مصر تلاحق «الكهرباء المسروقة» بمناطق فقيرة ومترفة

طرق متنوعة لسرقة «التيار»... وأكثر من نصف مليون محضر في 5 أسابيع

أبراج كهرباء ضغط عالٍ في مصر (رويترز)
أبراج كهرباء ضغط عالٍ في مصر (رويترز)
TT

مصر تلاحق «الكهرباء المسروقة» بمناطق فقيرة ومترفة

أبراج كهرباء ضغط عالٍ في مصر (رويترز)
أبراج كهرباء ضغط عالٍ في مصر (رويترز)

منذ 18 عاماً، يعمل أيمن جمال (اسم مستعار)، الذي يشارف على عقده الخامس، في شركة كهرباء جنوب القاهرة، حيث بات خبيراً بالطرق التي يتمكن بها كثيرون من سرقة الكهرباء، وبقوة القانون أصبح منذ أعوام واحداً ممن يستطيعون وقف ذلك بـ«ضبطية قضائية» تُمكنه من تحرير محاضر مباشرة لسارقي التيار، لكنه رغم هبّة الحكومة لملاحقتهم، لا يُبدي تفاؤلاً كبيراً في أن تنتهي المشكلة قريباً.

وسرقة الكهرباء تعني الحصول على وصلات غير شرعية، سواء من المصدر الرئيسي للطاقة في الحي الذي يقطن فيه سارق التيار، أو باستهلاك الكهرباء دون عداد، تُحصل من خلاله الحكومة مستحقاتها لدى المواطن، أو أن يُركب المواطن عداداً ثم يتلاعب فيه بحيث لا يحسب قيمة استهلاكه الفعلي، وفق ما شرح لـ«الشرق الأوسط» مسعد محفوظ (اسم مستعار) وهو موظف آخر في شركة الكهرباء، متخصص في توصيل العدادات بمنطقة السادس من أكتوبر (جنوب الجيزة).

يتجاوز جمال، الذي عمل 15 عاماً محصلاً لفواتير الكهرباء ثم ترقى ليصبح مراجعاً منذ 3 سنوات، عن شرح الطرق التي يُسرق بها التيار إلى قدرتهم على كشف التلاعب من خلال عداد يسمى «غفير»، يوجد في كل منطقة تقريباً، ويحسب حجم الطاقة الكهربائية المستهلكة فيها مقابل الطاقة المسجلة في العدادات، ما يعكس مقدار السرقات، أو ما يسميه «الفقد التجاري».

أسعار الكهرباء للمنازل ارتفعت بنسب تراوحت ما بين 14 إلى 40 % (الشركة القابضة لكهرباء مصر)

وكلما كان الرقم أكبر، حفّز ذلك جمال وزملاءه على القيام بحملات تفتيشية في تلك المنطقة. وكلما كشفوا سرقات أكبر زاد ذلك من «أرباحهم»، إذ يُحاسبون بنظام الأرباح وليس الحوافز. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «نتفقد بيتاً بيتاً، حتى نضبط السرقات ونحرر محاضر بها».

وتنتشر طرق سرقة الكهرباء في مصر منذ سنوات، حتى إنها شهدت تطوراً في الأسلوب. يقول جمال: «في البداية كانوا يستخدمون كيس ملح، أو مغناطيس داخل العداد لإبطاء حركة دوران العداد، لكن هذه الطرق باتت قديمة، وحالياً يتم التلاعب في بوردة (الشريحة الإلكترونية) العداد نفسه، من قبل فني، فيخفض القراءات».

وأعلن جهاز «تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك»، الشهر الماضي، زيادات سنوية في شرائح استهلاك الكهرباء لقطاعات عدة، منها المنازل التي تراوحت معدلات الزيادة في شرائحها ما بين 14 إلى 40 في المائة.

العقاب

ينص قانون الكهرباء الصادر عام 2015 على «معاقبة من استولى بغير حق على التيار الكهربائي بالحبس مدة لا تقل عن 3 أشهر، وبغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه، ولا تزيد على 100 ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين»، وفي حالة تكرار السرقة تتضاعف العقوبة (الدولار يساوي 48.88 جنيه).

ومؤخراً لوّحت الحكومة بحرمان سارقي الكهرباء - ممن تثبت عليهم التهمة بحكم قضائي - من الدعم التمويني، وهو عبارة عن سلع يحصل عليها أكثر من 8 ملايين أسرة بأسعار مخفضة.

وعملياً لا يرى جمال أن تهديد الحكومة سيُنفذ، إذ لا تصل عادة المحاضر للمحكمة، ويتصالح سارق التيار بدفع مبلغ متوسطه 10 آلاف جنيه.

وارتفعت أعداد المحاضر التي حرّرتها الحكومة لسارقي الكهرباء الفترة الماضية، حتى تجاوزت خلال 5 أسابيع فقط أكثر من 600 ألف محضر سرقة، وفق ما صرّح به وزير الكهرباء المهندس محمود عصمت، خلال اجتماع الحكومة، في 19 سبتمبر (أيلول) الحالي.

ومن بين هذه المحاضر، حرّر جمال وزملاؤه في شركات الكهرباء أكثر من 100 ألف منها، والباقي ضبطته مباحث الكهرباء.

لماذا الآن؟

تربط الحكومة بين أزمة انقطاعات التيار الكهربي التي تشهدها مصر منذ سنوات قبل أن تتفاقم خلال شهور الصيف، وسرقة التيار. وعلّق رئيس الحكومة مصطفى مدبولي، على السرقات المضبوطة قائلاً، خلال مؤتمر صحافي عقب الاجتماع ذاته: «لو نصف هذه السرقات لم تكن موجودة، فلن تكون هناك مشكلة في أي شيء، ولن نحتاج لتدبير موارد إضافية للكهرباء».

وكلّف توفير الكهرباء مصر خلال فصل الصيف، وفق مدبولي، 2.5 مليار دولار، بعدما كان تقدير الحكومة أنه سيحتاج 1.180 مليار دولار.

ومع ذلك، لا يرى مصدر مسؤول في وزارة الكهرباء، أن سرقة الكهرباء هي السبب الرئيسي في أزمة الانقطاعات، ويقول لـ«الشرق الأوسط»، طالباً عدم نشر اسمه: «الأزمة أكبر من ذلك»، منبهاً إلى ضرورة حساب «الفقد الفني»، عند محاولة تقليل المُهدر من الطاقة، في إشارة إلى البنية التحتية للكهرباء ونوع وأقطار الموصلات والكابلات.

وتقدر مصر قيمة المُهدر من الطاقة بسبب سرقة التيار بنحو «20 في المائة»، وفق مدبولي.

زيادة أسعار كهرباء المنازل تُقلق المصريين (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأكد المصدر أن ذلك لا يتعارض مع ضرورة مواجهة سرقات الكهرباء المتفشية، مشدداً على أن ذلك لن يتحقق سوى بالردع بالقانون «تعديل قانون الكهرباء وتغليظ العقوبات فيه، ووقف عملية التصالح في المحاضر».

لكن الخبير في مجال الطاقة والمسؤول السابق في وزارة الكهرباء، محمد سليم، يشدد على أن سرقة الكهرباء قضية مهمة، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط»: «أهمية مواجهتها لتقليل الفقد الذي يكبّد الدولة خسائر مالية كبيرة»، بالإضافة إلى أن «عمليات السرقة تتسبب في عدم توازن الأحمال في الشبكات، فعند زيادتها في منطقة معينة يمكن أن تتسبب في تأثيرات ضارة كبيرة، مثل حرق محولات نتيجة الأحمال غير المخططة».

«الناس تعبانة»

يشكّك جمال في أن يُنهي الردع وحده الأزمة، قائلاً: «الناس تعبانة»، في إشارة إلى الأعباء الاقتصادية وأثرها على المواطنين. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «نحن ندخل بيوت الناس، ونرى كيف تعيش، لا يمكن أن ننزل في مرة لتحصيل فواتير ونعود بها كاملة، لا بد أن نذهب مرة واثنين وثلاثاً، وأحياناً لا يستطيع المواطن الدفع». يتذكر حين كاد يقطع التيار عن منزل بعد بلاغ من أحد زملائه المُحصلين، ليتفاجأ أن الأسرة في حاجة لمساندة مالية.

وكانت جامعة الأزهر أوقفت الأستاذ المساعد بالعقيدة والفلسفة بكلية التربية في جامعة الأزهر الدكتور إمام رمضان إمام، في 10 من الشهر الحالي، بعد ظهوره في فتوى عبر «فيسبوك»، يحلّل فيها سرقة الكهرباء بعد ارتفاع الأسعار. ووصف الأزهر الفتوى بالشاذة: «تتضمن مخالفات فقهية، وتتعارض مع تعاليم الدين الحنيف».

لا يبرر جمال بذلك سرقة التيار، بينما يؤكد فني العدادات مسعد محفوظ، لـ«الشرق الأوسط»: «ليس الفقراء وحدهم من يسرقون الكهرباء، هناك أغنياء كثيرون يسرقونها، وكذلك مصانع تسرقها».

وهو أيضاً ما أكده وكيل لجنة الطاقة في الكهرباء، النائب محمد الجبلاوي، الذي يرى أن توجه الحكومة لمواجهة سرقة الكهرباء، الذي وصفه بـ«المحمود»، يجب أن «يشهد تعديلاً»، مطالباً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، بـ«بعدم إغفال مشاريع كاملة تستهلك طاقة كبيرة، وتحصل عليها بالمخالفة، والتركيز على مواجهة سرقات المنازل فقط».


مقالات ذات صلة

جدل النقاب يعود للواجهة في مصر

شمال افريقيا منظر عام للمباني وأهرامات الجيزة في مصر (رويترز)

جدل النقاب يعود للواجهة في مصر

صعَّدت حادثة اختطاف رضيعة من داخل مستشفى جامعي في مصر، نفّذتها قبل أيام سيدة كانت ترتدي «نقاباً»، دعوات إلى حظر تغطية الوجه في المنشآت والأماكن العامة.

وليد عبد الرحمن (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال استقباله في القاهرة مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية والوفد المرافق له (الخارجية المصرية - فيسبوك)

مصر: نرفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع في السودان

أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، رفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع أو تقويض فرص التسوية السياسية في السودان

شمال افريقيا تشكو كثير من المصريات من عدم التزام الأزواج بدفع النفقة عقب الطلاق (المجلس القومي للمرأة)

مصر: عقوبات للممتنعين عن «النفقة الزوجية» بعد شكاوى نسائية

بعد شكاوى نسائية متكررة، وجدل مجتمعي بشأن تعديلات مرتقبة على «قوانين الأسرة»، بدأت السلطات المصرية تطبيق عقوبات على الممتنعين عن سداد «النفقة الزوجية».

عصام فضل (القاهرة)
شمال افريقيا مقر وزارة الخارجية المصرية في وسط القاهرة (رويترز)

«وفاة غامضة» في دبي تكتب نهاية طبيب مصري اشتهر برفض العلاج بالأدوية

قالت وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، إنها تتابع واقعة وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا السيسي خلال لقاء المبعوث الأميركي مسعد بولس في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)

مصر تؤكد عدم التهاون في مصالحها المائية الوجودية

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن بلاده لن تتهاون في مصالحها المائية الوجودية، مستعرضاً مع مسعد بولس، في القاهرة، الاثنين، مستجدات الأوضاع في السودان.

فتحية الدخاخني (القاهرة )

الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية بولاية النيل الأزرق

عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز)
عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز)
TT

الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية بولاية النيل الأزرق

عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز)
عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز)

أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء، استعادة منطقة «مقجة» الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد، بعد معارك مع «قوات الدعم السريع»، قال إنها أسفرت عن خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد العسكري.

وذكر، في بيان، أن هذا التقدم يأتي في سياق عمليات «الفرقة الرابعة مشاة» التابعة له، ضمن نشاط ميداني لتأمين المنطقة وتطهيرها، مشيراً إلى تدمير معدات عسكرية وسيارات قتالية، وبث مقاطع مصورة تُظهر انتشار قواته داخل البلدة.

وتكتسب منطقة «مقجة» أهمية استراتيجية لوقوعها على الطريق الحيوي الرابط بين مدينتي الكرمك والدمازين عاصمة ولاية النيل الأزرق، وكانت قد سقطت في مارس (آذار) الماضي بيد قوات تحالف «تأسيس» بقيادة «الدعم السريع»، التي كانت قد سيطرت أيضاً على مدينة الكرمك القريبة من الحدود مع إثيوبيا، قبل أن تتقدم بوتيرة متسارعة، مسنودة بقوة من «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة عبد العزيز آدم الحلو، وتستولي على عدد من البلدات الصغيرة في الولاية.

وفي المقابل، لم يصدر أي تعليق رسمي من «قوات الدعم السريع» على هذه التطورات العسكرية الأخيرة، التي تأتي بعد أيام قليلة من اشتباكات عنيفة دارت بين الجيش السوداني والقوات المساندة له من جهة، و«قوات الدعم السريع» من جهة أخرى، في منطقتي كازقيل والحمادي بولاية جنوب كردفان.

العطا يدافع عن الكباشي

سياسياً، أكد رئيس هيئة أركان الجيش السوداني، ياسر العطا، أن القوات النظامية «قومية ومهنية»، وتخضع لضوابط ولوائح صارمة لا مجال فيها للمحاصصات والانتماءات الجهوية والقبلية الضيقة، وذلك في سياق الرد على الجدل الواسع الذي أثير أخيراً عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن إعفاء شمس الدين كباشي من منصبه نائباً للقائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان.

الفريق العطا رئيس هيئة أركان الجيش السودان لدى زيارة سابقة لمصابين في قاعدة وادي سيدنا (مجلس السيادة على تلغرام)

وقال العطا، في تسجيل مصور نُشر على الصفحة الرسمية للجيش عبر «فيسبوك»، إن «التراتبية من ثوابت القوات المسلحة التي لا تتغير، وفي إطارها تأتي الرتب والوظائف»، مشدداً على أن المعايير المهنية هي الأساس في شغل المناصب القيادية.

وكان البرهان قد أجرى في مطلع أبريل (نيسان) الماضي تعديلاً على القيادة العليا للجيش، يُعد الأول منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، نافياً حينها «وجود أي معايير جهوية في التعيين»، ومؤكداً أن هذه التغييرات تهدف إلى تعزيز قدرات القوات المسلحة ورفع كفاءتها. وبعد أيام قليلة من تعيين الفريق ياسر العطا رئيساً لهيئة الأركان، أصدر البرهان قرارات أخرى بإعادة توزيع بعض المناصب القيادية في الجيش، شملت إعفاء نائبه في قيادة الجيش، شمس الدين كباشي، وإعادة تعيينه مساعداً لشؤون البناء والتخطيط الاستراتيجي. كما تضمنت القرارات إعفاء مساعده الفريق إبراهيم جابر، وتعيينه مساعداً لشؤون العلاقات الدولية والتعاون العسكري، كما تم تعيين الفريق ميرغني إدريس سليمان مساعداً لشؤون الصناعات العسكرية، وأوضح العطا أن هيئة الأركان تُعد جزءاً لا يتجزأ من قيادة الجيش، وأن شمس الدين كباشي، بحكم الأقدمية، لا يزال يحتفظ بموقع الرجل الثاني في القيادة، رغم إعادة توزيع مهامه.

وكان العطا قد وصف هذه التغييرات، في وقت سابق، بأنها «إجراءات روتينية سنوية» تأتي وفقاً للتراتبية العسكرية، نافياً أن تكون مرتبطة بأي اعتبارات أخرى خارج الإطار المؤسسي.

وفي سياق متصل، تعهد رئيس هيئة الأركان، ياسر العطا، بتحقيق «انتصارات كبيرة» على الأرض قبل موسم الأمطار في السودان، الذي يبدأ فعلياً في يونيو (حزيران)، في ظل استمرار العمليات العسكرية في عدد من ولايات البلاد.


«حرية شخصية» أم «وسيلة تًخًفٍّ» قد يستغلها مجرمون؟ جدل النقاب يعود للواجهة بمصر

منظر عام للمباني وأهرامات الجيزة في مصر (رويترز)
منظر عام للمباني وأهرامات الجيزة في مصر (رويترز)
TT

«حرية شخصية» أم «وسيلة تًخًفٍّ» قد يستغلها مجرمون؟ جدل النقاب يعود للواجهة بمصر

منظر عام للمباني وأهرامات الجيزة في مصر (رويترز)
منظر عام للمباني وأهرامات الجيزة في مصر (رويترز)

صعَّدت حادثة اختطاف رضيعة من داخل مستشفى جامعي في مصر، نفّذتها قبل أيام سيدة كانت ترتدي «نقاباً»، دعوات إلى حظر تغطية الوجه في المنشآت والأماكن العامة، بعدما تستر خلفه من قبل سارقون ومجرمون، رجالاً ونساءً.

ورغم نجاح السلطات الأمنية في تحديد هوية الخاطفة في وقت قصير، فإن عملية التوقيف استنزفت جهداً كبيراً «قادته 8 فرق وشمل فحص 122 كاميرا مراقبة»، مما سلّط الضوء على تحديات جمة ترتبط بـ«إخفاء الهوية».

وأعقب توقيف المتهمة قرار فوري من مستشفى الحسين التابع لجامعة الأزهر، الذى شهد الحادثة، بـ«تنظيم دخول المنتقبات، وفحصهن في غرفة مخصصة منعاً لحدوث وقائع مماثلة».

وسرعان ما تجدد الحديث في الأوساط المصرية حول «النقاب»، بين مؤيد لحظره «للمصلحة العامة»، ورافض يرى أن في منعه «تعارضاً مع الحريات»، وفريق ثالث تحدث عن «ضرورة تشديد إجراءات التأمين داخل المنشآت».

«لا مفروض ولا مرفوض»

يقول أستاذ الفقه المقارن والشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، الدكتور أحمد كريمة، إن النقاب «يعد من العادات وليس من العبادات». ويتابع في حديث إلى «الشرق الأوسط»: «أكرر ما قاله الشيخ الراحل محمد متولي الشعراوي بأن النقاب ليس مفروضاً وليس مرفوضاً».

وأضاف أن ارتداء النقاب «حرية شخصية، لكن ما دام أنه عادة مباحة، فالمقرر فقهياً أنه يجوز لولي الأمر تقييد المباح للمصلحة». وهو يرى ضرورة منع النقاب في المنشآت العامة فقط؛ أما في الطرق والشوارع والمنازل «فلهنّ الحرية».

وسبق أن أثار قرار لوزارة التربية والتعليم المصرية في سبتمبر (أيلول) 2023 بحظر النقاب بين طالبات المدارس حالة من الجدل الواسع.

مصريون يزورون حديقة الأزهر في القاهرة (رويترز)

وحسب الكاتبة فريدة الشوباشي، عضو مجلس النواب المصري سابقاً، فإنه «ليس من حق أحد أن يخفي ملامحه عن الآخرين، لأن من حق من هو في جواره أن يعرف من هذا». وهي ترى أن حادثة خطف «رضيعة مستشفى الحسين» تكشف عن إمكانية تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلاً واستخدام النقاب في التخفي لتنفيذ جرائم وسرقات.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «إذا تحدثنا عن الحرية الشخصية، فلا بد أن تكون للجميع. فمن حق أي سيدة ارتداء النقاب، ومن حقي أن أعرف من هي».

وانتقلت دعوات الحظر إلى الأوساط الإعلامية، حيث طالب الإعلامي المصري عمرو أديب بحظر ارتداء النقاب في المنشآت والأماكن العامة «حرصاً على الأمن العام».

في مقابل ذلك، رفض مساعد رئيس حزب «النور» للشؤون القانونية، طلعت مرزوق، الدعوات التي تنادي بمنع النقاب أو حظره من الأماكن العامة ومؤسسات الدولة، قائلاً إن هذه المطالب «تكشف عن خلل في ترتيب الأولويات. والشق القانوني والدستوري يحسم المسألة بعدم جواز إصدار مثل هذه القرارات». وأكد في تصريحات تناولتها مواقع محلية أن «دعوات منع النقاب مخالفة للدستور والحقوق والحريات».

هل المنع ممكن؟

وحول إمكانية صدور قرار حكومي بمنع المنتقبات من دخول الأماكن العامة، قال الدكتور كريمة: «نفترض أن من المصلحة العامة منع النقاب دفعاً للمفاسد، لأن لصاً يمكن أن يتخفى ويرتدي النقاب، لذا تُقدَّم المصلحة العامة على الخاصة».

فيما يرى مراقبون أنه من الصعب أن تُصدر الحكومة قراراً يحظر النقاب في المنشآت، معللين ذلك بأن الأمر يحتاج إلى خطوات كثيرة وحوار مجتمعي.

وفي عام 2015، اتخذت جامعة القاهرة قراراً يمنع الطبيبات والممرضات بالجامعة من التعامل مع المرضى وهن مرتديات النقاب؛ لينتقل الأمر بعد ذلك إلى ساحات القضاء ويظل منظوراً حتى إصدار الحكم النهائي في 2020.

وأصدرت المحكمة الإدارية العليا حينها حكماً نهائياً يحظر على عضوات هيئة التدريس في جامعة القاهرة ارتداء النقاب. وتبعاً للحكم القضائي، أصدرت جامعة عين شمس هي الأخرى قراراً بحظر النقاب عام 2020.

مصلون في الجامع الأزهر بالقاهرة الشهر الماضي (رويترز)

وبعيداً عن الجدل الدائر، يرى البعض أن تطبيق إجراءات التأمين على أبواب المنشآت هو الحل.

الغالب... والحوادث الفردية

وقال أمين عام هيئة كبار العلماء بالأزهر، الدكتور عباس شومان، إن «استخدام بعض الفاسدين والفاسدات النقاب للتخفي وارتكاب الجرائم يمكن علاجه باتخاذ خطوات التحقق من شخصية مرتدية النقاب، ولا يحتاج الأمر إلى المطالبة بمنعه، فالعبرة بالغالب، والغالب في ارتداء النقاب طلب الستر المشروع».

وأضاف عبر منشور على صفحته على «فيسبوك»: «النقاب ترتديه سيدات فضليات طلباً للستر والصيانة مع أنه ليس مفروضاً عليهن، وهذا أمر يُمدح للمنتقبة بحق، وهو من الحريات الشخصية».

كما أشارت الدكتورة إلهام شاهين، الأمين العام المساعد لمجمع البحوث الإسلامية لشؤون الواعظات، إلى واقعة خطف الرضيعة من مستشفى الحسين، قائلةً إنها أثيرت بشكل غير مسبوق بناءً على حادثة فردية، وتمثل خطراً كبيراً هو «خطر توظيف الحوادث الفردية مبرراً لسنّ تشريعات عامة».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «لو سارت المجتمعات بهذا المنطق لتغيّرت قوانينها مع كل حادثة، فالعدالة تقتضي أن يُبنى الحكم على قواعد عامة وإحصاءات دقيقة، لا على وقائع جزئية مهما كانت مؤلمة».

سيدات خلال حضور ملتقى ديني للمرأة بالجامع الأزهر في القاهرة الشهر الماضي (المركز الإعلامي للأزهر)

ومضت قائلةً: «الحكمة أن ندرك أن حماية المجتمع لا تكون بمصادرة الحقوق، كما أن صيانة الحقوق لا تعني إهمال الأمن، وإنما يتحقق التوازن حين نضع لكل منهما حدّه، دون إفراط أو تفريط».

وأضافت: «لقد أثبتت سلطات الأمن أنها قادرة على ضبط الجناة في أسرع وقت، ورغم طول مسافة التتبع ومع وجود النقاب. وهذا ينسف دعوى منع النقاب لتحقيق الأمن».

واستطردت: «الحوادث الفردية لا تُبنى عليها قوانين عامة، وإلا سنقع في قرارات متسرعة. وبدلاً من المنع المطلق أو الإباحة المطلقة، هناك حلول أكثر واقعية مثل التحقق من الهوية عند الحاجة في المطارات، والبنوك، والمستشفيات، والامتحانات، والأكمنة الأمنية، ويتم ذلك بواسطة سيدات مختصات مع استخدام التكنولوجيا من كاميرات لبصمة الوجه وبصمة العين».


ليبيا: المنفي يشدد على الالتزام بمسار انتخابي محدد زمنياً

اجتماع المنفي وخوري في طرابلس (مكتب المنفي)
اجتماع المنفي وخوري في طرابلس (مكتب المنفي)
TT

ليبيا: المنفي يشدد على الالتزام بمسار انتخابي محدد زمنياً

اجتماع المنفي وخوري في طرابلس (مكتب المنفي)
اجتماع المنفي وخوري في طرابلس (مكتب المنفي)

بينما شدد رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، على ضرورة الالتزام بالمرجعيات الدستورية وضمان مسار انتخابي محدد زمنياً، واصلت البعثة الأممية تحركاتها ضمن مسار «الحوار المهيكل» لمناقشة العدالة الانتقالية، والمصالحة الوطنية.

وأكد المنفي، خلال لقائه مساء الاثنين في العاصمة طرابلس نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري، أن المجلس الرئاسي «ينظر بإيجابية إلى الجهود الأممية، الهادفة إلى تيسير التوافق بين الأطراف الليبية، مع التشديد على أهمية أن تُبنى أي مبادرة على أساس المرجعيات القانونية والدستورية القائمة، وبما يضمن وضوح المسار، وعدم الخروج عن الإطار المنظم للعملية السياسية».

كما جدّد المنفي موقف المجلس المبني على الملكية الوطنية، والداعم لأي مسار يفضي إلى إجراء الانتخابات في إطار زمني محدد، مع «التأكيد على ضرورة أن يحافظ المسار المقترح على وحدة المؤسسات، وإشراك جميع المكونات الوطنية في أي ترتيبات تقود إلى تسوية شاملة، وبما يكفل استدامته وقبوله من مختلف الأطراف».

كما أوضح المنفي أن خوري أطلعته على ملامح التحرك الأممي خلال المرحلة المقبلة فيما يخص مسارات «الحوار المهيكل»، مؤكدة استمرار جهود البعثة في تيسير الحوار، وتقريب وجهات النظر، وصولاً إلى توافق شامل يمهّد لإنهاء المرحلة الانتقالية.

وكان المنفي قد نقل عن بعض أعيان مدينة مصراتة، الذين التقاهم مساء الاثنين، دعمهم للخطوات التي يتخذها لتعزيز التوافق الوطني، ومساندتهم للمبادرات كافة، الهادفة إلى بناء الدولة المدنية وترسيخ مؤسساتها، وتحقيق تطلعات الليبيين في الأمن والاستقرار والتنمية.

بدورها، أعلنت بعثة الأمم المتحدة استئناف أعضاء مسار المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان في «الحوار المهيكل»، مساء الاثنين، جولتهم الثالثة من المداولات المباشرة في طرابلس، مشيرة إلى أنهم بصدد مناقشة واقع العدالة الانتقالية، وعلاقتها بالمصالحة الوطنية والمبادرات والجهود الحالية، وكيفية تعزيزها لضمان انتقال ديمقراطي، قائم على الحقوق لجميع الليبيين.

وقالت خوري إن فريق البعثة أطلع أعضاء المسار على نتائج استطلاع «أعطِ رأيك»، الذي شارك فيه نحو 6 آلاف شخص، وسلطوا الضوء على قضايا أساسية تتعلق بحقوق الإنسان، والمصالحة الوطنية والمسارات الأخرى التي يتناولها «الحوار المهيكل»، موضحة أنهم سيضعون بحلول نهاية الأسبوع توصيات عملية وقابلة للتنفيذ، قبل اجتماعهم الحضوري النهائي الشهر المقبل.

اجتماع الدبيبة مع الزوبي بحضور رئيس وأعضاء لجنة «3+3» (مكتب الدبيبة)

من جهة أخرى، أكد رئيس حكومة «الوحدة»، ووزير دفاعها عبد الحميد الدبيبة، في اجتماع موسع، الثلاثاء، مع وكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، بحضور رئيس وأعضاء لجنة «3+3»، ضرورة البناء على نتائج تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي شاركت فيه قوات من شرق وغرب البلاد للمرة الأولى، برعاية القيادة الأميركية في أفريقيا «أفريكوم».

ودعا الدبيبة إلى العمل على تحويل مخرجات التمرين إلى برامج تنفيذية عملية تسهم في رفع مستوى الجاهزية القتالية، وتعزز كفاءة قوات الجيش في أداء مهامها بكفاءة واحترافية، لافتاً إلى أن الزوبي أطلعه على نتائج التمرين، الذي شاركت فيه بعض الدول.