خرائط «فيلادلفيا» الجديدة «تعقّد» مفاوضات غزة

واشنطن تؤكد ضرورة انتهاء الحرب وعودة المحتجزين

فلسطينيون يسيرون بالقرب من منازل مدمرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
فلسطينيون يسيرون بالقرب من منازل مدمرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
TT

خرائط «فيلادلفيا» الجديدة «تعقّد» مفاوضات غزة

فلسطينيون يسيرون بالقرب من منازل مدمرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
فلسطينيون يسيرون بالقرب من منازل مدمرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)

عدّ محللون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن قرار الكابينت الإسرائيلي بالمصادقة على «خرائط» تحدد أماكن انتشار الجيش الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا» الحدودي بين قطاع غزة ومصر «عُقدة» جديدة من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، تعكس تمسكه بالبقاء في ذلك المحور، ومن ثم عرقلة المفاوضات، في ظل الرفض المصري، وشروط «حماس» بالانسحاب الكامل من القطاع.

ووفق صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، فإن المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية في إسرائيل، أقرّ، الخميس، الخطط والخرائط حول «محور فيلادلفيا»، بما يشمل تموضع القوات الإسرائيلية ونشاطها هناك، «في إطار أي صفقة محتملة»، لافتة إلى أنه «تم تسليم هذه الأفكار لواشنطن».

وتمت الموافقة على هذه الخرائط بعد موافقة أغلبية من 8 وزراء، وصوّت ضدها وزير الدفاع يوآف غالانت فقط، فيما أشار نتنياهو إلى أنه من خلال السيطرة على فيلادلفيا «ستمنع إسرائيل وقوع أي هجوم آخر من هذا النوع، لأن (حماس) لن تتمكن من إعادة تسليح نفسها».

والسبت الماضي، أعلن 3 مسؤولين إسرائيليين أن الرئيس الأميركي جو بايدن طلب من نتنياهو خلال مكالمتهما الهاتفية في 21 أغسطس (آب) الحالي، الموافقة على سحب القوات الإسرائيلية من جزء من الحدود بين مصر وغزة خلال المرحلة الأولى من صفقة إطلاق سراح الرهائن ووقف إطلاق النار، حتى تتمكن المفاوضات بشأن الصفقة من المضي قدماً، وفقاً لموقع «أكسيوس».

فيما أشارت صحيفة «يسرائيل هيوم»، الخميس، إلى أن المفاوضات الحالية في القاهرة وقطر تتناول «كل قضايا الصفقة، ما عدا محوري نتساريم (وسط غزة) وفيلادلفيا، اللذين يعدّان عقدة الأداء، لأن نتنياهو يتمسك بموقفه في البقاء الإسرائيلي فيهما»، أما القضايا الأخرى فإن «هناك تقدماً بها، مثل عدد وأسماء المخطوفين الإسرائيليين وعدد وأسماء الأسرى الفلسطينيين، الذين سيجري تبادلهم».

محور فيلادلفيا (تايمز أوف إسرائيل)

كما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤول أميركي، لم تسمّه، قوله، الخميس، إن «الوفد الأميركي يستعد لعقد جلسة مفاوضات قمة أخرى الأسبوع المقبل، يطرح فيها صيغة نهائية تشمل اقتراحات عينية لجسر الهوة بين الطرفين في كل القضايا»، لافتاً إلى أن هذا المقترح سيكون على طريقة «خذه أو اتركه»، لكي يضع الطرفين في موقف جاد.

الخبير الاستراتيجي، اللواء سمير فرج، يرى أن خرائط «فيلادلفيا» الجديدة هدفها تعطيل التوصل لاتفاق هدنة وإضافة عُقد جديدة للمفاوضات. ودلّل على ذلك بأن تلك الخرائط لم تلقَ قبولاً من قبل وزير الدفاع الإسرائيلي المسؤول عن الشق الأمني والعسكري، بينما ارتضاها نتنياهو الطامح لتعطيل السلام واستمرار الحرب.

وبخلاف الرفض المصري للبقاء الإسرائيلي في ذلك المحور لمخالفته معاهدة السلام، يرى فرج أن «حماس» أيضاً لن تقبل ذلك الوجود، باعتبار أنها «تريد انسحاباً إسرائيلياً كاملاً من القطاع».

ووصف البرلمان المصري، مصطفى بكري، في تغريدة على «إكس»، قرار مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر برفض الانسحاب من «محور فيلادلفيا» بأنه «انتهاك للملحق الأمني لاتفاقية السلام المصرية - الإسرائيلية»، مشيراً إلى أن «مصر سبق أن أعلنت رفضها لأي وجود لقوات الاحتلال، وحذّرت من خطورة استمرار إسرائيل في السيطرة واحتلال المحور».

بكري أكد أن القرار «يمثل تحدياً جديداً، ويحول دون الوصول لاتفاق وقف العدوان على غزة»، لافتاً إلى أن إسرائيل «تقدم تبريرات كاذبة، ومصر سبق أن أغلقت الأنفاق كافة، وهي تحترم تعهداتها، وما يحدث هو تجاوز وتحدٍّ وانتهاك لاتفاقيات سابقة».

ردّ فعل فتاة فلسطينية على مقتل أحد أقاربها في غارة إسرائيلية على دير البلح (رويترز)

ويتفق المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، مع هذا الطرح، مؤكداً أن نتنياهو يريد إحباط المفاوضات بتلك الخرائط التي رفضها وزير دفاع إسرائيل، موضحاً أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يدرك أن بقاءه بذلك المحور محل رفض من مصر و«حماس»، لذلك يتجاهل ذلك بهدف التعطيل ليس إلا.

ويرى أن المفاوضات إذا استمرت على وضع العقدة تلو العقدة ستصل إلى «طريق مسدودة»، لا يتوقع خلاله التوصل لاتفاق قريب، وهذا مراد نتنياهو، الذي يراهن على وصول دونالد ترمب للبيت الأبيض لمزيد من الدعم في مخططاته بالمنطقة.

يأتي ذلك وسط مخاوف غربية من التصعيد في المنطقة، إذ أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، في باريس، «الحاجة إلى خفض التصعيد في الشرق الأوسط». وجدّدا دعوتهما لوقف فوري لإطلاق النار، وفق إفادة للإليزيه، الخميس.

كما عدّت نائبة الرئيس والمرشحة الديمقراطية بالانتخابات الرئاسية الأميركية، كامالا هاريس، الخميس، أن إبرام اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة وإطلاق سراح المحتجزين أمر ضروري.

ورغم التعثر في مفاوضات وقف إطلاق النار، قال ممثل منظمة الصحة العالمية في الضفة الغربية وغزة، ريك بيبركورن، الخميس، إن الجيش الإسرائيلي و«حماس» وافقا على 3 هُدَن منفصلة مؤقتة للقتال في أماكن محددة تستمر 3 أيام في قطاع غزة، للسماح بتطعيم نحو 640 ألف طفل ضد شلل الأطفال.

ويرى أيمن الرقب أن ورقة «حماس» في تلك الحرب هي الأسرى، وستعمل على ألا تفقدها بسهولة، خصوصاً أن إسرائيل تريد تكرار شنّ الحرب مرة أخرى حتى لو تم الاتفاق على تنفيذ أول مرحلة من المراحل الثلاثة من مقترح الرئيس الأميركي الذي طرحه نهاية مايو (أيار) الماضي. ولفت إلى أن «الذهاب لهدن إنسانية يبدو أقرب وأسهل من وقف إطلاق النار، الذي قد يتعثر بسبب عدم وجود ضغوط أميركية أو دولية حقيقية على إسرائيل».

وداعياً لأهمية إبرام اتفاق هدنة بأقرب وقت، يرى سمير فرج، أن أي تصعيد بالمنطقة لن يكون في صالح أحد، وأن السلام والذهاب لهدنة «عقب تنازلات إسرائيلية هو الخيار الأفضل للجميع».

و«محور فيلادلفيا» هو شريط حدودي أنشأه الجيش الإسرائيلي خلال احتلاله قطاع غزة بين عامي 1967 و2005، يبلغ عرضه في بعض الأجزاء 100 متر، ويمتد لمسافة 14 كيلومتراً على طول الحدود المصرية مع قطاع غزة. ويعدّ منطقة عازلة بموجب «اتفاقية كامب ديفيد» الموقّعة بين القاهرة وتل أبيب عام 1979.


مقالات ذات صلة

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

المشرق العربي أقارب المراهق الفلسطيني أوس حمدي النعسان يشاركون في جنازته شرق مدينة رام الله في الضفة الغربية (إ.ب.أ) p-circle

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية، اليوم (الأربعاء)، وهو الضحية الثالثة في غضون يومين.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
المشرق العربي 
والدة الفلسطيني جهاد أبو نعيم تبكي بعد مقتله بنيران مستوطنين إسرائيليين في قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية أمس (أ.ف.ب)

المستوطنون يباغتون رام الله بـ«مجزرة»

باغت مستوطنون إسرائيليون قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية، أمس (الثلاثاء)، بهجوم مسلح أسفر عن مقتل فلسطينيين اثنين، أحدهما طالب في مدرسة.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي امرأة فلسطينية تمر بجوار جنود إسرائيليين يقومون بدورية في سوق البلدة القديمة بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

تقرير: جنود إسرائيليون يستخدمون الاعتداء الجنسي لدفع الفلسطينيين إلى النزوح

قال خبراء في حقوق الإنسان والقانون إن الجنود والمستوطنين الإسرائيليين يستخدمون الاعتداء والتحرش الجنسي لإجبار الفلسطينيين على ترك منازلهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون حول حطام سيارة الشرطة التي دُمرت في الغارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة للشرطة في غزة

أفاد الدفاع المدني ومصادر طبية في غزة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا، اليوم الثلاثاء، بنيران الجيش الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يمشطون أحد شوارع بلدة كفر عقب في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، السبت، مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في قرية شرق مدينة رام الله، في ظل تصاعد العنف في الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

ردود فعل متباينة على دعوة رئيس الوزراء السوداني لحوار شامل

جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة السودانية الخرطوم جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)
جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة السودانية الخرطوم جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)
TT

ردود فعل متباينة على دعوة رئيس الوزراء السوداني لحوار شامل

جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة السودانية الخرطوم جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)
جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة السودانية الخرطوم جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، وفي موازاة الزخم الإيجابي عقب مؤتمر برلين الدولي بشأن السودان، وسط تفاؤل متزايد بعودة محتملة لمسار التفاوض بين الجيش و«قوات الدعم السريع» بخصوص وقف الحرب، أطلق رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، دعوة لحوار وطني شامل بحلول نهاية مايو (أيار) المقبل، من دون «أجندة محددة» وآليات مشتركة للحوار والتشاور.

وسارع تحالف «الكتلة الديمقراطية» الداعم للجيش السوداني إلى الترحيب بالدعوة، فيما عدّتها القوى المناهضة للحرب خطوة تجافي الواقع المأساوي الذي يعيشه السودانيون من قتل وتشريد تحت وطأة استمرار الحرب في البلاد.

وأبدى رئيس «الكتلة الديمقراطية»، نائب رئيس «الحزب الاتحادي الديمقراطي» (الأصل)، جعفر الميرغني، ترحيبه الكامل بالدعوة، مؤكداً أن الحوار الوطني يجب أن يُفضي إلى انتخابات حرة ونزيهة تحت رقابة دولية وإقليمية ومحلية.

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم (أرشيفية - إعلام مجلس الوزراء)

وشدد الميرغني، في بيان صحافي، على أهمية أن تكون العملية السياسية شاملة من دون إقصاء لأي جهة، مضيفاً: «ما نريده حوار سوداني - سوداني يشارك فيه الجميع». لكنه عاد وطرح الكثير من التساؤلات بشأن الجهات المدعوة ومكان عقد الحوار والضمانات المتوفرة للمشاركة كل القوى السياسية.

ويضم تحالف «الكتلة الديمقراطية» كيانات سياسية، أهمها «الحزب الاتحادي الديمقراطي» (الأصل)، بقيادة جناح جعفر الميرغني، وحركات دارفورية مسلحة، أبرزها «حركة تحرير السودان» بقيادة مني أركو مناوي، و«حركة العدل والمساواة» بزعامة جبريل إبراهيم، بجانب قوى مدنية وسياسية أخرى.

وكان رئيس الوزراء السوداني قد تعهد باتخاذ كافة الإجراءات الكفيلة بتهيئة المناخ لعودة المعارضين من الخارج للمشاركة في الحوار.

أما المتحدث باسم التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، بكري الجاك، فرأى أن السلطة القائمة الآن في البلاد لا تملك من أمرها شيئاً، وتتحدث وكأن الحرب، التي تسببت في نزوح ولجوء ملايين السودانيين في الداخل والخارج، تدور في بلد آخر غير السودان، مضيفاً أن المسيرات لا تزال تقتل يومياً عشرات المدنيين، «لا يوجد مكان آمن» في غياب وقف إطلاق النار واستمرار الحرب في البلاد. واسترسل الجاك قائلاً: «من غير المعقول الحديث عن حوار في هذه المأساة».

وسبق أن قدّم إدريس أمام مجلس الأمن الدولي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، مبادرة للسلام ووقف الحرب في البلاد، لا تختلف عن تلك التي كان قد دفع بها رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، إلى الأمم المتحدة في العام نفسه، ولم تجدا تجاوباً وسط القوى السياسية والمدنية، ولا من الوسطاء الإقليميين والدوليين المنخرطين في جهود وقف الحرب في السودان.

سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع في 15 أبريل 2026 (أ.ب)

وتتمسك القوى المناهضة للحرب بخريطة الطريق التي كانت قد رسمتها الرباعية الدولية، التي تضم (الولايات المتحدة، والسعودية، والإمارات، ومصر)، على إنهاء الصراع في السودان عبر الحل السلمي المتفاوض عليه، يبدأ بهدنة إنسانية لمدة 3 أشهر، تنتهي بتشكيل حكومة مدنية لا تخضع لسيطرة أي طرف مسلح.

بدوره، قال رئيس حزب «المؤتمر» السوداني، عمر الدقير، في تدوينة على «فيسبوك»، إن دعوة رئيس الوزراء المُعيَّن، كامل إدريس، تكشف عن تناقض صارخ وانفصال عن واقع البلاد. وأضاف أن الحديث عن حوار ينطلق خلال أسابيع بينما الحرب مستعرة وملايين السودانيين بين نازح ولاجئ «غير واقعي»، ويقفز بتعجل على شروط الحد الأدنى لأي عملية ديمقراطية.

وذكر الدقير أن المطلوب الآن استعادة الشرعية، التي أجهضها انقلاب الجيش في 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، بالتوافق على دستور انتقالي جديد، وتكليف سلطة مدنية تُباشر تنفيذ مخرجات عملية سياسية شاملة، تُنهي فترتها بتنظيم انتخابات عامة في كل البلاد.

ورأى الدقير أن المدخل لحل الأزمة يبدأ بالاتفاق على هدنة توقف إطلاق النار، ومعالجة الكارثة الإنسانية، ومن ثم البدء بعملية سياسية تقود للتعافي الوطني والتوافق على إعادة بناء الدولة على أسس جديدة.

وكان رئيس «مجلس السيادة»، قائد الجيش السوداني، دعا مراراً قادة القوى المعارضة في الخارج وأي شخص لم يُسئ أو يحرض ضد الدولة للعودة إلى البلاد.


مأزق «البديل الوطني» في ليبيا يلاحق رافضي «الحلول الخارجية»

المنفي يستقبل بولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك في سبتمبر الماضي (المجلس الرئاسي)
المنفي يستقبل بولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك في سبتمبر الماضي (المجلس الرئاسي)
TT

مأزق «البديل الوطني» في ليبيا يلاحق رافضي «الحلول الخارجية»

المنفي يستقبل بولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك في سبتمبر الماضي (المجلس الرئاسي)
المنفي يستقبل بولس بمقر البعثة الليبية في نيويورك في سبتمبر الماضي (المجلس الرئاسي)

في ظل تزايد التحركات الدولية لإعادة رسم مسار التسوية السياسية في ليبيا، تتباين المواقف الداخلية بين من يرى فيها فرصة لكسر الجمود الممتد منذ سنوات، ومَنْ يحذر من تكريس واقع تقاسم السلطة خارج الأطر الوطنية. وبين هذا وذاك، يجد رافضو الحلول الخارجية أنفسهم أمام مأزق عدم قدرتهم على بلورة «بديل وطني». ويأتي هذا التباين في وقت لم يسهم فيه مسار البعثة الأممية في كسر الجمود منذ إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011، وحتى يومنا هذا.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة المؤقتة (الوحدة)

سارع المجلس الأعلى للدولة إلى رفض «المبادرة» المنسوبة إلى مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي، التي تقضي بتولي صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» رئاسة مجلس رئاسي جديد، بدلاً من محمد المنفي، مع الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً لـ«الحكومة الموحدة».

وحمّل سعد بن شرادة، عضو المجلس الأعلى للدلولة، مجلسي النواب و«الدولة» المسؤولية حيال تأزم المشهد السياسي، وقال: «إنهما لم ينجزا ما طُلب منهما في المرحلة الأولى من (خريطة الطريق)، التي أُعلنت قبل ستة أشهر من قبل المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه، وتتعلق بتعديل القوانين الانتخابية واستكمال تشكيل المفوضية الوطنية للانتخابات».

وأبدى بن شرادة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» قناعته بأن التحركات الراهنة، سواء من البعثة أو من واشنطن، تسعى «إلى تقليص دور المجلسين لصالح توافق مباشر بين القوى الفاعلة».

ورغم تجديد تحفظاته على «المبادرات الخارجية»، أقر بن شرادة «بأن المواطن الليبي يعاني من تداعيات الانقسام ويرغب في إنهائه، بالنظر إلى تفشي الفساد وهشاشة الوضع الأمني، وتراجع الأوضاع الاقتصادية»، محذراً من أن ترسيخ «تقاسم المال والسلطة بين القوى الفاعلة يجعل مغادرتهم للمشهد شبه مستحيلة، ويهمش القوى المدنية».

مسعد بولس (أ.ف.ب)

أما وزير الدولة للشؤون الاقتصادية السابق، سلامة الغويل، فقال إنه «لا يعارض تحركات واشنطن لمجرد المعارضة»، مثمناً جهودها على الصعيدين المالي والعسكري. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن اتفاق «الإنفاق الموحد» الذي جاء برعاية بولس، سيحدّ من الإنفاق العشوائي الذي كانت تمارسه الحكومتان المتنازعتان على السلطة من عوائد النفط، المصدر الرئيس للدخل الوطني، وكان سيقود البلاد نحو الإفلاس، ويعمق معاناة المواطنين.

ولفت الغويل إلى أن تمرين «فلينتلوك 2026» الذي أقامته «أفريكوم» في سرت الليبية مؤخراً، وجمع قوات من شرق ليبيا وغربها، يُعد «خطوة نحو تخفيف التوتر وتجنب تجدد الصراع»، معترضاً على ما يتداول «من مفاوضات تجري في الكواليس برعاية واشنطن لتشكيل سلطة تنفيذية جديدة، عبر تقريب القوى الفاعلة في طرابلس وبنغازي ودمج الحكومتين».

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً يتمثل في وجود حكومتين متنافستين؛ الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة الدبيبة في طرابلس، والثانية مكلّفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، تدير المنطقة الشرقية، وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.

ورغم إقراره بثقل نفوذ القوى الفاعلة، رفض الغويل أن «تنفرد بمفاوضات تقرر مصير البلاد، بمعزل عن المؤسسات الشرعية وسائر القوى والأصوات السياسية»، مؤكداً أن الحل الحقيقي «يكمن في الالتزام بالقوانين الانتخابية، التي أقرها البرلمان قبل عامين ونصف عام، وإطلاق حوار وطني يحسم الخلافات حولها».

صدام حفتر (أ.ف.ب)

بدوره، أقر عضو مجلس النواب الليبي، عصام الجيهاني، بأن واشنطن «حققت خطوات ملموسة مقارنة بالبعثة الأممية، التي لا تزال خريطتها بلا نتائج»، واعتبر أن الرافضين للمبادرات الخارجية «باتوا في مأزق فعلي، ليس لعجزهم عن إنتاج حلول، بل لعجزهم عن المضي قدماً في ظل تعقيدات المشهد، وتعنت مواقف القوى الليبية».

وقال الجيهاني لـ«الشرق الأوسط» إن واشنطن «تدفع نحو دمج الحكومتين في جسم موحد بدلاً من تشكيل حكومة جديدة، قد تثير جدلاً حول أسماء أعضائها».

في المقابل، توقع المحلل السياسي الليبي، محمد محفوظ، أن «تتعثر واشنطن بدرجة ما في مسار تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن المبادرة المنسوبة لبولس «تقوم على تقاسم السلطة دون إطار زمني أو ضمانات للانتخابات، والأسماء التي تم التعويل عليها في صفوف تلك القوى الفاعلة، رغم ثقلها، لا تستطيع الانفراد بالقرار في مناطق نفوذها في شرق وغرب البلاد».

ولفت محفوظ إلى «تصاعد الأصوات الرافضة للمبادرة المنسوبة لبولس، خشية خسارة النفوذ والمصالح أيضاً»، وانتهى إلى أن «أغلب الأطراف لا ترغب في الدفع نحو حلول حقيقية، بل تلوّح بأوراق ضغطها لضمان حضورها في المشهد المقبل».

أما المحلل السياسي الليبي، صلاح البكوش، فتوسط الآراء السابقة، متوقعاً أن تتفاعل البعثة الأممية «إيجاباً مع مقترح بولس، وتوفر لها غطاءً سياسياً؛ نظراً لقدرته على الضغط على أطراف الأزمة مقارنة بها».

ورفض البكوش «بشدة مقولة إن الليبيين باتوا يقبلون بأي حل لإنهاء الانقسام»، واستند إلى أن «مجرد تسريب تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي أفضى إلى رفض واسع من أطراف ذات ثقل في المنطقة الغربية». ولفت إلى أن مبادرة بولس «تستهدف توحيد بعض المؤسسات أولاً، ثم تشكيل حكومة مشتركة، للانتقال بعدها نحو الانتخابات».


«قضية داود» تضع العلاقات الفرنسية - الجزائرية في اختبار دبلوماسي جديد

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
TT

«قضية داود» تضع العلاقات الفرنسية - الجزائرية في اختبار دبلوماسي جديد

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

أعرب وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، عن «أسفه» لإدانة الروائي الجزائري الفرنسي كمال داود بالسجن من طرف محكمة مدينة وهران غرب الجزائر، بسبب قضية مرتبطة بروايته الشهيرة «حوريات»، الحائزة على جائزة «غونكور» لعام 2024.

الروائي الجزائري الفرنسي كمال داود (أ.ف.ب)

تقف الحكومة الفرنسية إلى جانب الروائي؛ حيث تلقى داود دعم وزيري الخارجية والثقافة الفرنسيين غداة صدور الحكم ضده. وصرح جان نويل بارو، اليوم الخميس، لإذاعة «فرانس أنفو»، بأنه يأسف لأن «كاتباً عظيماً يمكن أن يُدان في أي مكان كان، بسبب تأليفه كتاباً».

وفي رده على سؤال حول الحماية الملموسة التي يمكن تقديمها له، ذكّر وزير الخارجية بأن داود «مقيم في فرنسا»، مؤكداً أنه «لا يوجد سبب يدعو للقلق عليه».

من جهتها، شددت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاثرين بيغارد، في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، على «تمسكها الذي لا يتزعزع بحرية الإبداع، التي غالباً ما تُختبر في مناطق التوتر التي تكشف عنها». كما أكدت على «ضرورة الدفاع عن الفنانين في كرامتهم وأمنهم، باعتبار أن الأدب يظل مساحة حية للإبداع».

وزيرة الثقافة الفرنسية (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وأعلن داود بنفسه عن الحكم الصادر بحقه، الأربعاء، في رسالة نشرها على منصة «إكس»، موضحاً أن المحكمة شرعنت منعه من العودة إلى الجزائر. علماً بأن الروائي يقيم حالياً في فرنسا بعد أن غادر الجزائر، التي عمل فيها صحافياً لفترة طويلة.

يأتي هذا القرار القضائي في وقت شهدت فيه العلاقات الفرنسية - الجزائرية تحسناً طفيفاً مؤخراً، بعد فترة من التوترات الحادة، المرتبطة بسجن الكاتب الفرنسي - الجزائري بوعلام صنصال لمدة عام.

وكان صنصال قد نال عفواً من الرئيس الجزائري في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025. وفي المقابل، لا يزال الصحافي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز محتجزاً في الجزائر، بعد تأييد الحكم عليه استئنافياً أواخر عام 2025 بالسجن سبع سنوات، بتهمة «الإشادة بالإرهاب»، وهي التهمة التي يصفها مؤيدوه بأنها «سياسية».

غلاف رواية حوريات المثيرة للجدل (الشرق الأوسط)

استند القضاء الجزائري في متابعة الروائي الخمسيني إلى مادة في «قانون المصالحة الوطنية»، الصادر في 2006، تحظر أي سرد أو تصريح من شأنه «المساس بصورة الجزائر» أو «إضعاف الدولة»، وهي مخالفة تصل عقوبتها إلى السجن النافذ لمدة تتراوح بين 3 و5 سنوات.

«سرقة أدبية» و«نبش في الجراح»

في تقدير أوساط من ضحايا الإرهاب في الجزائر، فإن الرواية تنبش في «جراح قديمة»، وتستحضر «آلاماً طواها الزمن»، لارتباطها بالمجازر التي ارتكبتها الجماعات المسلحة خلال «العشرية السوداء» (1992 - 2002)؛ وذلك من خلال شخصية «فجر»، التي تروي تفاصيل محاولة ذبحها على يد متشددين أواخر التسعينات غرب البلاد.

وتسلط «حوريات» الضوء على حقبة تُصنف ضمن «المسكوت عنه» في الجزائر، حيث يفرض القانون ما يشبه «النسيان الرسمي» لتلك الأحداث، إذ ترى السلطات في أي نبش علني في ذاكرة تلك المرحلة تهديداً للاستقرار الوطني. كما يمنع القانون ذاته المتهمين السابقين بالإرهاب، الذين وضعوا السلاح بموجب تدابير المصالحة، من ممارسة العمل السياسي.

المرأة التي تتهم الروائي كمال داود باستغلال قصتها في روايته (صحف جزائرية)

غير أن الاتهام الرئيسي في هذه القضية وجهته امرأة أربعينية تدعى سعادة عربان إلى داود وزوجته الطبيبة النفسانية، التي كانت تعالج عندها، مدعية أن الروائي استنسخ قصتها الواقعية في شخصية «فجر» بطلة عمله الأدبي، وأكدت أن الكاتب استغل تفاصيل حياتها الشخصية دون الحصول على موافقتها، موضحة أنها كانت قد أفضت بأسرارها لزوجة داود، بصفتها طبيبتها النفسية، خلال جلسات علاجية امتدت بين عامي 2015 و2023.

وتستند عربان في اتهامها إلى تطابقات لافتة بين واقعها وبين أحداث الرواية، لا سيما في تفاصيل شديدة الخصوصية، مثل «محاولة الإجهاض»، وندبة «إصابة الحنجرة» الناجمة عن اعتداء إرهابي تعرضت له سابقاً، وهي تفاصيل ترى أنها تتجاوز مجرد التوارد الأدبي، لتصل إلى حد الاستغلال المباشر لملفها الطبي.