حرب السودان الكارثية... مشكلة كبرى أمام العالم الصامت

يمكن أن يُقتل الملايين وتنتشر الفوضى في أفريقيا والشرق الأوسط

صورة أرشيفية تُظهر دخاناً يتصاعد فوق الخرطوم مع اشتباك الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» (رويترز)
صورة أرشيفية تُظهر دخاناً يتصاعد فوق الخرطوم مع اشتباك الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» (رويترز)
TT

حرب السودان الكارثية... مشكلة كبرى أمام العالم الصامت

صورة أرشيفية تُظهر دخاناً يتصاعد فوق الخرطوم مع اشتباك الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» (رويترز)
صورة أرشيفية تُظهر دخاناً يتصاعد فوق الخرطوم مع اشتباك الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» (رويترز)

يلقى النزاع في السودان جزءاً ضئيلاً من الاهتمام الذي حظيت به الحرب في غزة وأوكرانيا. ومع ذلك، فهو يهدد بأن يكون أكثر فتكاً من أي صراع آخر. فثالث أكبر البلدان في أفريقيا مشتعل.

لقد دُمرت عاصمته، ولقي ربما 150 ألف شخص حتفهم، وتتراكم الجثث في مقابر مؤقتة يمكن رؤيتها من الفضاء. وأُجبر أكثر من 10 ملايين شخص، أي خُمس السكان، على الفرار من منازلهم. وتلوح في الأفق مجاعة يمكن أن تكون أكثر فتكاً من المجاعة التي شهدتها إثيوبيا في الثمانينات. يُقدر البعض أن 2.5 مليون مدني قد يموتون بحلول نهاية العام.

هذه المقدمة جاءت في تقرير أعدته أسبوعية «إيكونوميست» البريطانية، من داخل السودان، تشير إلى أنها أسوأ أزمة إنسانية في العالم، وقنبلة جيوسياسية موقوتة.

فحجم السودان وموقعه يجعلانه مُحركاً للفوضى خارج حدوده. كما أن الدول التي تتدخل في هذا الصراع، وتدعم المتحاربين في الشرق الأوسط وروسيا بمنأى عن العقاب. والغرب غير عابئ؛ والأمم المتحدة مشلولة. من شأن أعمال العنف هناك أن تهدد استقرار البلدان المجاورة وتُحفز تدفقات اللاجئين إلى أوروبا.

قناة السويس في خطر

ويشير التقرير إلى أن السودان يمتلك نحو 800 كيلومتر من السواحل على البحر الأحمر، لذا فإن انهياره يهدد قناة السويس، الشريان الرئيسي للتجارة العالمية. وتقول «إيكونوميست» إن الخصمين الرئيسيين هما الجيش التقليدي (القوات المسلحة السودانية)، وميليشيا قوات الدعم السريع، لا يتمتع أي منهما بهدف آيديولوجي أو هوية عرقية متجانسة. يقود كليهما أمراء حرب عديمو الرحمة يتنافسون على السيطرة على الدولة وغنائمها.

معروف أن السودان عانى من الحرب الأهلية، بصورة متقطعة، منذ استقلاله عام 1956. انتهى أحد الصراعات الدموية بانفصال جنوب السودان عام 2011. وقبل عشرين عاماً، جذبت جولة القتال والإبادة الجماعية في دارفور انتباه العالم.

عنصر من الجيش السوداني يمرّ بين منازل متضررة جراء الحرب في مدينة أم درمان (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، حتى وفقاً لتلك المعايير المروعة، فإن الصراع الحالي صادم للغاية. فالخرطوم، المدينة التي كانت مزدهرة ذات يوم، باتت في حالة خراب. ويواصل كلا الجانبين قصف المدنيين، وتجنيد الأطفال، ويتسببان في المجاعة. وتُتهم قوات الدعم السريع بشكل موثوق بالاغتصاب الجماعي وبالإبادة الجماعية.

الأسوأ القادم

ويشير تقرير «إيكونوميست»، إلى أن المجازر سوف تزداد سوءاً. يُظهر تحليل لبيانات الأقمار الاصطناعية والصور الحرارية بلداً مغطى بالنيران والحرائق. إذ حُرقت المزارع والمحاصيل. ويُجبر الناس على أكل العشب والأوراق. إذا استمر الغذاء في التناقص، ربما يموت من 6 إلى 10 ملايين شخص من الجوع بحلول عام 2027، وفقاً لمؤسسة بحثية هولندية تعمل على صياغة أنموذجاً للأزمة.

كانت لدى أفريقيا حرب أخرى من درجة الرعب والفظاعة نفسها خلال السنوات الـ25 الماضية، في الكونغو. ما يجعل السودان مختلفاً هو مدى انتشار الفوضى خارج أراضيه. فالسودان يتمتع بحدود مسامية مع سبعة بلدان هشة، تمثل 21 في المائة من مساحة اليابسة في أفريقيا، وتُعد موطناً لنحو 280 مليون شخص، بما في ذلك تشاد، ومصر، وإثيوبيا، وليبيا. تواجه هذه البلدان تدفقات اللاجئين، والأسلحة، والمرتزقة المزعزعة للاستقرار.

أوروبا في مرمى اللاجئين الجدد

حرب السودان باتت معضلة تهدد الأطفال والكبار مع استمرار غياب الحلول (رويترز)

خارج أفريقيا، يتوقع التقرير صدمة جديدة للاجئين في أوروبا، تتبع تلك التي أعقبت الحروب في سوريا وليبيا، في وقت صارت فيه الهجرة قضية مثيرة للجدل في فرنسا وألمانيا، وغيرهما من البلدان. ويبلغ عدد الأشخاص في مخيمات «كاليه»، على الجانب الجنوبي من القنال الإنجليزي، نحو 60 في المائة من السودانيين بالفعل.

يمكن أن يصبح السودان ملاذاً للإرهابيين، أو يوفر موطئ قدم لأنظمة أخرى حريصة على زرع الفوضى والاضطرابات: تطالب روسيا وإيران بقواعد بحرية في البحر الأحمر مقابل تسليح القوات المسلحة السودانية. إذا سقط السودان في دوامة من الفوضى الدائمة أو تحول إلى دولة مارقة معادية للغرب، فقد يزيد ذلك من المخاطر على تشغيل قناة السويس، التي تحمل عادة سُبع التجارة العالمية، لا سيما بين أوروبا وآسيا. إنها (قناة السويس) تواجه بالفعل اضطرابات من هجمات الحوثيين في اليمن، مما يُجبر سفن الشحن على اتخاذ طرق التفافية طويلة ومكلفة حول أفريقيا.

صمت غربي

تقول «إيكونوميست»: «رغم المخاطر الهائلة، استجاب العالم لحرب السودان بالإهمال والقدرية، مما يُظهر كيف أصبحت الفوضى أمراً طبيعياً. في حين سعى الغرب إلى إنهاء أزمة دارفور في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، يتجاهل المسؤولون الأميركيون الأمر اليوم بحجة انشغالهم للغاية بالتعامل مع الصين، وغزة، وأوكرانيا. الرأي العام الغربي ساكن للغاية: لم تكن هناك العديد من الأعلام السودانية التي ترفرف في مخيمات الجامعات الأميركية العريقة هذا العام. ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة منقسم على ذاته، وتعمل بيروقراطيته بتثاقل عجيب. ولدى الصين اهتمام ضئيل بحل الحروب البعيدة. كما فقدت بلدان أفريقية أخرى شهيتها للتنديد بالفظائع. ولم تُسفر محادثات وقف إطلاق النار الفاترة في جنيف عن أي نتيجة».

ويخلص التقرير إلى أن تجاهل العالم الخارجي للسودان، لأسباب أخلاقية ومصالح ذاتية، خطأ جسيم. ومن الخطأ تخيل أنه لا يمكن فعل أي شيء. يمكن للسخط العام أن يفرض الضغوط على الحكومات الديمقراطية التي تهتم بحياة الإنسان لبذل المزيد من الجهود. ولدى العديد من البلدان حافز لخفض التصعيد واحتواء القتال. كما ترغب أوروبا بشدة في الحد من تدفقات المهاجرين؛ وتحتاج آسيا إلى استقرار البحر الأحمر.

ويضيف: «المقاربة الأكثر إيجابية لا بد أن تقوم على أولويتين. تتمثل إحداهما في الحصول على المزيد من المساعدات بسرعة، لتقليل عدد الوفيات بسبب الجوع والمرض. يجب أن تتدفق الشاحنات المحملة بالطعام عبر كل الحدود الممكنة. ويجب أن يتدفق التمويل العام والخاص إلى المنظمات غير الحكومية السودانية التي تدير العيادات والمطابخ المؤقتة. يمكن إرسال الأموال إلى الجياع مباشرة، عبر الأموال المتنقلة، حتى يتمكنوا من شراء الطعام، حيث توجد أسواق عاملة».

الحد من الأضرار

والأولوية الأخرى حسب «إيكونوميست» هي الضغط على الجهات الفاعلة الخارجية الساخرة التي تؤجج الصراع. إذا كان لدى أمراء الحرب في السودان عدد أقل من الأسلحة والأموال لشرائها، فسوف يكون هناك قتل أقل، والمجاعة الناجمة عن الحرب ستكون أقل. يجب على أميركا وأوروبا والقوى المسؤولة الأخرى فرض عقوبات على أي شركة أو مسؤول رسمي يستغل أو يُمكّن حرب السودان، بما في ذلك من الحلفاء.

لا يمكن لأحد بسهولة إعادة السودان إلى سابق عهده مجدداً. بعد أكثر من 500 يوم من القتال المستعر بلا رحمة، سوف يستغرق إصلاح الأضرار عقوداً ممتدة. ولكن من الممكن إنقاذ ملايين الأرواح، والحد من احتمال حدوث ارتدادات جيوسياسية كارثية، إذا تحرك العالم الآن. لفترة طويلة للغاية كان السودان مسرح الحرب التي تجاهلها الجميع تقريباً. لقد حان الوقت للانتباه الآن.


مقالات ذات صلة

عقوبات أميركية جديدة متعلقة بالسودان

شمال افريقيا وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

عقوبات أميركية جديدة متعلقة بالسودان

أظهر منشور على موقع وزارة الخزانة الأميركية، اليوم الجمعة، أن الولايات المتحدة أصدرت عقوبات جديدة مرتبطة بالسودان، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

تصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة في السودان، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي مع دخول الحرب عامها الرابع.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا أسر وعائلات في بلدة طويلة بولاية شمال دارفور فرّت من العنف في الفاشر (الهلال الأحمر)

«الصليب الأحمر»: 11 ألف مفقود خلال 3 سنوات من الحرب في السودان

عدد الأشخاص المفقودين في السودان الذين سُجّلوا حتى الآن بلغ 11 ألفاً، بزيادة قدرها 40 في المائة خلال عام 2025 وحده.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، الأربعاء، إن حكومته غير معنية بمخرجات «مؤتمر برلين» الدولي بشأن الوضع الإنساني في السودان.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا عدد من الصحافيين القتلى خلال العام الأول من الحرب بالسودان (نقابة الصحافيين)

حرب السودان تدخل عامها الرابع... والإعلام يدفع الثمن

مع دخول الحرب بالسودان عامها الرابع، لقي 35 صحافياً مصرعهم، وتعرض 500 صحافي ومؤسسة إعلامية لانتهاكات، بحسب نقابة الصحافيين السودانيين.

أحمد يونس (كمبالا)

عقوبات أميركية جديدة متعلقة بالسودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

عقوبات أميركية جديدة متعلقة بالسودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

أظهر منشور على موقع وزارة الخزانة الأميركية، اليوم الجمعة، أن الولايات المتحدة أصدرت عقوبات جديدة مرتبطة بالسودان، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ووفق الأمم المتحدة، يواجه السودان أكبر أزمة إنسانية في العالم مع دخول الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» عامها الرابع.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.