السودان: تعليم في «وضع أليم» بسبب الحرب... 17 مليوناً خارج المدارس وخسائر 27 مليار دولار

«يونيسيف»: هذه أسوأ أزمات التدريس في العالم... معلمون بلا رواتب ومدارس منهارة وثكنات عسكرية

أطفال  السودان ضحايا حرب وجوع وهجرات وانتكاسات (رويترز)
أطفال السودان ضحايا حرب وجوع وهجرات وانتكاسات (رويترز)
TT

السودان: تعليم في «وضع أليم» بسبب الحرب... 17 مليوناً خارج المدارس وخسائر 27 مليار دولار

أطفال  السودان ضحايا حرب وجوع وهجرات وانتكاسات (رويترز)
أطفال السودان ضحايا حرب وجوع وهجرات وانتكاسات (رويترز)

ألقت الحرب المتطاولة في السودان بظلال قاتمة على العملية التعليمية، قد تمتد تأثيراتها «السلبية» أكثر من عقد زماني، بعد أن ضاع أكثر من عام دراسي لما يزيد على 90 في المائة من الأطفال في البلاد، وعددهم 19 مليوناً في سن الدراسة، و17 مليوناً منهم خارج المدارس حالياً، بينهم 7 ملايين خارج النظام التعليمي قبل الحرب، مما جعل البلاد تعاني «أسوأ أزمات التعليم في العالم»، كما وصفتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف».

لم يتأثر «الأطفال» وحدهم بالحرب، بل تأثر «المعلمون والمدارس وبنية التعليم في البلاد». فبعد توقف الدراسة وإغلاق المدارس، توقف صرف «راتب المعلم»، وكاد قرابة نصف مليون مدرس يتحولون وأسرهم إلى «متسولين»، بعضهم هجر مهنة التعليم -ربما إلى الأبد- واختار مهنة أو «حرفة» بديلة، بينما لجأ آخرون إلى بلدان الجوار وقد لا يعودون، فيما دُمرت آلاف المدراس والمنشآت التعليمية، وتحولت الآلاف منها إلى ملاجئ لإيواء النازحين.

من أحد الصفوف في أوغندا (الشرق الأوسط)

كانت الطالبة بشاير تُعدّ نفسها لدخول الجامعة، لأنها في السنة النهائية من المرحلة «الثانوية» في مدراس «وقف المعارف التركية الثانوية بالخرطوم»، وحين اندلعت الحرب تراجعت طموحاتها وأحلامها، وانتهى بها الأمر نازحةً مع أسرتها إلى مدينة كوستي بوسط البلاد.

قالت لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أستعد مثل أي طالبة لتحقيق حلم طفولتي بدخول الجامعة، ودراسة التخصص الذي أعددت نفسي له، لكن الحرب اندلعت فانهارت كل هذه الأحلام، حاولت كثيراً الالتحاق بالدراسة في تركيا ولم أوفَّق».

وتتابع: «انتهى بنا الحال نازحين إلى مدينة جديدة، نعيش ظروفاً قاسية وصعبة، لكننا مضطرون إلى التعايش مع الواقع، وننتظر نهاية الحرب لنعود إلى مدارسنا، ونعوّض ما فاتنا، رغم أن الزمن الذي ضاع من أعمارنا لا يعوّض، ولكن الحمد لله».

ويشعر والد بشاير، المهندس أحمد عبيد الله، بالتقصير تجاه أبنائه، لأنه أصبح بلا حيلة، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «كأبٍ أحسّ بالتقصير تجاه أبنائي، بعضهم في الأساس، وآخرون في الجامعات، ولا أستطيع أن أفعل لهم شيئاً». ويتابع: «خياراتنا كآباء تجاه مستقبل أطفالنا صفرية، فنحن غير قادرين على تعليمهم في دول أخرى... لا خيار لنا إلا الانتظار».

ومدينة كوستي التي تقيم بها أسرة المهندس عبيد الله، تعد من المدن الآمنة نسبياً، فهي من بين المناطق التي يسيطر عليها الجيش، لكنها تعاني تدفقات أعداد كبيرة من النازحين، الذين تمت استضافتهم في مدارسها، إضافةً إلى أنها من المناطق التي تعاني الحصار الذي تفرضه عليها «قوات الدعم السريع».

 

أطفال لاجئون

ربما تكون الطفلة «سعاد» التي يقيم والدها في مناطق خطرة، أكثر حظاً من سابقتها «بشاير»، فهي تتلقى دروسها الآن في مدرسة بدولة أوغندا، لكنها لا تزال تعاني صدمة نفسية (تروما)؛ فالحرب لاحقتها مرتين: الأولى عندما كانت تتعلم في مدرسة «خاصة» في الخرطوم فتطايرت أولى شظايا الحرب في مدرستها، ولولا اللطف لكانت في عداد الموتى، ولاحقها صوت الحرب إلى منزلها القريب من المواجهات. والأخرى عندما نزحت هي وأسرتها جنوباً إلى مدينة ود مدني بولاية الجزيرة الآمنة وقتها، وهناك واصلت في مدرسة جديدة، فاستعادت بعض توازنها، لكنّ الحرب لحقت بها، وسقطت مدينتها الجديدة بيد «قوات الدعم السريع» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، فاضطرت أسرتها إلى الفرار لاجئةً إلى دولة أوغندا التي استضافت أمثالها برحابة.

تلامذة سودانيون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في بورتسودان (أ.ف.ب)

تصف مدرستها «الأوغندية» بأنها أفضل من كل مدارسها السابقة، وتداعب أمها: «تاني أنا ما راجعة السودان حتى لو وقفت الحرب»، وتتابع في حديثها للصحيفة: «لو رجعنا السودان من يضمن لنا مدرسة آمنة، ومن يضمن أنهم لن يقتلونا، أو يقتلوا أبي أو أمي أو إخوتي».

آلاف مثل «سعاد» شرّدتهم الحرب وحوَّلتهم إلى «لاجئين» في بلد «غريب»، وتعليم مختلف يجهدون أنفسهم للتعايش معه، لكن على الأقل هم «محظوظون» لأن أسرهم استطاعت أن توفر لهم تعليماً بديلاً.

 

مأساة المعلم

لم تصب الحرب الأطفال وحدهم، بل تحولت إلى مأساة للمعلمين؛ إذ فقدوا وظائفهم وأوقفت السلطات رواتبهم، وحوَّلتها لإذكاء نار الحرب.

ويقول «سيد عبد الرحمن»، وهو معلم بمدينة كسلا الشرقية التي لا تزال بعيدة عن القتال، لكن الحرب وصلت إليها مع مئات آلاف النازحين، إن المصلين في «مسجد الخيرات» وسط سوق المدينة فوجئوا برجل يعرِّف نفسه بأنه «معلم»، يشكو للمصلين «ضعفه وهوانه وعجزه»، فأبكى المصلين. وتابع: «أن يتسول المعلم في بلدي، فإن هذا لأمر جلل».

ويتابع المعلم الشهير باسم «تمبة» في سرد مأساة المعلمين بمدينته بقوله: «في 13 مايو (أيار) الماضي، ذهب صديقي المعلم تاج الدين لأداء الصلاة بمسجد الثورة، فوقف معلم آخر يسأل الناس، فتسمر المصلون في أماكنهم، وأحاطوا به مستنكرين ومشككين في أن يتسول معلم، ظناً أنه محتال ومعتاد تسول، لكن يا للفاجعة اتضح لهم أنه حقاً معلم».

من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)

ووفقاً لمنشوره على منصة «فيسبوك» قال «تمبة»: «تحجَّر الدمع في مقلتيَّ، واقشعرَّ بدني من هول المشهد، وليس مَن شاهد كمَن سمع، فلتبكِ على المعلمين البواكي، ولتغلق وزارة التربية أبوابها، ولتنكِّس إدارات التعليم أعلامها حداداً، فالمعلم في بلدي دفعته الحاجة ليتسول».

وبإلحاح ينتظر المعلمون «جوعى» رواتبهم التي ذهبت لتمويل القتل والحرب وصناعة المأساة السودانية، بينما ترنو خرائب المدارس التي دمَّرتها القذائف أو اتخذها المتحاربون ثكنات، أو تحولت لمعسكرات نزوح لمن يقيل عثرتها.

يقول المتحدث باسم «لجنة المعلمين»، (نقابة تسييرية)، سامي الباقر، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن 240 ألف معلم من العاملين بالتعليم في السودان لم يحصلوا طوال الحرب على أكثر من راتب شهر أو شهرين في الحد الأعلى، عدا ولاية البحر الأحمر، أما ولاية نهر النيل فصرفت مرتبات بين تسعة وعشرة أشهر، وصرفت الولاية الشمالية رواتب سبعة أشهر، وهي الولايات التي تعد آمنة نسبياً.

ويتراوح صرف المرتبات بين راتب شهر وثلاثة، أو عدم الصرف في المناطق المتأثرة مباشرةً بالحرب. ويؤكد الباقر: «لم يحصل المعلمون في غرب دارفور على مرتباتهم منذ اندلاع الحرب، وصُرف لهم شهر في وسط دارفور، وثلاثة أشهر في ولاية الخرطوم، وشهران في ولاية الجزيرة، وفي بقية الولايات لم يزد الصرف على شهر واحد».

ويصف الباقر أوضاع المعلمين بـ«الكارثية» بقوله: «بعضهم اضطر لممارسة مهن بديلة، وبينهم من يعاني ويلات الحرب والنزوح من دون راتب، ليعجز عن تلبية احتياجات أسرته»، ويستطرد: «بعض المعلمين لجأوا إلى الجوار، ونزح آخرون، فيما يعاني المستقرون في الولايات التي تسمى آمنة، معاناة شديدة». ويتابع: «المعلمون أصلاً يعيشون تحت خط الفقر، فزادتهم الحرب فقراً على فقرهم، وترك ذلك تأثيرات اجتماعية عليهم وعلى أسرهم»... وحزيناً يقول الباقر: «هناك قصص يندى لها الجبين، ومشكلات اجتماعية كثيرة بسبب حجب المرتبات».

أعمدة الدخان في مناطق عدة بالعاصمة السودانية جراء قصف بالطيران (أرشيفية - رويترز)

وشُلَّت الحياة باندلاع الحرب يوم 15 أبريل (نيسان) 2023 تماماً، ووقع الشلل الكبير على «مؤسسات التعليم»، فأغلقت المدارس أبوابها، لكنَّ رئيس مجلس الوزراء المكلف عثمان حسين عثمان، أصدر قراراً في 7 اكتوبر (تشرين الأول) الماضي بإعادة فتح المدارس نهاية الشهر في الولايات التي تتيح ظروفها الأمنية ذلك.

لكنَّ القرار واجه تعقيدات عديدة، مثل المدارس التي استُخدمت مأوى للنازحين، والأخرى التي دُمرت ونُهبت مقتنياتها، ونزوح المعلمين وعدم صرف رواتبهم.

واشترطت لجنة المعلمين «صرف رواتب المعلمين أولاً»، لكنَّ المدارس في الولايات الواقعة تحت سيطرة الجيش: «نهر النيل، والبحر الأحمر، والشمالية، والقضارف، وكسلا، والنيل الأبيض، وبعض مناطق ولاية الخرطوم» عاودت العمل مجدداً.

تلاميذ يتجهون إلى مدرستهم في بورتسودان مع اليوم الأول لاستئناف العام الدراسي (أ.ف.ب)

وحذر المعلم والتربوي علي عبيد أبكر فضيل، ومدير المكتب التنفيذي للجنة المعلمين، من عودة الأمية من جديد للبلاد، بقوله لـ«الشرق الأوسط»: «توجد دفعتان من الأطفال في سن التمدرس خارج المدارس، ودفعتان في الصفوف حتى الثالث الأساس، سيعودون أميين، مما يهدد بارتفاع نسبة الأمية في السودان»، وتابع: «عودة الأمية أكثر تهديد لمستقبل البلاد، ولاستثمارها في المستقبل».

لكنّ فضيل رأى أن «الفتح الجزئي للمدراس قرار خطير يهدد العملية التعليمية بكاملها، ويقسم البلاد إلى مناطق تعليم ومناطق من دون تعليم»، ويقول: «الدراسة مرتبطة بشهادات وامتحانات على المستوى القومي، والعملية التعليمية لا تقبل تجزئة الارتباطات القومية».

ووصف القرار بأنه «سياسي وليس تعليمياً» بقوله: «لا بد من خطط واضحة، تشارك فيها الجهات المختصة بالتعليم في أثناء الحروب، وفعل سياسي يوفر أمكنة ومسارات آمنة للتلميذ والمعلم، ومن دون هذه الخطط فإن القرار سيكون سياسياً ليوحي بأن الأوضاع مستقرة».

 

الأطفال الجنود

ووفقاً للخبير التربوي، فإن الأطفال النازحين لا يجدون فرصاً بالمدارس الحكومية، ولا يحتمل أولياء أمورهم تكاليف المدارس الخاصة الباهظة، وإن أعداداً كبيرة من الأطفال النازحين اضطروا للعمل لمساعدة أسرهم.

ويُحذر من تعرض الأطفال لاستقطاب الأطراف المتحاربة للقتال إلى جانبهم بقوله: «بعضهم يقاتل مع (قوات الدعم السريع)، والآخر مستنفَر مع الجيش، وصار مشهد الأطفال وهم يحملون البنادق مألوفاً».

أشخاص يسيرون على طول شارع يحمل آثار الدمار في أم درمان... السودان 27 أغسطس 2024 (د.ب.أ)

وأبدى فضيل تخوفه من انهيار النظام التعليمي بقوله: «النظام التعليمي في طريقه إلى الانهيار، بل هو انهار فعلياً، نتيجة هجرة الكفاءات وترك المهنة إلى مهن أخرى داخل وخارج البلاد».

 

مماطلة

لم يقف تأثير الحرب في النصف الثاني من عامها الثاني على التعليم، بل امتد إلى تهديد حياة آلاف الأطفال، وتقول «يونيسيف» إن نحو 72 في المائة من ضحايا الانتهاكات من قتل وتشويه وعنف جنسي وتجنيد، «هم أطفال»، وإن عشرات الآلاف منهم معرَّضون للموت جوعاً وبسوء التغذية.

وبينما تسوء أوضاع تعليم الأطفال من المناحي كافة، فإن سلطات التعليم لم تستجب لطلبات «الشرق الأوسط» تقديم المعلومات المتعلقة بوضع التعليم في «وضع أليم»، بل ماطلت في تقديمها متذرعةً بجمعها تارةً، وبتأخر ورودها تارةً أخرى، فبدت كأن الأمر لا يعنيها!

بدورها، أبدت المعلمة خالدة صابر، من مدرسة «سلوم بنين» بولاية البحر الأحمر، يأساً لافتاً، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «المدارس تم تدميرها بالقصف الجوي والمدفعي وتحول بعضها لثكنات لجنود طرفي الصراع».

وفي ولاية البحر الأحمر، واجهت المدارس صعوبات جمة، فأغلبها تحوَّل إلى دور إيواء، لذلك يتناوب التلاميذ على المدرسة ثلاثة أيام في الأسبوع، وتابعت: «ثم عقدت السيول والفيضانات مواصلة الدراسة».

وتقول خالدة صابر التي عادت للصف في مايو (أيار) الماضي: «في أثناء التدريس لاحظت ضعف التحصيل، وكثرة الغياب، والميل للعنف الذي استخدم فيه الأطفال الأسلحة البيضاء».

وحذرت من «عودة الأمية» بين الأطفال في الفصول الأولى، ومن تسرب طلاب الفصول المتقدمة الذي يواجهون مخاطر التجييش والاستنفار، بقولها: «مستقبل التعليم على المحك».

امرأة وطفلها في مخيم «زمزم» للنازحين بالقرب من الفاشر شمال دارفور بالسودان خلال يناير 2024 (رويترز)

وخالدة صابر أُم لثلاث بنات أكبرهن في نهاية المرحلة الثانوية المؤهلة لدخول الجامعة، تقول عنها: «لم تتمكن من الجلوس للامتحانات، وصار مستقبلها مجهولاً أسوةً بأغلب تلاميذ السودان». وتتابع: «ابنتي الثانية في نهاية المرحلة المتوسطة، ولا نعرف ما مصيرها، وابنتي الصغرى -تعاني (متلازمة داون)– فلم نجد لها مدرسة، ونخشى عليها التنمر».

اضطرت صابر من أجل بناتها إلى اللجوء إلى دولة أوغندا، لكن الطفلات واجهن صعوبة اختلاف المنهج ولغة التدريس، بخاصة من هم في السنوات النهائية، وهو جزء من معاناة الأطفال اللاجئين في دول الجوار الأفريقي بشكل خاص.

 

أسوأ أزمة في العالم

وحذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف» من دخول وشيك لـ«جيل كامل» من الأطفال في أوج «الكارثة» التعليمية، ومن أسوأ أزمات التعليم على مستوى العالم.

وقال مسؤول برامج التعليم في المنظمة بالسودان دانييل باهيتا، لـ«الشرق الأوسط»، إن السودان يواجه «أكبر أزمة نزوح للأطفال في العالم» بنزوح خمسة ملايين طفل.

متطوع يوزّع الطعام على النازحين في أحد أحياء أم درمان بالسودان (أرشيفية - رويترز)

وأوضح، أن أكثر من 90 في المائة من أطفال البلاد، وعددهم 19 مليوناً في سن الدراسة، بينهم أكثر من 17 مليوناً خارج صفوف الدراسة، في واحدة من «أسوأ أزمات التعليم على مستوى العالم».

وقال إن هناك نحو 7 ملايين طفل كانوا خارج المدرسة بالفعل، لأن البلاد كانت تكافح الفقر وعدم الاستقرار، أُضيف إليهم من انتزعتهم الحرب من مدارسهم عنوةً. وذكر أن «الحرب أخرجت أكثر من 17 مليون طفل من المدارس، وألقت بهم في مناطق النزوح واللجوء، ليضافوا إلى 6.9 مليون طفل غادروا صفوف الدراسة قبل الحرب».

ووفق المنظمة الأممية، هناك 2600 مدرسة -أي نحو 13 في المائة من إجمالي المدارس في البلاد- تُستخدم دورَ إيواء، مما عقَّد الجهود الرامية لتوفير بيئات تعليمية آمنة ومستقرة.

مشهد من اليوم الأول لبدء العام الدراسي الجديد في إحدى مدارس بورتسودان (أ.ف.ب)

في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أي بعد ستة أشهر من القتال، أعلنت الحكومة إعادة فتح المدارس في الولايات الآمنة، لكن تنفيذ القرار واجه صعوبات عديدة. وهو ما فصّلته «يونيسيف» بأن 7 ولايات من أصل 18 ولاية أعادت فتح المدارس، وهي: «الشمالية، ونهر النيل، والبحر الأحمر، وكسلا، والقضارف، والنيل الأزرق، ثم سنار»، لكن بعض هذه المدارس أُغلق بسبب العطلة الصيفية في البحر الأحمر، والفيضانات وتفشي الأوبئة والأمراض في كسلا، كما أُغلقت مدارس بولاية «سنار».

 

فصول مكتظة

يقول باهيتا إن الولايات التي عاد أطفالها للمدراس تعاني من الاكتظاظ، مما يجعل الحفاظ على بيئة تعليمية مواتية تحدياً كبيراً»، ويتابع: «الأطفال النازحون والمجتمعات المضيفة بحاجة إلى دعم في مجالات الصحة العقلية، والدعم النفسي والاجتماعي، لأن أعداداً منهم تعرضوا للصدمات الناتجة عن الصراع».

وإزاء الاكتظاظ في الفصول الدراسية، أنشأت «يونيسيف» أكثر من 1500 مساحة تعلم آمنة، توفر فرصاً تعليمية لأكثر من 437 ألف طفل.

جانب من حملات سابقة في السودان للتطعيم ضد «شلل الأطفال» (الصحة السودانية)

وتصف «يونيسيف» وضع الأطفال غير القادرين على الوصول إلى التعليم، بأنه «الأكثر خطورة»، مشيرةً إلى أنها تعمل مع شركائها لإيجاد أماكن تعلم آمنة بعدة سبل، من بينها منصة «جواز السفر التعليمي»، وهي منصة رقمية تعتمد التعليم من بُعد، و«تسمح للأطفال بمواصلة تعليمهم حتى عندما ينقطع وصولهم إلى المدارس المادية»، وتوفر لنحو 48 ألف طفل مواصلة تعليمهم من بُعد.

ودعت «يونيسيف» لإعادة فتح المدارس بالكامل لضمان استمرارية التعلم، ودعم الصحة العقلية للأطفال، وتوفير فرص اللعب والشفاء جنباً إلى جنب مع أقرانهم. ويقول باهيتا: «التعليم أمر بالغ الأهمية لنمو الأطفال ورفاهيتهم وآفاقهم على المدى الطويل، لذلك فإن إعادة الفتح الكامل أمر ضروري، لضمان عدم تخلف أي طفل عن حقه في التعلم والازدهار».

وتقدر المنظمة الخسائر الاقتصادية الناجمة عن وقف التعلم مدى الحياة لجيل الأطفال الذين تعرضوا للحرب، بأكثر من 27 مليار دولار أميركي، وتنوه إلى أن «عدم اتخاذ إجراءات عاجلة، سيضيع أجيالاً»... ويتابع باهيتا: «الوصول للتعليم أمر ضروري لاستقرار السودان وتطوره في المستقبل».


مقالات ذات صلة

أهالي في شمال السودان يرفضون إيواء نازحين في مناطقهم

شمال افريقيا أهالي منطقة دقلو في شمال السودان يرفعون لافتة رفضاً لاستقبال النازحين (فيسبوك)

أهالي في شمال السودان يرفضون إيواء نازحين في مناطقهم

أثار رفض أهالي منطقة في شمال السودان لاستقبال نازحين جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث عبّر كثيرون عن رفضهم بشدة لهذا الموقف الذي وصفوه بالمتطرف.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا لقطة من فناء «دار الفتيات فاقدات السند» بأم درمان (الشرق الأوسط)

«فتيات بلا سند»... مشكلة فاقمتها الحرب في السودان

تفاقمت الأوضاع الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، وتأثرت بها بشدة الفئات الأكثر ضعفاً وهشاشة واحتياجاً، ووقع التأثير بضراوة على الفتيات «فاقدات السند».

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا قائد «الدعم السريع» يستقبل المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في نيروبي (الدعم السريع)

حميدتي يُبلغ مبعوث الأمم المتحدة استعداده للتعاون لوقف الحرب السودانية

شدد قائد «الدعم السريع» على «أهمية إجراء تحقيق شفاف وعادل بشأن الانتهاكات التي تعرَّض لها السودانيون، وعلى رأسها استخدام السلاح الكيميائي».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا صورة سابقة تجمع البرهان مع مساعديه ورئيس هيئة الأركان (الجيش السوداني)

البرهان يعيد تشكيل قيادة الجيش السوداني... ومؤشرات إلى تغيير في هيكلية السلطة

عززت القرارات التي اتخذها القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، بإعفاء قادة كبار وإعادة تعيينهم مساعدين له، تكهنات عن تغيير وشيك في السلطة.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا البرهان في ميدان الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش يوم الاثنين (مجلس السيادة)

السودانيون يحيون ذكرى السادس من أبريل... والإطاحة بنميري والبشير

يحتفل السودانيون عادة بيوم 6 أبريل، ففيه عام 1985 أطاحوا في ثورة شعبية بجعفر نميري، وفي 6 أبريل 2019 بدأ اعتصامهم الذي أطاح بالبشير في 11 أبريل 2019.

أحمد يونس (كمبالا)

تيسيراً على المسافرين... «بطاقات الجوازات الورقية» تغادر مطار القاهرة

وزير الطيران المدني المصري خلال جولة تفقدية بمطار القاهرة الدولي الشهر الماضي (ميناء القاهرة الجوي)
وزير الطيران المدني المصري خلال جولة تفقدية بمطار القاهرة الدولي الشهر الماضي (ميناء القاهرة الجوي)
TT

تيسيراً على المسافرين... «بطاقات الجوازات الورقية» تغادر مطار القاهرة

وزير الطيران المدني المصري خلال جولة تفقدية بمطار القاهرة الدولي الشهر الماضي (ميناء القاهرة الجوي)
وزير الطيران المدني المصري خلال جولة تفقدية بمطار القاهرة الدولي الشهر الماضي (ميناء القاهرة الجوي)

في خطوة تنهي عقوداً من التعاملات الورقية التقليدية، وضمن استراتيجية الدولة المصرية للتحول الرقمي، تغادر «بطاقات الجوازات الورقية» مطار القاهرة الدولي بهدف «التيسير على المسافرين وتحقيق انسيابية أكبر في حركة الركاب، ورفع كفاءة التشغيل وفق أحدث المعايير الدولية».

وقالت وزارة الطيران المدني إنه في إطار توجهات الدولة نحو التحول الرقمي وتيسير الإجراءات الحكومية بما يعزز من مرونة وسلاسة حركة السفر، تقرر اعتباراً من السبت المقبل إلغاء العمل بـ«كارت الجوازات الورقي» للركاب المصريين في السفر والوصول بجميع مباني الركاب بمطار القاهرة الدولي.

ووفق إفادة لـ«الطيران المدني»، مساء الثلاثاء، فإنه من المقرر تعميم تطبيق هذه المنظومة تدريجياً في باقي المطارات المصرية خلال المرحلة المقبلة.

وتصدرت مطارات القاهرة والغردقة وشرم الشيخ ومرسى علم قائمة المطارات الأكثر استقبالاً للسائحين خلال عام 2025، بما يعكس التنوع الجغرافي للمقاصد السياحية المصرية وقُدرتها على جذب شرائح مختلفة من السائحين من أسواق متعددة.

وأكد وزير الطيران المدني سامح الحفني أن إلغاء العمل بـ«كارت الجوازات الورقي» إجراء يعكس توجهاً حكومياً واضحاً نحو تحسين الخدمات المقدمة للمسافرين، وتعزيز كفاءة الأداء داخل المطار، بما يواكب التطورات العالمية في صناعة النقل الجوي.

وسبق أن قال وزير الطيران المدني المصري، في يناير (كانون الثاني) الماضي، إن الهدف من إلغاء بطاقة الجوازات الورقية «تقليل الوقت الذي يقضيه المسافر في المطار».

وتشمل الإجراءات الجديدة «استخدام قاعدة بيانات إلكترونية بديلة، ما يتيح مراجعة المعلومات مسبقاً لتسهيل دخول المسافرين عند وصولهم». وأشار وزير الطيران المدني في وقت سابق إلى أن التسهيلات تشمل توفير خدمات النقل داخل المطار، بالإضافة إلى زيادة أعداد البنوك لتسهيل إصدار التأشيرات الإلكترونية والفورية عند الوصول.

الخبير السياحي، رئيس «شعبة السياحة والطيران» بالغرفة التجارية الأسبق في مصر، عماري عبد العظيم، يرى أن قرار إلغاء «بطاقات الجوازات الورقية» في المطارات المصرية يُعد خطوة محورية مهمة. ويقول إن «هذه الخطوة تهدف إلى تيسير الإجراءات في مطار القاهرة الدولي، وسوف تسهم في تقليل فترة انتظار الركاب، وتنهي الطوابير التي كانت موجودة أمام مسؤولي الجوازات».

لقطة من داخل مطار القاهرة الدولي في ديسمبر الماضي (ميناء القاهرة الجوي)

ويضيف عبد العظيم لـ«الشرق الأوسط»: «جميع البيانات موجودة في الجوازات، والمنظومة الإلكترونية سوف تُسهل الإجراءات، لأن كارت الجوازات الورقي كانت قيمته في الحصول على بيانات المسافر فقط».

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وهي تطمح إلى اجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.

وبحسب مراقبين، فإن الاعتماد على المنظومة الإلكترونية بدلاً من النماذج الورقية التقليدية يمثل عاملاً حاسماً في تحسين تجربة السائح منذ اللحظة الأولى لدخوله مصر.

وأوضح المراقبون أن القرار سيعزز الانطباع الإيجابي عن المطارات المصرية لدى شركات الطيران ومنظمي الرحلات الدولية، خاصة في ظل المنافسة الإقليمية القوية.

ونفت الحكومة المصرية في أكثر من مناسبة «بيع المطارات»، مؤكدة أنه سيتم إسناد إدارتها وتشغيلها للقطاع الخاص. وقالت في سبتمبر (أيلول) الماضي إنه «سيتم طرح 11 مطاراً للقطاع الخاص ليتولى إدارتها وتشغيلها، ضمن خطة حكومية للتوسع في تخصيص إدارة المنافذ الجوية».

مسافرون مصريون داخل مطار القاهرة في فبراير الماضي (ميناء القاهرة الجوي)

ويوجد في مصر 23 مطاراً تستهدف الحكومة زيادة طاقاتها الاستيعابية من 66.2 مليون راكب سنوياً إلى 109.2 مليون بحلول 2030، وفق البيانات الرسمية.

وأكدت وزارة الطيران المدني، مساء الثلاثاء، أن إلغاء «كارت الجوازات الورقي» خطوة تأتي أيضاً تأكيداً على مواصلة جهود تطوير منظومة السفر، بما يسهم في تقليل زمن إنهاء الإجراءات وتحقيق انسيابية أكبر في حركة الركاب، ورفع كفاءة التشغيل وفق أحدث المعايير الدولية.

وبحسب إفادة لمجلس الوزراء المصري، مساء الثلاثاء، فإن مطار القاهرة الدولي واصل تحقيق معدلات نمو إيجابية في حركة السفر خلال الربع الأول من عام 2026، سواء في أعداد الركاب أو الرحلات الجوية، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.

وأشارت البيانات إلى ارتفاع الرحلات الجوية بنسبة 10 في المائة لتصل إلى 59.4 ألف رحلة مقارنة بـ54 ألف رحلة، فيما سجل عدد الركاب زيادة بنسبة 9.5 في المائة ليصل إلى 8.1 مليون راكب مقارنة بـ7.4 مليون راكب.


المصريون يأملون في انحسار تداعيات الحرب الإيرانية مع بدء الهدنة

ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)
ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)
TT

المصريون يأملون في انحسار تداعيات الحرب الإيرانية مع بدء الهدنة

ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)
ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)

بعد أسابيع من معاناته من تداعيات الحرب الإيرانية، التي بدأت برفع أسعار المحروقات ثم قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة، يأمل المصري إبراهيم زايد (47 عاماً) أن تحمل الهدنة بدايةً لانحسار هذه الآثار، بعدما تراجع دخله إلى النصف.

يملك زايد محلاً لصيانة وتركيب شبكات البث الهوائي (الدِّش) في إحدى قرى محافظة القليوبية شمالي القاهرة، وتأثر دخله بشدة نتيجة القرارات الحكومية الأخيرة، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن قرار الإغلاق يُطبق في ذروة فترة عمله.

وأضاف: «الآن أعمل 4 ساعات بدلاً من 8، وتوقفت عن التعاون مع بعض الفنيين لقلة العمل والدخل»، مشيراً إلى أنه لن يستطيع الصمود في ظل هذه الظروف، خصوصاً مع ارتفاع الأسعار، وتساءل: «هل ستتحسن الأوضاع ونعود للأوقات الطبيعية بعد الهدنة؟».

وتوصلت الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، صباح الأربعاء، إلى هدنة لمدة أسبوعين، يُفتح خلالهما مضيق هرمز، وتُجرى مفاوضات مباشرة في إسلام آباد بدايةً من الجمعة، لوقف الحرب.

وشهد عديد من المؤشرات الاقتصادية تحسناً مع بدء سريان الهدنة، فتراجع سعر برميل النفط عالمياً بنحو 16 في المائة، ليباع بنحو 93 دولاراً بعدما كان قد جاوز 110 دولارات، كما انخفض الدولار في السوق المصرية إلى نحو 53 جنيهاً مصرياً بعدما تجاوز 54 جنيهاً.

ورغم استبشار المصريين بقرار الهدنة، فإنهم انقسموا إلى فريقين؛ الأول متفائل إزاء تحقيق الحكومة وعدها السابق بتحسن الأوضاع بعد وقف الحرب، على اعتبار أن إجراءاتها كانت استثنائية لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية، والفريق الآخر لا يتوقع انخفاضاً، ويرى أن وقف الحرب يعني عدم الانزلاق لمزيد من التدهور وليس تحسناً سريعاً ملحوظاً.

سوق شعبية في محافظة الجيزة بمصر (الشرق الأوسط)

كانت الحكومة المصرية قد قررت بعد 10 أيام فقط من اندلاع الحرب، رفع أسعار المحروقات بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، وانعكس ذلك على أسعار بقية السلع والخدمات.

تلافي الآثار... يحتاج إلى وقت

تدعم سارة محمود، التي تعمل في مجال خدمة العملاء وتسكن في منطقة دار السلام بجنوب العاصمة، رأي الفريق الثاني، وقالت: «الأسعار حين ترتفع لا تنخفض مهما تغير الظرف الذي أدى إلى ارتفاعها بالأساس، خصوصاً السلع المعمرة».

وتجد سارة صعوبة في استكمال شراء لوازم إتمام زيجتها في ظل ارتفاع الأسعار وإغلاق المحال مبكراً والذي يعوق جولاتها للشراء بعد انتهاء عملها.

كانت الحكومة قد قررت تبكير إغلاق المحال التجارية بدايةً من 28 مارس (آذار) الماضي، ولمدة شهر، ليصبح في التاسعة مساءً يومياً وفي العاشرة يومي الخميس والجمعة، وذلك لترشيد استهلاك الكهرباء. وربطت تجديد القرار باستمرار الحرب أو وقفها.

وعلى العكس من سارة، ما زال لدى زايد، وهو أب لأربعة أبناء، بصيص من أمل في تحسن الأوضاع، وطالب بالعودة عن قرار تبكير إغلاق المحال فوراً نظراً «لتأثيره الكبير على الناس» على حد قوله. وبخصوص الأسعار، قال: «قبل الحرب كنت أشتري أسطوانة الغاز بسعر 240 جنيهاً، أما الآن فقد قفز سعرها إلى 350 جنيهاً».

سوق اليوم الواحد (وزارة التموين والتجارة الداخلية المصرية)

وتستبعد أستاذة علم الاقتصاد في جامعة القاهرة، شيرين الشواربي، أن تشهد مصر تراجعاً سريعاً في القرارات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة بسبب الحرب الإيرانية، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «حدوث الضرر لا يحتاج إلى وقت طويل، عكس تلافي آثاره، فإنه يحتاج إلى وقت».

وأضافت: «الحكومة لن تتسرع في العودة عن قراراتها وتجعل الناس تأمل في عودة الأوضاع لسابق عهدها قبل الحرب، بينما المفاوضات ما زالت جارية، ولم يحدث وقف للحرب بل تعليق لها».

واستطردت: «حتى لو توقفت الحرب، فآثارها ستمتد، خصوصاً في ظل نمط تكرار الأزمات والضربات الاقتصادية عالمياً».

القدرة على امتصاص الصدمات

وتلقي الحكومة المصرية باللوم على الأزمات الخارجية في التأثير على اقتصادها، بدايةً من الحرب الروسية - الأوكرانية التي تسببت في أزمة عالمية بالقمح، ثم جائحة كورونا، ثم حرب غزة التي تسببت في خسارة مصر نحو 10 مليارات دولار نتيجة تراجع حركة الملاحة في البحر الأحمر وانخفاض إيرادات قناة السويس، ثم الحرب الإيرانية الأخيرة.

وتعلق د. شيرين قائلةً: «في ظل عالم تتكرر فيه الحروب والأزمات، هناك اقتصاديات قوية تمتص الصدمات، وأخرى تتأثر بها؛ لذا يجب على الحكومة العمل على بناء اقتصاد قوي لا يتأثر بكل أزمة عالمية».

واتسمت لغة حكومة مصر ورئيسها بتأكيد إدراك وتقدير معاناة المواطنين في ظل آثار الحرب والقرارات التي اتخذتها اضطراراً. وتمثل أحدث هذه القرارات في زيادة أسعار الكهرباء على الفئات العليا والمحال التجارية بنسب تراوحت بين 16 و20 في المائة، وتجنب زيادتها في الشرائح الأقل التي تندرج فيها النسبة الكبرى من المواطنين.

Your Premium trial has ended


ليبيون يُطالبون بـ«تحقيق دولي» في عقود النفط وسط «شبهات فساد»

رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي خلال استقباله أعضاء في المجلس الأعلى للدولة بطرابلس الأربعاء (مكتب المنفي)
رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي خلال استقباله أعضاء في المجلس الأعلى للدولة بطرابلس الأربعاء (مكتب المنفي)
TT

ليبيون يُطالبون بـ«تحقيق دولي» في عقود النفط وسط «شبهات فساد»

رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي خلال استقباله أعضاء في المجلس الأعلى للدولة بطرابلس الأربعاء (مكتب المنفي)
رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي خلال استقباله أعضاء في المجلس الأعلى للدولة بطرابلس الأربعاء (مكتب المنفي)

لا تزال تداعيات تقرير أممي حول شبهات فساد في التعاقدات النفطية تُلقي بظلالها على المشهد السياسي الليبي، في ظل مطالب سياسيين في «كتلة التوافق الوطني» بالمجلس الأعلى للدولة، الأربعاء، بفتح تحقيق دولي، بالتنسيق مع السلطات القضائية الليبية، حول عقود قطاع الطاقة وما شابها من شبهات فساد.

وفي خطاب موجَّه إلى الأمين العام للأمم المتحدة، لقي اهتماماً إعلامياً واسعاً، دعت «كتلة التوافق الوطني»، التي تضم 61 عضواً من أصل 140 بالمجلس، إلى «تفعيل الآليات الدولية الخاصة بتتبع واسترداد الأموال المنهوبة»، إلى جانب «تقديم دعم فني واستشاري لمكتب النائب العام والجهات الرقابية، بما يُعزز قدرتها على مباشرة التحقيقات، وملاحقة المتورطين محلياً ودولياً».

النائب العام الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

كما شدد الساسة الليبيون على «ضرورة الإسراع بنشر التقرير النهائي لفريق خبراء الأمم المتحدة بشأن ليبيا، وتمكين الرأي العام من الاطلاع على مضامينه»، وذهبوا إلى أن «ما ورد في مسودته يعكس تفشياً غير مسبوق لشبهات الفساد في قطاع الطاقة، بما يُهدد مقدرات الدولة واستقرار مؤسساتها».

وتزامناً مع تداول رسالة «كتلة التوافق الوطني»، استقبل رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، عدداً من أعضاء المجلس الأعلى للدولة، الأربعاء، تصدّرت أجندته «متابعة عمل اللجنة الرئاسية المعنية بمراجعة وتدقيق عقود النفط والكهرباء، المُشكّلة منذ أغسطس (آب) الماضي، في ضوء ما أثير من شبهات، تستدعي المعالجة القانونية والرقابية»، وفق بيان الرئاسي.

وتزامنت هذه التحركات مع استمرار الجدل حول مسودة تقرير مسرّب لفريق خبراء الأمم المتحدة، أشار إلى وقائع فساد طالت مسؤولين وقيادات عسكرية، وزعماء تشكيلات مسلحة، على خلفية ملف شركة «أركنو» النفطية الخاصة التي يُشتبه في تحويلها نحو 3 مليارات دولار إلى حسابات خارج ليبيا بين يناير (كانون الثاني) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وكان رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، عبد الحميد الدبيبة، قد وجّه أخيراً بإنهاء ما وصفه بـ«اتفاقية التطوير» مع الشركة، فيما خاطب رئيس المجلس الرئاسي في رسالة إلى المؤسسة الوطنية للنفط بعدم إبرام أي اتفاقيات تقاسم إنتاج في الحقول القائمة، إلى حين مراجعة الجوانب القانونية والفنية والاقتصادية ذات الصلة.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية (الوحدة)

وفي الملف الاقتصادي أيضاً، اقترحت نائبة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، والمنسقة المقيمة، أولريكا رتشاردسون: «إعادة استثمار إيرادات وثروات ليبيا بشكل مثمر في قطاعات التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية»، وتحدّثت خلال نقاش عبر الإنترنت عن المسار الاقتصادي للحوار المُهيكل عن ضرورة اتباع «نهج أكثر توازناً وشفافية لإعادة استثمار الإيرادات في جميع أنحاء البلاد».

والحوار المهيكل، المنعقد حالياً في العاصمة الليبية طرابلس، هو أحد بنود خريطة طريق عرضتها مبعوثة الأمم المتحدة هانا تيتيه أمام مجلس الأمن في أغسطس الماضي، وقد أقرها أعضاؤه.

هانا تيتيه (غيتي)

وتزامن الحديث عن الملف الاقتصادي مع تصعيد أمني لافت في منطقة الساحل الغربي (غرب)، إثر هجوم مسلح في مدينة العجيلات، أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، الثلاثاء، وسط حالة من التوتر والتحشيد بين تشكيلات محلية.

وذكرت مصادر أن الهجوم استهدف منزلاً في منطقة جنان عطية، ما أدى إلى مقتل شابين وإصابة ثالث، في واقعة تُضاف إلى سلسلة من الجرائم التي شهدتها المدينة منذ مطلع العام.

وفي ظل غياب موقف رسمي واضح، تتصاعد مطالب الأهالي في العجيلات وصبراتة والجميل بعودة الأجهزة الأمنية النظامية، ونزع سلاح التشكيلات المسلحة، في حين أعرب أعيان صبراتة عن رفضهم إقامة مقر أمني لإحدى الكتائب داخل المدينة، على خلفية اتهامات بسوابق جنائية لعناصرها.

ويُعزى التدهور الأمني في الساحل الغربي إلى تراكمات ما بعد 2011، وفي مقدمتها تنافس المجموعات المسلحة على النفوذ والموارد، وضعف مؤسسات الدولة، رغم محاولات متقطعة للحد من التهريب، عبر عمليات أمنية وغارات جوية، حسب محللين.