السودان: تعليم في «وضع أليم» بسبب الحرب... 17 مليوناً خارج المدارس وخسائر 27 مليار دولار

«يونيسيف»: هذه أسوأ أزمات التدريس في العالم... معلمون بلا رواتب ومدارس منهارة وثكنات عسكرية

أطفال  السودان ضحايا حرب وجوع وهجرات وانتكاسات (رويترز)
أطفال السودان ضحايا حرب وجوع وهجرات وانتكاسات (رويترز)
TT

السودان: تعليم في «وضع أليم» بسبب الحرب... 17 مليوناً خارج المدارس وخسائر 27 مليار دولار

أطفال  السودان ضحايا حرب وجوع وهجرات وانتكاسات (رويترز)
أطفال السودان ضحايا حرب وجوع وهجرات وانتكاسات (رويترز)

ألقت الحرب المتطاولة في السودان بظلال قاتمة على العملية التعليمية، قد تمتد تأثيراتها «السلبية» أكثر من عقد زماني، بعد أن ضاع أكثر من عام دراسي لما يزيد على 90 في المائة من الأطفال في البلاد، وعددهم 19 مليوناً في سن الدراسة، و17 مليوناً منهم خارج المدارس حالياً، بينهم 7 ملايين خارج النظام التعليمي قبل الحرب، مما جعل البلاد تعاني «أسوأ أزمات التعليم في العالم»، كما وصفتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف».

لم يتأثر «الأطفال» وحدهم بالحرب، بل تأثر «المعلمون والمدارس وبنية التعليم في البلاد». فبعد توقف الدراسة وإغلاق المدارس، توقف صرف «راتب المعلم»، وكاد قرابة نصف مليون مدرس يتحولون وأسرهم إلى «متسولين»، بعضهم هجر مهنة التعليم -ربما إلى الأبد- واختار مهنة أو «حرفة» بديلة، بينما لجأ آخرون إلى بلدان الجوار وقد لا يعودون، فيما دُمرت آلاف المدراس والمنشآت التعليمية، وتحولت الآلاف منها إلى ملاجئ لإيواء النازحين.

من أحد الصفوف في أوغندا (الشرق الأوسط)

كانت الطالبة بشاير تُعدّ نفسها لدخول الجامعة، لأنها في السنة النهائية من المرحلة «الثانوية» في مدراس «وقف المعارف التركية الثانوية بالخرطوم»، وحين اندلعت الحرب تراجعت طموحاتها وأحلامها، وانتهى بها الأمر نازحةً مع أسرتها إلى مدينة كوستي بوسط البلاد.

قالت لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أستعد مثل أي طالبة لتحقيق حلم طفولتي بدخول الجامعة، ودراسة التخصص الذي أعددت نفسي له، لكن الحرب اندلعت فانهارت كل هذه الأحلام، حاولت كثيراً الالتحاق بالدراسة في تركيا ولم أوفَّق».

وتتابع: «انتهى بنا الحال نازحين إلى مدينة جديدة، نعيش ظروفاً قاسية وصعبة، لكننا مضطرون إلى التعايش مع الواقع، وننتظر نهاية الحرب لنعود إلى مدارسنا، ونعوّض ما فاتنا، رغم أن الزمن الذي ضاع من أعمارنا لا يعوّض، ولكن الحمد لله».

ويشعر والد بشاير، المهندس أحمد عبيد الله، بالتقصير تجاه أبنائه، لأنه أصبح بلا حيلة، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «كأبٍ أحسّ بالتقصير تجاه أبنائي، بعضهم في الأساس، وآخرون في الجامعات، ولا أستطيع أن أفعل لهم شيئاً». ويتابع: «خياراتنا كآباء تجاه مستقبل أطفالنا صفرية، فنحن غير قادرين على تعليمهم في دول أخرى... لا خيار لنا إلا الانتظار».

ومدينة كوستي التي تقيم بها أسرة المهندس عبيد الله، تعد من المدن الآمنة نسبياً، فهي من بين المناطق التي يسيطر عليها الجيش، لكنها تعاني تدفقات أعداد كبيرة من النازحين، الذين تمت استضافتهم في مدارسها، إضافةً إلى أنها من المناطق التي تعاني الحصار الذي تفرضه عليها «قوات الدعم السريع».

 

أطفال لاجئون

ربما تكون الطفلة «سعاد» التي يقيم والدها في مناطق خطرة، أكثر حظاً من سابقتها «بشاير»، فهي تتلقى دروسها الآن في مدرسة بدولة أوغندا، لكنها لا تزال تعاني صدمة نفسية (تروما)؛ فالحرب لاحقتها مرتين: الأولى عندما كانت تتعلم في مدرسة «خاصة» في الخرطوم فتطايرت أولى شظايا الحرب في مدرستها، ولولا اللطف لكانت في عداد الموتى، ولاحقها صوت الحرب إلى منزلها القريب من المواجهات. والأخرى عندما نزحت هي وأسرتها جنوباً إلى مدينة ود مدني بولاية الجزيرة الآمنة وقتها، وهناك واصلت في مدرسة جديدة، فاستعادت بعض توازنها، لكنّ الحرب لحقت بها، وسقطت مدينتها الجديدة بيد «قوات الدعم السريع» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، فاضطرت أسرتها إلى الفرار لاجئةً إلى دولة أوغندا التي استضافت أمثالها برحابة.

تلامذة سودانيون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في بورتسودان (أ.ف.ب)

تصف مدرستها «الأوغندية» بأنها أفضل من كل مدارسها السابقة، وتداعب أمها: «تاني أنا ما راجعة السودان حتى لو وقفت الحرب»، وتتابع في حديثها للصحيفة: «لو رجعنا السودان من يضمن لنا مدرسة آمنة، ومن يضمن أنهم لن يقتلونا، أو يقتلوا أبي أو أمي أو إخوتي».

آلاف مثل «سعاد» شرّدتهم الحرب وحوَّلتهم إلى «لاجئين» في بلد «غريب»، وتعليم مختلف يجهدون أنفسهم للتعايش معه، لكن على الأقل هم «محظوظون» لأن أسرهم استطاعت أن توفر لهم تعليماً بديلاً.

 

مأساة المعلم

لم تصب الحرب الأطفال وحدهم، بل تحولت إلى مأساة للمعلمين؛ إذ فقدوا وظائفهم وأوقفت السلطات رواتبهم، وحوَّلتها لإذكاء نار الحرب.

ويقول «سيد عبد الرحمن»، وهو معلم بمدينة كسلا الشرقية التي لا تزال بعيدة عن القتال، لكن الحرب وصلت إليها مع مئات آلاف النازحين، إن المصلين في «مسجد الخيرات» وسط سوق المدينة فوجئوا برجل يعرِّف نفسه بأنه «معلم»، يشكو للمصلين «ضعفه وهوانه وعجزه»، فأبكى المصلين. وتابع: «أن يتسول المعلم في بلدي، فإن هذا لأمر جلل».

ويتابع المعلم الشهير باسم «تمبة» في سرد مأساة المعلمين بمدينته بقوله: «في 13 مايو (أيار) الماضي، ذهب صديقي المعلم تاج الدين لأداء الصلاة بمسجد الثورة، فوقف معلم آخر يسأل الناس، فتسمر المصلون في أماكنهم، وأحاطوا به مستنكرين ومشككين في أن يتسول معلم، ظناً أنه محتال ومعتاد تسول، لكن يا للفاجعة اتضح لهم أنه حقاً معلم».

من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)

ووفقاً لمنشوره على منصة «فيسبوك» قال «تمبة»: «تحجَّر الدمع في مقلتيَّ، واقشعرَّ بدني من هول المشهد، وليس مَن شاهد كمَن سمع، فلتبكِ على المعلمين البواكي، ولتغلق وزارة التربية أبوابها، ولتنكِّس إدارات التعليم أعلامها حداداً، فالمعلم في بلدي دفعته الحاجة ليتسول».

وبإلحاح ينتظر المعلمون «جوعى» رواتبهم التي ذهبت لتمويل القتل والحرب وصناعة المأساة السودانية، بينما ترنو خرائب المدارس التي دمَّرتها القذائف أو اتخذها المتحاربون ثكنات، أو تحولت لمعسكرات نزوح لمن يقيل عثرتها.

يقول المتحدث باسم «لجنة المعلمين»، (نقابة تسييرية)، سامي الباقر، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن 240 ألف معلم من العاملين بالتعليم في السودان لم يحصلوا طوال الحرب على أكثر من راتب شهر أو شهرين في الحد الأعلى، عدا ولاية البحر الأحمر، أما ولاية نهر النيل فصرفت مرتبات بين تسعة وعشرة أشهر، وصرفت الولاية الشمالية رواتب سبعة أشهر، وهي الولايات التي تعد آمنة نسبياً.

ويتراوح صرف المرتبات بين راتب شهر وثلاثة، أو عدم الصرف في المناطق المتأثرة مباشرةً بالحرب. ويؤكد الباقر: «لم يحصل المعلمون في غرب دارفور على مرتباتهم منذ اندلاع الحرب، وصُرف لهم شهر في وسط دارفور، وثلاثة أشهر في ولاية الخرطوم، وشهران في ولاية الجزيرة، وفي بقية الولايات لم يزد الصرف على شهر واحد».

ويصف الباقر أوضاع المعلمين بـ«الكارثية» بقوله: «بعضهم اضطر لممارسة مهن بديلة، وبينهم من يعاني ويلات الحرب والنزوح من دون راتب، ليعجز عن تلبية احتياجات أسرته»، ويستطرد: «بعض المعلمين لجأوا إلى الجوار، ونزح آخرون، فيما يعاني المستقرون في الولايات التي تسمى آمنة، معاناة شديدة». ويتابع: «المعلمون أصلاً يعيشون تحت خط الفقر، فزادتهم الحرب فقراً على فقرهم، وترك ذلك تأثيرات اجتماعية عليهم وعلى أسرهم»... وحزيناً يقول الباقر: «هناك قصص يندى لها الجبين، ومشكلات اجتماعية كثيرة بسبب حجب المرتبات».

أعمدة الدخان في مناطق عدة بالعاصمة السودانية جراء قصف بالطيران (أرشيفية - رويترز)

وشُلَّت الحياة باندلاع الحرب يوم 15 أبريل (نيسان) 2023 تماماً، ووقع الشلل الكبير على «مؤسسات التعليم»، فأغلقت المدارس أبوابها، لكنَّ رئيس مجلس الوزراء المكلف عثمان حسين عثمان، أصدر قراراً في 7 اكتوبر (تشرين الأول) الماضي بإعادة فتح المدارس نهاية الشهر في الولايات التي تتيح ظروفها الأمنية ذلك.

لكنَّ القرار واجه تعقيدات عديدة، مثل المدارس التي استُخدمت مأوى للنازحين، والأخرى التي دُمرت ونُهبت مقتنياتها، ونزوح المعلمين وعدم صرف رواتبهم.

واشترطت لجنة المعلمين «صرف رواتب المعلمين أولاً»، لكنَّ المدارس في الولايات الواقعة تحت سيطرة الجيش: «نهر النيل، والبحر الأحمر، والشمالية، والقضارف، وكسلا، والنيل الأبيض، وبعض مناطق ولاية الخرطوم» عاودت العمل مجدداً.

تلاميذ يتجهون إلى مدرستهم في بورتسودان مع اليوم الأول لاستئناف العام الدراسي (أ.ف.ب)

وحذر المعلم والتربوي علي عبيد أبكر فضيل، ومدير المكتب التنفيذي للجنة المعلمين، من عودة الأمية من جديد للبلاد، بقوله لـ«الشرق الأوسط»: «توجد دفعتان من الأطفال في سن التمدرس خارج المدارس، ودفعتان في الصفوف حتى الثالث الأساس، سيعودون أميين، مما يهدد بارتفاع نسبة الأمية في السودان»، وتابع: «عودة الأمية أكثر تهديد لمستقبل البلاد، ولاستثمارها في المستقبل».

لكنّ فضيل رأى أن «الفتح الجزئي للمدراس قرار خطير يهدد العملية التعليمية بكاملها، ويقسم البلاد إلى مناطق تعليم ومناطق من دون تعليم»، ويقول: «الدراسة مرتبطة بشهادات وامتحانات على المستوى القومي، والعملية التعليمية لا تقبل تجزئة الارتباطات القومية».

ووصف القرار بأنه «سياسي وليس تعليمياً» بقوله: «لا بد من خطط واضحة، تشارك فيها الجهات المختصة بالتعليم في أثناء الحروب، وفعل سياسي يوفر أمكنة ومسارات آمنة للتلميذ والمعلم، ومن دون هذه الخطط فإن القرار سيكون سياسياً ليوحي بأن الأوضاع مستقرة».

 

الأطفال الجنود

ووفقاً للخبير التربوي، فإن الأطفال النازحين لا يجدون فرصاً بالمدارس الحكومية، ولا يحتمل أولياء أمورهم تكاليف المدارس الخاصة الباهظة، وإن أعداداً كبيرة من الأطفال النازحين اضطروا للعمل لمساعدة أسرهم.

ويُحذر من تعرض الأطفال لاستقطاب الأطراف المتحاربة للقتال إلى جانبهم بقوله: «بعضهم يقاتل مع (قوات الدعم السريع)، والآخر مستنفَر مع الجيش، وصار مشهد الأطفال وهم يحملون البنادق مألوفاً».

أشخاص يسيرون على طول شارع يحمل آثار الدمار في أم درمان... السودان 27 أغسطس 2024 (د.ب.أ)

وأبدى فضيل تخوفه من انهيار النظام التعليمي بقوله: «النظام التعليمي في طريقه إلى الانهيار، بل هو انهار فعلياً، نتيجة هجرة الكفاءات وترك المهنة إلى مهن أخرى داخل وخارج البلاد».

 

مماطلة

لم يقف تأثير الحرب في النصف الثاني من عامها الثاني على التعليم، بل امتد إلى تهديد حياة آلاف الأطفال، وتقول «يونيسيف» إن نحو 72 في المائة من ضحايا الانتهاكات من قتل وتشويه وعنف جنسي وتجنيد، «هم أطفال»، وإن عشرات الآلاف منهم معرَّضون للموت جوعاً وبسوء التغذية.

وبينما تسوء أوضاع تعليم الأطفال من المناحي كافة، فإن سلطات التعليم لم تستجب لطلبات «الشرق الأوسط» تقديم المعلومات المتعلقة بوضع التعليم في «وضع أليم»، بل ماطلت في تقديمها متذرعةً بجمعها تارةً، وبتأخر ورودها تارةً أخرى، فبدت كأن الأمر لا يعنيها!

بدورها، أبدت المعلمة خالدة صابر، من مدرسة «سلوم بنين» بولاية البحر الأحمر، يأساً لافتاً، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «المدارس تم تدميرها بالقصف الجوي والمدفعي وتحول بعضها لثكنات لجنود طرفي الصراع».

وفي ولاية البحر الأحمر، واجهت المدارس صعوبات جمة، فأغلبها تحوَّل إلى دور إيواء، لذلك يتناوب التلاميذ على المدرسة ثلاثة أيام في الأسبوع، وتابعت: «ثم عقدت السيول والفيضانات مواصلة الدراسة».

وتقول خالدة صابر التي عادت للصف في مايو (أيار) الماضي: «في أثناء التدريس لاحظت ضعف التحصيل، وكثرة الغياب، والميل للعنف الذي استخدم فيه الأطفال الأسلحة البيضاء».

وحذرت من «عودة الأمية» بين الأطفال في الفصول الأولى، ومن تسرب طلاب الفصول المتقدمة الذي يواجهون مخاطر التجييش والاستنفار، بقولها: «مستقبل التعليم على المحك».

امرأة وطفلها في مخيم «زمزم» للنازحين بالقرب من الفاشر شمال دارفور بالسودان خلال يناير 2024 (رويترز)

وخالدة صابر أُم لثلاث بنات أكبرهن في نهاية المرحلة الثانوية المؤهلة لدخول الجامعة، تقول عنها: «لم تتمكن من الجلوس للامتحانات، وصار مستقبلها مجهولاً أسوةً بأغلب تلاميذ السودان». وتتابع: «ابنتي الثانية في نهاية المرحلة المتوسطة، ولا نعرف ما مصيرها، وابنتي الصغرى -تعاني (متلازمة داون)– فلم نجد لها مدرسة، ونخشى عليها التنمر».

اضطرت صابر من أجل بناتها إلى اللجوء إلى دولة أوغندا، لكن الطفلات واجهن صعوبة اختلاف المنهج ولغة التدريس، بخاصة من هم في السنوات النهائية، وهو جزء من معاناة الأطفال اللاجئين في دول الجوار الأفريقي بشكل خاص.

 

أسوأ أزمة في العالم

وحذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف» من دخول وشيك لـ«جيل كامل» من الأطفال في أوج «الكارثة» التعليمية، ومن أسوأ أزمات التعليم على مستوى العالم.

وقال مسؤول برامج التعليم في المنظمة بالسودان دانييل باهيتا، لـ«الشرق الأوسط»، إن السودان يواجه «أكبر أزمة نزوح للأطفال في العالم» بنزوح خمسة ملايين طفل.

متطوع يوزّع الطعام على النازحين في أحد أحياء أم درمان بالسودان (أرشيفية - رويترز)

وأوضح، أن أكثر من 90 في المائة من أطفال البلاد، وعددهم 19 مليوناً في سن الدراسة، بينهم أكثر من 17 مليوناً خارج صفوف الدراسة، في واحدة من «أسوأ أزمات التعليم على مستوى العالم».

وقال إن هناك نحو 7 ملايين طفل كانوا خارج المدرسة بالفعل، لأن البلاد كانت تكافح الفقر وعدم الاستقرار، أُضيف إليهم من انتزعتهم الحرب من مدارسهم عنوةً. وذكر أن «الحرب أخرجت أكثر من 17 مليون طفل من المدارس، وألقت بهم في مناطق النزوح واللجوء، ليضافوا إلى 6.9 مليون طفل غادروا صفوف الدراسة قبل الحرب».

ووفق المنظمة الأممية، هناك 2600 مدرسة -أي نحو 13 في المائة من إجمالي المدارس في البلاد- تُستخدم دورَ إيواء، مما عقَّد الجهود الرامية لتوفير بيئات تعليمية آمنة ومستقرة.

مشهد من اليوم الأول لبدء العام الدراسي الجديد في إحدى مدارس بورتسودان (أ.ف.ب)

في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أي بعد ستة أشهر من القتال، أعلنت الحكومة إعادة فتح المدارس في الولايات الآمنة، لكن تنفيذ القرار واجه صعوبات عديدة. وهو ما فصّلته «يونيسيف» بأن 7 ولايات من أصل 18 ولاية أعادت فتح المدارس، وهي: «الشمالية، ونهر النيل، والبحر الأحمر، وكسلا، والقضارف، والنيل الأزرق، ثم سنار»، لكن بعض هذه المدارس أُغلق بسبب العطلة الصيفية في البحر الأحمر، والفيضانات وتفشي الأوبئة والأمراض في كسلا، كما أُغلقت مدارس بولاية «سنار».

 

فصول مكتظة

يقول باهيتا إن الولايات التي عاد أطفالها للمدراس تعاني من الاكتظاظ، مما يجعل الحفاظ على بيئة تعليمية مواتية تحدياً كبيراً»، ويتابع: «الأطفال النازحون والمجتمعات المضيفة بحاجة إلى دعم في مجالات الصحة العقلية، والدعم النفسي والاجتماعي، لأن أعداداً منهم تعرضوا للصدمات الناتجة عن الصراع».

وإزاء الاكتظاظ في الفصول الدراسية، أنشأت «يونيسيف» أكثر من 1500 مساحة تعلم آمنة، توفر فرصاً تعليمية لأكثر من 437 ألف طفل.

جانب من حملات سابقة في السودان للتطعيم ضد «شلل الأطفال» (الصحة السودانية)

وتصف «يونيسيف» وضع الأطفال غير القادرين على الوصول إلى التعليم، بأنه «الأكثر خطورة»، مشيرةً إلى أنها تعمل مع شركائها لإيجاد أماكن تعلم آمنة بعدة سبل، من بينها منصة «جواز السفر التعليمي»، وهي منصة رقمية تعتمد التعليم من بُعد، و«تسمح للأطفال بمواصلة تعليمهم حتى عندما ينقطع وصولهم إلى المدارس المادية»، وتوفر لنحو 48 ألف طفل مواصلة تعليمهم من بُعد.

ودعت «يونيسيف» لإعادة فتح المدارس بالكامل لضمان استمرارية التعلم، ودعم الصحة العقلية للأطفال، وتوفير فرص اللعب والشفاء جنباً إلى جنب مع أقرانهم. ويقول باهيتا: «التعليم أمر بالغ الأهمية لنمو الأطفال ورفاهيتهم وآفاقهم على المدى الطويل، لذلك فإن إعادة الفتح الكامل أمر ضروري، لضمان عدم تخلف أي طفل عن حقه في التعلم والازدهار».

وتقدر المنظمة الخسائر الاقتصادية الناجمة عن وقف التعلم مدى الحياة لجيل الأطفال الذين تعرضوا للحرب، بأكثر من 27 مليار دولار أميركي، وتنوه إلى أن «عدم اتخاذ إجراءات عاجلة، سيضيع أجيالاً»... ويتابع باهيتا: «الوصول للتعليم أمر ضروري لاستقرار السودان وتطوره في المستقبل».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

شمال افريقيا سودانيون ينتظرون استخراج رفات شقيقهم الذي قتلته «قوات الدعم السريع» في أم درمان (أ.ب)

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

أفادت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» عن تعرّض قافلة مساعدات تابعة لها لهجوم بطائرة مسيّرة في شمال دارفور بالسودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

قوات «تأسيس» تعلن السيطرة على منطقة الكيلي بولاية النيل الأزرق

أعلنت قوات «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» سيطرتها على منطقة الكيلي، في ولاية النيل الأزرق بجنوب شرقي السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

تشهد ولايات عدة في السودان عودة ملحوظة لانتشار حمى الضنك، بعد فترة من التراجع النسبي في معدلات الإصابة.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

تواصل الفرق المختصة في الجيش السوداني عمليات تحييد الألغام وتفكيكها في مدن العاصمة الخرطوم وسط تحديات التمويل، وتكثيف التوعية لحماية المدنيين.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة السودانية الخرطوم جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

ردود فعل متباينة على دعوة رئيس الوزراء السوداني لحوار شامل

أطلق رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، دعوة لحوار وطني شامل بحلول نهاية مايو (أيار) المقبل، دون «أجندة محددة» وآليات مشتركة للحوار والتشاور

محمد أمين ياسين (نيروبي)

دعوات لمراجعة قانون توافقي لـ«العدالة الانتقالية» في ليبيا

 جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)
جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)
TT

دعوات لمراجعة قانون توافقي لـ«العدالة الانتقالية» في ليبيا

 جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)
جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)

اختتم أعضاء مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» في ليبيا جولة ثالثة من الاجتماعات المباشرة في العاصمة طرابلس، بالمطالبة بمراجعة «جوهرية» لمشروع قانون العدالة الانتقالية الحالي، وضمان إبعاد المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان عن المشهد السياسي.

وأدرجت بعثة الأمم المتحدة، في بيان، مساء السبت، المناقشات التي انتهت الخميس الماضي، في إطار «الحوار المهيكل» برعاية الأمم المتحدة، لوضع «خريطة طريق» لـ«المساءلة عن تجاوزات الماضي وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة كركيزة أساسية للوصول إلى انتخابات وطنية سلمية».

وشدّد المشاركون في توصياتهم الختامية على أن مشروع قانون العدالة الانتقالية المطروح عام 2025 «يحتاج إلى إصلاحات جذرية» لتلافي «إخفاقات الماضي» التي غذّتها الانقسامات السياسية والمعاملة غير المتساوية للضحايا.

«الحقيقة والعدالة»

واعتبرت هانا تيتيه، رئيسة البعثة الأممية، أن أي تحول ذي مصداقية في ليبيا «يجب أن يتجذر في الحقيقة والعدالة والكرامة للضحايا وعائلاتهم»، مشيرة إلى أنه «لا يمكن استدامة المصالحة الوطنية دون مقاربة قائمة على الحقوق بقيادة وملكية ليبية».

وشملت التوصيات الرئيسية الصادرة عن الاجتماع ضمان استقلال هيئة تقصي الحقائق والمصالحة المزمع إنشاؤها، واعتماد إطار شفاف لجبر الضرر ومنح الأولوية لعودة النازحين، بالإضافة إلى إنهاء ممارسات الاحتجاز التعسفي وحماية الفضاء المدني والصحافيين، وتعزيز تمثيل المرأة والمكونات الثقافية في عملية صنع القرار.

وفي سياق متصل، استعرض المشاركون نتائج استطلاع للرأي العام المحلي شمل نحو 6 آلاف ليبي، عكس حالة من عدم الرضا الشعبي والمخاوف الأمنية؛ حيث أيّد 82 في المائة من المستطلعين استبعاد الشخصيات المتورطة في الانتهاكات والمتسببة في الانقسام من مناصب السلطة.

كما أظهر الاستطلاع أن 67 في المائة من المشاركين لا يزالون يخشون الاعتقال أو الانتقام، ما يشكل عائقاً رئيسياً أمام المشاركة السياسية وحرية التعبير في البلاد التي تعاني عدم استقرار مزمناً منذ سنوات.

وأكّد سفراء وممثلون عن «مجموعة عمل القانون الدولي الإنساني» المنبثقة عن «عملية برلين»، الذين انضموا إلى اليوم الختامي لمناقشات مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان»، على ضرورة استقلال القضاء الليبي كضمانة وحيدة لإنهاء حقبة الإفلات من العقاب.

الدبيبة يتوسط ليبيات خلال فعاليات إحياء «اليوم الوطني للمرأة الليبية» 26 أبريل (مكتب الدبيبة)

اليوم الوطني للمرأة

على صعيد آخر، حضر رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، الأحد، في العاصمة طرابلس، فعاليات الاحتفاء بـ«اليوم الوطني للمرأة الليبية»، المخصص هذا العام للمرأة العاملة بالقطاع الحكومي.

وأكّد الدبيبة خلال كلمته «استمرار دعم الحكومة لبرامج تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها في مواقع صنع القرار، بما يضمن حضوراً أكثر فاعلية داخل مؤسسات الدولة».

وأشاد بالدور الذي تضطلع به المرأة العاملة في مختلف القطاعات، معتبراً أنها ركيزة أساسية في استقرار المؤسسات واستمرار أدائها، مؤكداً «أن ما حققته من إنجازات يعكس قدرتها على تحمل المسؤولية والمساهمة في دفع عجلة التنمية».

وقالت المبعوثة الأممية، التي التقت مع بعض الليبيات بهذه المناسبة، إنه «رغم التحديات والعقبات، تواصل النساء في ليبيا التقدم للمساهمة في بناء وطنٍ يسوده السلام والازدهار للجميع»، مؤكدة أن النساء «عنصر أساسي في تعزيز وحدة المجتمع الليبي واستقراره وجعله أكثر عدلاً».


وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال بمصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
TT

وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال بمصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)

قررت الحكومة المصرية وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال والمقاهي. وقال المتحدث الرسمي باسم رئاسة مجلس الوزراء، محمد الحمصاني، مساء الأحد، إن «(اللجنة المركزية لإدارة الأزمات) وافقت خلال اجتماعها على إيقاف العمل بقرار غلق المحال العامة والمراكز التجارية والمطاعم في تمام الساعة 11 مساءً، والعودة إلى المواعيد الطبيعية المعمول بها سابقاً».

وكانت الحكومة المصرية قد قررت تطبيق «إجراءات استثنائية» لمدة شهر بدءاً من 28 مارس (آذار) الماضي، بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، من بينها إغلاق المحال والمقاهي الساعة 9 مساء - تم تمديدها لاحقاً إلى الساعة 11 يومياً - وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقار المصالح الحكومية، إلى جانب العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع.

وترأس رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الأحد، اجتماع «لجنة الأزمات» لمتابعة مستجدات تداعيات الحرب الإيرانية. وقال الحمصاني إنه «تم خلال الاجتماع استعراض آخر تطورات موقف العمليات العسكرية في المنطقة وانعكاسات تلك العمليات على الأوضاع الاقتصادية، إقليمياً وعالمياً، وكذا على المستوى المحلي».

وتحدث رئيس الوزراء المصري عن جهود مختلف جهات الدولة المعنية للتعامل مع تداعيات ومستجدات هذه الأزمة غير المسبوقة، وما يتم إعداده بشكل متواصل ومستمر من سيناريوهات مختلفة، وفقاً لرؤى وتوقعات أمد الصراع، ومدى اتساع دائرته.

ولفت إلى ما يتم من تنسيق وتعاون بين مختلف الجهات لتأمين أرصدة واحتياطات بكميات ومدد طويلة من السلع والمنتجات البترولية، تنفيذاً لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي في هذا الشأن، وبما يسهم في توفير وتلبية مختلف المتطلبات الاستهلاكية والإنتاجية.

وشدد مدبولي على «أهمية الاستمرار في تطبيق مختلف الإجراءات الرقابية من جانب الجهات المعنية، سعياً لمزيد من الاستقرار والانضباط في حركة الأسواق ومنعاً لأي تلاعب، وهو الذي من شأنه أن يسهم في إتاحة السلع بالكميات والأسعار المناسبة لمختلف المواطنين».

مصريون وأجانب أمام مطعم مغلق في وسط القاهرة الشهر الحالي (أ.ف.ب)

وتابع مدبولي خلال اجتماع «لجنة الأزمة» موقف ما يتم تطبيقه من إجراءات وخطوات تتعلق بترشيد استهلاك المنتجات البترولية والكهرباء، وكذا ما يتعلق بترشيد الإنفاق الحكومي، مؤكداً «أهمية العمل على تعزيز ثقافة ترشيد الاستهلاك، في ظل ما نشهده من تداعيات لأزمة ألقت بظلالها على مختلف دول المنطقة والعالم، وهو الذي من شأنه أن يسهم في تحسين الأداء واستقرار التشغيل لمختلف المرافق الحيوية».

كما وجه رئيس الوزراء المصري بسرعة الإعلان عن مبادرة تحفيزية للمصانع والمنازل للتحول إلى الطاقة الشمسية، مؤكداً أن «الحكومة تضع هذا الملف على أجندة اهتماماتها».

وكانت قرارات «الترشيد الحكومية» قد واجهت اعتراضات في وقت سابق من قطاعات إنتاجية ومواطنين بسبب تأثيرها السلبي على الأنشطة التجارية. وسبق أن ذكرت الحكومة أن قرار «الإغلاق المبكر» لمدة شهر واحد جاء بهدف «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وأشار وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، أحمد رستم، خلال الاجتماع، الأحد، إلى أن «صندوق النقد الدولي يتوقع انخفاض معدل النمو إلى 3.1 في المائة عام 2026 مقارنة بمعدل بلغ 3.4 في المائة عام 2025. كما يتوقع الصندوق تراجعاً حاداً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يصل إلى 1.1 في المائة عام 2026، وذلك يأتي انعكاساً لارتفاع أسعار السلع الأساسية عالمياً، وخاصة الطاقة والغذاء، فضلاً عن عزوف المستثمرين عن المخاطر في الأسواق المالية».

كما لفت بحسب بيان «مجلس الوزراء المصري» إلى «التوقعات والسيناريوهات المرجحة فيما يتعلق بمعدلات التضخم العالمية، وكذا ما يتعلق بمعدلات التجارة العالمية وانخفاض حجم نموها من 5.1 في المائة عام 2025 إلى 2.8 في المائة في عام 2026».


«الفساد بقوة السلاح»... عقدة تكبّل الأجهزة الرقابية في ليبيا

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
TT

«الفساد بقوة السلاح»... عقدة تكبّل الأجهزة الرقابية في ليبيا

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)

يربط تقرير أممي ودراسة محلية حديثة بين تعثر آليات الرقابة في ليبيا على النحو الأمثل، وتنامي نفوذ التشكيلات المسلحة داخل مؤسسات الدولة، في ظل واقع سياسي وأمني مضطرب.

وكان تقرير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة قد أفاد الأسبوع الماضي بأن «جماعات مسلحة وكيانات نافذة تمكنت، عبر واجهات سياسية، من التغلغل داخل مؤسسات الدولة، مستخدمة أدوات تتراوح بين العنف المسلح والتأثير السياسي والضغط الاقتصادي، بما أفضى إلى تكريس نفوذها داخل بنية الدولة».

رئيس ديوان المحاسبة الليبي خالد شكشك في لقاء مع نائبتي مبعوثة الأمم المتحدة في طرابلس 24 أبريل 2026 (البعثة الأممية)

وبحسب التقرير، فإن «هذه التشكيلات المسلحة استخدمت أدوات العنف دون مساءلة، ما مكّنها من تعزيز تدفق مكاسبها، وأتاح لها الإفلات من العقاب»، كما أُجبرت مؤسسات الدولة على العمل في «بيئة تكرّس نفوذ هذه الجماعات وتُضعف آليات المساءلة، بما يعزز هيمنتها على الدولة».

ويتفق أبو عجيلة سيف النصر، عضو «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية راهناً، مع هذه المعطيات، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما ورد في تقارير لجنة الخبراء بشأن الفساد في ليبيا «يتسق مع الواقع». وقال إن هذه الآفة «وجدت بيئة خصبة» في ظل الانقسام السياسي وفوضى السلاح ونفوذ التشكيلات المسلحة.

ويشير سيف النصر إلى أن الأجهزة الرقابية «دفعت جزءاً كبيراً من فاتورة الانقسام السياسي والعسكري وتزايد نفوذ المجموعات المسلحة».

وأضاف أن ما تكشفه التقارير الدورية لهذه الأجهزة الرقابية «لا يعكس الحجم الحقيقي للفساد في ليبيا»، لافتاً إلى أن «وقائع الفساد المرصودة من ديوان المحاسبة تبقى حبيسة الأدراج، دون مسار قضائي فعلي».

وسبق أن شدّدت البعثة الأممية على ضرورة تحصين المؤسسات الرقابية من أي نفوذ سياسي أو تدخل من تشكيلات مسلحة، وذلك خلال لقاء نائبتَي المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون، في طرابلس الأسبوع الماضي مع رئيس ديوان المحاسبة، خالد شكشك.

وتستشعر أحزاب ليبية خطورة ما ورد في تقرير فريق الخبراء المعني بليبيا، الذي كشف عن «تشابك بين السلطة وحملة السلاح، والاقتصاد غير المشروع»، واعتبر «التحالف الليبي لأحزاب التوافق الوطني» ذلك «نمط حكم موازياً تُدار فيه الموارد خارج الأطر القانونية وتتآكل فيه أدوات الرقابة».

وعلى مدار السنوات الماضية، تعرض ديوان المحاسبة الليبي لاقتحامات متكررة من قبل ميليشيات مسلحة دون إجراءات ردع كافية. بل خُطف رضا قرقاب، وهو أحد مديري ديوان المحاسبة، عام 2020، وسط اتهامات متبادلة بين الديوان ووزارة الداخلية بشأن «عرقلة أعمال الرقابة».

وفي ظل الانقسام السياسي، تتركز تقارير ديوان المحاسبة في طرابلس على غرب البلاد، بينما لا تُنشر تقارير عن فرعه في الشرق الخاضع لسلطة «الجيش الوطني» الليبي بقيادة خليفة حفتر.

لكن تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة أشار إلى أن حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة و«الجيش الوطني» «استخدما آليات مرتبطة بتهريب النفط في سياقات تتصل بالتمويل والتسليح».

رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة خلال إطلاق استراتيجية مكافحة الفساد في ديسمبر 2024 (مكتب الدبيبة)

ويصف مدير «المركز الليبي للتنمية المستدامة» الدكتور مصطفى بن حكومة، هذه الممارسات بأنها «فساد بقوة السلاح»، عاداً أن «هذا النمط الهجين الذي يتداخل فيه النفوذ المسلح للميليشيات مع المصالح الاقتصادية والسياسية بات أحد أبرز العوائق أمام عمل الأجهزة الرقابية وسبباً رئيسياً في تعطّل مسارات الإصلاح وبناء الدولة».

ويحذر بن حكومة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، من «مخاطر مستقبلية»، منها «تهديد وحدة الدولة عبر ترسيخ مراكز قوى موازية للسلطة الشرعية، وتآكل فجوة الثقة بين المواطن والدولة، وإعاقة الاستثمار والتنمية الاقتصادية، إضافة إلى تعزيز اقتصاد الظل وتغذية شبكات غير رسمية تتحكم في الموارد».

وسبق أن أطلقت حكومة غرب ليبيا استراتيجية لمكافحة الفساد في نهاية عام 2024. وتشير تقارير دولية إلى تراجع ترتيب البلاد في مؤشر مدركات الفساد، إذ جاءت في المرتبة 177 من أصل 182 دولة عام 2025، مقارنة بالمرتبة 173 من أصل 180 دولة في 2024، وفق منظمة الشفافية الدولية.

وخلصت دراسة أكاديمية في جامعة فزان، بجنوب ليبيا، حول معوقات أداء الرقابة، إلى أن الانقسام وعدم الاستقرار السياسي يضعفان استقلالية العاملين بديوان المحاسبة ويؤثران سلباً على أدائهم. علماً بأن الدراسة التي أعدّها الباحثان هشام مسعود وإسراء دنكم شملت 70 موظفاً بالديوان.

ويتفاقم القلق مع نذر انقسام القضاء الليبي منذ نهاية العام الماضي، مع تشظيه بين مجلسين في طرابلس وبنغازي، ما يثير مخاوف «من ضعف قبضته في مكافحة الفساد».

ويرى مدير «المركز الليبي للتنمية المستدامة» أن التحدي الرئيسي يتمثل في استعادة سيادة القانون بوصفه المرجعية الوحيدة لإدارة الشأن العام، مشدداً على «ضرورة توحيد المؤسسات السيادية، وفكّ الارتباط بين السلاح والاقتصاد، وتمكين القضاء من ملاحقة قضايا الفساد، وتوسيع الشفافية عبر رقمنة المعاملات الحكومية للحدّ من التدخلات».