جدل حاد في فرنسا حول «الترويج لجرائم» أحد رموز استعمار الجزائر

تزامناً مع توقف «حوار الذاكرة» المشترك بسبب خلافات سياسية

الرئيسان الجزائري والفرنسي في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
TT

جدل حاد في فرنسا حول «الترويج لجرائم» أحد رموز استعمار الجزائر

الرئيسان الجزائري والفرنسي في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

بينما توقف «حوار الذاكرة» بين الجزائر وباريس بسبب خلافاتهما السياسية المتفاقمة، انفجر صراع حاد بين تنظيم يمثل المهاجرين الجزائريين المقيمين بمدينة شرق فرنسا، على تسمية شارع باسم مارشال فرنسي شهير، حكم الجزائر في القرن الـ19، وارتبط تاريخه بقمع دموي لمقاومات شعبية كبيرة تصدت للاستعمار في بدايته.

عمدة مدينة ليون غريغوري دوسيت (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وأعلن «الاتحاد الجزائري»، وهو جمعية تتحدث باسم آلاف الجزائريين المهاجرين بمدينة ليون ومواطنيها الذين يحملون الجنسيتين الفرنسية والجزائرية، على حسابه بمنصة «إكس»، أمس الاثنين، عن رفع دعوى قضائية ضد عمدة المدينة، غريغوري دوسيت، بشبهة «الترويج لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية».

ووفق تقارير صحافية تناولت الخلاف، فقد رفض رئيس البلدية التعاطي إيجاباً مع مراسلات وصلت إليه من «الجمعية»، تطلب فيها إزالة اسم المارشال توماس روبرت بوجو من على شارع بالدائرة السادسة في المدينة؛ لأنه «رمز للجرائم» التي ارتكبت خلال فترة من احتلال فرنسا للجزائر (1830 - 1962).

«شارع المارشال بوجو» بمدينة ليون (متداولة)

وما شجع «الجمعية» على خطوتها بالتوجه إلى المحكمة مبادرة البلدية بإزالة اسم الأسقف الكاثوليكي الشهير «الأب بيير» من ساحة عمومية إثر الكشف مؤخراً عن اعتداءات جنسية منسوبة إليه ضد 20 امرأة، بعد 17 سنة من وفاته. ففي نظر «الجمعية» كان ينبغي على البلدية أن تبادر إلى المسعى نفسه بخصوص «شارع بوجو»؛ لأن أعمال المارشال، الذي حكم الجزائر بين 1830 و1840، تعدّ، وفقاً لها، أشد خطورة من التهم الموجهة إلى الأب بيير.

صورة المارشال بوجو في لوحة فنية (متداولة)

وقال «الاتحاد الجزائري» في بيان: «رغم الطلبات المتكررة والعرائض من جمعيات عدة، فإن عمدة ليون لا يزال يرفض إزالة اسم (شارع بوجو)، الذي يوازي قنصلية الجزائر في الدائرة السادسة. فقد رفض العمدة غريغوري دوسيت (من حزب الخضر) وفريقه جميع طلباتنا للتسوية. وبالتالي، لم يكن أمام جمعيتنا خيار آخر سوى اللجوء إلى القضاء».

وأضاف «الاتحاد الجزائري» أن الاجتهاد القانوني «واضح بهذا الشأن: تقديم المجرمين بصورة إيجابية يعدّ ترويجاً لجرائمهم. والمجتمع الفرنسي - الجزائري الكبير في منطقة ليون يستحق الكرامة والاحترام، ونحن ملتزمون تماماً بالدفاع عن حقوقه بكل الوسائل الضرورية». كما أكدت «الجمعية» أن الشكوى ضد عمدة المدينة ستُسحب إذا أزيل اسم «بوجو» من الشارع، واقترحت إطلاق إسم كميل بلان بديلاً، وهو عمدة سابق لمدينة إيفيان لي بوان على الحدود مع سويسرا، اغتالته عام 1961 «منظمة الجيش السري» المعادية لاستقلال الجزائر، بسبب دفاعه عن السلام في المستعمرة الفرنسية بشمال أفريقيا سابقاً.

عمدة باريس تشرف على إعادة تسمية الشارع في «الدائرة الـ16»... (بلدية باريس)

وبينما يستمر هذا الجدل في ليون، حسمت عمدة باريس، آن هيدالغو، الجدل نفسه عندما نزعت في 14 أكتوبر (تشرين الثاني) الحالي اسم المارشال بوجو من على طريق رئيسية بالدائرة رقم «16»، «بسبب دوره السيئ في الجزائر، حيث ارتكب ما يمكن أن تعدّ اليوم جرائم حرب»، وفق بيان من العمدة التي تنتمي إلى اليسار، والتي سمت الطريق نفسها باسم «هوبرت جيرمان»، أحد رموز تحرير فرنسا من ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية.

وتوفي بوجو عام 1849 بعد إصابته بالكوليرا، وعرف بأعمال قمع دامية ضد قبائل جزائرية، انتقاماً منها على دعمها المقاومة الشعبية التي خاضها القائد العسكري والزعيم الوطني الكبير الأمير عبد القادر الجزائري (1808 - 1883) ضد الاستعمار الفرنسي.

وفي منتصف مارس (آذار) الماضي، احتج باحثون فرنسيون مختصون في التاريخ، بشدة، على قرار بلدية تول (شرق فرنسا)، إقامة تمثال للعقيد المظلي مارسيل بيجار، الذي عُرف بممارسة التعذيب في صفوف الجيش الفرنسي بالجزائر والهند الصينية، سابقاً، خلال خمسينات القرن الماضي.

الأعضاء الجزائريون في «لجنة الذاكرة» مع الرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

وتتزامن هذه الأحداث المرتبطة بصفحة قاتمة في العلاقات الجزائرية - الفرنسية، مع تجميد أعمال مشتركة بين البلدين كانت جارية منذ سنتين يطلق عليها «الاشتغال على الذاكرة»، وكانت عاكسة لإرادة الرئيسين عبد المجيد تبون وإيمانويل ماكرون لتجاوز تبعات الاستعمار وثقله على العلاقات الثنائية. وتوقفت اجتماعات «لجنة الذاكرة» بسبب حدثين: مساعٍ في فرنسا لإلغاء «اتفاق الهجرة 1968»، الذي يسيّر قضايا الإقامة و«لمّ الشمل العائلي» والدراسة والتجارة في فرنسا بالنسبة إلى الجزائريين، واعتراف فرنسا بخطة الحكم الذاتي للصحراء؛ الأمر الذي أثار استياء الجزائر.



مصر تطالب بـ«مسارات نظامية للهجرة» بالتعاون مع الشركاء الدوليين

وزير الخارجية المصري خلال لقاء رئيس «اللجنة الوطنية لشؤون اللاجئين» الأحد (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء رئيس «اللجنة الوطنية لشؤون اللاجئين» الأحد (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بـ«مسارات نظامية للهجرة» بالتعاون مع الشركاء الدوليين

وزير الخارجية المصري خلال لقاء رئيس «اللجنة الوطنية لشؤون اللاجئين» الأحد (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء رئيس «اللجنة الوطنية لشؤون اللاجئين» الأحد (الخارجية المصرية)

شدّدت مصر على «ضرورة تكثيف العمل على توفير مسارات نظامية للهجرة، بالتعاون مع الشركاء الدوليين». وقالت إن ذلك يتم «عبر توسيع فرص التدريب والهجرة النظامية للشباب، بما يلبي احتياجات أسواق العمل في دول المقصد، ويضمن حماية حقوق المهاجرين».

جاء ذلك خلال لقاء وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الأحد، مع رئيس «اللجنة الوطنية لشؤون اللاجئين»، صلاح عبد الصادق، في إطار متابعة الجهود الوطنية للتعامل مع قضايا اللجوء وتعزيز التنسيق المؤسسي، فضلاً عن الاستعداد لانعقاد منتدى مراجعة الهجرة الدولية، المقرر عقده في نيويورك الشهر المقبل.

واستعرض عبد العاطي، خلال اللقاء، مخرجات الاجتماع الوزاري للدول الأفريقية الرائدة في تنفيذ أهداف «الميثاق العالمي من أجل هجرة آمنة ومنظمة ومنتظمة»، الذي استضافته القاهرة مطلع أبريل (نيسان) الحالي.

كما أعرب عن التطلع لمشاركة مصر في «منتدى مراجعة الهجرة الدولية» بنيويورك، واستعراض التقرير الوطني الطوعي الثاني، في ضوء مكانة مصر كدولة رائدة في تنفيذ الميثاق العالمي للهجرة، وتبنيها لنهج متكامل يوازن بين الأبعاد الإنسانية والتنموية للهجرة.

وشدّد وزير الخارجية المصري على «أهمية ترسيخ مفهومي تقاسم الأعباء والمسؤوليات والتضامن الدولي، وفقاً لما نصّ عليه الميثاق العالمي للهجرة واللاجئين»، مشيراً إلى «ضرورة العمل على توفير الدعم الدولي المستدام، بحيث لا يقتصر على البرامج قصيرة الأجل، بل يمتد إلى تمويل هيكلي طويل المدى يعزز من قدرة الدول على الاستمرار في تقديم الخدمات، ويدعم صمود المجتمعات المضيفة، بما يسهم في تعزيز التماسك المجتمعي».

لاجئون من جنسيات مختلفة في مصر (مفوضية اللاجئين)

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، من 62 جنسية مختلفة، وهو ما يكلّف الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية، الأحد، تناول اللقاء دور «اللجنة الوطنية لشؤون اللاجئين» في تنسيق السياسات الوطنية وتعزيز التعاون مع مختلف الجهات المعنية بالدولة، لتقديم الدعم اللازم للاجئين وطالبي اللجوء في مصر، وذلك في ضوء استضافة مصر لملايين من اللاجئين والمهاجرين، الذين يعيشون في اندماج كامل بالمجتمع المصري ويتمتعون بالخدمات الأساسية دون تمييز، وذلك رغم محدودية الدعم الدولي مقارنة بحجم الأعباء المتزايدة نتيجة الأزمات الإقليمية.

فعاليات ترفيهية تقيمها «مؤسسة سوريا الغد» للإغاثة للاجئين في مصر (مؤسسة سوريا الغد للإغاثة)

وأشاد عبد العاطي بجهود «اللجنة الوطنية» في هذا الإطار، مثمناً النهج الشامل الذي تتبناه مصر لإدارة ملف الهجرة، الذي يقوم على ربط الهجرة بالتنمية ومعالجة الأسباب الجذرية للهجرة غير النظامية، من خلال تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتطوير منظومتي التعليم والتدريب وتوفير فرص العمل، إلى جانب إتاحة مسارات شرعية للهجرة وتعزيز إدارة الحدود، ومكافحة شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر.

وتُعدّ مصر من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، حتى تجاوزت أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء لدى مفوضية اللاجئين مليوناً و98 ألف شخص من 60 جنسية مختلفة بنهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تصدرهم السودانيون بواقع 834 ألفاً و201 طلب، ثم السوريون بواقع 123 ألفاً و383 طلباً.


المنفي يؤكد رفض أي «مبادرات» تُطيل الانقسام الليبي

رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي خلال «منتدى لمكافحة الفساد» في العاصمة الليبية طرابلس يوم الأحد (مكتب المنفي)
رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي خلال «منتدى لمكافحة الفساد» في العاصمة الليبية طرابلس يوم الأحد (مكتب المنفي)
TT

المنفي يؤكد رفض أي «مبادرات» تُطيل الانقسام الليبي

رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي خلال «منتدى لمكافحة الفساد» في العاصمة الليبية طرابلس يوم الأحد (مكتب المنفي)
رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي خلال «منتدى لمكافحة الفساد» في العاصمة الليبية طرابلس يوم الأحد (مكتب المنفي)

تمسك رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، الأحد، برفضه لما وصفه بمبادرات «إطالة عمر الانقسام»، داعياً إلى «العودة إلى الشعب والاحتكام إلى إرادته الحرة» من خلال إجراء انتخابات تشريعية وتنفيذية جديدة.

وخلال الفترة الماضية، كثّف المنفي اتصالاته بقيادات عسكرية وسياسية في العاصمة طرابلس، مدفوعاً بخلافات متصاعدة مع رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، على خلفية مقترح أميركي يقضي بدمج الحكومتين المتنازعتين على السلطة.

وأعاد المنفي التذكير بأن ليبيا شهدت خلال السنوات الماضية «كماً كبيراً من التفاهمات، والتفاهمات المضادة، والمبادرات والاتفاقيات، والشعارات، والعناوين البراقة»، بحسب تعبيره. وقال، خلال ملتقى لـ«مكافحة الفساد» بالعاصمة الليبية طرابلس، إن كثيراً من هذه المبادرات «لم يكن موجهاً إلى حل جذور الأزمة، بل إلى إدارتها بما يضمن بقاءها، وإعادة إنتاجها في صورة جديدة، وتمديد عمر الانقسام، وتدوير النفوذ، وتقاسم الموارد، وترحيل التكلفة إلى جيب المواطن».

وألقى المنفي باللائمة على الفساد، معتبراً إياه «السبب الرئيسي في تدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية في البلاد»، واصفاً إياه بأنه «منظومة متكاملة» تتغذى على الانقسام السياسي وتستنزف ثروات البلاد.

وتتسق هذه التصريحات مع ما نشره المنفي عبر منصة «إكس» الأسبوع الماضي، حين أشار إلى أن الليبيين يقفون بين خياري «الدولة أو الصفقة» و«الانتخابات أو التمديد»، مؤكداً عزمه على إحداث تغيير، دون تقديم تفاصيل إضافية.

ويقضي مقترح يدعمه مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، بتولي صدام حفتر رئاسة مجلس رئاسي جديد بدلاً من المنفي، مع الإبقاء على الدبيبة رئيساً لـ«الحكومة الموحدة» المرتقبة.

إحدى جلسات «الحوار المهيكل» في طرابلس يوم الاثنين الماضي (البعثة الأممية)

ولوّح المنفي، الأحد، باتخاذ «إجراء» لم يكشف عن تفاصيله، مؤكداً أنه «لن يقف عاجزاً أمام معاناة الليبيين»، مشدداً على أنه «لن يقبل بأن تتحول مؤسسات الدولة إلى هياكل تُدار فقط لحماية الفساد أو تسوية فواتير الإخفاق من قوت المواطنين ومدخراتهم وأحلام أطفالهم».

كما رحّب بحذر بتوقيع إطار المبادئ الحاكم للإنفاق العام الموحد بين مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» برعاية أميركية، معتبراً في بيان أن «العبرة تبقى بالتنفيذ الكامل والدقيق لما تم الاتفاق عليه»، بما يضمن انتظام تحصيل الإيرادات النفطية عبر القنوات الرسمية وفق القانون، بعيداً عن «التشوهات الناتجة عن عقود تطوير الحقول النفطية الهامشية».

عربياً، اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط أن الاتفاق الليبي بشأن الإنفاق العام «تطور إيجابي يعزز مسار التوافق بين الأطراف الليبية»، مجدداً في بيان استعداد الجامعة، عبر أجهزتها ومنظماتها المتخصصة، لدعم الجهود الوطنية الرامية إلى تنفيذ برنامج تنموي موحد.

في الأثناء، يستعد المشاركون في الحوار الليبي المهيكل لاستئناف جلسات «مسار الحوكمة»، الاثنين، وهو مسار سياسي أطلقته بعثة الأمم المتحدة ضمن «خريطة طريق» تهدف إلى معالجة الانسداد السياسي، وتوحيد المؤسسات، والتمهيد لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية.

ونقلت وسائل إعلام محلية، عن أحد المشاركين في الحوار، أن تقديم التوصيات المكتوبة المتعلقة بتهيئة البيئة الانتخابية مقرر الخميس المقبل، على أن تُعقد الجلسة العامة النهائية للحوار يومي الثالث والرابع من يونيو (حزيران) المقبل لاعتماد المخرجات النهائية.

أمنياً، التزمت السلطات الرسمية في طرابلس الصمت حيال واقعة تعرض اللواء إبراهيم الشقف، المرشح لمنصب نائب رئيس جهاز المخابرات العامة، لمحاولة اغتيال مسلحة، السبت، أمام أحد فنادق العاصمة.

إبراهيم الشقف المرشح لمنصب نائب رئيس جهاز المخابرات الليبية (متداولة)

ووفقاً للمؤسسة الليبية لحقوق الإنسان، اندلع اشتباك مسلح بين مرافقي الشقف ومهاجمين كانوا يستقلون سيارات، ما أسفر عن أضرار مادية دون وقوع إصابات بشرية. فيما أكدت مصادر محلية نجاته من الهجوم دون أذى.

وأعربت المؤسسة عن مخاوف متزايدة إزاء تدهور الوضع الأمني، معتبرة أن الحادثة تندرج ضمن «موجة متصاعدة من محاولات الاغتيال المرتبطة بالمواقف السياسية والمناصب الأمنية الحساسة»، داعية إلى فتح تحقيق شامل وجاد لكشف ملابسات الواقعة، وملاحقة الجناة وتقديمهم إلى العدالة، كما حثت وزارة الداخلية على تعزيز التدابير الأمنية لمكافحة الجريمة والجريمة المنظمة، وحماية المواطنين والمسؤولين.

وسبق للواء الشقف أن شغل منصب رئيس جهاز الأمن الداخلي، قبل ترشيحه لمنصب نائب رئيس جهاز المخابرات العامة، ضمن مساعٍ حكومية لإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية في غرب البلاد التي تشهد تصاعداً ملحوظاً في أعمال العنف السياسي ومحاولات الاغتيال التي تستهدف شخصيات أمنية وعسكرية بارزة.


توحيد الجيش الليبي... هل تكون «فلينتلوك 2026» كلمة السر؟

وحدات عسكرية في غرب ليبيا قبل توجهها إلى سرت للمشاركة في مناورة «فلينتلوك» (وزارة الدفاع في غرب ليبيا)
وحدات عسكرية في غرب ليبيا قبل توجهها إلى سرت للمشاركة في مناورة «فلينتلوك» (وزارة الدفاع في غرب ليبيا)
TT

توحيد الجيش الليبي... هل تكون «فلينتلوك 2026» كلمة السر؟

وحدات عسكرية في غرب ليبيا قبل توجهها إلى سرت للمشاركة في مناورة «فلينتلوك» (وزارة الدفاع في غرب ليبيا)
وحدات عسكرية في غرب ليبيا قبل توجهها إلى سرت للمشاركة في مناورة «فلينتلوك» (وزارة الدفاع في غرب ليبيا)

مع تسارع الاستعدادات لاستضافة مدينة سرت الليبية مناورات «فلينتلوك 2026» منتصف الشهر الجاري، بمشاركة قوات من شرق البلاد وغربها، ورغم استمرار الانقسام السياسي والعسكري، بدت تصريحات لافتة صادرة عن أطراف عسكرية من الجانبين، تعكس توجهاً متنامياً لتوظيف الحدث كونه منصة للاقتراب من ملف توحيد الجيش.

وأثارت تلك الرسائل خلال الثماني والأربعين ساعة الماضية تساؤلات حول ما إذا كانت المناورة التي ترعاها القوات الأميركية في «أفريقيا» قد تكتسب أبعاداً أوسع من جانبها الميداني، لتتحول إلى ما يشبه «كلمة سر» لخطوات متقدمة على طريق تشكيل جيش ليبي موحد، وهو الهدف الذي ظل غائباً عن البلاد منذ انهيار نظام العقيد الراحل معمر القذافي.

وبين خصوم الأمس في محاور القتال خلال حرب العاصمة طرابلس (2019 – 2020)، شهدت لغة الخطاب تحولاً ملحوظاً نحو مزيد من التقارب والتصالح. ففي شرق ليبيا، بدا هذا التغير واضحاً في تصريحات نائب قائد «الجيش الوطني» صدام خليفة حفتر، الذي حرص على تضمين تصريحاته عن هذه المناورات رسائل تتحدث عن «قدرة شباب ليبيا على الوحدة» و«مهنية المؤسسة العسكرية»، مشيراً إلى مشاركة عسكريين من «طرابلس والمدن الليبية كافة»، في محاولة لإبراز كسر الانقسام بين الشرق والغرب.

وكيل وزارة الدفاع في غرب ليبيا عبد السلام الزوبي وسط قادة عسكريين في مارس الماضي (وزارة الدفاع)

المغزى ذاته أعاد تأكيده شقيقه رئيس الأركان الفريق أول خالد حفتر بحديثه عن أن مناورة «فلينتلوك» تعكس حرص العسكريين على «وحدة البلاد»، بل ذهب إلى الحديث عن أن «تدريب ورفع كفاءة أبناء المؤسسة العسكرية شرقاً وغرباً وجنوباً» بمثابة «دعم حقيقي لجيش ليبيا الذي سيلتئم بعون الله ليصونها ويحميها».

في المقابل، قدّم وكيل وزارة الدفاع في غرب ليبيا، عبد السلام زوبي، قراءة رمزية للحدث، واصفاً التمرين بأنه «لقاء البنادق التي طال بها الفراق»؛ في إشارة إلى سنوات النزاع، بل وذهب إلى وصفه بأنه «تجسيد حي لإرادة توحيد المؤسسة العسكرية».

وتلقى مراقبون هذه الرسائل المتبادلة بتفاؤل، عززه اختيار سابق لسرت موقعاً للمناورات، باعتبار ما تمثله المدينة الواقعة في وسط الساحل الليبي من نقطة توازن جغرافي بين الشرق والغرب، ما يمنحها طابعاً «محايداً نسبياً» يتيح مشاركة قوات من مختلف المناطق.

قوات تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي في تدريبات استعداد لمناورة «فلينتلوك» في سرت (إعلام القيادة العامة)

كما تُقدَّم سرت في الخطاب الرسمي نموذجاً للتحول من بؤرة صراع، بعدما كانت أحد أبرز معاقل تنظيم «داعش» الذي قضت عليه عملية «البنيان المرصوص» قبل سنوات، إلى منصة للتدريب والتعاون الدولي. ففي حين يبرز خطاب قيادة الجيش في شرق البلاد المدينة بوصفها «انتصرت على الإرهاب»، يعيد مسؤولون في غرب ليبيا تقديمها باعتبارها رمزاً للالتقاء بعد سنوات من الانقسام.

لكن، ورغم هذه الرسائل، يرى عدد من الخبراء أن ما يجري لا يزال يندرج ضمن إطار «التوحيد الرمزي». وهنا قال وزير الدفاع الليبي الأسبق، اللواء محمد البرغثي، إن إجراء مناورة عسكرية في مدينة سرت بمشاركة قوات من شرق وغرب البلاد، إلى جانب عناصر من القيادة الأميركية في أفريقيا، لا يمكن اعتباره مؤشراً على توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.

وأوضح البرغثي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «إجراء تمرين عسكري بين قوات تتبع قائدين مختلفين، أحدهما في غرب ليبيا والآخر في شرقها، لا يعكس بأي حال صورة جيش ليبي موحد تحت قيادة واحدة». وأضاف أن «وحدة الجيش تعني وجود قيادة موحدة، وخضوع جميع التشكيلات العسكرية لإمرة رجل واحد يُعرف بالقائد العام».

واعتبر البرغثي أن ما يحدث في سرت «أقرب إلى نموذج للتعاون العسكري بين قوى مختلفة، وليس دليلاً على توحيد الجيش الليبي»، مؤكداً أن «تحقيق الوحدة العسكرية الحقيقية يتطلب أولاً توحيد القيادة والقرار العسكري».

ولا تبتعد تقديرات الوزير الليبي السابق عما سبق أن رصده باحثون ليبيون من عقبات بنيوية تعرقل هذا التوحيد، من بينها تعقيدات موروثة منذ عهد معمر القذافي، وغياب عقيدة عسكرية موحدة، فضلاً عن تباين هياكل القيادة بين شرق البلاد وغربها، حيث توجد قيادة عامة في الشرق مقابل نظام رئاسة أركان في الغرب.

رئيس أركان «الجيش الوطني» في شرق ليبيا الفريق أول خالد حفتر (إعلام القيادة العامة)

وتأتي هذه التطورات في ظل انقسام سياسي بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، التي تتبعها مجموعات مسلحة، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في بنغازي، والمدعومة من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

وتُعد مناورات «فلينتلوك»، التي انطلقت عام 2005، أكبر تدريب سنوي للقوات الخاصة في أفريقيا، وتهدف إلى تعزيز قدرات مكافحة الإرهاب وبناء الشراكات بين الدول المشاركة.

ورغم الطابع العسكري للمناورة، ترى بعض التقديرات أن «فلينتلوك 2026» تمثل محطة ذات أبعاد استراتيجية أوسع، خصوصاً مع حلول موعدها بعد أيام من اتفاق بين أطراف ليبية في الشرق والغرب على توحيد الموازنة العامة برعاية أميركية، بعد سنوات من التعثر.

وفي هذا السياق، يرى الباحث المتخصص في شؤون الأمن القومي الليبي، فيصل أبو الرايقة، أن ما يجري يعكس «مقاربة متكاملة» لإعادة التموضع الأميركي داخل ليبيا والمنطقة، ما يمنح الحدث أهمية خاصة من حيث التوقيت والدلالات.

وأوضح أن المشهد الليبي بات أقرب إلى «مسار متكامل» تتقاطع فيه الترتيبات العسكرية مع التفاهمات المالية، معتبراً أن تزامن المناورات مع الدفع نحو توحيد الميزانية يعزز هذا الاتجاه.

وبحسب تقديره، فإن هذا التوازي بين المسارين الأمني والمالي قد يشير إلى توجه عملي لإعادة تشكيل مركز القرار في البلاد، والدفع نحو توحيد الجهاز التنفيذي ضمن مظلة تجمع بين الأبعاد الأمنية والمالية.

وتشير تقديرات بحثية، بينها أوراق صادرة عن «المجلس الأطلسي»، إلى أن استضافة «فلينتلوك» في ليبيا تحمل أيضاً رسائل تتعلق بدمج البلاد ضمن منظومة أمنية غربية، بالتوازي مع موازنة النفوذ الروسي.

وبينما تعكس الخطابات المصاحبة للمناورات رغبة في الدفع نحو توحيد المؤسسة العسكرية، يبقى التحدي الرئيسي، بحسب مراقبين، في ترجمة هذه الرسائل إلى خطوات عملية تتجاوز الطابع الرمزي، نحو إعادة هيكلة فعلية للجيش الليبي تحت قيادة موحدة.