ماكرون: فرنسا مستعدة لدعم المغرب في المحافل الدولية

الرئيس الفرنسي يجدد أمام البرلمان المغربي دعم «سيادة» الرباط على الصحراء

الرئيس الفرنسي يلقي كلمته في البرلمان مجتمعاً بغرفتيه (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي يلقي كلمته في البرلمان مجتمعاً بغرفتيه (إ.ب.أ)
TT

ماكرون: فرنسا مستعدة لدعم المغرب في المحافل الدولية

الرئيس الفرنسي يلقي كلمته في البرلمان مجتمعاً بغرفتيه (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي يلقي كلمته في البرلمان مجتمعاً بغرفتيه (إ.ب.أ)

قطعاً، من حق الطرفين، الفرنسي والمغربي، الشعور بالارتياح للنتائج التي حققتها زيارة الدولة من ثلاثة أيام، التي يقوم بها الرئيس الفرنسي للمغرب وتنتهي الخميس. فالمغرب حصل على ما يسعى إليه منذ سنوات، وهو أن تسير فرنسا في ركب الدول التي تعترف بسيادته على صحرائه، وأن تزكي الخطة التي أطلقها منذ سنوات طويلة والقائمة على إعطاء هذه المنطقة إدارة ذاتية في إطار السيادة المغربية، وبذلك تكون باريس قد لحقت بركب واشنطن وبرلين ومدريد.

الرئيس الفرنسي مستعرضاً حرس الشرف لدى وصوله إلى البرلمان المغربي الثلاثاء لإلقاء خطابه (أ.ف.ب)

وتراهن الرباط على التحول في الموقف الفرنسي لدفع دول أوروبية أخرى باقتداء المقاربة الفرنسية الجديدة. وبالمقابل، فإن الحصاد الفرنسي من العقود والاتفاقيات الاقتصادية والتجارية، والتعاون في الكثير من المجالات الثقافية والتربوية والرياضية، جاء وفيراً، حيث وصلت القيمة الإجمالية لما تم توقيعه إلى عشرة مليارات يورو. ومنذ اليوم الأول من الزيارة، تم توقيع 22 عقداً بحضور الملك محمد السادس والرئيس إيمانويل ماكرون، وثمة عقود إضافية يفترض أن توقع يومي الأربعاء والخميس؛ ما يعني أن ما كانت تسعى إليه باريس، الهادفة إلى استعادة موقع استثنائي في المغرب، أصبح قاب قوسين أو أدنى. ولا تتوقف الأمور عند العقود. فالطرف الفرنسي يريد أيضاً دفع ملف الهجرات إلى الأمام، ويسعى تحديداً إلى التزام الرباط بتسهيل وتسريع عملية استعادة المغرب لرعاياه، الذين ليس لهم الحق في البقاء على الأراضي الفرنسية، وصدرت بحقهم أحكام بالإبعاد.

ماكرون: سياستنا إزاء الصحراء ليست معادية لأحد

كان الحدث الأبرز في اليوم الثاني لزيارة ماكرون للمغرب، الخطاب المطول الذي ألقاه أمام غرفتي البرلمان المغربي بكامل أعضائه، حيث لقي تجاوباً ملحوظاً، وقوطعت كلمته بالتصفيق مرات عدة، خصوصاً في حديثه عن الصحراء وعن موقف فرنسا إزاءها.

الرئيس ماكرون قبل دخوله قاعة البرلمان المغربي لإلقاء خطابه (أ.ف.ب)

وقال ماكرون: «أعيد التأكيد أمامكم أن فرنسا تعتبر أن حاضر ومستقبل هذه المنطقة يندرجان في إطار السيادة المغربية»، مؤكداً أمرين: الأول وهو أن باريس ومعها «الفاعلون الاقتصاديون وشركاؤنا سوف يرافقون تنمية هذه المنطقة، عبر استثمارات ومبادرات دائمة وتضامنية لصالح سكانها»، بحيث تتصرف فرنسا وفق قراءتها لمنطوق القانون الدولي. والآخر أن باريس تلتزم «مواكبة المغرب في المحافل الدوليةّ» بشأن ملف الصحراء.

ماكرون مصافحاً رئيس مجلس النواب رشيد طالبي العلمي (أ.ف.ب)

وترجمة هذا الكلام تعني أن فرنسا مستعدة لدعم المغرب أكان داخل الاتحاد الأوروبي، حيث لها قدرة على التأثير على عدد من أعضاء الاتحاد، لكن أيضاً داخل مجلس الأمن الدولي، حيث تتمتع بمقعد دائم وبحق اللجوء إلى استخدام الفيتو (حق النقد).

ولأن التحول في الموقف الفرنسي أثار عند الإعراب عنه للمرة الأولى في رسالة من ماكرون للملك نهاية يوليو (تموز) الماضي، غيظ الجزائر التي عمدت إلى سحب سفيرها من باريس، فإن التأكيد عليه مجدداً أمام البرلمان سيثير مرة أخرى حنق الطرف الجزائري. لذا؛ سارع ماكرون إلى التأكيد أن موقف بلاده الجديد «ليس معادياً لأحد». في إشارة واضحة للجزائر، التي تدعم جبهة البوليساريو، وترفض الخطة المغربية.

الرئيس الفرنسي مع رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش (أ.ف.ب)

وتريد فرنسا والمغرب «كتابة كتاب جديد» في علاقاتهما الثنائية، وفق تعبير الملك محمد السادس. وطيلة خطابه، لم يتوقف ماكرون عن كيل الثناء للعاهل المغربي، مشيداً بسياساته وبما عرفه المغرب من تقدم. وقال بهذا الخصوص ماكرون إن «الرؤية المستنيرة للعاهل المغربي، وما حققته طيلة 25 عاماً تنير لنا طريق المستقبل». ولذا؛ اقترح أن يعمد الطرفان إلى التوقيع على معاهدة جديدة، تشكل ما سماه «إطاراً استراتيجياً» للعلاقات المستقبلية الثنائية بين البلدين في العام 2025، وبمناسبة «زيارة الدولة» إلى فرنسا، التي قبل محمد السادس تلبيتها بناءً لدعوة ماكرون، والتي تصادف الذكرى السبعين لاتفاقية «سيل سان كلو»، التي ثبتت استقلال المغرب عن فرنسا.

العاهل المغربي خلال استقباله الرئيس ماكرون في الرباط (أ.ف.ب)

ويفترض أن تكون الرؤيا الجديدة امتداداً لـ«الشراكة الاستثنائية المعززة»، التي أبرمها ماكرون ومحمد السادس، مساء الاثنين، والتي جاء عليها البيان المشترك الذي وزَّعه في وقت واحد البلاط الملكي وقصر الإليزيه. وأشار ماكرون إلى تشكيل هيئة مشتركة، تقوم مهمتها على بلورة مضمون الإطار المذكور، مؤكداً أن المغرب سيكون الدولة الوحيدة خارج الاتحاد الأوروبي، التي تقيم معها فرنسا علاقات من هذا النوع، والذي «سيشكل ترجمة لطموحنا المشترك».

ملف الهجرات

إضافة إلى توثيق العلاقات الاقتصادية والتجارية، يريد ماكرون من زيارته إحراز تقدم في ملف الهجرات، الذي يدفع الرأي العام الفرنسي باتجاه اليمين واليمين المتطرف. وثمة مسألة تريد الحكومات المتعاقبة تحقيق تقدم في معالجتها، وحتى اليوم لم تفلح، وعنوانها قبول المغرب، كما الدول الأخرى، مثل الجزائر وتونس ودول أفريقية عدّة، استعادة رعاياها الذين يتكدسون في مراكز الاحتجاز بانتظار ترحيلهم عن الأراضي الفرنسية. وهذا الملف كان موضع تباحث بين وزيري داخلية البلدين برونو روتايو، وعبد الوافي لافتيت.

ويريد الأول، المنتمي إلى الجناح المتشدد في حزب «اليمين الجمهوري»، إيجاد رابط بين سياسة التأشيرات للمواطنين المغاربة بقبول الرباط استعادة مواطنيها، وتسريع إرسال الوثائق القنصلية لإتمام عمليات الترحيل.

العاهل المغربي مستقبلاً الرئيس الفرنسي في القصر الملكي بالرباط (رويترز)

وفي كلمته، رأى ماكرون أنه يأمل أيضاً أن تتناول «الشراكة الاستثنائية قضية الهجرات غير الشرعية، وضرورة التعاون الطبيعي والسلس في ملف الإجازات القنصلية». مشددا على رغبة الفرنسيين في الحصول على «مزيد من النتائج». وليس سراً أن ملف الهجرات وتبعاته يشكل الرافعة الرئيسية لارتفاع تأييد اليمين المتطرف في فرنسا وفي البلدان الأوروبية بشكل عام. كذلك، حث على العمل المشترك لمحاربة الإرهاب والتهريب بأنواعه كافة، بما في ذلك المخدرات وأيضاً الجريمة المنظمة.

المغرب بوابة أفريقيا

يضيق المجال للغوص على المواضيع كافة التي تناولها ماكرون في خطابه، إن لجهة العلاقات التاريخية بين بلاده والمغرب، أو بالنسبة لما قام به الاستعمار الفرنسي، أو لما قدمه المغاربة لفرنسا إن أثناء الحرب العالمية الثانية، أو في إعادة إعمارها بعد الحرب. كذلك سمى أعلاماً من المغاربة الذين لمعت أسماؤهم بفرنسا من كبار المفكرين والأدباء، وتوقف بالتفصيل عند ضرورة التعاون بين باريس والرباط، إن على المستوى الثنائي أو في إطار البحر الأبيض المتوسط أو أفريقيا.

وبالنظر للإخفاق الذي واجهته سياسة ماكرون في منطقة الساحل الأفريقي (مالي، بوركينا فاسو، النيجر...)، أعرب ماكرون عن أسفه لأن بلاده «اتُهمت من قِبل البعض بكل الشرور، ظلماً وعدواناً؛ لأنها حالت على مدى عقد من الزمن دون انهيار دول عدة في مواجهة الإرهاب».

وبمواجهة هذا الوضع، شدد ماكرون على تغير مقاربة بلاده، التي أخذت تسعى لـ«بناء استراتيجيات تشاركية جديدة»، وعلى الحاجة إلى التوصل إلى «توفير الاستقرار الذي يحترم الشعوب»، والتركيز خصوصاً على فئة الشباب.

وشرح ماكرون مطولاً فائدة العمل المشترك الفرنسي - المغربي في أفريقيا، التي وصفها بأنها قارة المستقبل، والدور الذي يستطيع المغرب أن يلعبه بفضل جغرافيته وثقافته، والحاجة إلى «الاستهداء» بما قام به المغرب في هذه القارة.

الرئيس ماكرون وعقيلته خلال زيارتهما ضريح محمد الخامس بالرباط (أ.ف.ب)

يبقى أن ماكرون لم يتناسَ ما يحدث في لبنان وغزة، حيث دعا إلى «وقف فوري للهجمات». وإذ اعترف بـ«حق إسرائيل في الدفاع عن شعبها»، إلا أنه أكد أن «لا شيء يمكن أن يبرر الحصيلة الإنسانية (للخسائر) في غزة».

وفي الحالتين، ركز على ضرورة اتباع النهج الديبلوماسي لوضع حد للحرب القائمة على الجبهتين.

وسبق خطابه دعوة مشتركة من ملك المغرب ومنه من أجل «وقف فوري للهجمات في غزة ولبنان»، و«التأكيد على أولوية حماية السكان المدنيين، وأهمية ضمان وتسيير وصول المساعدات الإنسانية الكافية، مع وضع حد لتأجيج الوضع على المستوى الإقليمي». كذلك لفت الزعيمان إلى ضرورة الإسراع «لإعادة إحياء مسار السلام في إطار حل الدولتين». لكن هذه الدعوة المشتركة لن تلقى الصدى الإيجابي في إسرائيل التي صوَّت برلمانها مؤخراً على رفض إقامة دولة فلسطينية.


مقالات ذات صلة

ليسكور: فرنسا أكبر استعداداً وأقل عرضة للخطر من جيراننا الأوروبيين بشأن الطاقة

الاقتصاد منشأة للغاز الطبيعي في فرنسا (رويترز)

ليسكور: فرنسا أكبر استعداداً وأقل عرضة للخطر من جيراننا الأوروبيين بشأن الطاقة

قال وزير المالية الفرنسي، رولان ليسكور، الأربعاء، إن وضع الطاقة في فرنسا ليس بالخطورة التي يشهدها بعض الدول الأوروبية الأخرى.

«الشرق الأوسط» (باريس)
رياضة عالمية أين سيحط محمد صلاح الرحال بعد ليفربول؟ (د.ب.أ)

4 وجهات محتملة لمحمد صلاح

بدأت التكهنات بالوجهة القادمة لمحمد صلاح نجم ليفربول الذي أعلن رحيله عن جدران النادي الإنجليزي، الاثنين.

«الشرق الأوسط» (ليفربول)
رياضة عالمية ربما يتأثر احتمال عودة حكيمي بوجود مبابي نظراً للعلاقة الوطيدة بين اللاعبين (أ.ف.ب)

أشرف حكيمي يحلم بالعودة إلى ريال مدريد

يبدو النجم المغربي الدولي أشرف حكيمي، ظهير أيمن باريس سان جيرمان الفرنسي لكرة القدم، منفتحاً على العودة لناديه السابق ريال مدريد الإسباني، وفقاً لتقرير صحافي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق قطع أثرية في معهد العالم العربي معظمها من لبنان وأخرى مُعارة من «اللوفر» (أ.ب)

«بيبلوس في باريس»... معرض يولد تحت القصف ويحمل ذاكرة لبنان إلى العالم

في الكلمة التي ألقاها، قال ماكرون إنّ المعرض «يروي كثيراً عن مصير لبنان ومقاومته للإمبراطوريات»...

ميشال أبونجم (باريس )
رياضة عالمية خافيير تيباس (د.ب.أ)

تيباس: سان جيرمان يملك نفوذاً لأن الأندية الفرنسية ملتزمة الصمت

انتقد خافيير تيباس رئيس رابطة الدوري الإسباني حجم التأثير الذي يتمتع به باريس سان جيرمان داخل كرة القدم الفرنسية.

«الشرق الأوسط» (باريس)

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
TT

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

أعربت وزارة الخارجية السودانية، عن استنكارها الشديد لتصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش السوداني مسؤولية قصف مستشفى «الضعين» في إقليم دارفور، الذي أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، وعدّتها «تفتقر إلى الدقة والموضوعية»، وتخدم أجندة «قوات الدعم السريع»، في وقت تتصاعد فيه حدة المواجهات ميدانياً، لا سيما في إقليم النيل الأزرق.

وأدان مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، في منشور على منصة «إكس»، الهجوم الذي استهدف مستشفى «الضعين»، واصفاً إياه بأنه «أمر مروّع» يحرم المدنيين من الرعاية الصحية المنقذة للحياة. ودعا إلى وقف العنف من الجانبين، والقبول بهدنة إنسانية من شأنها تخفيف معاناة السودانيين وإتاحة الفرصة لعلاج المصابين.

وكان هجوم بطائرات مسيّرة، وقع في أول أيام عيد الفطر الأسبوع الماضي، قد أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، بعد استهداف مستشفى «الضعين التعليمي» في دارفور. وفي رسالة لاحقة، نسب بولس الضربة إلى القوات المسلحة السودانية، الأمر الذي أثار ردود فعل غاضبة في الخرطوم.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان صحافي، إنها «تستنكر بأشد العبارات» تلك التصريحات، مؤكدة أنها صدرت من دون تحقيق أو تقصٍّ، وأسهمت في «تضليل الرأي العام المحلي والدولي»، وألحقت ضرراً بجهود السلام. وأضافت أن هذه التصريحات «لا تخدم إلا أجندة الرعاة الإقليميين للميليشيا»، وتمنحها فرصة للتنصل من «جرائمها في استهداف المرافق الصحية بصورة ممنهجة».

صور للأقمار الاصطناعية تؤكد

في المقابل، كانت «قوات الدعم السريع» قد اتهمت الجيش بتنفيذ الهجوم، مشيرة إلى استخدام طائرة مسيّرة تركية الصنع، ووصفت الواقعة بأنها «جريمة حرب مكتملة الأركان»، مطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل. لكن الجيش نفى، في بيان رسمي، ضلوعه في القصف، عادّاً الاتهامات «حملة دعائية»، ومؤكداً التزامه بالقوانين والأعراف الدولية.

في سياق متصل، خلص تقرير صادر عن «مختبر البحوث الإنسانية» التابع لجامعة ييل إلى أن الجيش السوداني هو من نفّذ قصف مستشفى «الضعين»، استناداً إلى تحليل صور أقمار اصطناعية. وأشار التقرير إلى أن الاستهداف كان مباشراً، واستخدم فيه ما وصفه بـ«تكتيك الضربة المزدوجة»، ما أدى إلى دمار واسع في أقسام الطوارئ والأطفال والولادة، وخلف أكثر من 150 ضحية بين قتيل وجريح.

ميدانياً، أفادت مصادر طبية بمقتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بطائرات مسيّرة استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان. وأوضحت أن إحدى الغارتين استهدفت سوقاً في مدينة «سرف عمرة»، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، بعد اندلاع حريق واسع في الموقع.

وفي هجوم آخر بولاية شمال كردفان، أسفرت ضربة مماثلة عن مقتل ستة أشخاص وإصابة عشرة، حيث اتهمت مصادر طبية «قوات الدعم السريع» بالمسؤولية. وتشير الوقائع إلى أن الضربات بالطائرات المسيّرة باتت سمة بارزة في النزاع، خصوصاً في مناطق كردفان، حيث تتسبب بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.

«الدعم» يتقدم في النيل الأزرق

على صعيد العمليات العسكرية، أعلنت «قوات الدعم السريع» تحقيق تقدم في إقليم النيل الأزرق، مؤكدة سيطرتها على مواقع استراتيجية في محافظة «باو» بعد معارك عنيفة مع الجيش، ما يفتح الطريق نحو عاصمة الإقليم «الدمازين». كما تحدثت عن سيطرتها على مدينة «الكرمك» الاستراتيجية، الواقعة على بُعد نحو 150 كيلومتراً من العاصمة، في حين لم يقرّ الجيش بفقدانها.

وتعكس هذه التطورات استمرار تصاعد النزاع في السودان، وسط تدهور الأوضاع الإنسانية، وتزايد الدعوات الدولية لوقف القتال والدخول في مسار سياسي يفضي إلى إنهاء الحرب.


تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
TT

تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

تصاعدت موجة التنديد في غرب ليبيا باستمرار اعتقال الناشط والمدوّن المهدي عبد العاطي، الذي اقتاده «مسلحون مجهولون»؛ والذي قالت أسرته عقب اعتقاله إنه «يتعرّض للتعذيب، مما تسبب في اعتلال صحته»، محمّلة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، وأجهزته الأمنية المسؤولية عن سلامته.

ومن طرابلس إلى مصراتة، طالب حقوقيون حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بضرورة إطلاق سراح المهدي، كما أهابوا بالنائب العام الصديق الصور سرعة فتح تحقيق في ملابسات اعتقاله على «يد جهاز الأمن الداخلي» التابع للحكومة.

ولم تكشف أي جهة أمنية أو تشكيل مسلح مسؤوليته عن اعتقال المهدي، الذي اقتيد من مدينة مصراتة الخميس الماضي، لكن ليبيا تشهد حوادث مشابهة منذ السنوات التي تلت إسقاط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011، وتغوّل التشكيلات المسلحة في الحياة العامة.

وقال المحلل السياسي والناشط أسامة الشحومي، الذي أدان عملية اعتقال المهدي، إنه «لا يجوز القبض على أي إنسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانوناً»، كما «لا يجوز إصدار أمر القبض إلا بناءً على تحقيقات سابقة، ولا يكون ذلك بناءً على تقرير كتابي».

النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

وأضاف الشحومي في رسالة إلى النائب العام، موضحا أن قضية المهدي عبد العاطي «أصبحت قضية رأي عام لمواطن ليبي يمارس حقه في التعبير، الذي كفله له القانون والإعلان الدستوري والمواثيق والقوانين؛ لذا فالأمل معقود على النائب العام للكشف عن مصير المهدي أولاً، ثم معاقبة كل من تورط في خطفه والتنكيل به»، منوهاً إلى أهمية «غل يد الخارجين عن القانون، والدخلاء على الوظائف الأمنية والعسكرية الذين يسيئون استعمال السلطة من أجل خدمة سادتهم وحماية كراسيهم».

وسبق أن أعربت أسرة الناشط المهدي، بداية الأسبوع الماضي، عن «بالغ قلقها واستنكارها الشديدَين إزاء ما وردها من معلومات مؤكدة حول تدهور حالته الصحية، وتعرضه لظروف قاسية شملت التعذيب والترهيب أثناء فترة احتجازه، مما استدعى نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج». وقالت إن «هذه التطورات الخطيرة تمثّل انتهاكاً جسيماً لكل القوانين الوطنية والمواثيق الدولية التي تجرّم التعذيب وسوء المعاملة، وتفرض حماية كرامة وسلامة المحتجزين». وبعدما حمّلت الدبيبة وجهاز الأمن الداخلي بطرابلس المسؤولية عن حياة نجلها، أشارت إلى أن «ما يتعرّض له ابنها يُعد جريمة لا تسقط بالتقادم، وستتم ملاحقة المسؤولين عنها قانونياً».

ودفعت قضية اعتقال الناشط المهدي البعثة الأممية إلى القول إن «هذا الاحتجاز ليس بحادثة فردية، بل إنه نمط كثير الحدوث، وسائد بين أوساط الأجهزة الأمنية وأجهزة إنفاذ القانون في البلاد»، مطالبة «بالإفراج الفوري» عنه من قبل جهاز الأمن الداخلي حسبما ورد إليها.

وقالت البعثة في بيان الأربعاء: «يبدو أن هذا التوقيف والاحتجاز يشكل انتهاكاً للقوانين الليبية والتزامات ليبيا الدولية إزاء حقوق الإنسان»، وذكرت أنه «من الضروري أن يعزز قادة ليبيا ومسؤولوها الحيز المدني على نحو يمكن الليبيين، بمن فيهم أولئك الذين يعبرون عن آراء مناهضة، من الخوض في مناظرات وحوارات وهم يشعرون بالأمان في ممارسة حقهم في حرية التعبير».

ودخل مجلس حكماء وأعيان مصراتة على خط أزمة اعتقال المهدي، معبراً عن بالغ «الغضب والاستياء» مما وقع له، وقال: «ما يجري يمثل اعتداءً سافراً على الحقوق والحريات العامة ويستدعي موقفاً حازماً».

ويعتقد مجلس حكماء وأعيان مصراتة في بيان مساء الأربعاء أن عملية «خطف المهدي تمت بشكل تعسفي وخارج نطاق القانون، دون أي إذن قضائي أو استدعاء رسمي؛ ما يعد انتهاكاً واضحاً للإجراءات القانونية وتقويضاً لهيبة مؤسسات الدولة والنظام العام».

وحمّل المجلس «جهاز الأمن الداخلي كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية والجنائية عن سلامة المخطوف، وطالبه بالكشف الفوري عن مكان احتجازه»، ورأى أن «هذا الحادث يعيد إلى الأذهان ممارسات القمع والتنكيل التي كانت سائدة في العهود السابقة». وقبيل اعتقال الناشط المهدي، كان يتحدث عن «عمليات تهريب الوقود في ليبيا، وضلوع شخصيات نافذة في هذا الأمر».


الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
TT

الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)

احتجت الجزائر، الخميس، بشدة على تمديد الحبس الاحتياطي لموظف قنصلي تابع لها في فرنسا، وجّه إليه الادعاء الفرنسي قبل عام تهمة «الإرهاب» بشأن خطف واحتجاز المعارض الجزائري الشهير أمير بوخرص، المقيم في فرنسا بوصفه لاجئاً سياسياً.

وأكدت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان، استدعاء القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر، في اليوم نفسه، إلى مقر وزارة الشؤون الخارجية، وسلّمته احتجاجاً بـ«أشد العبارات ضد تجديد الحبس المؤقت لموظف قنصلي جزائري يوم أمس (الأربعاء)، لمدة إضافية بلغت سنة كاملة».

وأوضح البيان أنه جرى «لفت انتباه الدبلوماسي الفرنسي بشكل حازم إلى أن الموظف القنصلي الجزائري كان يخضع بالفعل لحبس مؤقت لمدة عام منذ شهر أبريل (نيسان) 2025، وذلك رغم وضعه المحمي بموجب (اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963)».

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

كما جرى إبلاغه، وفق البيان، «استنكارنا الشديد للمعاملة غير المقبولة التي يتعرض لها الموظف القنصلي الجزائري منذ سجنه، والتي كشفت عنها أول زيارة قنصلية مرخص بها استفاد منها في 17 مارس (آذار)» الحالي.

وأضاف البيان ذاته أن مسؤولي وزارة الخارجية الجزائرية أخطروا القائم بالأعمال الفرنسي بأن قرار تمديد حبس الموظف القنصلي «يصعب تبريره، ولا يمكن قبوله، وستكون له حتماً عواقب على المجرى الطبيعي للعلاقات الجزائرية - الفرنسية».

واندلعت هذه الأزمة حينما أوقفت السلطات الفرنسية موظفاً يعمل في قنصلية الجزائر بمنطقة كريتاي في ضواحي باريس، من دون الكشف عن اسمه، كما أن السلطات الجزائرية لم تفصح عن هويته حتى الساعة، فيما ذكرت صحف فرنسية أنه رجل أمن تابع للشبكة الدبلوماسية الجزائرية لدى فرنسا.

وجرت عملية الاعتقال بطريقة وصفتها الجزائر بـ«الاستعراضية والمهينة»، حيث وقعت في الطريق العامة دون مراعاة للأعراف الدبلوماسية المعمول بها، وفق ما جاء يومها في بيان من وزارة الخارجية الجزائرية.

واتهم القضاء الفرنسي الموظف الجزائري بالضلوع في محاولة اختطاف المعارض أمير بوخرص، المعروف بـ«أمير دي زد» في فرنسا، وهي تهمة استندت فيها السلطات الفرنسية إلى تتبع اتصالات هاتفية وتحقيقات أمنية، زاعمة أن الموظف شارك في التخطيط لعملية استدراج المعارض في ربيع عام 2024. وحتى اليوم لا يُعرف أي شيء عن تطورات هذا الاختطاف؛ إذ عاد بوخرص إلى بيته بعد 72 ساعة من احتجازه في ظروف يلفها كثير من الغموض.

ورفضت الجزائر هذه الاتهامات بشدة، ووصفت القضية بـ«المسرحية القضائية»، وبأن توقيف الموظف القنصلي يمثل «خرقاً سافراً» لـ«اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية»، التي تمنح الحصانة للموظفين الدبلوماسيين والقنصليين. وردت حينها بخطوات تصعيدية شملت طرد 12 موظفاً فرنسياً من سفارة باريس لدى الجزائر، مؤكدة أن المعني كان يمارس مهامه القنصلية العادية. كما ردت فرنسا بالإجراء نفسه حيث أبعدت 12 دبلوماسياً جزائرياً.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

وشكّلت قضية «أمير دي زد» إحدى أشد حلقات التوتر في علاقات البلدين، التي كانت أصلاً تمرّ بأزمة حادة منذ صيف 2024؛ وذلك على أثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء. وتصاعد التوتر بشكل لافت في يناير (كانون الثاني) الماضي؛ بسبب ظهور بوخرص في وثائقي بثته قناة «فرنس2» العمومية، تهجم فيه على الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون.