الجزائر: جدل حول حظر رواية تستحضر أحداث «العشرية السوداء»

سلطات البلاد منعت دار النشر الفرنسية من حضور «صالون الجزائر للكتاب»

الروائي الجزائري كمال داود (من حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الجزائري كمال داود (من حسابه بالإعلام الاجتماعي)
TT

الجزائر: جدل حول حظر رواية تستحضر أحداث «العشرية السوداء»

الروائي الجزائري كمال داود (من حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الجزائري كمال داود (من حسابه بالإعلام الاجتماعي)

تحرص السلطات الجزائرية على إغلاق ملف مؤلم، ومنعه من التداول السياسي والإعلامي، يتعلق بالاقتتال مع الجماعات المتطرفة في تسعينات القرن الماضي. وتسمَّى هذه الفترة «المأساة الوطنية» التي تميزت بحوادث الإرهاب، أو «العشرية السوداء». وضمن هذا المسعى حظرت مشاركة رواية ودار النشر الفرنسية التي أصدرتها في «الصالون الدولي للكتاب» الذي تنظمه سنوياً؛ لأنها تتناول موضوع الحرب الأهلية التي خلَّفت نحو 150 ألف قتيل.

الرواية التي تثير جدلاً تحمل عنوان «حور العين»، ألفها بالفرنسية الكاتب الصحافي الجزائري كمال داود الذي يقيم بفرنسا، وحصل على جنسيتها منذ 4 سنوات، وهي مرشحة لنيل «جائزة غونكور» الأدبية المرموقة، ضمن 16 عملاً أدبياً آخر.

غلاف رواية «حور العين» المثيرة للجدل (متداولة)

وقالت دار النشر الفرنسية الشهيرة «غاليمار» التي طبعت الرواية، في بيان، إنها أُبلغت بعدم المشاركة في «صالون الكتاب» المقرر بين 6 و16 من الشهر المقبل، مؤكدة أنها «مُنعت من الحضور دون أن ذكر سبب»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مسؤولي «غاليمار»، علماً بأن رواية «حور العين» تعد العنوان الأبرز للدخول الأدبي في فرنسا لهذا الموسم بالنسبة لدار النشر.

وأكد ناشطون ثقافيون جزائريون مهتمون بالتحضير لـ«صالون الكتاب»، تحفظوا على نشر أسمائهم، لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة «فعَّلت -على ما يبدو وبشكل مسبق- تدابير قانون السلم والمصالحة الوطنية، ضد الرواية والمؤسسة الناشرة».

صورة شهيرة متداولة لناجية من مجزرة وقعت عام 1997 جنوب العاصمة الجزائرية

وصدر القانون عام 2006، بإرادة من الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999- 2019)، بهدف وضع حد لحرب مدمرة بين قوات الأمن والجماعات الإسلامية المسلحة، عن طريق إجراءات تهدئة، أعطت الأفضلية للحلول السياسية بدل السياسة الأمنية المشددة المتبعة ضد المتشددين. وتضمن النص مجموعة من الممنوعات، أهمهما شملته «المادة 46» التي تتناول عقوبة سجن بين 3 و5 سنوات مع التنفيذ، ضد «كل من يستعمل، من خلال تصريحاته أو كتاباته أو أي عمل آخر، جراح المأساة الوطنية أو يعتد بها للمساس بمؤسسات الجمهورية، أو لإضعاف الدولة، أو للإضرار بكرامة أعوانها الذين خدموها بشرف، أو لتشويه سمعة الجزائر في المحافل الدولية». وفي حال وجود شبهة تخص هذه الأفعال «تباشر النيابة العامة المتابعات الجزائية تلقائياً»، وفق المادة نفسها.

الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (متداولة)

وينطوي النص على معنيين أساسيين: عدم تحميل قوات الأمن مسؤولية الدماء التي سالت، وعدم التعرض للمسلحين بأي تصرف يفهم منه أنهم ضالعون في الإرهاب، عندما يعودون إلى الحياة العادية. وقد تقيدت وسائل الإعلام بهذه المحظورات، منذ بدء تنفيذ القانون الذي انتقدته تنظيمات ضحايا الإرهاب وضحايا الاختفاء القسري، بحجة أنه «يتجنى على مبدأ الحقيقة والعدالة».

ويغوص كاتب «حور العين»، من خلال عمله، في أهوال «العشرية السوداء»، مستعرضاً قصة امرأة حامل نجت من مجزرة نفذها مسلحون متطرفون. وتتعرض بطلة الرواية للمطاردة في المجتمع بسبب ماضيها. ويستحضر الروائي الذي يتحدر من غرب الجزائر الصدمات المرتبطة بالعنف الذي عاشته الجزائر في تلك الفترة العصيبة.

وعبر داود (54 سنة)، في تصريحات نقلتها صحف فرنسية عن «أسفه» لحظر كتابه في الجزائر. وقال موضحاً: «كتابي يُقرأ في الجزائر لأنه مهرَّب. للأسف، لم يُنشر؛ لكنه مُنتقد ومُعلَّق عليه، وهذا عيب من عيوب عصرنا، حتى أن أشخاصاً علَّقوا عليه رغم أنهم لم يقرأوه».

كمال داود قال إنه كان إسلامياً متشدداً خلال أيام الجامعة بمدينة وهران (حسابه الشخصي بالإعلام الاجتماعي)

يشار إلى أن داود اقترب من نيل «جائزة غونكور» لعام 2014، عن روايته «ميرسو تحقيق مضاد». وقال في تصريحات تلفزيونية إنه كان إسلامياً متشدداً خلال أيام الجامعة بمدينة وهران، كبرى حواضر الغرب.

وبرز داود في الأشهر الأخيرة بتصريحات معارضة لـ«حماس» الفلسطينية، إثر عملية «طوفان الأقصى». كما أظهر ميلاً لمواقف اليمين الفرنسي من قضايا الهجرة، وما يعرف بـ«إسلام فرنسا»، ما جلب له سخط قطاع من الجزائريين.


مقالات ذات صلة

الجزائر في قلب معركة الانتخابات الرئاسية الفرنسية

شمال افريقيا من لقاء سابق بين الرئيسين الجزائري والفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

الجزائر في قلب معركة الانتخابات الرئاسية الفرنسية

شرعت تصريحات الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بشأن «معتوهين يريدون قطع العلاقة بالجزائر» الباب أمام مواجهة سياسية مفتوحة بين التيارات الفرنسية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

تتصاعد في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي - الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عالمية لوكا زيدان (رويترز)

لوكا زيدان يعاني من كسر في الفك والذقن

أعلن غرناطة أن حارس مرماه ومنتخب الجزائر لكرة القدم لوكا زيدان مصاب بكسر في الفك والذقن اثر اصطدام تعرض له الأحد في المرحلة السابعة والثلاثين من دوري الدرجة.

«الشرق الأوسط» (غرناطة )
شمال افريقيا الفريق أول سعيد شنقريحة (وزارة الدفاع)

قائد الجيش الجزائري: النصر في المعركة الحديثة يرتبط بمنظومة سلاسل الإسناد

أفرزت الحروب الحديثة والثورات الجديدة في الشؤون العسكرية سياقات عمل معقدة ومتغيرة تتطلب بناء استراتيجية مبتكرة بمجال الإسناد اللوجيستي

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا التصويت على قانون الأحزاب الجديد في البرلمان الجزائري (البرلمان)

انتخابات الجزائر 2026: المعارضة تواجه «عقبة التوقيعات»

مع اقتراب موعد انتخابات البرلمان المقررة بالجزائر في الثاني من يوليو 2026 تواجه السلطات تشكيكاً كبيراً من طرف المعارضة

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

«حوار مهيكل» و«مجموعة مصغرة»... هل تكسر المساعي الأممية جمود الأزمة الليبية؟

تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)
تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)
TT

«حوار مهيكل» و«مجموعة مصغرة»... هل تكسر المساعي الأممية جمود الأزمة الليبية؟

تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)
تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)

تسارع بعثة الأمم المتحدة وتيرة تحركاتها على مسارين متوازيين في محاولة لكسر الجمود السياسي، الذي يخيم على ليبيا منذ سنوات: الأول عبر قطع خطوات على مسار «الحوار المهيكل» الذي أطلقته منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي بمشاركة شرائح ليبية متعددة. أما المسار الأممي الثاني فيتمثل في اجتماع «المجموعة السياسية المصغرة»، بصيغة «4+4»، الذي تستضيفه روما، الأربعاء، لمعالجة أكثر الملفات الانتخابية تعقيداً، وفي مقدمتها القوانين الانتخابية، والمناصب الشاغرة بمجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات الليبية.

إحدى جلسات الحوار الليبي المهيكل في طرابلس (البعثة الأممية)

لكن هذه المقاربة المزدوجة، التي تتمسك البعثة الأممية بأنها تهدف إلى تحريك العملية السياسية، فتحت الباب مجدداً أمام تساؤلات ليبية متزايدة حول جدوى تعدد المبادرات، وما إذا كانت تعكس تكاملاً دولياً أم تنافساً بين مسارات الحل المختلفة، خصوصاً مع حديث دبلوماسيين عن دعم أميركي لصيغة «4+4»، التي تجمع ممثلين عن الأطراف السياسية المتنازعة في شرق ليبيا وغربها.

تشكيك في جدوى المسارين

لا يبدي السفير مراد حميمة، وكيل وزارة الخارجية الليبية السابق، تفاؤلاً باختراق حاسم في الأزمة السياسية عبر هذين المسارين، مبرزاً أن «تعدد المبادرات عزز الانطباع بوجود حالة من التنافس، بدلاً من التكامل بين خريطة الطريق الأممية، ومبادرة مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس، الخاصة بتوحيد السلطتين المتنافستين في ليبيا».

وكيل وزارة الخارجية الليبي السابق مراد حميمة خلال لقاء مع رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة في وساطة محلية فبراير الماضي (فريق الوساطة الليبية)

ويعتقد حميمة، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «غياب مؤشرات واضحة على وجود إرادة سياسية جادة لمعالجة العقبات، التي تحول دون إجراء الانتخابات، لا يزال يمثل العائق الأكبر أمام أي تقدم فعلي»، لافتاً إلى أن المبادرة الأميركية قوبلت بـ«رفض شعبي واسع».

ويستند الدبلوماسي الليبي في تقييمه إلى ما وصفه بـ«التباين في سرعة معالجة الملفات العالقة»، موضحاً أن توحيد مصرف ليبيا المركزي تم خلال بضعة أشهر في عام 2023، بينما لا تزال ملفات القوانين الانتخابية والمفوضية العليا للانتخابات تراوح مكانها، وهو ما عَدّه «دليلاً على اختلال أولويات العملية السياسية».

حفتر في لقاء سابق قبل سنوات مع عبد الرحمن العبار في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

وتحرص المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، في مواجهة الانتقادات المتزايدة، على التأكيد على أن «الحوار المهيكل» يمثل ركناً أساسياً في العملية السياسية، لأنه يساعد الليبيين على تحديد أولوياتهم الوطنية، وصياغة رؤية للإصلاحات السياسية والتشريعية، وهو ما أكدته في إحاطة في وقت سابق هذا الأسبوع على وقع أصوات رافضة في مدن بغرب ليبيا.

وتدافع تيتيه عن المسارين بالقول إن اجتماع «4+4»، أو «الاجتماع المصغر»، لن يكون بديلاً عن الحوار المهيكل، موضحة أنه «آلية تكميلية» تستهدف معالجة العقبات المحددة المرتبطة بالإطار الانتخابي والهيئة العليا للانتخابات، بينما يهدف الحوار الأوسع إلى بناء توافق وطني شامل، «بقيادة وملكية ليبية».

وكان مشاركون في «الحوار المهيكل» قد طرحوا، خلال جلسة عقدت الأسبوع الماضي، بحضور دبلوماسيين دوليين، تصورات متنوعة لتجاوز الانقسام السياسي والمؤسسي. وقال أبو عجيلة سيف النصر إن أولوية المرحلة الراهنة يجب أن تتمثل في «إنهاء الانقسام السياسي والمؤسسي، عبر تشكيل حكومة واحدة تتولى توحيد السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية».

«ميثاق وطني ملزم»

من بين هذه الاقتراحات للمشاركين في الحوار ما تحدث عنه الدكتور عبد الله الحاسي من ضرورة التوصل إلى «ميثاق وطني ملزم»، يضمن قبول نتائج الانتخابات، أما السياسية أماني محمود فرأت أن أي ترتيبات سياسية لا تضمن مشاركة النساء بنسبة لا تقل عن 35 في المائة «ستظل مساراً منقوصاً يفتقر إلى الاستدامة».

الدبيبة ووزير الدولة لشؤون الاتصال وليد اللافي خلال حفل افتتاح مكتبة بالعاصمة طرابلس شهر مارس الماضي (مكتب الدبيبة)

ورغم ذلك، يرى وكيل وزارة الخارجية الليبي السابق أن «الحوار المهيكل» لا يزال يفتقر إلى مقومات التنفيذ الفعلي، باعتبار أنه تجاوز، وفق رأيه، المراحل الأساسية في الخطة الأممية، وهي استكمال تشكيل المفوضية العليا للانتخابات، وإنجاز القوانين الانتخابية، وتشكيل حكومة موحدة، ما يجعل مخرجاته «أقرب إلى توصيات يصعب تطبيقها في ظل غياب سلطة تنفيذية موحدة ومنتخبة».

ويأتي هذا الجدل في وقت أخفق فيه مجلسا النواب و«الأعلى للدولة» في حسم الملفات المطلوبة ضمن «خريطة الطريق»، التي طرحتها تيتيه والمدعومة بقرار من مجلس الأمن في أغسطس (آب) الماضي، وهو ما دفع البعثة الأممية إلى التحرك بصورة أكثر مباشرة، عبر الدفع نحو اجتماع «المجموعة السياسية المصغرة» في روما (اليوم) الأربعاء.

وبحسب معلومات رشحت عن المشاورات الجارية، مثل حكومة «الوحدة الوطنية المؤقتة»، عضوي المجلس الأعلى للدولة علي عبد العزيز وعبد الجليل الشاوش، إلى جانب مستشار رئيس الحكومة مصطفى المانع، ووزير الدولة للاتصال وليد اللافي للمشاركة في الاجتماع، فيما أناب «الجيش الوطني» عضوي مجلس النواب آدم بوصخرة وزايد هدية، إضافة إلى الدبلوماسي الشيباني بوهمود، وعميد بلدية بنغازي السابق عبد الرحمن العبار.

ويرجح حميمة، من واقع تجربته الدبلوماسية، أن «المشاورات التي تقودها تيتيه تبدو أقرب إلى محاولة لدمج مبادرة بولس داخل خريطة الطريق الأممية، عبر حصر دور (4+4) في ملفي المفوضية والقوانين الانتخابية، مع توسيع عضوية المجموعة، وتقليص نفوذ الأطراف التقليدية داخلها، إلى جانب وضع سقف زمني لعملها».

وتوقع حميمة أن البعثة الأممية قد تتجه، في حال فشل هذا المسار، إلى تفعيل المادة «64» من الاتفاق السياسي في مدينة الصخيرات المغربية 2015، وهو خيار عقد حوار سياسي موسع، قال إن «فريق تيتيه داخل البعثة يميل إلى دعمه».

ويبدي قطاع من المحللين الليبيين تشاؤماً حيال فرص نجاح المقاربة الأممية المزدوجة، على خلفية إخفاق مبعوثين سابقين في فرض تسويات دائمة. وقال المحلل السياسي، حسام الدين العبدلي، لـ«الشرق الأوسط» إن المسارات المطروحة قد تنتهي إلى تفاهمات مؤقتة بشأن القوانين الانتخابية، وهو ما عزاه إلى «غياب رغبة حقيقية لدى الأطراف السياسية في مغادرة المشهد عبر الانتخابات، رغم الدعم الأميركي لصيغة (4+4)».

وفي ظل مشهد معقد يسوده الانقسام السياسي بين حكومتين في غرب وشرق البلاد، وأطراف عسكرية داعمة لها، لا يرى حميمة بديلاً عن تبني «مقاربات غير تقليدية» لمعالجة الأزمة، من بينها دعم جهود «الوساطة السياسية الليبية»، التي انخرطت في مفاوضات بين مجلسي النواب والدولة منذ فبراير للتوصل إلى حلول توافقية بشأن المفوضية والقوانين الانتخابية، تمهيداً لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، ضمن إطار وطني جامع، بحلول سبق أن أقرتها البعثة الأممية وتحظى بقبول دولي واضح.


ساركوزي ينفي تجاوبه مع القذافي لتسوية ملف السنوسي القضائي

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)
الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)
TT

ساركوزي ينفي تجاوبه مع القذافي لتسوية ملف السنوسي القضائي

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)
الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)

ناقض الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، خلال محاكمته، اليوم الأربعاء، مساعده السابق كلود غيان، نافياً أن يكون قد تجاوب مع طلب الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي بتسوية ملف قضائي لعبد الله السنوسي، صهر الزعيم الليبي، الذي كان متهماً بتفجير طائرة. وتُعاد محاكمة ساركوزي، منذ منتصف مارس (آذار) الماضي، للاشتباه في تلقيه أموالاً سراً من ليبيا في زمن القذافي، من أجل تمويل حملته الانتخابية للرئاسة.

وبحسب «وكالة الصحافة الفرنسية»، فقد نفى ساركوزي، الأربعاء، أن يكون القذافي قد أثار معه خلال عشاء رسمي في طرابلس عام 2007، مباشرة بعد توليه الرئاسة، الوضع القضائي لصهره المحكوم عليه في فرنسا، أو أن يكون طلب بنفسه من غيان الاهتمام بهذا الأمر.

وأضاف ساركوزي موضحاً: «المرة الوحيدة التي تحدث فيها القذافي معي عن هذا الأمر كانت عام 2005»، وذلك أثناء زيارة إلى ليبيا فيما كان يتولى ساركوزي حينها وزارة الداخلية، مؤكداً أنه رفض الطلب حينها.

وتُعد هذه النقطة محورية، إذ تشتبه النيابة العامة في إبرام «اتفاق فساد» بين فريق ساركوزي والسلطات الليبية السابقة، يقوم على تمويل حملته الرئاسية لعام 2007، مقابل امتيازات، من بينها النظر في الوضع القانوني لعبد الله السنوسي الذي حُكم عليه في فرنسا بالسجن المؤبد، لدوره في تفجير طائرة عام 1989.

وناقض ساركوزي ما قاله غيان، الذي نقل في رسالة تلاها محاميه أن رئيس الدولة استدعاه لكي يكرر معمر القذافي أمامه «الاهتمام، الذي عبّر عنه بشأن السنوسي»، قائلاً: «كلود، تولَّ هذا الأمر»، وذلك في 25 من يوليو (تموز) 2007.

وأوضح غيان لاحقاً أنه أدرك أن من المستحيل تلبية طلب القذافي. وأضاف ساركوزي أمام المحكمة: «أؤكد ما يقوله السيد غيان، لم نرغب أبداً، لا هو ولا أنا، في القيام بأي شيء لصالح السنوسي، أو في إعطاء الليبيين انطباعاً بأننا سنفعل ذلك».

مؤكداً: «أنا لا أقول إن غيان يكذب (...)، لكن فيما يتعلق بأحداث مضى عليها 19 عاماً يمكن لذاكرة الإنسان أن تتغير». وكان كل من ساركوزي وغيان قد استأنفا حكماً صادراً بحقهما قضى بالسجن خمس سنوات وست سنوات على التوالي. وينفي الاثنان ضلوعهما في أي اتفاق فساد مع السلطات الليبية السابقة.


أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

أهرامات مروي الواقعة على الشاطئ الشرقي لنهر النيل (أ.ف.ب)
أهرامات مروي الواقعة على الشاطئ الشرقي لنهر النيل (أ.ف.ب)
TT

أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

أهرامات مروي الواقعة على الشاطئ الشرقي لنهر النيل (أ.ف.ب)
أهرامات مروي الواقعة على الشاطئ الشرقي لنهر النيل (أ.ف.ب)

قبل أن يتولى مصطفى أحمد مصطفى السهر على أهرامات مروي في السودان، سبقته إلى هذه المهمة سلسلة طويلة من حراس هذا المعلم، لكنّه بات اليوم قائماً شبه وحيد على الموقع الأثري بعد مرور 3 سنوات على اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع». وقال الرجل البالغ 65 عاماً، وسط هياكل الحجر الرملي الداكن في مقبرة البجراوية بجزيرة مروي المدرجة على قائمة التراث العالمي لـ«اليونسكو»: «هذه الأهرامات لنا، إنها تاريخنا، إنها هويتنا».

مصطفى أحمد حارس الموقع الأثري أمام الأهرامات القائمة في صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

يضم الموقع البالغ عمره 2400 عام 140 هرماً بُنيت خلال الفترة التي كانت فيها مدينة مروي عاصمة مملكة كوش القديمة. لكنّ هذه الأهرامات لم تعد سليمة بالكامل. فبعضها انهار رأسه، وبعضها الآخر تحوّل ركاماً، أولاً في القرن التاسع عشر جرّاء استخدام الأوروبيين الباحثين عن الكنوز متفجرات الديناميت، ثم بفعل الرياح والأمطار على مدى قرنين.

هذا الموقع الذي يبعد 3 ساعات بالسيارة عن العاصمة الخرطوم، كان سابقاً أكثر المعالم الأثرية في السودان استقطاباً للزوار. أمّا اليوم، بعد 3 سنوات من الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فلا يخرق صمت المكان سوى خوار جمل وحيد. عالم الآثار ومدير الموقع محمود سليمان، شرح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، نظام الخلافة الأمومي في مملكة كوش، وطرق التجارة، والعلاقة بمصر المجاورة. وقال: «ربما هي المرة الرابعة فحسب منذ اندلاع الحرب أصطحب زواراً في جولة».

مدير الموقع محمود سليمان داخل مقبرة أسفل هرم في أحد المواقع الأثرية بجزيرة مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

يتولى سليمان مع الحارس مصطفى وعالم الآثار الشاب محمد مبارك إدارة الموقع، ويجمعون ما أتيح من إمكانات للحفاظ على الأهرامات من التآكل بفعل الأمطار والرمال. وباستثناء إقبال للزوار لم يدم سوى فترة قصيرة في بداية الحرب، بقي الموقع إلى حد كبير مهجوراً.

جدّتي كنداكة

يختلف المشهد اليوم كليّاً عمّا كان عليه قبل الحرب، حين كانت «الرحلات تُنظَّم باستمرار في عطلات نهاية الأسبوع من الخرطوم، والحافلات تقل نحو 200 شخص يومياً»، على ما روى سليمان. وأوضح أن المواقع الأثرية في السودان شهدت انتعاشاً بعد انتفاضة 2018 - 2019، حين نظّم الشباب السودانيون احتجاجات ضد الرئيس السابق عمر البشير. وكان من هتافاتهم يومها «جدّي تهارقا (وهو فرعون كوشي)، وجدّتي كنداكة (وهو اسم للملكات القديمات استُخدم أيضاً لتكريم رموز الثورة من النساء». ولاحظ سليمان أن الشباب في تلك المرحلة «بدأوا يهتمون أكثر، وينظّمون رحلات إلى المواقع السياحية ويتعرّفون إلى بلدهم».

عالم الآثار محمد مبارك بجوار الأهرامات القائمة في صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وكان سكان قرية طرابيل المجاورة، واسمها هو التعبير المحلي المرادف لـ«الأهرامات»، يبيعون التذكارات ويؤجّرون الجِمال، و«كانوا يعتمدون كلياً على الموقع». من هؤلاء مثلاً خالد عبد الرازق (45 عاماً) الذي ما إن علم بوجود زوار في الموقع، حتى هرع إليه وعرض على صحافيي «وكالة الصحافة الفرنسية» مجسّمات أهرامات صغيرة من الحجر الرملي صنعها بنفسه، مسترجعاً ذكريات الأيام التي كان فيها «العشرات منا يبيعون».

في الأشهر التي سبقت الحرب، شهد الموقع زيارات من فرق تصوير وثائقيات، ومهرجاناً موسيقياً، و«أفكاراً كبيرة لِما بعد عيد الفطر مباشرة»، كما قال سليمان، لكنّ كل ذلك تبدّد مع اندلاع الحرب في الأيام الأخيرة من رمضان. وقال مبارك الذي يعمل في الموقع منذ عام 2018: «كنت أشعر بأنني أُعرِّف الناس على ثقافتهم». وأضاف: «الآن، بالطبع باتت الأولوية القصوى للجميع هي الطعام والماء والمأوى. لكن هذا مهم أيضاً. علينا أن نحميه للأجيال المقبلة، لا يمكننا أن نسمح بتدميره أو أن يذوي ويختفي».

حلم بعيد

بالقرب من مدخل الموقع، تصطف الأهرامات الشامخة، يتقدّم كُلّاً منها معبد جنائزي صغير، وسط مشهد طبيعي عام من تلال الحجر الرملي الأسود المتدرّجة. ومع أن المنظر بديع، قال سليمان إن عينيه لا تريان إلا ما يشكّل خطراً على الموقع، ويسأل نفسه دائماً هل هذا الشرخ في ذلك الهرم جديد؟ هل تحرّك ذلك الكثيب الرملي؟ هل ينبغي إعادة تركيب أنابيب السقالات عند مدخل حجرة دفن ما قبل موسم الأمطار؟ وعلّق مبارك: «أعتقد أننا ما كنّا لنواجه كل هذه المشاكل لو تُركت الأهرامات على حالتها الأصلية». فالهياكل أصغر وأكثر انحداراً من نظيراتها في مصر، وقد بُنيت «لتقاوم الرمال وتصدّ مياه الأمطار، لكن كل صدع يسبِّب مشكلات».

أحد أهرامات صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتَعرّضَ أكبر الأهرامات في المجموعة، وهو هرم الملكة أماني شاخيتو التي حكمت في القرن الأول الميلادي تقريباً، لأكثر من مجرد تشققات، وهو الآن في الواقع أشبه بصندوق رمل، حلّت فيه الرمال الناعمة مكان مقبرتها. ففي عام 1834، دمّر المغامر الإيطالي جوزيبي فرليني الباحث عن الكنوز عشرات الأهرامات، ومن بينها هرم أماني شاخيتو، وسوّاه بالأرض، ثم نقل مجوهراتها إلى أوروبا، وتُعرض الآن في المتاحف المتخصصة بالحضارة المصرية في برلين وميونيخ.

ولا تزال الجهة الخارجية لجدار معبدها قائمة، حيث يظهر نقش مجسّم للملكة بحجم يفوق الطبيعي، واقفة بفخر، ممسكة بحربة في يد، وتضرب أسرى من الأعداء. وأطلَعَ سليمان «وكالة الصحافة الفرنسية»، على مزيد من النقوش النافرة، ومنها الأسد أبيدماك، وزخارف مشتركة مع مصر، من بينها آمون وأنوبيس، وزهور اللوتس والهيروغليفية. ويتوق مدير الموقع إلى اليوم الذي يعود فيه السياح وعلماء الآثار. وقال: «هذا مجرد حلم بعيد، لكنني أود حقاً أن نتمكّن يوماً ما من إجراء ترميم حقيقي لهذه الأهرامات». وأضاف: «هذا المكان يختزن الكثير من الإمكانات».