السودان: تعليم في «وضع أليم» بسبب الحرب... 17 مليوناً خارج المدارس وخسائر 27 مليار دولار

«يونيسيف»: هذه أسوأ أزمات التدريس في العالم... معلمون بلا رواتب ومدارس منهارة وثكنات عسكرية

أطفال  السودان ضحايا حرب وجوع وهجرات وانتكاسات (رويترز)
أطفال السودان ضحايا حرب وجوع وهجرات وانتكاسات (رويترز)
TT

السودان: تعليم في «وضع أليم» بسبب الحرب... 17 مليوناً خارج المدارس وخسائر 27 مليار دولار

أطفال  السودان ضحايا حرب وجوع وهجرات وانتكاسات (رويترز)
أطفال السودان ضحايا حرب وجوع وهجرات وانتكاسات (رويترز)

ألقت الحرب المتطاولة في السودان بظلال قاتمة على العملية التعليمية، قد تمتد تأثيراتها «السلبية» أكثر من عقد زماني، بعد أن ضاع أكثر من عام دراسي لما يزيد على 90 في المائة من الأطفال في البلاد، وعددهم 19 مليوناً في سن الدراسة، و17 مليوناً منهم خارج المدارس حالياً، بينهم 7 ملايين خارج النظام التعليمي قبل الحرب، مما جعل البلاد تعاني «أسوأ أزمات التعليم في العالم»، كما وصفتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف».

لم يتأثر «الأطفال» وحدهم بالحرب، بل تأثر «المعلمون والمدارس وبنية التعليم في البلاد». فبعد توقف الدراسة وإغلاق المدارس، توقف صرف «راتب المعلم»، وكاد قرابة نصف مليون مدرس يتحولون وأسرهم إلى «متسولين»، بعضهم هجر مهنة التعليم -ربما إلى الأبد- واختار مهنة أو «حرفة» بديلة، بينما لجأ آخرون إلى بلدان الجوار وقد لا يعودون، فيما دُمرت آلاف المدراس والمنشآت التعليمية، وتحولت الآلاف منها إلى ملاجئ لإيواء النازحين.

من أحد الصفوف في أوغندا (الشرق الأوسط)

كانت الطالبة بشاير تُعدّ نفسها لدخول الجامعة، لأنها في السنة النهائية من المرحلة «الثانوية» في مدراس «وقف المعارف التركية الثانوية بالخرطوم»، وحين اندلعت الحرب تراجعت طموحاتها وأحلامها، وانتهى بها الأمر نازحةً مع أسرتها إلى مدينة كوستي بوسط البلاد.

قالت لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أستعد مثل أي طالبة لتحقيق حلم طفولتي بدخول الجامعة، ودراسة التخصص الذي أعددت نفسي له، لكن الحرب اندلعت فانهارت كل هذه الأحلام، حاولت كثيراً الالتحاق بالدراسة في تركيا ولم أوفَّق».

وتتابع: «انتهى بنا الحال نازحين إلى مدينة جديدة، نعيش ظروفاً قاسية وصعبة، لكننا مضطرون إلى التعايش مع الواقع، وننتظر نهاية الحرب لنعود إلى مدارسنا، ونعوّض ما فاتنا، رغم أن الزمن الذي ضاع من أعمارنا لا يعوّض، ولكن الحمد لله».

ويشعر والد بشاير، المهندس أحمد عبيد الله، بالتقصير تجاه أبنائه، لأنه أصبح بلا حيلة، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «كأبٍ أحسّ بالتقصير تجاه أبنائي، بعضهم في الأساس، وآخرون في الجامعات، ولا أستطيع أن أفعل لهم شيئاً». ويتابع: «خياراتنا كآباء تجاه مستقبل أطفالنا صفرية، فنحن غير قادرين على تعليمهم في دول أخرى... لا خيار لنا إلا الانتظار».

ومدينة كوستي التي تقيم بها أسرة المهندس عبيد الله، تعد من المدن الآمنة نسبياً، فهي من بين المناطق التي يسيطر عليها الجيش، لكنها تعاني تدفقات أعداد كبيرة من النازحين، الذين تمت استضافتهم في مدارسها، إضافةً إلى أنها من المناطق التي تعاني الحصار الذي تفرضه عليها «قوات الدعم السريع».

 

أطفال لاجئون

ربما تكون الطفلة «سعاد» التي يقيم والدها في مناطق خطرة، أكثر حظاً من سابقتها «بشاير»، فهي تتلقى دروسها الآن في مدرسة بدولة أوغندا، لكنها لا تزال تعاني صدمة نفسية (تروما)؛ فالحرب لاحقتها مرتين: الأولى عندما كانت تتعلم في مدرسة «خاصة» في الخرطوم فتطايرت أولى شظايا الحرب في مدرستها، ولولا اللطف لكانت في عداد الموتى، ولاحقها صوت الحرب إلى منزلها القريب من المواجهات. والأخرى عندما نزحت هي وأسرتها جنوباً إلى مدينة ود مدني بولاية الجزيرة الآمنة وقتها، وهناك واصلت في مدرسة جديدة، فاستعادت بعض توازنها، لكنّ الحرب لحقت بها، وسقطت مدينتها الجديدة بيد «قوات الدعم السريع» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، فاضطرت أسرتها إلى الفرار لاجئةً إلى دولة أوغندا التي استضافت أمثالها برحابة.

تلامذة سودانيون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في بورتسودان (أ.ف.ب)

تصف مدرستها «الأوغندية» بأنها أفضل من كل مدارسها السابقة، وتداعب أمها: «تاني أنا ما راجعة السودان حتى لو وقفت الحرب»، وتتابع في حديثها للصحيفة: «لو رجعنا السودان من يضمن لنا مدرسة آمنة، ومن يضمن أنهم لن يقتلونا، أو يقتلوا أبي أو أمي أو إخوتي».

آلاف مثل «سعاد» شرّدتهم الحرب وحوَّلتهم إلى «لاجئين» في بلد «غريب»، وتعليم مختلف يجهدون أنفسهم للتعايش معه، لكن على الأقل هم «محظوظون» لأن أسرهم استطاعت أن توفر لهم تعليماً بديلاً.

 

مأساة المعلم

لم تصب الحرب الأطفال وحدهم، بل تحولت إلى مأساة للمعلمين؛ إذ فقدوا وظائفهم وأوقفت السلطات رواتبهم، وحوَّلتها لإذكاء نار الحرب.

ويقول «سيد عبد الرحمن»، وهو معلم بمدينة كسلا الشرقية التي لا تزال بعيدة عن القتال، لكن الحرب وصلت إليها مع مئات آلاف النازحين، إن المصلين في «مسجد الخيرات» وسط سوق المدينة فوجئوا برجل يعرِّف نفسه بأنه «معلم»، يشكو للمصلين «ضعفه وهوانه وعجزه»، فأبكى المصلين. وتابع: «أن يتسول المعلم في بلدي، فإن هذا لأمر جلل».

ويتابع المعلم الشهير باسم «تمبة» في سرد مأساة المعلمين بمدينته بقوله: «في 13 مايو (أيار) الماضي، ذهب صديقي المعلم تاج الدين لأداء الصلاة بمسجد الثورة، فوقف معلم آخر يسأل الناس، فتسمر المصلون في أماكنهم، وأحاطوا به مستنكرين ومشككين في أن يتسول معلم، ظناً أنه محتال ومعتاد تسول، لكن يا للفاجعة اتضح لهم أنه حقاً معلم».

من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)

ووفقاً لمنشوره على منصة «فيسبوك» قال «تمبة»: «تحجَّر الدمع في مقلتيَّ، واقشعرَّ بدني من هول المشهد، وليس مَن شاهد كمَن سمع، فلتبكِ على المعلمين البواكي، ولتغلق وزارة التربية أبوابها، ولتنكِّس إدارات التعليم أعلامها حداداً، فالمعلم في بلدي دفعته الحاجة ليتسول».

وبإلحاح ينتظر المعلمون «جوعى» رواتبهم التي ذهبت لتمويل القتل والحرب وصناعة المأساة السودانية، بينما ترنو خرائب المدارس التي دمَّرتها القذائف أو اتخذها المتحاربون ثكنات، أو تحولت لمعسكرات نزوح لمن يقيل عثرتها.

يقول المتحدث باسم «لجنة المعلمين»، (نقابة تسييرية)، سامي الباقر، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن 240 ألف معلم من العاملين بالتعليم في السودان لم يحصلوا طوال الحرب على أكثر من راتب شهر أو شهرين في الحد الأعلى، عدا ولاية البحر الأحمر، أما ولاية نهر النيل فصرفت مرتبات بين تسعة وعشرة أشهر، وصرفت الولاية الشمالية رواتب سبعة أشهر، وهي الولايات التي تعد آمنة نسبياً.

ويتراوح صرف المرتبات بين راتب شهر وثلاثة، أو عدم الصرف في المناطق المتأثرة مباشرةً بالحرب. ويؤكد الباقر: «لم يحصل المعلمون في غرب دارفور على مرتباتهم منذ اندلاع الحرب، وصُرف لهم شهر في وسط دارفور، وثلاثة أشهر في ولاية الخرطوم، وشهران في ولاية الجزيرة، وفي بقية الولايات لم يزد الصرف على شهر واحد».

ويصف الباقر أوضاع المعلمين بـ«الكارثية» بقوله: «بعضهم اضطر لممارسة مهن بديلة، وبينهم من يعاني ويلات الحرب والنزوح من دون راتب، ليعجز عن تلبية احتياجات أسرته»، ويستطرد: «بعض المعلمين لجأوا إلى الجوار، ونزح آخرون، فيما يعاني المستقرون في الولايات التي تسمى آمنة، معاناة شديدة». ويتابع: «المعلمون أصلاً يعيشون تحت خط الفقر، فزادتهم الحرب فقراً على فقرهم، وترك ذلك تأثيرات اجتماعية عليهم وعلى أسرهم»... وحزيناً يقول الباقر: «هناك قصص يندى لها الجبين، ومشكلات اجتماعية كثيرة بسبب حجب المرتبات».

أعمدة الدخان في مناطق عدة بالعاصمة السودانية جراء قصف بالطيران (أرشيفية - رويترز)

وشُلَّت الحياة باندلاع الحرب يوم 15 أبريل (نيسان) 2023 تماماً، ووقع الشلل الكبير على «مؤسسات التعليم»، فأغلقت المدارس أبوابها، لكنَّ رئيس مجلس الوزراء المكلف عثمان حسين عثمان، أصدر قراراً في 7 اكتوبر (تشرين الأول) الماضي بإعادة فتح المدارس نهاية الشهر في الولايات التي تتيح ظروفها الأمنية ذلك.

لكنَّ القرار واجه تعقيدات عديدة، مثل المدارس التي استُخدمت مأوى للنازحين، والأخرى التي دُمرت ونُهبت مقتنياتها، ونزوح المعلمين وعدم صرف رواتبهم.

واشترطت لجنة المعلمين «صرف رواتب المعلمين أولاً»، لكنَّ المدارس في الولايات الواقعة تحت سيطرة الجيش: «نهر النيل، والبحر الأحمر، والشمالية، والقضارف، وكسلا، والنيل الأبيض، وبعض مناطق ولاية الخرطوم» عاودت العمل مجدداً.

تلاميذ يتجهون إلى مدرستهم في بورتسودان مع اليوم الأول لاستئناف العام الدراسي (أ.ف.ب)

وحذر المعلم والتربوي علي عبيد أبكر فضيل، ومدير المكتب التنفيذي للجنة المعلمين، من عودة الأمية من جديد للبلاد، بقوله لـ«الشرق الأوسط»: «توجد دفعتان من الأطفال في سن التمدرس خارج المدارس، ودفعتان في الصفوف حتى الثالث الأساس، سيعودون أميين، مما يهدد بارتفاع نسبة الأمية في السودان»، وتابع: «عودة الأمية أكثر تهديد لمستقبل البلاد، ولاستثمارها في المستقبل».

لكنّ فضيل رأى أن «الفتح الجزئي للمدراس قرار خطير يهدد العملية التعليمية بكاملها، ويقسم البلاد إلى مناطق تعليم ومناطق من دون تعليم»، ويقول: «الدراسة مرتبطة بشهادات وامتحانات على المستوى القومي، والعملية التعليمية لا تقبل تجزئة الارتباطات القومية».

ووصف القرار بأنه «سياسي وليس تعليمياً» بقوله: «لا بد من خطط واضحة، تشارك فيها الجهات المختصة بالتعليم في أثناء الحروب، وفعل سياسي يوفر أمكنة ومسارات آمنة للتلميذ والمعلم، ومن دون هذه الخطط فإن القرار سيكون سياسياً ليوحي بأن الأوضاع مستقرة».

 

الأطفال الجنود

ووفقاً للخبير التربوي، فإن الأطفال النازحين لا يجدون فرصاً بالمدارس الحكومية، ولا يحتمل أولياء أمورهم تكاليف المدارس الخاصة الباهظة، وإن أعداداً كبيرة من الأطفال النازحين اضطروا للعمل لمساعدة أسرهم.

ويُحذر من تعرض الأطفال لاستقطاب الأطراف المتحاربة للقتال إلى جانبهم بقوله: «بعضهم يقاتل مع (قوات الدعم السريع)، والآخر مستنفَر مع الجيش، وصار مشهد الأطفال وهم يحملون البنادق مألوفاً».

أشخاص يسيرون على طول شارع يحمل آثار الدمار في أم درمان... السودان 27 أغسطس 2024 (د.ب.أ)

وأبدى فضيل تخوفه من انهيار النظام التعليمي بقوله: «النظام التعليمي في طريقه إلى الانهيار، بل هو انهار فعلياً، نتيجة هجرة الكفاءات وترك المهنة إلى مهن أخرى داخل وخارج البلاد».

 

مماطلة

لم يقف تأثير الحرب في النصف الثاني من عامها الثاني على التعليم، بل امتد إلى تهديد حياة آلاف الأطفال، وتقول «يونيسيف» إن نحو 72 في المائة من ضحايا الانتهاكات من قتل وتشويه وعنف جنسي وتجنيد، «هم أطفال»، وإن عشرات الآلاف منهم معرَّضون للموت جوعاً وبسوء التغذية.

وبينما تسوء أوضاع تعليم الأطفال من المناحي كافة، فإن سلطات التعليم لم تستجب لطلبات «الشرق الأوسط» تقديم المعلومات المتعلقة بوضع التعليم في «وضع أليم»، بل ماطلت في تقديمها متذرعةً بجمعها تارةً، وبتأخر ورودها تارةً أخرى، فبدت كأن الأمر لا يعنيها!

بدورها، أبدت المعلمة خالدة صابر، من مدرسة «سلوم بنين» بولاية البحر الأحمر، يأساً لافتاً، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «المدارس تم تدميرها بالقصف الجوي والمدفعي وتحول بعضها لثكنات لجنود طرفي الصراع».

وفي ولاية البحر الأحمر، واجهت المدارس صعوبات جمة، فأغلبها تحوَّل إلى دور إيواء، لذلك يتناوب التلاميذ على المدرسة ثلاثة أيام في الأسبوع، وتابعت: «ثم عقدت السيول والفيضانات مواصلة الدراسة».

وتقول خالدة صابر التي عادت للصف في مايو (أيار) الماضي: «في أثناء التدريس لاحظت ضعف التحصيل، وكثرة الغياب، والميل للعنف الذي استخدم فيه الأطفال الأسلحة البيضاء».

وحذرت من «عودة الأمية» بين الأطفال في الفصول الأولى، ومن تسرب طلاب الفصول المتقدمة الذي يواجهون مخاطر التجييش والاستنفار، بقولها: «مستقبل التعليم على المحك».

امرأة وطفلها في مخيم «زمزم» للنازحين بالقرب من الفاشر شمال دارفور بالسودان خلال يناير 2024 (رويترز)

وخالدة صابر أُم لثلاث بنات أكبرهن في نهاية المرحلة الثانوية المؤهلة لدخول الجامعة، تقول عنها: «لم تتمكن من الجلوس للامتحانات، وصار مستقبلها مجهولاً أسوةً بأغلب تلاميذ السودان». وتتابع: «ابنتي الثانية في نهاية المرحلة المتوسطة، ولا نعرف ما مصيرها، وابنتي الصغرى -تعاني (متلازمة داون)– فلم نجد لها مدرسة، ونخشى عليها التنمر».

اضطرت صابر من أجل بناتها إلى اللجوء إلى دولة أوغندا، لكن الطفلات واجهن صعوبة اختلاف المنهج ولغة التدريس، بخاصة من هم في السنوات النهائية، وهو جزء من معاناة الأطفال اللاجئين في دول الجوار الأفريقي بشكل خاص.

 

أسوأ أزمة في العالم

وحذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف» من دخول وشيك لـ«جيل كامل» من الأطفال في أوج «الكارثة» التعليمية، ومن أسوأ أزمات التعليم على مستوى العالم.

وقال مسؤول برامج التعليم في المنظمة بالسودان دانييل باهيتا، لـ«الشرق الأوسط»، إن السودان يواجه «أكبر أزمة نزوح للأطفال في العالم» بنزوح خمسة ملايين طفل.

متطوع يوزّع الطعام على النازحين في أحد أحياء أم درمان بالسودان (أرشيفية - رويترز)

وأوضح، أن أكثر من 90 في المائة من أطفال البلاد، وعددهم 19 مليوناً في سن الدراسة، بينهم أكثر من 17 مليوناً خارج صفوف الدراسة، في واحدة من «أسوأ أزمات التعليم على مستوى العالم».

وقال إن هناك نحو 7 ملايين طفل كانوا خارج المدرسة بالفعل، لأن البلاد كانت تكافح الفقر وعدم الاستقرار، أُضيف إليهم من انتزعتهم الحرب من مدارسهم عنوةً. وذكر أن «الحرب أخرجت أكثر من 17 مليون طفل من المدارس، وألقت بهم في مناطق النزوح واللجوء، ليضافوا إلى 6.9 مليون طفل غادروا صفوف الدراسة قبل الحرب».

ووفق المنظمة الأممية، هناك 2600 مدرسة -أي نحو 13 في المائة من إجمالي المدارس في البلاد- تُستخدم دورَ إيواء، مما عقَّد الجهود الرامية لتوفير بيئات تعليمية آمنة ومستقرة.

مشهد من اليوم الأول لبدء العام الدراسي الجديد في إحدى مدارس بورتسودان (أ.ف.ب)

في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أي بعد ستة أشهر من القتال، أعلنت الحكومة إعادة فتح المدارس في الولايات الآمنة، لكن تنفيذ القرار واجه صعوبات عديدة. وهو ما فصّلته «يونيسيف» بأن 7 ولايات من أصل 18 ولاية أعادت فتح المدارس، وهي: «الشمالية، ونهر النيل، والبحر الأحمر، وكسلا، والقضارف، والنيل الأزرق، ثم سنار»، لكن بعض هذه المدارس أُغلق بسبب العطلة الصيفية في البحر الأحمر، والفيضانات وتفشي الأوبئة والأمراض في كسلا، كما أُغلقت مدارس بولاية «سنار».

 

فصول مكتظة

يقول باهيتا إن الولايات التي عاد أطفالها للمدراس تعاني من الاكتظاظ، مما يجعل الحفاظ على بيئة تعليمية مواتية تحدياً كبيراً»، ويتابع: «الأطفال النازحون والمجتمعات المضيفة بحاجة إلى دعم في مجالات الصحة العقلية، والدعم النفسي والاجتماعي، لأن أعداداً منهم تعرضوا للصدمات الناتجة عن الصراع».

وإزاء الاكتظاظ في الفصول الدراسية، أنشأت «يونيسيف» أكثر من 1500 مساحة تعلم آمنة، توفر فرصاً تعليمية لأكثر من 437 ألف طفل.

جانب من حملات سابقة في السودان للتطعيم ضد «شلل الأطفال» (الصحة السودانية)

وتصف «يونيسيف» وضع الأطفال غير القادرين على الوصول إلى التعليم، بأنه «الأكثر خطورة»، مشيرةً إلى أنها تعمل مع شركائها لإيجاد أماكن تعلم آمنة بعدة سبل، من بينها منصة «جواز السفر التعليمي»، وهي منصة رقمية تعتمد التعليم من بُعد، و«تسمح للأطفال بمواصلة تعليمهم حتى عندما ينقطع وصولهم إلى المدارس المادية»، وتوفر لنحو 48 ألف طفل مواصلة تعليمهم من بُعد.

ودعت «يونيسيف» لإعادة فتح المدارس بالكامل لضمان استمرارية التعلم، ودعم الصحة العقلية للأطفال، وتوفير فرص اللعب والشفاء جنباً إلى جنب مع أقرانهم. ويقول باهيتا: «التعليم أمر بالغ الأهمية لنمو الأطفال ورفاهيتهم وآفاقهم على المدى الطويل، لذلك فإن إعادة الفتح الكامل أمر ضروري، لضمان عدم تخلف أي طفل عن حقه في التعلم والازدهار».

وتقدر المنظمة الخسائر الاقتصادية الناجمة عن وقف التعلم مدى الحياة لجيل الأطفال الذين تعرضوا للحرب، بأكثر من 27 مليار دولار أميركي، وتنوه إلى أن «عدم اتخاذ إجراءات عاجلة، سيضيع أجيالاً»... ويتابع باهيتا: «الوصول للتعليم أمر ضروري لاستقرار السودان وتطوره في المستقبل».


مقالات ذات صلة

«حرب المسيّرات» تضرب شندي السودانية وتغرقها في الظلام

شمال افريقيا صورة متداولة لمحولات بمحطة «شندي» للكهرباء التي أصابها الضرر بسبب الهجوم بالمسيرات

«حرب المسيّرات» تضرب شندي السودانية وتغرقها في الظلام

تواصلت حرب المسيّرات على منشآت الطاقة في السودان لليوم الخامس على التوالي، إذ تعرضت مدينة شندي بولاية نهر النيل، لهجوم أدى إلى تدمير محطتها التحويلية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرحباً برئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان في موسكو الجمعة (أ.ب)

بوتين يعرض مساعدة البرهان لإنهاء حرب السودان

أعلن الرئيس الروسي استعداده لمساعدة السودان لوقف الحرب، وسلم رئيس مجلس السيادة خريطة طريق للتعاون الثنائي، فيما دعا البرهان إلى علاقة استراتيجية مع موسكو.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا الرئيسان السيسي وترمب بشرم الشيخ خلال «مؤتمر السلام» حول غزة في أكتوبر الماضي 2025 (رويترز)

مصر تشدد على أهمية الدور الأميركي في تسوية قضايا المنطقة

بدر عبد العاطي يجدد «التأكيد على موقف مصر الثابت الداعم لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا عمال يقيّمون الأضرار بمحطة للطاقة شمال أم درمان استهدفتها مسيّرة الأربعاء (أ.ف.ب)

هجمات بالمسيّرات تقطع الكهرباء عن ملايين السودانيين

استهدفت طائرة مُسيّرة، الخميس، محطة كهرباء «أم دباكر» بولاية النيل الأبيض، بعد ساعات من اتهام الحكومة السودانية نظيرتها الإثيوبية بالوقوف وراء سلسلة من الهجمات.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
الخليج قضت محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية بالسجن المؤبد على 8 متهمين بينهم مسؤولون عسكريون وأمنيون سودانيون (الشرق الأوسط)

الإمارات: الحكم بالمؤبد على 8 متهمين سودانيين بتوريد أسلحة

قضت محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية بالسجن المؤبد على 8 متهمين، بينهم مسؤولون عسكريون وأمنيون سودانيون.

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)

فشل مشروعَي قرار أميركي وروسي حول الصحراء يمهد لرحيل «مينورسو»

المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا رافعاً يده لاستخدام حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار أميركي لتعديل مهمة «مينوروسو» في الصحراء (الأمم المتحدة)
المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا رافعاً يده لاستخدام حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار أميركي لتعديل مهمة «مينوروسو» في الصحراء (الأمم المتحدة)
TT

فشل مشروعَي قرار أميركي وروسي حول الصحراء يمهد لرحيل «مينورسو»

المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا رافعاً يده لاستخدام حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار أميركي لتعديل مهمة «مينوروسو» في الصحراء (الأمم المتحدة)
المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا رافعاً يده لاستخدام حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار أميركي لتعديل مهمة «مينوروسو» في الصحراء (الأمم المتحدة)

أخفق مجلس الأمن، مساء الجمعة، في تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء «مينورسو»، التي ينتهي تفويضها الحالي بعد ساعات معدودة، إثر استخدام روسيا حق النقض «الفيتو» لإسقاط مشروع قرار أعدته الولايات المتحدة، فيما لم يحصل نص مضاد قدمته موسكو على عدد كافٍ من الأصوات.

وبهذا الفشل سيتعين على البعثة الأممية، التي أنشئت في أبريل (نيسان) 1991، الانسحاب من المنطقة التي تشهد توتراً بين المغرب وجبهة «البوليساريو» المدعومة من الجزائر.

ووسط اتهامات متبادلة بين الأطراف المعنية، سعى دبلوماسيون إلى إيجاد مساحة توافق قبل مغادرة أفراد البعثة البالغ عددهم 534 شخصاً، التي تراقب وقف إطلاق النار وتساعد على الوصول إلى تسوية.

وكان المشروع الأميركي قد حصل على تأييد 11 صوتاً من الأعضاء الـ15 في المجلس. غير أن روسيا استخدمت حق النقض لإسقاطه، ثم صوت الأعضاء على مشروع قرار روسي مضاد، يكتفي بتمديد الولاية الحالية لـ«مينورسو» بصورة تقنية حتى 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2027، فنال تأييد ثلاثة أصوات فحسب، مقابل صوت معارض واحد للولايات المتحدة، وامتناع 11 عضواً عن التصويت. وبالتالي، لم ينل المشروع الحد الأدنى اللازم لاعتماد أي قرار، وهو تسعة أصوات.

وما لم تُبذل جهود في اللحظات الأخيرة لإحيائها، تنتهي السبت ولاية «مينورسو»، بعدما دأب المجلس على تجديدها لنحو 35 عاماً.

تغيير جوهري

ذهب مشروع القرار الأميركي إلى أبعد بكثير من القرار 2797، الذي اعتمده مجلس الأمن العام الماضي، والذي كان سينهي هذه المهمة في 30 أبريل 2027، مع تقليص المشاركة العسكرية، ليستبدلها ببعثة سياسية لا تُعنى بالتحضير للاستفتاء، كما كانت تنص القرارات السابقة، بل يغير اسمها إلى (بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية) «مينوسو». كما ينص على أن «الحكم الذاتي الحقيقي في ظل السيادة المغربية هو الحل الوحيد الممكن للتفاوض على حل مقبول للطرفين».

وعقب التصويت، لاحظ المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، أن الاستفتاء لم يُجرَ قط بسبب خلافات طويلة الأمد حول أهلية الناخبين. وقال: «يُخبرنا مسؤولو الأمم المتحدة بهذه الحقيقة منذ 30 عاماً». وأعرب عن أسفه لاستخدام روسيا «الفيتو».

في المقابل، رأت روسيا أن المسودة الأميركية أكدت تأييد موقف المملكة المغربية من الصحراء. وقال مندوبها لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا: «نؤكد أن مجلس الأمن لا يمكنه أن يُقرر مسبقاً بشكل تلقائي مسائل تتعلق بالسيادة». ووصف تصويت الولايات المتحدة ضد النص الروسي بأنه «اغتيال سياسي للبعثة».

من جانبه، ندد المندوب الفرنسي جيروم بونافون بـ«عرقلة روسيا»، فيما حضت السفيرة البريطانية سارة ماكنتوش الجهات التي لم تؤيد القرار الأميركي على «السعي لإيجاد حل قائم على مسودة القرار».

ورحّب الديوان الملكي المغربي بعدم تجديد الولاية، عادّاً ذلك «تطوراً مهماً»، يعني ضرورة سحب قضية الصحراء من نظر مجلس الأمن وإزالتها من جدول أعماله.

في المقابل، شكر المندوب الجزائري عمار بن جامع روسيا، مؤكداً أن بلاده ستواصل دعم «حل يضمن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير».

كما أعرب ممثل «البوليساريو» في نيويورك سيدي عمر عن «ارتياحه» لرفض القرار الأميركي.

وتضم البعثة 155 عسكرياً، وتبلغ كلفتها 62 مليون دولار في السنة المالية، التي بدأت في يونيو (حزيران) الماضي، وفقاً لتقرير صادر عن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.

وكان المغرب قد أعلن أن الصحراء مغربية منذ عام 1975. وأقرّ مجلس الأمن، بقيادة الولايات المتحدة، قراراً يعد خطة الحكم الذاتي، التي قدمتها الرباط عام 2007، الحل «الأكثر جدوى» وأساساً للمفاوضات. وهذا يتماشى مع دعم إدارة الرئيس دونالد ترمب للمغرب. كما تحظى الخطة المغربية أيضاً بدعم بريطانيا وفرنسا ودول أخرى.


انتهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة في الصومال بعد ثلاثة عقود

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (أ.ب)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (أ.ب)
TT

انتهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة في الصومال بعد ثلاثة عقود

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (أ.ب)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (أ.ب)

انتهت مهمة بعثة الأمم المتحدة السياسية في الصومال، اليوم السبت، بعد عامين من دعم المرحلة الانتقالية، لتُختتم بذلك أكثر من ثلاثة عقود من جهود المنظمة الدولية لبناء السلام في البلاد.

أنشئت بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى الصومال (UNSOM) عام 2013 لدعم السلطات الصومالية في عملية الانتقال نحو الديمقراطية وسيادة القانون بعد أكثر من عقدين من نزاع انخرطت فيه ميليشيات وجماعات متطرفة وعصابات إجرامية.

بدأت البعثة عملها تحت مسمى المكتب السياسي للأمم المتحدة في الصومال (UNPOS) عام 1995. وفي مايو (أيار) 2024، طلب الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود من الأمم المتحدة إنهاء مهمة البعثة قبل انتهاء ولايتها في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه. ثم عدّل طلبه لاحقاً، مقترحاً فترة انتقالية مدتها عامان.

خلال هذه الفترة، باتت التسمية بعثة الأمم المتحدة للمساعدة الانتقالية في الصومال (UNTMIS).

مسلحون من حركة «الشباب» في شمال مقديشو (أ.ب)

وقال رايزدون زينينغا، القائم بأعمال البعثة ونائب الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في الصومال في بيان: «لا يشكل اليوم نهاية للشراكة بين الأمم المتحدة والصومال، بل يمثل طيّ صفحة وفتح صفحة جديدة».

وأضاف: «رغم استمرار التحديات الكبيرة، فإنّ انتهاء فترة عمل بعثة الأمم المتحدة الانتقالية في الصومال يأتي بعد أن أحرزت البلاد تقدّماً ملحوظاً مقارنة بالسنوات الأولى للجهود الدولية الرامية إلى دعم تعافيها»، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ونُقلت مهام البعثة إما إلى مؤسسات صومالية وإما إلى فريق الأمم المتحدة في الصومال.

ويأتي هذا التطور في ظل استمرار سيطرة حركة «الشباب» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، على مساحات شاسعة من وسط الصومال، رغم الحملة العسكرية الدولية الواسعة ضدها.


وزير الخارجية المصري: نخشى أن يكون أي تصعيد في حرب أميركا وإيران أكثر تدميراً

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا بقبرص يوم 5 سبتمبر 2025 (أرشيفية - رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا بقبرص يوم 5 سبتمبر 2025 (أرشيفية - رويترز)
TT

وزير الخارجية المصري: نخشى أن يكون أي تصعيد في حرب أميركا وإيران أكثر تدميراً

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا بقبرص يوم 5 سبتمبر 2025 (أرشيفية - رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا بقبرص يوم 5 سبتمبر 2025 (أرشيفية - رويترز)

قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اليوم (السبت) إنه «قلق للغاية» من أن يؤدي أي تصعيد جديد في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران إلى مزيد من الدمار وأن تكون له تداعيات خطيرة.

جاء ذلك خلال كلمته في قمة الحوار الأمني التي ينظمها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في المنامة بالبحرين. وقال: «ستكون الجولة القادمة أكثر خطورة وأكثر تدميراً، ولن تؤدي إلى أي نتيجة. علينا استخلاص الدروس من الماضي»، وفق ما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

ولم ينجح اتفاق مؤقت جرى التوصل إليه في يونيو (حزيران) في تحقيق وقف دائم لإطلاق النار في الحرب مع إيران أو إعادة حركة الشحن إلى طبيعتها عبر مضيق هرمز. ومنذ ذلك الحين اقترحت إيران أن ترفع واشنطن حصارها على الموانئ الإيرانية مقابل أن تعيد طهران فتح الممر المائي المتعطل خلال سبعة أيام.

وعاد الوسطاء القطريون إلى طهران أمس الجمعة في محاولة متجددة للتوصل إلى اتفاق، لكن الجانبين لا يزالان مختلفين بشأن ما إذا كان ينبغي أن تأتي المفاوضات النووية أولا أم تخفيف الحصار والعقوبات النفطية.