سعيّد لولاية رئاسية ثانية بغالبية 89 %

تعهد «مواصلة الثورة ضد المفسدين والمتآمرين»

من احتفالات أنصار سعيد (أ.ب)
من احتفالات أنصار سعيد (أ.ب)
TT

سعيّد لولاية رئاسية ثانية بغالبية 89 %

من احتفالات أنصار سعيد (أ.ب)
من احتفالات أنصار سعيد (أ.ب)

حاز الرئيس التونسي المنتهية ولايته قيس سعيّد أكثر من 89 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي جرت الأحد وشهدت نسبة مشاركة ضعيفة، بحسب استطلاع لآراء الناخبين لدى خروجهم من مراكز الاقتراع بثه التلفزيون الرسمي.

وبحسب هذا الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة «سيغما كونساي» الخاصة، تقدم سعيّد البالغ 66 عاماً بفارق كبير على العياشي زمال المسجون والذي حصل على 6.9 في المائة فقط من الأصوات، والنائب السابق زهير المغزاوي الذي حصد 3.9 في المائة من الأصوات.

الرئيس سعيد يحيي أنصاره في أحد مراكز الاقتراع بالعاصمة (أ.ب)

من جهتها، أعلنت هيئة الانتخابات أن نسبة المشاركة بلغت 27.7 في المائة، مقابل 45 في المائة في الجولة الأولى من انتخابات عام 2019. وهذا أدنى معدل مشاركة في الانتخابات الرئاسية منذ ثورة عام 2011 في الدولة التي اعتُبرت مهد ما سُمي «الربيع العربي»، على ما أوردت «وكالة الصحافة الفرنسية» في تقرير لها.

وصوّت أكثر من 2.7 مليون ناخب، حسب ما أعلن رئيس هيئة الانتخابات فاروق بوعسكر في مؤتمر صحافي. ومثلت الفئة العمرية من 36 إلى 60 عاماً 65 في المائة من نسبة المشاركين في هذه الانتخابات. وبحسب الاستطلاع، نال سعيّد 2.1 مليون صوت.

وقال سعيّد في تصريح للتلفزيون الرسمي من مقر حملته بالعاصمة: «اليوم ما تعيشه تونس هو استكمال للثورة، وسنواصل ونشيّد ونطهّر البلاد من المفسدين والمتآمرين». وتابع: «تونس ستبقى حرّة مستقلة أبد الدهر ولن تقبل بالتدخل الخارجي». واعتبر أن نتائج الاستطلاع «قريبة إلى الواقع» في انتظار صدور النتائج الرسمية الثلاثاء.

من مؤيدي الرئيس سعيد (رويترز)

وفي تعليقه على نتائج الاستطلاع، اعتبر المحلل السياسي حاتم النفطي في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن «شرعية الانتخابات مشوّهة بعد أن تم استبعاد المرشحين البارزين». وتابع: «تعد هذه المشاركة الأسوأ منذ عام 2011. وبافتراض صحة النتائج، فهذا يعني أن سعيّد حافظ على حجم القاعدة الانتخابية نفسها» منذ عام 2019.

ورأى الخبير في الشأن المغاربي، الفرنسي بيار فيرميرين، أنه حتى لو كانت «الشرعية الديمقراطية» لهذه الانتخابات «ضعيفة» مع تواضع نسبة المشاركة، فإن «تونس لديها رئيس وأغلبية التونسيين سمحوا بذلك».

وبعد إعلان نتائج استطلاع الرأي، خرج المئات من أنصار الرئيس إلى «شارع الحبيب بورقيبة» الرئيسي في تونس العاصمة للاحتفال بفوزه، ورددوا النشيد الوطني ورفعوا الأعلام وصورته أمام المسرح البلدي. وهتف بعض المحتفلين: «الشعب يريد قيس سعيّد من جديد».

في وقت سابق الأحد، قال النوري المصمودي (69 عاماً) في مركز اقتراع في العاصمة: «جئت مع زوجتي لدعم قيس سعيّد، العائلة بأكملها ستصوت له».

وعلى مسافة قريبة منه، قالت فضيلة (66 عاماً) إنها جاءت «من أجل القيام بالواجب، ورداً على كل من دعا إلى مقاطعة الانتخابات».

من عملية فرز الأصوات بإشراف «الهيئة العليا المستقلة للانتخابات» (أ.ف.ب)

وفي مركز آخر، أعرب حسني العبيدي (40 عاماً) عن خشيته من حصول عمليات تلاعب، لذلك «قدمت للتصويت حتى لا يتم الاختيار مكاني».

وتنافس سعيّد (66 عاماً) مع النائب السابق زهير المغزاوي (59 عاماً)، والمهندس ورجل الأعمال العياشي زمال (47 عاماً) الذي يستثمر في المجال الزراعي والمسجون بتهم «تزوير» تزكيات شعبية ضرورية للترشح للانتخابات. وأوضح رئيس «هيئة الانتخابات» فاروق بوعسكر أنه سيتم الأخذ في الاعتبار الأحكام القضائية النهائية في حق زمال خلال عدّ الأصوات.

ولا يزال سعيّد الذي انتُخب بما يقرب من 73 في المائة من الأصوات وبنسبة مشاركة بلغت 58 في المائة في الجولة الثانية في عام 2019، يتمتّع بشعبية كبيرة لدى التونسيين حتى بعد قراره احتكار السلطات، وحلّ البرلمان، وتغيير الدستور بين عامي 2021 و2022.

وتندّد المعارضة التي يقبع أبرز زعمائها في السجن ومنظمات غير حكومية تونسية وأجنبية، بـ«الانجراف السلطوي» من خلال الرقابة على القضاء والصحافة، والتضييق على منظمات المجتمع المدني، واعتقال نقابيين وناشطين وإعلاميين.

من جانبه، وجّه رمزي الجبابلي مدير حملة العياشي زمال في مؤتمر صحافي الجمعة «رسالة إلى هيئة الانتخابات (مفادها) إيّاكم والعبث بصوت التونسيين».

من تجمع لأنصار سعيد في «شارع الحبيب بورقيبة» (أ.ف.ب)

وكانت الحملة الانتخابية باهتة من دون اجتماعات أو إعلانات انتخابية أو ملصقات، ولا مناظرات تلفزيونية بين المرشحين مثلما كان عليه الحال في الانتخابات السابقة. وقال الخبير في «مجموعة الأزمات الدولية» مايكل العيّاري إن الرئيس سعيّد «وجّه» الانتخابات لصالحه «ويعتقد أنه يجب أن يفوز»، حتى مع دعوة أحزاب يسارية معارضة وشخصيات مقربة من حزب «النهضة» إلى التصويت لصالح زمال.

أما المنافس الثالث فهو زهير المغزاوي، رافع شعار «السيادة الوطنية والاقتصادية» على غرار الرئيس، وكان من بين الذين دعموا قرارات سعيّد في احتكار السلطات.

وتعرّضت عملية قبول ملفات المرشحين من «الهيئة العليا المستقلة للانتخابات» لانتقادات شديدة وصلت إلى اتهامها بـ«الانحياز الكامل لسعيّد» حين رفضت قراراً قضائياً بإعادة قبول مرشحين معارضين بارزين.

وتشير إحصاءات منظمة «هيومن رايتس ووتش» إلى أن «أكثر من 170 شخصاً هم بالفعل محتجزون لدوافع سياسية أو لممارسة الحقوق الأساسية» في تونس.


مقالات ذات صلة

الجزائر: مطالب حقوقية بالمحاسبة في «قضية ترتيب لوائح الترشيح للانتخابات»

شمال افريقيا أمين عام التجمع الوطني الديمقراطي (إعلام حزبي)

الجزائر: مطالب حقوقية بالمحاسبة في «قضية ترتيب لوائح الترشيح للانتخابات»

فجَّر تسجيل صوتي مسرَّب، جرى تداوله على نطاق واسع بداية الشهر الحالي، فضيحةً سياسيةً مدويةً في ولاية قسنطينة، كبرى مدن الشرق الجزائري.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الاقتصاد صفوف من المنازل الملوّنة تظهر في مدينة بريستول (رويترز)

تباطؤ سوق الإسكان في بريطانيا مع تراجع الطلب بفعل مخاوف الحرب

انخفضت أسعار المنازل في المملكة المتحدة خلال أبريل للشهر الثاني على التوالي، في ظل تراجع الطلب من المشترين نتيجة المخاوف المرتبطة بتداعيات الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أشخاص يدخلون إلى مركز اقتراع أُقيم للانتخابات المحلية في منطقة غولدرز غرين شمال لندن في 7 مايو 2026 (أ.ف.ب) p-circle

نتائج جزئية لانتخابات محلية تظهر خسارة كبيرة لحزب العمال البريطاني بزعامة ستارمر

أظهرت النتائج الجزئية الصادرة الجمعة للانتخابات المحلية في إنجلترا خسائر كبيرة لحزب العمال الحاكم بزعامة رئيس الوزراء كير ستارمر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية

«مناصب الترضية» تُفجر خلافات قبيل التصويت على الحكومة العراقية

تتصاعد في العراق مؤشرات الخلاف المبكر حول تشكيلة الحكومة الجديدة التي يسعى رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي إلى تمريرها داخل البرلمان.

حمزة مصطفى (بغداد)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب محاطاً بأعضاء جمهوريين من الكونغرس في البيت الأبيض (رويترز)

ترمب يحكم قبضته على الحزب الجمهوري في إنديانا

أحكم الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبضته على الحزب الجمهوري في إنديانا، بعدما تمكّن أتباعه من الفوز بالمنافسات التمهيدية ضد معارضي إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية.

علي بردى (واشنطن)

بعد عامين من التباعد... فرنسا والجزائر تقطعان خطوة جدية لتطبيع علاقاتهما

وزيرة الدولة الفرنسية المكلّفة بالقوات المسلحة وشؤون المحاربين القدامى أليس روفو (إلى اليسار) ومسؤولون يضعون إكليلاً من الزهور وباقات ورد خلال مراسم إحياء ذكرى «مجازر سطيف 1945» في مدينة سطيف شرق الجزائر يوم 8 مايو 2026 (أ.ف.ب)
وزيرة الدولة الفرنسية المكلّفة بالقوات المسلحة وشؤون المحاربين القدامى أليس روفو (إلى اليسار) ومسؤولون يضعون إكليلاً من الزهور وباقات ورد خلال مراسم إحياء ذكرى «مجازر سطيف 1945» في مدينة سطيف شرق الجزائر يوم 8 مايو 2026 (أ.ف.ب)
TT

بعد عامين من التباعد... فرنسا والجزائر تقطعان خطوة جدية لتطبيع علاقاتهما

وزيرة الدولة الفرنسية المكلّفة بالقوات المسلحة وشؤون المحاربين القدامى أليس روفو (إلى اليسار) ومسؤولون يضعون إكليلاً من الزهور وباقات ورد خلال مراسم إحياء ذكرى «مجازر سطيف 1945» في مدينة سطيف شرق الجزائر يوم 8 مايو 2026 (أ.ف.ب)
وزيرة الدولة الفرنسية المكلّفة بالقوات المسلحة وشؤون المحاربين القدامى أليس روفو (إلى اليسار) ومسؤولون يضعون إكليلاً من الزهور وباقات ورد خلال مراسم إحياء ذكرى «مجازر سطيف 1945» في مدينة سطيف شرق الجزائر يوم 8 مايو 2026 (أ.ف.ب)

هل تتَّجه العلاقات الفرنسية - الجزائرية التي تشهد، دورياً، كثيراً من المطبات الهوائية العنيفة، نحو حالة من التطبيع بعد الأزمة الحادة التي تسبَّبت بها رسالة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى العاهل المغربي، صيف عام 2024 وفيها يتبنَّى رؤية الرباط لمصير الصحراء الغربية؟

السؤال مطروح بقوة بعد أن كلف ماكرون الوزيرة المنتدبة لشؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين، أليس روفو، المقربة منه، بمهمة بالغة الحساسية، عنوانها تطبيع العلاقات المتقلبة مع الجزائر.

واللافت أنَّ ماكرون اختار تاريخ الثامن من مايو (أيار) الذي يرتدي أهميةً بالغةً بالنسبة للجزائريين، ولذاكرتهم، ولعلاقاتهم المُعقَّدة مع باريس لتكليف روفو بتمثيل بلاده في مدينة سطيف بمناسبة «إحياء ذكرى الأحداث المأساوية» التي شهدتها المدينة المذكورة، ومدينتان أخريان هما قالمة وخراطة.

وجاء في البيان الرئاسي ما حرفيته أنه «في الوقت الذي كان فيه الفرنسيون يحتفلون بتحرير بلادهم، استمرَّ قمع المظاهرات في مدن سطيف وقالمة وخراطة لأسابيع عدة، مخلِّفاً آلاف الضحايا. تلك هي حقيقة تاريخنا، ومن شرف فرنسا أن تواجهها بصدق».

ويقول الجزائريون إن 45 ألفاً سقطوا بسبب القمع الفرنسي الذي استُخدِمت فيه الطائرات لضرب المتظاهرين الذين كانوا يطالبون بالاستقلال.

جزائريون يشاركون في إحياء ذكرى ما تُعرف بـ«مجازر سطيف 1945» بتاريخ 8 مايو 2026 (أ.ف.ب)

وتنفيذاً لتعليمات الرئاسة، سارت روفو إلى جانب نظيرها الجزائري عبد الملك تشريف، المكلف بالمجاهدين وذوي الحقوق، في مسيرة شارك فيها مئات الأشخاص من مسؤولين وسكان، حمل بعضهم اللونين الأخضر والأبيض للعلم الجزائري. كذلك، وضع الوزيران أكاليل من الزهور أمام نصب تذكاري؛ تخليداً لذكرى بوزيد سعال، الذي أدى مقتله برصاص القوات الفرنسية إلى اندلاع أعمال شغب تمَّ قمعها بعنف.

مساعٍ لرأب الصدع

تندرج البادرة الفرنسية في إطار المساعي التي أطلقها ماكرون منذ سنوات عدة من أجل «مصالحة الذاكرتين»، الفرنسية والجزائرية. إلا أن ما تريده باريس أبعد من ذلك، فقد نصَّ بيان الإليزيه على أنَّ الهدف «إقامة علاقات قائمة على الثقة وواعدة للمستقبل، بما يخدم مصلحة الشعبَين، الفرنسي والجزائري».

لذا، سيكون على روفو أن تبحث مع الجانب الجزائري «المراحل المقبلة لتعزيز علاقاتنا الثنائية» وإيصال رغبة الرئيس الفرنسي «في تعزيز النتائج التي تمَّ تحقيقها بالفعل، واستعادة حوار فعّال يحترم المصلحة الوطنية لكل طرف؛ خدمةً لمصلحتنا المشتركة».

أليس روفو الوزيرة الفرنسية المكلّفة بشؤون المحاربين القدامى (يسار) إلى جانب وزير المجاهدين وذوي الحقوق الجزائري عبد المالك تشريف خلال مراسم إحياء ذكرى «مجازر سطيف 1945» في مدينة سطيف شرق الجزائر بتاريخ 8 مايو 2026 (أ.ف.ب)

وبكلام آخر، تأمل باريس استخدام التحسُّن الذي طرأ في علاقاتها مع الجزائر، في الأشهر القليلة الأخيرة، للذهاب سريعاً نحو حال من التطبيع التي لن تحصل ما لم تُسوَّ المشكلات التي ما زالت قائمةً بينهما. وكترجمة لهذه الرغبة، فإنَّ ماكرون طلب من السفير الفرنسي في الجزائر ستيفان روماتيه، الذي استدعاه قبل عام، العودة إلى ممارسة مهامه الدبلوماسية وهو ما سارع إلى القيام به. وطلب «الإليزيه» من روماتيه أن «يعمل على جميع جوانب التعاون الثنائي، بروح من المعاملة بالمثل».

مقدمات الزيارة

ما كان لهذه الزيارة أن تتم وفق هذه الروحية من غير «المقدمات» التي مرَّت بها في الأشهر الثلاثة الأخيرة. وتجدر الإشارة إلى أن رحيل برونو روتايو، وزير الداخلية، ورئيس حزب «الجمهوريون» اليميني عن الحكومة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي أسهم بشكل تلقائي في تخفيف الاحتقان بين العاصمتين باعتبار أنه جعل من عملية لي الذراع مع الجزائر أحد محاور سياسته المغاربية. وسبق له أن هدَّد بإعادة النظر بالاتفاقات القائمة بين البلدين، والتي عدّها لصالح الجزائر وغير عادلة بالنسبة لباريس.

كذلك عمد إلى اتباع سياسات متشددة في مسائل الهجرة، والإسلام، ومنح التأشيرات، مفضِّلاً انتهاج سياسة «تصادمية »، مبرراً إياها بتمنع الجزائر عن التعاون في المسائل القنصلية، ورفض استعادة مواطنيها الذين يفقدون حقَّ الإقامة على الأراضي الفرنسية.

أليس روفو الوزيرة الفرنسية المكلّفة بشؤون المحاربين القدامى (يسار) إلى جانب وزير المجاهدين وذوي الحقوق الجزائري عبد المالك تشريف خلال مراسم إحياء ذكرى «مجازر سطيف 1945» في مدينة سطيف شرق الجزائر بتاريخ 8 مايو 2026 (أ.ف.ب)

وأسهم اعتقال الصحافي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز في مايو 2024 بتهمة «تمجيد الإرهاب» ثمَّ القبض على الكاتب الجزائري بوعلام صنصنال في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه، وتوجيه الاتهام في ربيع العام الماضي لموظف قنصلي جزائري يُشتبه في تورطه في اختطاف المؤثر الجزائري أمير دي، كل ذلك وغيره كثير، في تأجيج الحملات السياسية والإعلامية من على جانبي المتوسط وأسهم في إرساء ما يشبه القطيعة بين الطرفين، وصلت إلى حدِّ تبادل طرد دبلوماسيين معتمَدين في كلا العاصمتين.

تعاون أمني رغم الخلافات

إذا كانت الزيارات الرسمية بين الجانبين قد توقفت، فإنَّ التواصل البعيد عن الأضواء، إن مباشرة أو بالوساطة لم يتوقف. كذلك فإنَّ التعاون الأمني - المخابراتي ومحاربة الإرهاب بقي قائماً بالنظر لأهميته لمصالح الطرفين. يضاف إليه قلق الجهتين تجاه التطورات التي تشهدها بلدان الساحل الأفريقي (مالي وبوركينا فاسو والنيجر)، وما لها من تبعات جيوسياسية وجيواستراتيجية عليهما معاً. ونجحت الوساطة الألمانية التي توسلتها باريس لدى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في إقناعه بإصدار عفو عن صنصال.

كذلك تتمنى فرنسا أن تفضي التطورات الإيجابية الحديثة في العلاقات مع الجزائر إلى الإفراج عن كريستوف غليز، خصوصاً أنَّ الأخير قرَّر مع محاميه التخلي عن الطعن الصادر بحقه أمام محكمة التمييز؛ ما قد يسهِّل حصوله على عفو رئاسي.

شكَّلت زيارة وزير الداخلية الفرنسي الجديد، لوران نونيز، إلى الجزائر في شهر فبراير (شباط) الماضي محطةً إيجابيةً مهَّدت لتحسُّن علاقات الطرفين. الوزير الجديد اعتمد مقاربةً براغماتيةً بعيدةً عن الاستفزازات؛ ما انعكس أيضاً على علاقاته بالجالية الجزائرية في فرنسا؛ حيث قبل دعوة للإفطار من مسجد باريس الكبير الذي تديره الجزائر.

والتقى نونيز الرئيس تبون، وعاد من الجزائر بوعد لاستئناف التعاون القنصلي لجهة ترحيل الجزائريين الصادرة بحقهم مذكرات إبعاد. ومؤخراً، كلف ماكرون رئيسة «معهد العالم العربي» ومستشارته لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي سابقاً آن - كلير لو جاندر، القيام بمهمة في الجزائر بحيث تعد زيارة الوزيرة روفو امتداداً لها. وقامت الوزيرة السابقة سيغولين رويال بزيارتين للجزائر لـ«تليين» العلاقات رغم أنَّها لم تعد تحمل صفةً رسميةً.

منعطف جديد

خلاصة الأمر أنَّ علاقات الطرفين دخلت اليوم منعطفاً جديداً، لكنه لا يعني أبداً استبعاد انزلاقة مستقبلية نحو التوتر والتشدد. ذلك أن أي تصريح أو تدبير تشعر الجزائر بأنهما مسيئان لها قد يفجران أزمات جدية. كذلك، فإنَّ الطرف الجزائري لم يتجاوز، حقيقة، تأييد باريس للمقاربة المغربية لملف الصحراء. وثمة ملفات خلافية قد تتفجر، منها ما يتناول الذاكرة المشتركة، أو ما تطالب به الجزائر من تعويضات وإجراءات بخصوص التجارب الذرية التي أجرتها فرنسا في الصحراء الجزائرية.

وليس سراً أنه ليست هناك علاقات ثنائية بين باريس والجزائر أو بين باريس والرباط، إذ إن أي تطور في هذه العلاقة أو تلك ينعكس حكماً على العلاقة المقابلة. وفي أي حال، فإن زلزال الاصطفاف الفرنسي وراء الرباط كانت له نتائج اقتصادية وتجارية على العلاقة مع الجزائر.

كما أنَّ الأزمة التي يعيشها العالم في قطاع الطاقة؛ بسبب حرب الخليج الجديدة تطرح على فرنسا وعلى الأوروبيين تحديات كبرى ستكون إحدى نتائجها إعادة النظر في العلاقات مع الجزائر. ولا شك أن عفواً رئاسياً جزائرياً عن الصحافي الفرنسي سيكون مؤشراً قوياً إلى ما وصلت إليه العلاقات الجديدة بين الجانبين.


ماكرون إلى مصر... تعزيز الشراكة وبحث أزمات المنطقة

محادثات بين الرئيس السيسي ونظيره الفرنسي بالقاهرة في أبريل 2025 (الرئاسة المصرية)
محادثات بين الرئيس السيسي ونظيره الفرنسي بالقاهرة في أبريل 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

ماكرون إلى مصر... تعزيز الشراكة وبحث أزمات المنطقة

محادثات بين الرئيس السيسي ونظيره الفرنسي بالقاهرة في أبريل 2025 (الرئاسة المصرية)
محادثات بين الرئيس السيسي ونظيره الفرنسي بالقاهرة في أبريل 2025 (الرئاسة المصرية)

يبدأ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون زيارة إلى مصر، السبت، تتضمن محادثات مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، وافتتاح المقر الجديد لجامعة «سنجور» في الإسكندرية.

ووفق خبراء، فإن افتتاح المقر الجديد للجامعة الفرنسية «يشكل نموذجاً للتعاون الثلاثي بين مصر وفرنسا مع الدول الأفريقية»، وأكدوا لـ«الشرق الأوسط» أن «علاقات الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وباريس يمكن أن تتطور إلى شراكات ناجحة مع أفريقيا».

ومن المقرر أن «يبحث السيسي وماكرون التعاون الثنائي، وتطورات الأوضاع الإقليمية، خاصة أزمات الشرق الأوسط، والتوترات الحالية في المنطقة»، حسب وكالة «أنباء الشرق الأوسط» الرسمية.

وتُوِّج التقارب بين القاهرة وباريس بإعلان الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، العام الماضي، ما أسهم في تعزيز العلاقات الثنائية بمختلف المجالات.

وقام ماكرون بزيارة إلى القاهرة في أبريل (نيسان) من العام الماضي، شهدت محادثات مع السيسي حول عديد من الملفات الثنائية والقضايا الإقليمية، إلى جانب توقيع عدد ﻣﻦ اﺗﻔﺎﻗﻴﺎت اﻟﺘﻌﺎون اﻟﺜﻨﺎﺋﻲ، وخصوصاً الاﺗﻔﺎق على الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.

وجامعة «سنجور» تحمل اسم الرئيس السنغالي الأسبق ليوبولد سنجور، وتم تأسيسها لخدمة قضايا التنمية الأفريقية عام 1989، استناداً لاتفاقية بين مصر و«المنظمة الدولية للفرنكوفونية»؛ بهدف تأهيل الكوادر الأفريقية على مستوى متميز ليكونوا رواداً للتنمية في دولهم.

مقر جامعة «سنجور» في الإسكندرية (الجامعة)

وبحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير يوسف الشرقاوي، «تشكل زيارة ماكرون لمصر ومشاركته مع السيسي في افتتاح المقر الجديد لجامعة (سنجور)، نموذجاً للشراكة الثلاثية بين القاهرة وباريس ودول أفريقيا».

ويقول إن «الشراكة الاستراتيجية بين مصر وفرنسا تشكل نقطة انطلاق لشراكات مع دول أفريقيا، خصوصاً في مجال بناء القدرات والتنمية الاقتصادية». ويضيف: «يعكس حضور ماكرون مستوى التطور في العلاقات الثنائية بين القاهرة وباريس»، ويوضح أن «هناك تعاوناً ثقافياً وتعليمياً بين البلدين».

وتضم «سنجور» أربعة أقسام رئيسية، هي: الثقافة، والبيئة، والإدارة، والصحة، وتشمل ثمانية تخصصات مرتبطة بأهداف التنمية المستدامة، من بينها: «إدارة التراث الثقافي، وإدارة المؤسسات الثقافية، والمحميات الطبيعية والتنوع البيولوجي، والحوكمة وإدارة المنشآت العامة، وإدارة المشاريع، والصحة العامة».

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق أن «الجامعة تشكل إحدى أدوات القوى الناعمة للتعاون المصري - الفرنسي في الساحة الأفريقية»، ويشير إلى أنها «تشكل منصة مهمة في بناء القدرات والكوادر الأفريقية بمختلف التخصصات».

وتشكل زيارة ماكرون محطة جديدة في مسار الشراكة بين القاهرة وباريس بتدشين المقر الجديد لجامعة «سنجور» التابعة لـ«المنظمة الدولية للفرنكوفونية»، والذي خصصته الحكومة المصرية دعماً لتأهيل الكوادر الأفريقية.

طلاب وطالبات في جامعة «سنجور» بالإسكندرية (الجامعة)

وساهمت مصر في تطوير جامعة «سنجور»، مع الجانب الفرنسي، بتخصيص مقر جديد لها وإعادة صياغة دورها التعليمي والتأهيلي، بحسب رئيس «جمعية المصريين الأفارقة»، يسري الشرقاوي، ويقول إن «الحكومة المصرية تعوّل على هذه الجامعة لتعزيز القدرات البشرية الأفريقية لا سيما للطلاب الدارسين باللغة الفرنسية». ويشير إلى أن «غالبية الدارسين في الجامعة من الكوادر التنفيذية في الدول الأفريقية، ويأتي دور الجامعة لصقل قدراتهم في مجال الإدارة والتنمية البشرية والإدارية».

ويعتقد رئيس «جمعية المصريين الأفارقة» أن «الاهتمام المصري بتعليم وتدريب الكوادر الأفريقية يحقق مكاسب اقتصادية، من بينها دعم ونشر المنتجات المصرية في الأسواق الأفريقية».


دعم مالي جديد لمصر لتخفيف تداعيات «حرب إيران»

خلال استقبال الرئيس المصري رئيس مجموعة البنك الدولي في مارس 2026 (الرئاسة المصرية)
خلال استقبال الرئيس المصري رئيس مجموعة البنك الدولي في مارس 2026 (الرئاسة المصرية)
TT

دعم مالي جديد لمصر لتخفيف تداعيات «حرب إيران»

خلال استقبال الرئيس المصري رئيس مجموعة البنك الدولي في مارس 2026 (الرئاسة المصرية)
خلال استقبال الرئيس المصري رئيس مجموعة البنك الدولي في مارس 2026 (الرئاسة المصرية)

يعزِّز دعم مالي جديد من البنك الدولي إلى مصر، الجمعة، بقيمة مليار دولار (نحو 53 مليار جنيه)، صمود الاقتصاد المصري في مواجهة تداعيات الحرب الإيرانية، التي تسبَّبت في ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وأدت إلى تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار، في وقت تطمح فيه الحكومة المصرية للحصول على مزيد من الدعم، خصوصاً من الاتحاد الأوربي؛ لمساعدتها في تجاوز هذه المرحلة.

وتأثر الاقتصاد المصري بالحرب الإيرانية، بينما كان في مرحلة يحاول فيها التعافي من آثار أزمة اقتصادية ممتدة، إذ ارتفعت أسعار السلع والخدمات بمجرد رفع أسعار المحروقات بنسبة تراوحت بين 14 و30 في المائة، وهو القرار الذي اتخذته الحكومة بعد 10 أيام فقط من اندلاع الحرب، كما ازدادت مؤشرات التضخم، وتراجعت مؤشرات نمو الاقتصاد الكلي.

ووافقت مجموعة البنك الدولي، الجمعة، على منح مصر تمويلاً بقيمة مليار دولار؛ لـ«تعزيز خلق فرص العمل بقيادة القطاع الخاص، ودعم الاقتصاد الكلي والمالية العامة، وتسريع التحوُّل نحو الاقتصاد الأخضر»، وفق بيان للبنك الدولي.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال استقباله كايا كالاس بالقاهرة في يناير الماضي (الخارجية المصرية)

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قد استقبل رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا، في مطلع مارس (آذار) الماضي، مستعرضاً جهود بلاده لتعزيز أداء الاقتصاد في مواجهة الأزمات الدولية والإقليمية، ومعبِّراً عن تطلع مصر لمواصلة التعاون الإنمائي المثمر مع البنك الدولي في مختلف المجالات التي تستهدف دعم جهود الدولة للارتقاء بالمستوى المعيشي للمواطنين.

قيمة مصر الجيوسياسية

وثمَّن خبراء هذا الدعم وتوقيته، وعدّه الكاتب الاقتصادي والباحث في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، انعكاساً لقيمة مصر الجيوسياسية الكبيرة، والتي تدفع الجهات المانحة إلى دعمها في ظلِّ أزمة يعاني منها العالم أجمع، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنَّ «صمود مصر في مواجهة أزمات الاقتصاد أمر مهم لتحقيق توازن إقليمي، خصوصاً أنَّ القاهرة تتحكَّم في شريان اقتصادي عالمي مثل قناة السويس».

ويعدُّ التمويل الأخير من نوعية «القروض الميسرة بفوائد ضئيلة للغاية، قد يُسدُّ على مدار 20 أو 30 عاماً» حسب عبد النبي، وهو ما لم يُشير إليه البيان الأخير الذي نوه إلى أنَّ التمويل «يشمل ضماناً ائتمانياً بقيمة 200 مليون دولار مقدماً من المملكة المتحدة». ولفت الباحث في أسواق المال، إلى الدور الذي تلعبه دول الخليج في دعم مصر للحصول على هذا الدعم وغيره.

وكانت مصر قد طلبت من الاتحاد الأوروبي، تسريع حصولها على الشريحة الثانية من حزمة الدعم الكلي لتحصل عليها منتصف العام الحالي، بدلاً من نهايته؛ لمساعدتها في احتواء تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك خلال اتصالين أجراهما وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس، ووزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، في مارس الماضي. وتبلغ قيمة هذه الشريحة 4 مليارات دولار.

حزمة أوروبية

وتعود حزمة المساعدات الأوربية إلى عام 2024، حين أعلن «الاتحاد» عن تمويل لمصر بقيمة 7.4 مليار يورو، تتضمَّن 5 مليارات يورو في صورة قروض ميسّرة، حيث حصلت مصر بالفعل على الشريحة الأولى البالغة مليار يورو في يناير (كانون الثاني) من عام 2025، وتشمل الحزمة الأوروبية أيضاً استثمارات ومنحاً.

مصر تحاول احتواء تداعيات الحرب الإيرانية على اقتصادها (الشرق الأوسط)

وقلّل مراقبون من فرص تقديم موعد صرف الشريحة الثانية من الدعم الأوروبي، خصوصاً أن الاتفاقية الخاصة بالدعم الأوروبي تشترط الرجوع إلى تقرير صندوق النقد الدولي بشأن مصر، ومدى التزامها ببرنامج الإصلاح الاقتصادي.

ومن المنتظر أن يجري الصندوق مراجعةً جديدةً خلال الأيام المقبلة، قبل صرف الشريحتين السابعة والثامنة من القرض، لكن مراقبين يرون أن «عدم التزام القاهرة بعدد من مطالب الصندوق، من بينها التخارج من بعض الأنشطة الاقتصادية وطرح شركات في البورصة، لا يبشِّر بأن تكون نتائج المراجعة إيجابية».

وسبق وحرَّرت مصر قيمة الجنيه أمام الدولار، وقلصت دعم المحروقات، في إطار شروط صندوق النقد الدولي، ضمن خطة الإصلاح الاقتصادي، وتتضمَّن الخطة أيضاً تحويل الدعم العيني إلى نقدي، وطرح شركات القطاع العام والهيئات الخاصة في البورصة.

وفي ذلك الإطار، يرى اقتصاديون أهمية الدعم الأخير من البنك الدولي لما سيحقِّقه من دعم للجنيه أمام الدولار، حتى لو كان في شكل دعم المجال البيئي أو التوظيف بقيادة القطاع الخاص.

ومن شأن دعم المجال البيئي والتحوُّل للطاقة النظيفة أن يُقلل فاتورة الطاقة التي سترتفع على مصر بشكل كبير مع وصول برميل النفط عالمياً لـ100 دولار أو أكثر، في حين أنَّه مُسعر في الموازنة على 75 دولاراً.