهود.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم )

«الدولة» الليبي يرفض رسمياً استقالة محافظ «المركزي»

رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا محمد تكالة مستقبلاً محافظ «المركزي» ناجي عيسى الأربعاء الماضي (الأعلى للدولة)
رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا محمد تكالة مستقبلاً محافظ «المركزي» ناجي عيسى الأربعاء الماضي (الأعلى للدولة)
TT

«الدولة» الليبي يرفض رسمياً استقالة محافظ «المركزي»

رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا محمد تكالة مستقبلاً محافظ «المركزي» ناجي عيسى الأربعاء الماضي (الأعلى للدولة)
رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا محمد تكالة مستقبلاً محافظ «المركزي» ناجي عيسى الأربعاء الماضي (الأعلى للدولة)

رفض المجلس الأعلى للدولة في ليبيا استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، وسط أنباء عن قرب عودته إلى عمله بـ«شروط».

وأعلن رئيس المجلس الأعلى للدولة، محمد تكالة، في رسالة رسمية الأحد، رفضه «طلب الاعتذار والإعفاء الذي تقدم به عيسى»، وطالبه في خطاب رسمي بالاستمرار في أداء مهامه والاضطلاع بمسؤولياته.

يأتي هذا فيما بحث عيسى مع الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا، هانا تيتيه، مستجدات الأوضاع الاقتصادية والمالية في البلاد. ونشر تكالة رسالته عقب اجتماع عقده أيضاً في مكتبه مع رئيسة بعثة الأمم المتحدة.

محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى مستقبلاً المبعوثة الأممية لدى البلاد هانا تيتيه بطرابلس يوم الأحد (المركزي)

وأوضح المصرف المركزي أن لقاء عيسى وتيتيه تناول أيضاً «جهود المصرف في تنفيذ الإصلاحات المالية والاقتصادية مع الجهات ذات العلاقة».

ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصدر بـ«المصرف المركزي» أن المحافظ يستعد للعدول عن استقالته والعودة لممارسة مهامه، مقابل تنفيذ ثلاثة شروط رئيسية، تشمل ممارسة مجلسي النواب والدولة ضغوطاً على مختلف الأطراف لتسريع تنفيذ الاتفاق التنموي الموحد، ووقف أي زيادات جديدة في بند المرتبات، وإصدار قوانين ولوائح وسياسات لحماية موارد الدولة والحد من التهريب وتقليص الضغط على العملة الأجنبية.

وكان عيسى قد لوَّح باستقالته بسبب الضغوط المتزايدة وتعارض الرؤى الاقتصادية والمالية بين مؤسسات الدولة المختلفة، في خطوة فجرت تفاعلات واسعة ومتباينة بين الأطراف المحلية والدولية.

وسبق أن اجتمع عيسى، الأربعاء الماضي، مع تكالة وأعضاء المكتب السياسي ورؤساء اللجان الدائمة للمجلس، وأكدوا «رفض اعتذار عيسى عن ممارسة مهامه، واستمراره في العمل».

وفي الاجتماع استعرض عيسى أبرز التحديات المالية والنقدية، وما يتصل بإدارة الموارد العامة والإنفاق والسيولة وسعر الصرف، وانعكاساتها على الاستقرار الاقتصادي والأوضاع المعيشية للمواطنين.


«حماس» وكوشنر في مصر لإنقاذ «اتفاق غزة»

السيسي خلال استقبال كوشنر في مدينة العلمين بمصر يوم 16 أغسطس 2026 (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال استقبال كوشنر في مدينة العلمين بمصر يوم 16 أغسطس 2026 (الرئاسة المصرية)
TT

«حماس» وكوشنر في مصر لإنقاذ «اتفاق غزة»

السيسي خلال استقبال كوشنر في مدينة العلمين بمصر يوم 16 أغسطس 2026 (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال استقبال كوشنر في مدينة العلمين بمصر يوم 16 أغسطس 2026 (الرئاسة المصرية)

قالت مصادر في «حماس»، يوم الأحد، إن جاريد كوشنر مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب، سيلتقي قيادة الحركة في مصر، في إطار مساعيه لدفع خطة السلام في غزة. وقال مصدر مطلع في الحركة لوكالة الصحافة الفرنسية، طالباً عدم كشف هويته، إن «الوسطاء أبلغوا (حماس) بأن كوشنر سيعقد لقاء مع قيادة الحركة بحضور مسؤولين مصريين وقطريين، قبل أن يتوجه إلى إسرائيل للقاء رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو». وأكد المصدر أنه يجري أيضاً ترتيب لقاء بين وفد «حماس» والممثل الأعلى لمجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، ومسؤولين أميركيين خلال زيارة كوشنر لمصر، لمناقشة العقبات المتعلقة بالاتفاق. ويزور كوشنر مصر، ثم إسرائيل، في محاولة لتقريب وجهات النظر بشأن خطة غزة.

ويأتي اللقاء المرتقب في وقت تجري اتصالات في القاهرة بشأن الخطة الأميركية الخاصة بغزة، وبعدما أجرى وفد من «حماس» برئاسة خليل الحية محادثات مع مسؤولين مصريين، بمن فيهم رئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد، في مدينة العلمين، بشمال مصر، لمناقشة سبل الدفع باتجاه تنفيذ خريطة الطريق لقطاع غزة.

كما ناقش الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يوم الأحد، مع كوشنر تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، بحضور رشاد. وتناول لقاء السيسي وكوشنر، الذي انعقد في العلمين «تطورات القضية الفلسطينية حيث تم التشديد على ضرورة قيام كافة الأطراف بتنفيذ التزاماتها بموجب اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، الذي تم التوصل إليه خلال قمة شرم الشيخ للسلام في أكتوبر (تشرين الأول) 2025»، وفقاً لبيان أصدرته الرئاسة المصرية.

التزام «حماس» بالخطة

رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)

من جانبها، ذكرت وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية الرسمية أن وفد «حماس» أكّد خلال الاجتماع التزام الحركة «باستكمال خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء معاناة المواطنين والبدء في إعادة الإعمار». ويضم وفد الحركة، بخلاف الحية، رئيس مجلس شورى الحركة محمد درويش، ورئيس الحركة في الخارج خالد مشعل، ورئيس الحركة في الضفة الغربية زاهر جبارين، ومسؤول مكتب العلاقات العربية والإسلامية باسم نعيم. وتعدّ تلك أول زيارة للحية إلى مصر منذ توليه قيادة «حماس» أواخر يوليو (تموز) الماضي. ورفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطة الـ15 نقطة التي أعلنها ملادينوف، والتي وافقت بموجبها حركة «حماس» على تسليم سلاحها إلى لجنة فلسطينية جديدة تتولى إدارة قطاع غزة مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي من أجزاء واسعة من القطاع. وأعلنت «حماس» الشهر الماضي حلّ لجنة الطوارئ الحكومية المسؤولة عن إدارة غزة بعد عقدين من تولي زمام الحكم، تمهيداً لتسليم اللجنة الوطنية لإدارة القطاع مهامها، في إطار اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل.

كما أفاد المسؤول في «حماس» باستمرار الاتصالات مع الوسطاء المصريين والقطريين والأتراك «لإلزام إسرائيل بالاتفاق». وتتبادل «حماس» وإسرائيل الاتهامات بشأن خرق اتفاق وقف النار، الذي أُبرم في أكتوبر الماضي. وقتلت إسرائيل أكثر من 1050 فلسطينياً، منذ بدء الهدنة، وفق وزارة الصحة في غزة، التي تديرها «حماس» وتعتبر الأمم المتحدة أرقامها موثوقة، وقتل 5 جنود إسرائيليين في المدة نفسها.

حراك متواصل

طفل فلسطيني يسير وسط أنقاض مبنى دمر جراء قصف إسرائيلي وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

وتحتضن مصر حراكاً متواصلاً بشأن استكمال اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ويرى محلل فلسطيني تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الحراك محاولة من القاهرة لدفع وتعجيل مسار إنقاذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بعد رفض إسرائيل في 9 أغسطس (آب) الحالي خريطة «مجلس السلام» للمضي نحو المرحلة الثانية من خطة السلام.

ودخل اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة مرحلة جديدة، نهاية يوليو الماضي، مع تفاهمات جديدة بين الوسطاء وحركة «حماس» وفصائل فلسطينية، بشأن ترتيبات لتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق الذي تعثر تنفيذه مع اندلاع «حرب إيران»، وفي ظل توالي خروقات إسرائيل.

وخلال لقاء مع المسؤولين المصريين، أكدت حركة حماس «تثمين الجهود المصرية لتثبيت الاستقرار في قطاع غزة والحفاظ على مقدرات الشعب الفلسطيني»، مشددة على التزامها باستكمال خطة ترمب لإنهاء معاناة المواطنين والبدء في إعادة الإعمار.

وقال المتحدث باسم «حماس»، حازم قاسم، في بيان: «اللقاءات مع الأشقاء في مصر تأتي في إطار مواصلة الاتصالات والجهد الدبلوماسي للحركة مع الوسطاء بهدف وضعهم في صورة انتهاكات الاحتلال، وضمان إلزام الاحتلال بخريطة الطريق التي تم الاتفاق عليها مع مجلس السلام».

أبرز ما تشمله الخريطة

وسبق أن شهدت القاهرة تفاهمات بشأن استكمال اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بحضور حركة «حماس»، وأعلن «مجلس السلام» في يوليو الماضي، التوصل إلى «خريطة طريق مفصلة» لتنفيذ المراحل التالية من وقف إطلاق النار، وقال إن «حماس» وافقت عليها.

وأبرز ما تشمله الخريطة، التي اعتبرها ترمب تاريخية نزع سلاح «حماس» بالتزامن مع انسحاب إسرائيلي مرحلي وإعادة الإعمار، وانتقال إدارة غزة إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية، وانتشار قوة استقرار دولية، ووضع السلاح تحت مسؤولية اللجنة الوطنية لإدارة غزة بإشراف دولي.

لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن في 9 أغسطس الحالي، رفض هذه التفاهمات، مشترطاً نزع سلاح «حماس» قبل أي انسحاب إسرائيلي.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني أيمن الرقب أن «المحادثات في مصر تتجه لمقاربات بشأن حلحلة الأزمة التي تعرقل مسار الاتفاق بعد رفض إسرائيل لخريطة الطريق، والقاهرة تعظم جهودها في هذا الصدد. وتأتي زيارة كوشنر للضغط على إسرائيل في ظل تجاوب من (حماس)».

ويشير الرقب إلى أن مصر تكثف تحركاتها لعدم تعطيل إسرائيل للاتفاق، في ظل انتخاباتها المرتقبة في أكتوبر المقبل، وزيارة كوشنر قد تنتج عنها تفاهمات تعجل بمسار الاتفاق، ولا سيما مسار نزع السلاح.


موافقة البرهان على حوار مشروط تثير جدلاً في السودان

أرشيفية لقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان يُحيّي مؤيديه في أم درمان غرب الخرطوم 29 يونيو 2019 (أ.ب)
أرشيفية لقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان يُحيّي مؤيديه في أم درمان غرب الخرطوم 29 يونيو 2019 (أ.ب)
TT

موافقة البرهان على حوار مشروط تثير جدلاً في السودان

أرشيفية لقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان يُحيّي مؤيديه في أم درمان غرب الخرطوم 29 يونيو 2019 (أ.ب)
أرشيفية لقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان يُحيّي مؤيديه في أم درمان غرب الخرطوم 29 يونيو 2019 (أ.ب)

أثار إبداء رئيس مجلس السيادة قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، موافقته على إطلاق حوار سوداني - سوداني جدلاً بين القوى السياسية في البلاد، إذ إنه يتجاوز الخلاف حول المشاركة والمقاطعة إلى سؤال: هل يستطيع حوار سياسي يجري فيما الحرب مستمرة أن يوقف القتال ويعيد توحيد البلاد، أم يتحوّل إلى ترتيب سياسي محصور فقط في مناطق سيطرة الجيش مع ما يعنيه ذلك من إعادة ترسيم لخريطة الحرب؟

وأعلن البرهان، في خطاب يوم السبت بمناسبة عيد الجيش، موافقته على «مبادرة» قدمتها مجموعة من السودانيين لتشكيل آلية وطنية مستقلة تهيئ لـ«حوار شامل»، حسب قوله. وتعهد بتوفير الضمانات القانونية والأمنية والسياسية واللوجستية للمشاركين، دون تدخّل من الدولة في الحوار أو في تنظيمه وتحديد أطرافه وأجندته ومخرجاته.

وكشف البرهان أيضاً عن موافقته على «حصانة مؤقتة» توقف الإجراءات الجنائية بحق المشاركين طوال فترة الحوار، مع حصانة دائمة للآراء والمواقف التي يطرحونها داخله.

لكن مبادرة رئيس مجلس السيادة بخصوص الحوار ترافقت في الوقت ذاته مع إعلانه، في الخطاب نفسه، رفضه لأي سلام يعيد «قوات الدعم السريع» ومسانديها إلى السلطة، مؤكداً أن طريق السلام يبدأ بإلقاء هذه القوات أسلحتها وتجميع عناصرها في مناطق محددة، وإلا فإن الجيش سيواصل العمليات العسكرية ضدها.

من جهته، عزز رئيس الوزراء، كامل إدريس، في تصريحات الأحد، اتجاه البرهان، وقال إن هدف حكومته هو استعادة السلام والمحافظة على وحدة السودان. بيد أنه طالب أيضاً بتصنيف «الدعم السريع» ضمن المنظمات «الإرهابية»، قاطعاً بعدم مساواة هذه القوات بالجيش. ورغم تأكيده تقدم الجيش في كردفان، فإنه أكد انطلاق الحوار السوداني - السوداني في وقت قريب، وأنه سينتهي بانتخابات حرة.

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)

وكشف حديث عضو لجنة مبادرة الحوار، المحامي نبيل أديب، جانباً مهماً من طبيعة العملية المقترحة، بقوله لصحيفة «صوت الأمة» إن إنهاء الحرب لم يوضع هدفاً للجنته، وإن مهمتها الأساسية تنحصر في الوصول إلى توافق سياسي. واستدرك: «قد يكون وقف الحرب واحداً من مخرجات الحوار إذا توافق عليه المشاركون».

ومن هذه التصريحات تبرز معضلة. فإذا توصل المشتركون في الحوار إلى المطالبة بوقف الحرب، فإن تنفيذ ذلك يحتاج عملياً إلى موافقة طرفي القتال. وفي حال بقاء «الدعم السريع» خارج العملية، فإن الحوار يستطيع إنتاج موقف سياسي ضد الحرب، لكنه لا يمتلك بمفرده آلية لوقف النار.

وكان لافتاً في هذا الإطار أن أديب ترك الباب موارباً أمام مشاركة بعض مكونات تحالف «تأسيس» الذي يضم فصائل سياسية وحركات مسلحة معارضة للجيش. وقال: «القوى المنضوية فيه التي لا تحمل السلاح يمكنها طلب المشاركة، على أن ينظر في أمرها وفق آليات اللجنة والمتحاورين».

وفرّق أديب بين الأجنحة السياسية والعسكرية للحركات المساندة للجيش، مثل «حركة العدل والمساواة»، بحيث يشارك جناحها المدني في الحوار، فيما يخضع العسكريون للترتيبات الأمنية والدمج والتسريح.

الدخان يتصاعد من أبنية في الخرطوم خلال اشتباكات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» (أرشيفية - رويترز)

من جهتها، رحبت «الكتلة الديمقراطية» المكونة من قوى وحركات مسلحة متحالفة مع الجيش، بالمبادرة، وعدتها «خطوة لمعالجة الأزمة» عبر مسار سياسي وطني. وطالبت، في بيان، بما سمته «ملكية سودانية للعملية»، وبتوسيع المشاركة فيها وعدم الإقصاء، وقصر الدور الدولي والإقليمي على التيسير والدعم.

وعلى الضفة الأخرى، رفض تحالف «صمود»، وهو تحالف سياسي مدني بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، أي حوار يجري تحت ما أُطلق عليه «دويّ المدافع». واشترط، في بيان، أن يكون وقف الحرب ومعالجة الكارثة الإنسانية مدخلاً لأي عملية سياسية مستقلة عن طرفي القتال.

وحذر التحالف من إجراء الحوار في مناطق سيطرة الجيش وحدها، وعده ترسيخاً لـ«انقسام غير معلن»، بينما تتوزع السيطرة على البلاد بين قوى مسلحة بما يهدد وحدة البلاد.

وذهبت «الحركة الشعبية لتحرير السودان - التيار الثوري الديمقراطي»، بقيادة ياسر سعيد عرمان، إلى توصيف المشكلة بأنها «أعمق من مجرد الحرب الراهنة». وقالت، في بيان، إنها ترتبط بأزمة بناء الدولة، وبتعدد الجيوش والميليشيات، وحذّرت مما أطلقت عليه «حواراً لا يعالج جذور الأزمة»، ومن إعادة إنتاج الصراع بما يمنح القوى المسلحة نفوذاً سياسياً مستمداً من قوة السلام.

مقاتلون من «الدعم السريع» في بلدة بشمال السودان يوم 15 يونيو 2019 (أ.ب)

أما حزب «الأمة» القومي فاشترط، من جهته، استقلال آلية الحوار وشمولها مكوّنات المجتمع، باستثناء حزب «المؤتمر الوطني» وواجهاته. وطالب زعيم «الأمة»، مبارك الفاضل المهدي، بوقف الحرب وبمصالحة وطنية ومفاوضات للترتيبات الأمنية تنتهي إلى جيش مهني واحد. ورأى المهدي، وفق منشور على منصة «إكس»، أن الحوار ينبغي أن يُعقد في مكان محايد، محذراً من أن اقتصاره عملياً على القوى الموجودة في مناطق الجيش قد يكرّس انقسام البلاد ويشجع استمرار الحرب، وعد وحدة السودان هي الاختبار الأخطر للمبادرة.

ومن منظور الجيش، يمثّل استبعاد «الدعم السريع» من السلطة رفضاً لمنح شرعية سياسية لقوة حملت السلاح ضده. لكن بقاء «قوات الدعم السريع» وحلفائها مسيطرين على مناطق من البلاد، يعني أن أي ترتيبات دستورية أو حكومية ينتجها حوار لا يشمل القوى الموجودة هناك ستواجه صعوبة في التطبيق على السودان كله.

وفي ظل وجود سلطات وجيوش ومؤسسات متوازية، تزداد مخاطر تحوّل خطوط السيطرة العسكرية إلى انقسام سياسي وإداري واقتصادي أكثر رسوخاً، مقابل أن إشراك القوى المسلحة لا يحل الأزمة، ما لم تعالج قضية تعدد الجيوش والسلاح، وشكل الدولة، وتقاسم السلطة والثروة، والعدالة والمحاسبة، والعلاقة بين المركز والأقاليم، حسبما يقول محللون.

وفي هذا الإطار، تكشف تصريحات أديب أن لجنة الحوار لا تدّعي امتلاك قرارات ملزمة، فهي تقترح وتعمل على إزالة عوائق الحوار، وتنتهي مهمتها بانتهائه، بينما تطرح «إنهاء الأزمة والعودة إلى الانتقال» هدفاً عاماً.

لذلك فنجاح المبادرة لا يمكن قياسه بمجرد انعقاد الحوار أو عدد المشاركين فيه، وإنما بقدرته على الانتقال من توافق بين القوى السياسية إلى تسوية تعالج جذور الأزمة، وتوقف الحرب، وتعيد بناء دولة واحدة.