مناقشات أممية موسعة لوقف النار فوراً في السودان

حاجة ماسة إلى إحراز تقدم عاجل في تنفيذ إعلان جدة

مناقشات أممية موسعة لوقف النار فوراً في السودان
TT

مناقشات أممية موسعة لوقف النار فوراً في السودان

مناقشات أممية موسعة لوقف النار فوراً في السودان

انخرط أعضاء مجلس الأمن في مناقشات موسعة حول مشروع قرار أعدته بريطانيا لمطالبة القوات المسلحة السودانية و«قوات الدعم السريع» بوقف القتال والسماح بتسليم المساعدات بشكل آمن وسريع ودون عوائق عبر الجبهات والحدود، أملاً في لجم التدهور السريع للأوضاع الإنسانية ووضع حد لأكبر أزمة نزوح في العالم.

وكشف دبلوماسيون في الأمم المتحدة عن أن بريطانيا تريد عرض مشروع القرار للتصويت «في أسرع وقت ممكن» بضمان تبنيه من تسعة أصوات أو أكثر من الأعضاء الـ15 في مجلس الأمن، وعدم استخدام حق النقض «الفيتو» من أي من الدول الخمس الدائمة العضوية: الولايات المتحدة أو فرنسا أو بريطانيا أو روسيا أو الصين.

ويطالب النص المقترح «قوات الدعم السريع» بـ«وقف هجماتها على الفور» في كل أنحاء السودان. كما يدعو الأطراف المتحاربة إلى «وقف الأعمال العدائية على الفور (...) والسماح وتسهيل الوصول الإنساني الكامل والآمن والسريع وغير المقيد عبر الخطوط والحدود إلى السودان وفي كل أنحائه».

المقترح يشدد أيضاً على «إبقاء معبر أدري الحدودي مع تشاد مفتوحاً لتسليم المساعدات، والحاجة إلى دعم الوصول الإنساني عبر كل المعابر الحدودية، في حين تستمر الحاجات الإنسانية، ومن دون عوائق».

ومن المقرر أن تنتهي صلاحية الموافقة التي مدتها ثلاثة أشهر والتي قدمتها السلطات السودانية للأمم المتحدة وجماعات الإغاثة لاستخدام معبر أدري الحدودي للوصول إلى دارفور في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي.

صورة جوية لملاجئ مؤقتة للسودانيين الذين فرّوا من الصراع في دارفور بأدري في تشاد (رويترز)

وأصدر مجلس الأمن قرارين في شأن السودان، الأول في مارس (آذار) الماضي، ويدعو إلى وقف فوري للأعمال العدائية خلال رمضان المبارك، ثم في يونيو (حزيران) الماضي للمطالبة بوقف حصار مدينة الفاشر التي يبلغ عدد سكانها 1.8 مليون شخص. كما دعا القراران - اللذان تم تبنيهما بأغلبية 14 صوتاً وامتناع روسيا عن التصويت - إلى الوصول الإنساني الكامل والسريع والآمن وغير المقيد.

«أعمال مروعة»

وفي مستهل جلسة هي الثانية لمجلس الأمن خلال أسبوعين حول التطورات في السودان، وصفت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش للشؤون السياسية وعمليات السلام، روزماري ديكارلو، السودان بأنه «محاصر في كابوس»، مشيرة إلى الموجة الأخيرة من الهجمات التي شنتها «قوات الدعم السريع» في ولاية الجزيرة الشرقية، والتي وصفتها المنظمات غير الحكومية بأنها «من أشد أعمال العنف تطرفاً في الأشهر الثمانية عشر الأخيرة».

وأضافت: «قُتل عدد كبير من المدنيين. وفقد الكثير منازلهم وأجبروا على الفرار. ونحن نتلقى تقارير عن انتهاكات مروعة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، بما في ذلك العنف الجنسي المرتكب في الغالب ضد النساء والفتيات».

وكذلك أشارت ديكارلو إلى استمرار القتال في الفاشر والخرطوم ومناطق أخرى «حيث يتعرض المدنيون لمعاناة مروعة»، مشددة على أن الشعب السوداني «يحتاج إلى وقف فوري لإطلاق النار».

وعدّت أن «الوقت حان منذ فترة طويلة لكي يأتي الأطراف المتحاربة إلى طاولة المفاوضات» لأن «الطريق الوحيد للخروج من هذا الصراع هو الحل السياسي التفاوضي».

ولفتت ديكارلو إلى أن القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان و«قوات الدعم السريع» بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو، الملقب «حميدتي» «كل منهما مقتنعة بقدرتها على الانتصار في ساحة المعركة».

وقالت إنه «مع اقتراب نهاية موسم الأمطار، تواصل الأطراف تصعيد عملياتها العسكرية وتجنيد مقاتلين جدد وتكثيف هجماتها»، عادّة أن «هذا ممكن بفضل الدعم الخارجي الكبير، بما في ذلك التدفق المستمر للأسلحة إلى البلاد».

واتهمت ديكارلو «بعض الحلفاء المزعومين للأطراف» بأنهم «يمكّنون المذابح في السودان». ورحبت بجهود الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية «إيغاد» من أجل استعادة الحوار السياسي السوداني الشامل.

كما أشادت بالتحالف من أجل تعزيز إنقاذ الأرواح والسلام في السودان لتعزيز تنفيذ «إعلان جدة» والقضايا الرئيسية الأخرى.

تنفيذ إعلان جدة

وركزت المسؤولة الأممية على دور المبعوث الشخصي للأمين العام إلى السودان رمطان لعمامرة، الذي أعد التقرير الأخير للأمين العام في شأن حماية المدنيين في السودان، موضحة أنه «يحتوي على توصيات قوية. ولدينا مسؤولية جماعية لتكثيف جهودنا لتفعيلها».

وقالت: «إننا في حاجة ماسة إلى إحراز تقدم عاجل في تنفيذ إعلان جدة. ويتعين على الأطراف في النهاية أن تتحرك وفقاً لالتزاماتها بحماية المدنيين»، مضيفة أن إنشاء آلية الامتثال التي اتفق عليها الأطراف المتحاربة، بدعم من الشركاء الرئيسيين، يعد «خطوة حاسمة لمحاسبة الأطراف على التزاماتها. وفي الوقت نفسه، وفي غياب وقف إطلاق النار على مستوى البلاد، فإننا في حاجة ماسة إلى إحراز تقدم في مجال وقف إطلاق النار المحلي الذي قد يمنح المدنيين بعض الراحة، ويخلق سبل الحوار، وربما يمهد الطريق لاتفاق أكثر شمولاً».

وزير الخارجية السعودي إلى جانب ممثلين عن طرفي النزاع السوداني خلال توقيع اتفاق وقف النار في جدة (رويترز)

وأكدت أن «الدعم المستمر من مجلس الأمن للمبعوث الشخصي لعمامرة أمر بالغ الأهمية».

وكذلك استمع أعضاء المجلس لإحاطة من مدير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية راميش راجاسينغهام، نيابة عن وكيلة الأمين العام للشؤون الإنسانية منسقة المعونة الطارئة جويس مسويا حول مستجدات الوضع الإنساني المتردي في أنحاء السودان.

دارفور

وفي سياق قريب، أنهى فريق من خبراء مجلس الأمن المعني بتنفيذ القرار (1591) الخاص بحظر الأسلحة في إقليم دارفور، الثلاثاء، زيارة استمرت لثلاث أيام، إلى مدينة بورتسودان التي تعد عاصمة مؤقتة للبلاد، لمتابعة تنفيذ القرار.

وفي سبتمبر (أيلول) الماضي مدد مجلس الأمن قرار حظر تسليح الكيانات المتحاربة في دارفور لمدة عام.

والتقى الفريق في أول زيارة له للسودان منذ اندلاع الحرب، عدداً من المسؤولين السودانيين المدنيين والعسكريين.

وقالت المفوض العام لـ«مفوضية العون الإنساني» (مؤسسة حقوقية سودانية) سلوى آدم بنية، التي التقت فريق خبراء مجلس الأمن، إنها أطلعتهم على «الأوضاع في دارفور ومدن البلاد الأخرى، وتقديم وثائق مصورة» قالت إنها «تُثبت الانتهاكات الفظيعة التي ارتكبتها (ميليشيا الدعم السريع)».

جنود من «قوات الدعم السريع» خلال دورية بمنطقة شرق النيل (أرشيفية - أ.ب)

واتهمت بنية، عناصر «الدعم السريع» بـ«التعدي على فرق المساعدات الإنسانية». وأكدت «استعداد الحكومة السودانية على استمرار العمل بإدخال المساعدات الإنسانية عبر معبر الحدودي غرب البلاد، بعد الاتفاق على آلية مشتركة تضم الأمم المتحدة والجارة تشاد لتسهيل مراقبة المنقولات الواردة للسودان».

وكذلك ناقش وزير الداخلية خليل باشا سايرين، مع الفريق «الجهود التي تقوم بها الحكومة السودانية لحماية المدنيين»، مؤكداً «التزامها بتسهيل إجراءات منح التأشيرات لدخول موظفي الأمم المتحدة، بجانب تسهيل إجراءات التخليص الجمركي بالمواني والمطارات».

وتتهم الحكومة السودانية دولاً بتقديم أسلحة وعتاد لـ«الدعم السريع».

وتطالب تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية «تقدم» وتمثل أكبر تحالف سياسي مدني مناهض للحرب، بتوسيع حظر الأسلحة في دارفور ليشمل كل السودان، وترى أن وقف تدفق الأسلحة أمر حاسم لتخفيف حدة العنف وإنهاء النزاع.


مقالات ذات صلة

هل ينزلق الصراع السوداني إلى حرب إقليمية؟

تحليل إخباري جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرق) 17 أغسطس (أ.ف.ب)

هل ينزلق الصراع السوداني إلى حرب إقليمية؟

لم تعد المخاوف من تحول حرب السودان إلى نزاع إقليمي مجرد تقديرات يطرحها مراقبون، بل تجاوزتها إلى ضربات واتهامات متبادلة ما يثير القلق الدولي

عيدروس عبد العزيز (لندن)
شمال افريقيا منشقون عن «الدعم السريع» يصلون في مركبات إلى الغرب من أم درمان خلال استسلامهم فيما يبدو للجيش السوداني يوم 19 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

تقرير بعثة تابعة للأمم المتحدة: تجنيد مقاتلين أجانب يؤجج حرب السودان

حذّرت بعثة تابعة للأمم المتحدة، في تقرير، بأن تجنيد مقاتلين أجانب، والدعم الخارجي، يؤججان النزاع في السودان، ويفاقمان أعمال العنف بحق المدنيين...

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في فعالية بالخرطوم يوم 15 أغسطس الماضي بمناسبة ذكرى تأسيس الجيش (أ.ف.ب)

الجيش السوداني يواصل التحشيد العسكري في النيل الأزرق

قال رئيس هيئة أركان الجيش السوداني، الفريق أول ركن ياسر العطا، إن القوات المسلحة تعتزم تحريك القوات دون توقف إلى جبهات القتال.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في فعالية بالخرطوم يوم 15 أغسطس الماضي بمناسبة ذكرى تأسيس الجيش (أ.ف.ب)

الاتحاد الأفريقي يُرحب بالحوار السوداني... وقوى سياسية تحذّر من التقسيم

أصدر رئيس «مجلس السيادة» القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان قراراً بشطب البلاغات الجنائية ضد المشاركين في الحوار السوداني.

محمد أمين ياسين (نيروبي) وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا قاعدة أصوصا

السودان يرصد تحركات عسكرية على الحدود مع إثيوبيا

قال محافظ مدينة الكرمك في ولاية النيل الأزرق، جنوب شرقي السودان، عبد العاطي محمد الفكي، إن الجيش «يمتلك زمام المبادرة» رغم هجمات المسيّرات من إثيوبيا.

وجدان طلحة (الخرطوم)

تحذيرات أوروبية من استمرار تهريب السلاح تثير تساؤلات في ليبيا

عسكريون على متن سفينة تابعة لعملية «إيريني» (الصفحة الرسمية للعملية الأوروبية)
عسكريون على متن سفينة تابعة لعملية «إيريني» (الصفحة الرسمية للعملية الأوروبية)
TT

تحذيرات أوروبية من استمرار تهريب السلاح تثير تساؤلات في ليبيا

عسكريون على متن سفينة تابعة لعملية «إيريني» (الصفحة الرسمية للعملية الأوروبية)
عسكريون على متن سفينة تابعة لعملية «إيريني» (الصفحة الرسمية للعملية الأوروبية)

خلَّف تقرير حديث لعملية «إيريني» البحرية، التابعة للاتحاد الأوروبي، تساؤلات حول استمرار تهريب الأسلحة إلى ليبيا، الخاضعة لحظر دولي على تصدير السلاح منذ 15 عاماً، بعدما أعلنت العملية «رصد 2926 رحلة جوية مشبوهة زارت البلاد خلال أغسطس (آب) الماضي».

ولا تزال ليبيا خاضعةً لقرار مجلس الأمن الدولي، الذي فرض حظراً على تصدير الأسلحة إليها منذ عام 2011. غير أن العملية الأوروبية أعلنت أيضاً «رفع 98 تقريراً إلى لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة، مرفقاً بأدلة موثقة بشأن انتهاكات الحظر، إلى جانب الإشارة إلى إعادة تحويل مسار 3 سفن خرقت الحظر».

وبحسب مدير «المركز الليبي للدراسات العسكرية والأمنية»، شريف عبد الله، فإن تقرير «إيريني» يجيب عن جانب من الأسئلة المتعلقة بعدد السفن، التي جرى تفتيشها خلال العام الماضي والعام الحالي، لكنه يفتح في المقابل تساؤلات أوسع حول حجم الأسلحة الضخم التي تدخل ليبيا عبر الحدود البرية والبحرية والجوية.

ويعدّ عبد الله دخول الأسلحة جواً، لا سيما الطائرات المسيّرة، إلى المنطقة الغربية، «تطوراً نوعياً»، رغم عدم امتلاك التشكيلات المسلحة هناك أسلحة بعيدة المدى. ويرى أن هذا المسار يعكس اتساع نطاق انتشار السلاح، وتطور قدرات التشكيلات المسلحة، بما يضيف بعداً جديداً إلى ملف انتشار الأسلحة في البلاد.

رئيس حكومة «الوحدة» في طرابلس عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)

وبحسب عبد الله فإن الأوروبيين «يعرفون جيداً انتشار السلاح ودخوله إلى ليبيا، ومدى التطور الذي حدث على مستوى التشكيلات المسلحة في شرق البلاد وغربها»، الأمر الذي يثير من وجهة نظره في حديث لـ«الشرق الأوسط» تساؤلات بشأن فاعلية آليات المراقبة الأوروبية، وقدرتها على الحد من تدفق الأسلحة إلى الأراضي الليبية.

و«إيريني» عملية بحرية عسكرية أطلقها الاتحاد الأوروبي في 31 مارس (آذار) 2020 بالبحر المتوسط لمراقبة حظر الأسلحة، الذي تفرضه الأمم المتحدة على ليبيا. وأقرَّ مجلس الأمن استثناءات من الحظر لتسهيل التنسيق الأمني ومكافحة الإرهاب، وأمن الحدود قبل إضافة استثناء آخر في أبريل (نيسان) 2026.

وفي أحدث تقاريرها عن أغسطس الماضي أفادت «إيريني» بأنها نفَّذت عمليات مراقبة لأكثر من 25 ألفاً و300 سفينة دخلت المياه الليبية، وفحصت 5217 صورة التقطتها الأقمار الاصطناعية، كما راقبت 25 مطاراً ومدرجاً و16 ميناءً، في إطار جهودها لرصد انتهاكات حظر السلاح، وعمليات تهريب النفط.

لكن الباحث المتخصص في الشؤون الليبية، جلال حرشاوي، يرى أن «إيريني» لم تُنشأ أصلاً لمجرد المراقبة والرصد، وإنما كان يفترض بموجب تفويضها الصادر في مارس 2020 أن تنفذ عمليات اعتراض فعلية للسفن المشتبه في مخالفتها الحظر، وأن تعلن نتائج تلك العمليات للرأي العام.

ويستند حرشاوي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أحدث تقرير لفريق خبراء الأمم المتحدة، الذي انتقد، بحسب تقديره، «إيريني» لعدم اعتراض السفن المخالفة لحظر الأسلحة، وعدم مصادرة الأسلحة والمعدات العسكرية التي عُثر عليها على متنها. ويرى أن «ذلك يعكس تردداً أوروبياً في مواجهة الفصائل الليبية الرئيسية، التي باتت تتمتع بنفوذ أمني وعسكري واسع».

وعلى نطاق أوسع، تبقى التساؤلات معلقة حول مستقبل «إيريني»، بعدما قرَّر مجلس الأمن الدولي في مايو (أيار) الماضي عدم تجديد التفويض الأممي، الذي كانت تستند إليه العملية قبالة السواحل الليبية، مع السماح لها بمواصلة أنشطتها المتعلقة بمراقبة حظر الأسلحة، لكن من دون غطاء أممي مباشر.

نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق أول صدام حفتر (إعلام القيادة العامة)

ويضع حرشاوي العملية حالياً في إطار مختلف، عادّاً أنها «باتت تعمل بوصفها عمليةً تابعةً للاتحاد الأوروبي حصراً»، رغم تأكيدها تقاسم المعلومات مع الأمم المتحدة وفريق الخبراء. غير أن مضمون تلك المعلومات ومدى دقتها وتفصيلها، وقدرتها على دعم عقوبات محددة، تظل وفق الباحث «أموراً غير واضحة».

وتعيد هذه المعطيات ملف حظر السلاح إلى الواجهة في ليبيا، خصوصاً مع استمرار الانقسام السياسي والأمني بين شرق البلاد وغربها، وتعدد القوى المسلحة والجهات التي تملك نفوذاً ميدانياً.

وتنقسم المؤسسات العسكرية والأمنية في ليبيا بين قوتين رئيسيتين، هما الجيش الوطني الذي يسيطر على شرق وأجزاء واسعة من جنوب البلاد، في مقابل قوات تابعة لحكومة «الوحدة الوطنية» غرباً، وتتبعها هيكلياً تشكيلات مسلحة متعددة الولاءات.

كما تثير الأرقام، التي أوردتها «إيريني» حديثاً تساؤلات بشأن قدرة آليات المراقبة الحالية على وقف تدفق الأسلحة، وليس فقط رصد مسارات دخولها البلاد.


أعباء إضافية تواجه المطرودين من «جنة» البطاقات التموينية بمصر

منظومة السلع التموينية في مصر تضم سلعاً عدة بأسعار أقل من السوق (وزارة التموين)
منظومة السلع التموينية في مصر تضم سلعاً عدة بأسعار أقل من السوق (وزارة التموين)
TT

أعباء إضافية تواجه المطرودين من «جنة» البطاقات التموينية بمصر

منظومة السلع التموينية في مصر تضم سلعاً عدة بأسعار أقل من السوق (وزارة التموين)
منظومة السلع التموينية في مصر تضم سلعاً عدة بأسعار أقل من السوق (وزارة التموين)

أصبح الخمسيني المصري محمد أمير، وهو مدرّس في مدرسة حكومية ثانوية، وأب لعائلة مكونة من زوجة و3 أبناء، مضطراً لشراء خبز يومي بتكلفة تتراوح بين 20 و30 جنيهاً (الدولار يساوي نحو 51 جنيهاً في البنوك) بعدما كان يدفع 4 جنيهات فقط قبل حذف اسمه من المدرجين في «بطاقات التموين» ومستحقي الخبز المدعم.

ويقول أمير، الذي يقيم في محافظة بني سويف (صعيد مصر) إن «حذفه من (البطاقات التموينية) على الأرجح يرجع لوجود اثنين من أبنائه في مدارس خاصة بمتوسط مصاريف لكل منهما لا تزيد على 10 آلاف جنيه». ويشير، إلى أن هذه المبالغ يحاول ادخارها من عمله الإضافي، ليحصل أبناؤه على «تعليم أفضل بالمراحل التأسيسية»، بينما ابنه الأكبر في جامعة حكومية.

أمير، كان يحصل على سلع تموينية مدعمة بقيمة 200 جنيه بجانب الخبز المدعم، لكن بعد حذفه في يوليو (تموز) الماضي، بات يضطر لتحمل أعباء إضافية مالية في شراء الخبز بشكل يومي، بالإضافة إلى ما عدّه «عبئاً إضافياً في شراء الزيت والسكر للمنزل بالكامل من خارج الدعم».

ويوضح أن بطاقة التموين كانت تمنحه 4 كيلوغرامات سكر، و4 زجاجات زيت بأسعار أقل من النصف عن الأسواق؛ لكنه الآن بات يضطر لشراء هذه الكميات، بالإضافة إلى الكميات الجديدة، من مصروف أسرته، ما يجعله يتكبد زيادة شهرية تقريبية تفوق الألف جنيه؛ نتيجة قرار حذفه من البطاقات، الذي قدَّم تظلماً عليه، ولم يتلقَّ رداً رغم مرور أسابيع.

ويرى أن «ما يعانيه الآن من هذه المصروفات الجديدة يجعله يتحسر على أيام جنة بطاقة التموين»، على حد قوله.

حديث المواطن الخمسيني لا يختلف عن آلاف القصص ممن «طُردوا» من «جنة البطاقات التموينية»، حيث إن ما كانوا يحصلون عليه من البطاقات رغم أنه قليل، فإنه كان يسدُّ كثيراً من أعباء الأسر الشهرية، في وقت يترقب فيه كثيرون نتيجة «تظلمات الحذف للعودة إلى البطاقات».

وفتحت وزارة التموين باب تظلمات المحذوفين اعتباراً من 14 يونيو (حزيران) الماضي، عقب قيام الوزارة بحذف المواطنين خلال شهرَي يونيو ويوليو الماضيين، بينما بلغ إجمالي عدد المحذوفين نحو 850 ألف مواطن بحسب تصريحات رسمية.

حذف أكثر من 850 ألف مواطن مصري من «البطاقات التموينية» (وزارة التموين)

ويشار إلى أن غالبية «بطاقات التموين» تتيح دعماً بواقع 50 جنيهاً للفرد، إلى جانب حصة يومية تقدر بـ5 أرغفة (خبز شعبي) بسعر مدعم يبلغ 20 قرشاً للرغيف الواحد مع إمكانية استبدال نقاط في السلع التموينية المختلفة بالخبز غير المنصرف، وفق نظام حسابي إلكتروني عبر الماكينات التابعة للوزارة.

أمير لم يكن وحده الذي تعرَّض للحذف؛ لكن أيضاً الخمسيني محسن محمود، المقيم في منطقة 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة، وهو رب أسرة مكونة من 4 أفراد جرى حذفه؛ بسبب امتلاكه سيارة.

محمود قدَّم تظلماً لكون السيارة التي يمتلكها ليست فارهة، ويعمل عليها بعد انتهاء دوامه في العمل الحكومي، ولم يتلقَّ رداً على تظلمه. ويقول: «الأسرة تكبدت كثيراً من الأعباء بعد وقف بطاقة التموين، ما يجعلني الآن في حالة ندم بسبب عدم رضائي عمّا كنت أحصل عليه سابقاً خصوصاً من الخبز المدعم».

وفتحت «التموين» باب التظلمات للاعتراض على قرار الحذف حال كون المواطن المحذوف «يعتقد أنه يستحق الاستمرار في المنظومة»، بينما «لم يتم الفصل في أي من التظلمات حتى الآن بشكل نهائي»، وفق مصدر مسؤول في «التموين» تحدَّث لـ«الشرق الأوسط»، شريطة عدم ذكر اسمه.

وقال المصدر: «الوزارة بمثابة جهة تنفيذية اعتمدت في الحذف على إفادات وصلتها من جهات أخرى بشأن الأسماء غير المستحقة، في إطار التكامل الإلكتروني بين جهات الدولة المختلفة»، مشيراً إلى أن «التظلمات سوف يتم البت في أول مجموعة منها قريباً جداً، مع التأكيد على تعويض المواطنين المتضررين بالمبالغ التي لم يحصلوا عليها خلال فترة الاستبعاد وفق آليات عادلة».

يباع الزيت والسكر وفق «البطاقات التموينية» بسعر أقل من السوق (وزارة التموين)

وتخصص الحكومة 178.3 مليار جنيه لدعم السلع التموينية في موازنة العام المالي، وهو دعم يتركز أغلبه في الزيت والسكر، وهما من السلع التي تباع للمسجلين في «بطاقات التموين» بأقل من نصف سعرها في الأسواق بكميات محددة لكل فرد، بينما جرى تخصيص 133.8 مليار جنيه لدعم توفير الخبز المدعم، الذي تصل تكلفة إنتاجه إلى نحو 150 قرشاً، بينما يدفع المواطن 20 قرشاً فقط للحصول عليه، وفق بيانات رسمية.

وبحسب عضو «لجنة الشؤون الاقتصادية» بمجلس النواب أمير الجزار، فإن «حذف المواطنين من البطاقات التموينية خلال الأسابيع الماضية جرى من دون توضيحات كافية لهم أو إخطار مسبق بما سيحدث»، لافتاً إلى أنه «لم يسمع حتى الآن عن أي مواطن جرى قبول تظلمه، رغم وجود متضررين بالفعل ويستحقون الدعم».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هناك حاجة لاستبعاد غير المستحقين،؛ لكن في الوقت نفسه لا يجب أن يكون هناك متضررون يتحمَّلون أعباء أخطاء لم يرتكبوها».

المطرودون من «البطاقات التموينية» يتضررون من عدم حصولهم على الخبز المدعم (وزارة التموين)

وشملت مؤشرات الحذف من البطاقات التموينية «امتلاك سيارات حديثة أو مرتفعة القيمة، أو الإقامة في تجمعات سكنية فاخرة، أو سداد مصروفات التعليم الدولي أو الخاص، أو امتلاك شركات، أو حيازة أراضٍ زراعية تزيد مساحتها على 10 أفدنة».

بينما يؤكد الخبير الاقتصادي محمد أنيس لـ«الشرق الأوسط» ضرورة وضع معايير واضحة ومحددة من أجل تقييم الوضع الاقتصادي للمواطنين، وفي مقدمتها «وجود بيانات دقيقة حول الدخل للأسر».


«السوق السوداء» للمحروقات تؤرق الليبيين... وتجدد جدل خفض الدعم

شاحنات وقود في مستودع سبها النفطي بالجنوب الليبي (شركة البريقة لتسويق النفط)
شاحنات وقود في مستودع سبها النفطي بالجنوب الليبي (شركة البريقة لتسويق النفط)
TT

«السوق السوداء» للمحروقات تؤرق الليبيين... وتجدد جدل خفض الدعم

شاحنات وقود في مستودع سبها النفطي بالجنوب الليبي (شركة البريقة لتسويق النفط)
شاحنات وقود في مستودع سبها النفطي بالجنوب الليبي (شركة البريقة لتسويق النفط)

تتصاعد في ليبيا أزمة توفير المحروقات، وسط قلق واستياء واسعَين بين المواطنين من اتساع نشاط «السوق السوداء»، وشح الوقود المدعوم، في وقت تتجدد فيه المطالب بإصلاح منظومة الدعم، وتتفاقم المخاوف من أن يؤدي رفع الأسعار إلى تداعيات اجتماعية واقتصادية على المواطنين.

وتقر السلطات الليبية بتأثير التهريب في تفاقم أزمة المحروقات، وانتشار «السوق السوداء»، وكان أحدث المؤشرات إعلان وزير الداخلية بحكومة «الوحدة» عماد الطرابلسي، نهاية الأسبوع الماضي، إغلاق أكثر من 490 محطة وقود وصفها بـ«المشبوهة»، لاستخدامها في تهريب المحروقات، وبيعها خارج القنوات الرسمية.

وتتكرر مشاهد الطوابير أمام محطات الوقود في عدد من المدن، وفق صور وتسجيلات محلية، آخرها ما تم رصده السبت في رقدالين وترهونة والزاوية غرب البلاد، حيث ينتظر المواطنون لساعات للحصول على البنزين، وسط اتهامات لشبكات التهريب بالتسبب في شح الإمدادات.

طابور طويل للسيارات أمام محطة وقود في ترهونة غرب ليبيا (صفحة ليبيا برس)

ويبلغ سعر لتر البنزين المدعوم في ليبيا 0.150 دينار (0.03 دولار)، وهو من أدنى الأسعار عالمياً، بينما يتراوح سعره في «السوق السوداء» بين 8 و10 دنانير، وفق ناشطين محليين، بما يعكس فارقاً واسعاً في السعر يشجع على التهريب.

و«يستفيد المهربون من الفارق الكبير بين سعر الوقود المدعوم محلياً والأسعار في الأسواق المجاورة»، حسب بعض المحللين، الذين يرون أن «تجارة المحروقات نشاط مربح لشبكات منظمة تتداخل مصالحها، مع نفوذ محلي وعناصر مسلحة».

وفي مواجهة هذه الفجوة السعرية، برزت دعوات اقتصاديين وسياسيين عبر منصات التواصل الاجتماعي لإعادة النظر في منظومة الدعم. ومن بين أبرز المطالبين رجل الأعمال حسني بي، الذي دعا إلى «إلغاء الدعم السلعي واستبداله بتحويل نقدي مباشر، مع رفع الأسعار تدريجياً على مدى خمس سنوات».

وفي الاتجاه نفسه تبرز رؤية الدبلوماسي الليبي السابق، إبراهيم الدباشي، الذي يرى أن دعم الوقود «فقد معناه، في ظل اقتصار توافر الوقود المدعوم على المدن الكبرى، واضطرار سكان مناطق أخرى إلى اللجوء للسوق السوداء، بالتزامن مع تهريب كميات كبيرة إلى دول الجوار»، وفق رأيه.

في المقابل، يميز الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي بين أزمة المحروقات الحالية وإصلاح منظومة الدعم، عادّاً أن الأزمة الراهنة ترتبط أساساً بمشكلات التخزين والشحن والاستلام، وليس بسياسة الدعم وحدها.

ويقول الشحاتي لـ«الشرق الأوسط» إن إصلاح الدعم يمكن أن يعالج جوانب مالية واقتصادية، لكنه لن يحل مشكلات التخزين أو الاستلام في الموانئ، أو تطوير محطات الوقود، ما لم تعالج هذه الاختلالات بصورة مستقلة، محذراً من استمرار الأزمة حتى مع تغيير نظام التسعير.

وتتماهى هذه الآراء مع توجهات حكومية طُرحت خلال السنوات الأخيرة، سواء من حكومة «الوحدة» في غرب البلاد أو الحكومة المكلفة من مجلس النواب في شرقها، لإعادة النظر في دعم الوقود، وهي توجهات قوبلت برفض شعبي واسع.

ويشكل دعم المحروقات أحد مكونات باب الدعم في الإنفاق العام، الذي بلغ نحو 34.5 مليار دينار ليبي خلال عام 2025، وشمل أيضاً علاوة الزوجة والأبناء ورواتب بعض الشركات والجهات العامة، إلى جانب بنود أخرى، وفق بيانات مصرف ليبيا المركزي.

وبلغ إجمالي الإنفاق العام خلال العام نفسه نحو 136.8 مليار دينار، لتصل حصة باب الدعم بمكوناته المختلفة إلى نحو 25.2 في المائة من إجمالي الإنفاق، وهو ما يبرز حجم العبء، الذي تمثله منظومة الدعم على المالية العامة.

وتواجه دعوات رفع الدعم اعتراضات شعبية، ومخاوف من انعكاساتها على الأسعار. ويرجح المواطن أحمد الرجباني في منشور عبر «فيسبوك» أن تكون أزمة الوقود وسيلة لدفع الرأي العام تدريجياً إلى تقبل إلغاء الدعم، باعتباره الحل الوحيد لإنهاء الأزمة. فيما يعتقد الشاب آدم النفوسي أن معالجة الأزمة تبدأ بضبط الاستيراد ومنافذ التوزيع، ومكافحة التهريب، بدلاً من تحميل المواطنين تكلفة الطوابير ونقص المحروقات.

أما المحامي الليبي خالد بلحاج فيرى أن إلغاء الدعم دون زيادة حقيقية في دخول المواطنين، وتوفير شبكة حماية اجتماعية يحمل «مخاطر معيشية واجتماعية».

وتبقى هذه المخاوف الاجتماعية، وفق الشحاتي، مبررة في حال إلغاء الدعم، إذ يعد الوقود من السلع منخفضة المرونة، ما يعني أن ارتفاع سعره سيدفع المستهلك إلى تخصيص جزء أكبر من دخله لشرائه، على حساب بنود إنفاق أخرى.

أعمال صيانة بمصفاة الزاوية (شركة الزاوية للنفط)

وتتمثل الخيارات التعويضية المطروحة نظرياً في التحويلات النقدية، أو زيادة دخول المواطنين، لكن تطبيقها يواجه صعوبات تقنية واقتصادية في الظروف الليبية الحالية، بينما لا تزال آلية الإصلاح وشروطه وبرامجه التعويضية بحاجة إلى خطة واضحة ومتكاملة، حسب الشحاتي.

ويوضح الشحاتي أن إصلاح منظومة الدعم يحتاج إلى مسار تدريجي يتناسب مع الواقع الاقتصادي الليبي، ويقترن ببرامج تعويضية ملزمة، بما يحد من الآثار الاجتماعية لرفع الأسعار، ويضمن ألا تنتقل تكلفة الإصلاح كاملة إلى المواطنين.

وتشير تقديرات دولية إلى خسائر بنحو 6.7 مليار دولار مرتبطة بمنظومة تهريب المحروقات، في وقت تواجه فيه ليبيا أزمات متكررة في توفير الوقود، رغم اعتمادها على استيراد كميات كبيرة لتلبية احتياجات السوق المحلية.