تصريحات ومواقف إثيوبية «تعمِّق التوتر» مع مصر

أديس أبابا رفضت وجود قوات تُشكل «تهديداً لها» في الصومال

رئيس «أرض الصومال» يستقبل السفير الإثيوبي الجديد تيشومي شوندي هاميتو الذي قدم أوراق اعتماده الخميس (رئاسة أرض الصومال على إكس)
رئيس «أرض الصومال» يستقبل السفير الإثيوبي الجديد تيشومي شوندي هاميتو الذي قدم أوراق اعتماده الخميس (رئاسة أرض الصومال على إكس)
TT

تصريحات ومواقف إثيوبية «تعمِّق التوتر» مع مصر

رئيس «أرض الصومال» يستقبل السفير الإثيوبي الجديد تيشومي شوندي هاميتو الذي قدم أوراق اعتماده الخميس (رئاسة أرض الصومال على إكس)
رئيس «أرض الصومال» يستقبل السفير الإثيوبي الجديد تيشومي شوندي هاميتو الذي قدم أوراق اعتماده الخميس (رئاسة أرض الصومال على إكس)

رغم حديث إثيوبي عن رغبة في «حل الخلافات بشأن سد (النهضة) مع مصر عبر الحوار»؛ فإن انتقادات إثيوبية «غير مباشرة» لإرسال القاهرة قوات إلى مقديشو، وكذلك تعيين سفير لدى «أرض الصومال الانفصالية»، مؤشرات عدّها محللون «تعمِّق التوتر» مع القاهرة التي رفضت الاتفاق بين هرجيسا وأديس أبابا.

وفي خطوة تصعيدية جديدة من إثيوبيا تجاه الصومال، عيّنت أديس أبابا، الخميس، سفيراً لدى «أرض الصومال»، غير المعترف بها دولياً، تلاها بيان من الأخيرة، أعربت خلاله عن «الاعتراض بشدة على الانتشار الأخير للقوات العسكرية المصرية في مقديشو»، وسط حديث وسائل إعلام إثيوبية، بأن «أديس أبابا ستنقل قوات عسكرية إلى حدودها مع الصومال رداً على وصول تعزيزات عسكرية مصرية».

ومن ثم، كان هناك مؤتمر صحافي لوزير الخارجية الإثيوبي، تاي أصقي سيلاسي، الجمعة، حذر خلاله من «تحركات حكومة الصومال مع جهات (لم يسمها) لا تريد الاستقرار للمنطقة». ودعا مقديشو إلى «وقف تحركاتها مع جهات تسعى لاستهداف مصالح إثيوبيا»، مضيفاً: «سنحاول الاستمرار في موقفنا باتخاذ الصبر والسلام إن كانت خيارات الصومال حالياً اتباع سياسة الاستقواء علينا بجهات خارجية؛ لكنْ لذلك حدود».

ووفق سيلاسي، فإن «الموقف الإثيوبي بشأن البعثة الجديدة لقوات حفظ السلام في الصومال؛ ومطالبتها بألا تكون بها قوات تشكل تهديداً لأمننا القومي، هذا ليس خوفاً؛ لكنه تجنُّب لإشعال صراعات أخرى بالمنطقة، ونؤكد أننا أصبحنا قوة كبرى قادرة على حماية مصالحها».

وبينما لم يوضح الوزير الإثيوبي الجهات التي ذكرها؛ إلا أن تصريحاته تأتي بعد يومين من إعلان سفير الصومال لدى مصر، علي عبدي أواري، «بدء وصول المعدات والوفود العسكرية المصرية إلى العاصمة الصومالية مقديشو في إطار مشاركة مصر بقوات حفظ السلام»، موضحاً حينها أن «مصر بذلك ستكون أولى الدول التي تنشر قوات لدعم الجيش الصومالي بعد انسحاب قوات الاتحاد الأفريقي الحالية».

ووسط تلك الانتقادات «غير المباشرة»، غازل الوزير الإثيوبي، القاهرة، بعد شهور من جمود المفاوضات بشأن سد «النهضة»، قائلاً: «نسعى لحل خلافاتنا مع مصر عبر الحوار والتفاوض وإنهاء جميع القضايا العالقة بشأن سد (النهضة) بنية حسنة»، مؤكداً أن «السد أصبح أمراً واقعياً»، وأنه «ليس هناك خلافات كبرى؛ لكن تدخُّل السياسة يعوق وصولنا لاتفاق».

سد «النهضة» الإثيوبي (حساب رئيس الوزراء الإثيوبي على إكس)

توتر يتصاعد

الكاتب المصري المتخصص في العلاقات الدولية، نبيل نجم الدين، يرى أن «إثيوبيا تريد فتح صفحة غير بيضاء في العلاقات مع مصر، وتتحرك منذ مسار سد (النهضة) بشكل غير ناضج، لا يرقى للعرف أو القانون الدولي بين دولتين بينهما تاريخ كبير»، محذراً من أن أي «اندلاع لأعمال عسكرية جراء تلك الاستفزازات الإثيوبية ستدفع المنطقة ثمنه باهظاً».

وباعتقاد نجم الدين، فإن «أفعال إثيوبيا الأحادية لا تظهر نيّات طيبة، وتصر على توتير الأجواء، بداية من ملف سد (النهضة)، مروراً بتوقيع اتفاق غير قانوني مع إقليم أرض الصومال، ثم تعيين سفير به»، مؤكداً أن «هذه الضجة الإثيوبية لا تخدم الشعب الإثيوبي، ولا العلاقات مع مصر».

وتعارض دول الجامعة العربية وبينهم مصر، توقيع الحكومة الإثيوبية في يناير (كانون الثاني) الماضي، اتفاقاً مبدئياً مع إقليم «أرض الصومال» تحصل بموجبه أديس أبابا على مَنفذ بحري يتضمن ميناءً تجارياً وقاعدة عسكرية في منطقة بربرة لمدة 50 عاماً، مقابل اعتراف إثيوبيا بـ«أرض الصومال» دولةً مستقلةً. وعدّت القاهرة حينها الاتفاق «مخالفاً للقانون الدولي، واعتداءً على السيادة الصومالية».

وزير الخارجية الإثيوبي خلال مؤتمر صحافي الجمعة (الخارجية الإثيوبية على إكس)

تداعيات مفتوحة

وبرأي الباحث الصومالي، عبدالواحد عبد الله شافعي، فإن الخلافات بين مصر وإثيوبيا «صارت أكثر تعقيداً» بعد الاتفاق بين إثيوبيا وأرض الصومال، وما تلاه من اتفاق بروتوكول دفاعي بين القاهرة ومقديشو، ثم إرسال قوات ومعدات عسكرية مصرية لتحل محل القوات الإثيوبية المنتشرة الآن في الصومال بوصفها جزءاً من قوات حفظ السلام الأفريقية التي تنتهي مهمتها نهاية هذا العام.

جميع هذه التطورات «أثارت مخاوف إثيوبيا» التي ترى التعاون المصري - الصومالي خصوصاً في شؤون الدفاع «يهدد مصالحها الاستراتيجية»، وفق شافعي، الذي رأى أن هذا التقارب عمّق من الخلاف المصري - الإثيوبي، محذراً من أن الأمور قد تتطور في المستقبل إلى «مواجهات عسكرية مباشرة» أو غير مباشرة بين البلدين، إذا لم يستأنف البلدان حواراً جاداً لإيجاد حلول جذرية للأسباب التي أدت إلى هذه التعقيدات، ومنها قضية سدّ النهضة والاعتداء على سيادة الصومال.

ولا تزال الخلافات متصاعدة بين مصر وإثيوبيا في ملف «سد النهضة» الذي تبنيه إثيوبيا على فرع النيل الأزرق، والذي تقول القاهرة والخرطوم إنه سيؤثر بشكل كبير في حصتيهما من مياه النيل، وتتمسكان بالتوصل أولاً إلى «اتفاق ملزم» مع أديس أبابا بشأن ملء وتشغيل السد، لضمان استمرار تدفق حصتيهما المائية من نهر النيل، وهو ما تنفيه إثيوبيا، وتؤكد أنها لا تستهدف الإضرار بدولتَي مصبّ النيل.

ويرى الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية، محمد تورشين، أنه بعد توالي التصريحات والمواقف الإثيوبية، «سيتجه التوتر مع القاهرة إلى ذروته وإلى مرحلة غير محمودة»، مرجحاً أن «تدعم أديس أبابا الجماعات المسلحة في الصومال بوصفه خطوة جديدة ضد مقديشو ومصر».

وتعبر التصريحات والمواقف الإثيوبية، بحسب تورشين، عن أن أديس أبابا أدركت أن «الوجود العسكري المصري بمقديشو تطويق لإثيوبيا»، في ظل عدم حل أزمة سد «النهضة»، متوقعاً أن «ينتقل الصراع بين مصر وإثيوبيا إلى الصومال وسط تداعيات مفتوحة».

وتدهورت العلاقات بين الصومال وإثيوبيا إثر توقيع أديس أبابا اتفاقية مع «أرض الصومال» الانفصالية في بداية العام الماضي، تسمح لها باستخدام سواحل المنطقة على البحر الأحمر لأغراض تجارية وعسكرية، وتدخلت تركيا عبر مبادرة للوساطة بين البلدين، واستضافت جولتين من المفاوضات لحل الخلاف.


مقالات ذات صلة

مصرع مصري وسودانيَّين إثر غرق قارب «هجرة غير شرعية» قرب الإسكندرية

شمال افريقيا غرق قارب لـ«الهجرة غير الشرعية» قرب الاسكندرية (أ.ف.ب)

مصرع مصري وسودانيَّين إثر غرق قارب «هجرة غير شرعية» قرب الإسكندرية

لقي مصري وسودانيان مصرعهم إثر غرق قارب لـ«الهجرة غير الشرعية» بالقرب من سواحل البحر المتوسط بمحافظة الإسكندرية (شمال مصر)، السبت، فيما تم إنقاذ 27 آخرين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
رياضة عربية حسام حسن وزوجته في أحد البرامج (إكس)

أزمات حسام حسن العائلية تثير قلقاً بالوسط الرياضي المصري

تصدرت أخبار الأزمات العائلية المرتبطة بأسرة المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن الاهتمام، وأثارت قلقاً في الشارع الرياضي.

محمد الكفراوي (القاهرة )
العالم العربي موظفان في «أرامكو» يقومان بأعمالهما في أحد مرافقها (الشركة)

مصر تؤكد وقوفها بجانب السعودية في كل ما يهدد أمنها

أدانت مصر، السبت، بأشد العبارات، الهجمات التي استهدفت خط أنابيب «شرق - غرب» في منطقتي الرياض والمدينة المنورة بالسعودية.

شمال افريقيا من اجتماع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في نيودلهي (د.ب.أ) p-circle

السيسي: أمن السودان ووحدته خط أحمر لن تسمح مصر بتجاوزه

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم الجمعة، أن المساس بأمن السودان ووحدته وسيادته يمثل خطاً أحمر لن تسمح مصر بتجاوزه.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
شمال افريقيا  من زيارة سابقة لوزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر إلى تركيا (المتحدث العسكري المصري)

«من التصنيع إلى التصدير»... شراكة عسكرية متنامية بين مصر وتركيا

أبعاد جديدة يتجه نحوها التعاون الدفاعي المصري التركي، مع الانتقال من التصنيع إلى التصدير، في شراكة تأتي وسط تعاون استراتيجي متزايد وتوترات في المنطقة.

محمد محمود (القاهرة)

مصرع مصري وسودانيَّين إثر غرق قارب «هجرة غير شرعية» قرب الإسكندرية

غرق قارب لـ«الهجرة غير الشرعية» قرب الاسكندرية (أ.ف.ب)
غرق قارب لـ«الهجرة غير الشرعية» قرب الاسكندرية (أ.ف.ب)
TT

مصرع مصري وسودانيَّين إثر غرق قارب «هجرة غير شرعية» قرب الإسكندرية

غرق قارب لـ«الهجرة غير الشرعية» قرب الاسكندرية (أ.ف.ب)
غرق قارب لـ«الهجرة غير الشرعية» قرب الاسكندرية (أ.ف.ب)

لقي مصري وسودانيان مصرعهم إثر غرق قارب لـ«الهجرة غير الشرعية» بالقرب من سواحل البحر المتوسط بمحافظة الإسكندرية (شمال مصر)، السبت، فيما تم إنقاذ 27 آخرين، بينهم 7 مصابين.

وتلقت السلطات المصرية، السبت، إخطاراً بوقوع حادث غرق بالقرب من سواحل الإسكندرية، وبانتقال قوات الإنقاذ النهري إلى موقع البلاغ، تبين غرق مركب هجرة غير شرعية يُقل نحو 30 شخصاً، ونجحت سفينة شحن كانت في طريقها إلى ميناء الإسكندرية في انتشالهم، وفقاً لما نشرته صحف محلية.

وجرى التحفظ على الناجين بواسطة الجهات الأمنية، وتحرر محضر إداري بالواقعة، وجارٍ العرض على النيابة المختصة؛ لتباشر التحقيق، حسب مصدر أمني تحدث لوسائل إعلام محلية.

وأشار بيان صادر عن جهات التحقيق، إلى أن النيابة العامة كلّفت الجهات الأمنية بإجراء التحريات اللازمة للوقوف على تفاصيل الواقعة وملابساتها، وخط سير المركب، ونقطة انطلاقه ووجهته، فيما توجه فريق من النيابة إلى المستشفى لسؤال المصابين، وجرى ندب مفتش الصحة لتوقيع الكشف الطبي على جثث المتوفين.

تأتي الواقعة في ظل استمرار مخاطر رحلات الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط، التي تعتمد في بعض الحالات على قوارب تفتقر إلى مقومات السلامة وتحمل أعداداً كبيرة من الأشخاص، مما يزيد من مخاطر انقلابها أو غرقها خلال الرحلة.

وتشير تقديرات نشرها النائب أيمن محسب عضو مجلس النواب المصري، في شهر مايو (أيار) الماضي إلى ارتفاع أعداد المهاجرين المصريين غير الشرعيين من 709 حالات عام 2018 إلى 21753 حالة عام 2022، بما وضع مصر ضمن قائمة أكبر عشر دول من حيث معدلات الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، واستند في ذلك الحين إلى إحصاءات دولية.

ورصدت التقارير أيضاً استمرار المعدلات المرتفعة خلال عام 2023 بنحو 22 ألف مهاجر مصري غير نظامي، مع بقاء المصريين خلال عامي 2024 و2025 ضمن أكثر ثلاث جنسيات تدفقاً عبر مسار وسط البحر المتوسط المؤدي إلى إيطاليا واليونان، وفق ما ذكره محسب آنذاك.

وكثفت السلطات المصرية خلال السنوات الماضية جهودها لمكافحة تهريب المهاجرين وتأمين السواحل والحد من انطلاق هذه الرحلات.


المغرب وموريتانيا لإنشاء أكبر منطقة صناعية في أفريقيا

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

المغرب وموريتانيا لإنشاء أكبر منطقة صناعية في أفريقيا

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

تتجه العلاقات الاقتصادية والصناعية بين موريتانيا والمغرب إلى مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية، مع الإعلان في الدار البيضاء عن مشروع لإنشاء منطقة صناعية مشتركة تمتد على مساحة 800 هكتار، في خطوة وُصفت بأنها تستهدف إقامة أكبر منطقة صناعية من نوعها في القارة الأفريقية.

وجاء الإعلان على هامش الدورة الرابعة عشرة للمعرض الدولي لتكنولوجيات الإنتاج والصناعات الميكانيكية والمعدنية والإلكتروميكانيكية «SISTEP IMME 2026»، الذي افتتح يوم الأربعاء بالمعرض الدولي بالدار البيضاء «OFEC»، تحت رعاية العاهل المغربي الملك محمد السادس، ويستمر إلى غاية يوم السبت، بمشاركة أكثر من 6500 زائر مهني وشركات ووفود دولية، من بينها موريتانيا والصين وإيطاليا.

وقال الشيخ سيدي محمد ولد أحمدو، المدير العام للصناعة بوزارة المناجم والصناعة الموريتانية، إن العمل جارٍ على إنشاء المنطقة الصناعية المشتركة، مشيراً إلى أن الشركات المغربية ستكون لها الأولوية في إقامة مشروعات داخلها، مع تمتعها بالحقوق نفسها الممنوحة للشركات الموريتانية، وألا تصنف استثماراتها في المنطقة على أنها استثمارات أجنبية.

وتأتي هذه الخطوة في إطار العمل المشترك الجاري بين موريتانيا والمغرب على إنشاء منطقة صناعية مشتركة.

وأضاف ولد أحمدو أن المنطقة ستوفر، حسب المشروع، صلة مباشرة بالأسواق الأوروبية عبر المغرب؛ حيث وصف المنطقة الصناعية المزمع إنشاؤها بأنها ستكون «الأكبر في أفريقيا»، من دون أن يذكر تفاصيل عن موعد إنشائها، أو حجم الاستثمارات المرتبطة بها.

من جهته، قال عبد الحميد الصويري، رئيس «الفيدرالية المغربية للصناعات الميكانيكية والمعدنية والإلكتروميكانيكية»، إن المباحثات مع الجانب الموريتاني تناولت أيضاً إنشاء شركات مشتركة، وتهيئة المنطقة الصناعية بما يدعم الشركات في دخول الأسواق الأفريقية، خصوصاً في منطقة الساحل وغرب أفريقيا.

وتحل موريتانيا ضيف شرف على هذه الدورة، التي خصصت يوماً للتعاون الصناعي بين البلدين تحت شعار: «المغرب - موريتانيا: من التكامل الصناعي إلى المشروعات المشتركة»، مع التركيز على بناء سلاسل قيمة مشتركة في مجالات الصناعة والتعدين والطاقة، بما يخدم طموحات البلدين في الولوج إلى الأسواق الأفريقية.


تونس: منظمات حقوقية تدق ناقوس الخطر بعد وفاة عدد من المعتقلين

من مظاهرة نظمها صحافيون وسط العاصمة للمطالبة بإطلاق سراح الصحافيين المعتقلين (إ.ب.أ)
من مظاهرة نظمها صحافيون وسط العاصمة للمطالبة بإطلاق سراح الصحافيين المعتقلين (إ.ب.أ)
TT

تونس: منظمات حقوقية تدق ناقوس الخطر بعد وفاة عدد من المعتقلين

من مظاهرة نظمها صحافيون وسط العاصمة للمطالبة بإطلاق سراح الصحافيين المعتقلين (إ.ب.أ)
من مظاهرة نظمها صحافيون وسط العاصمة للمطالبة بإطلاق سراح الصحافيين المعتقلين (إ.ب.أ)

أطلقت منظمات غير حكومية تونسية ودولية ناقوس الخطر بشأن أوضاع السجون «غير الإنسانية» في تونس، والتي تفاقمت بسبب موجة القيظ في البلاد خلال الأسابيع الأخيرة، في ظل تقارير عن وفاة 23 سجيناً.

ولم تُنشر أي حصيلة رسمية للوفيات المسجَّلة هذا الصيف في المؤسسات السجنية. كما لم تُعلن السلطات عن أي بيانات مجمَّعة حول التداعيات الصحية لموجات الحر على مستوى البلاد بأكملها. فيما اكتفت وزارة الصحة بالتأكيد أنه لا يمكن نسبة أي وفاة إلى الحرارة دون تأكيد من الطب الشرعي.

23 حالة وفاة

استناداً إلى معطيات مقدّمة من أطباء ومحامين وعائلات، وثّقت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان 23 حالة وفاة هذا الصيف لمساجين، وفق ما قال رئيس المنظمة بسّام الطريفي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ومن بين هؤلاء رجل الأعمال لزهر سطا، بحسب ما أعلنت ابنته ووسائل إعلام محلية. كما توفي رجل أعمال لبناني في السجن بتونس، بحسب الطريفي. وبهذا الخصوص أفاد مصدر قضائي لبناني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأن والد المتوفى أبلغ السلطات اللبنانية بوفاته قبل أسبوع، ويوضح الطريفي أن «الظروف غير إنسانية أساساً في الأوقات العادية. لكن مع موجة الحر ودرجات حرارة تتجاوز أحياناً 45 درجة مئوية في زنازين مكتظة، تصبح الأوضاع تهديداً لحياة السجناء».

صحافيون يرفعون لافتة تطالب بالإفراج عن الصحافي محمد اليوسفي (إ.ب.أ)

وتواجه السجون التونسية، التي تتعرّض لانتقادات بشكل منتظم بسبب الاكتظاظ وصعوبة ظروف الاحتجاز، ضغطاً إضافياً خلال فترات موجات الحر الشديدة في فصل الصيف.

وتتحدث منظمات غير حكومية عن زنازين مكتظة وتهوئة غير كافية وإمداد محدود أحياناً بالماء، وهي اتهامات ترفضها إدارة السجون التونسية.

لن أسكت

ورغم اعتيادها على درجات حرارة صيفية مرتفعة، شهدت تونس هذا العام موجات حر استثنائية من حيث الشدة وطول المدة، مع درجات حرارة تتجاوز في كثير من الأحيان المعدلات المعتادة للفصل، ناهزت الخمسين درجة في بعض المناطق الداخلية.

ويربط العلماء هذه التقلبات بتداعيات التغير المناخي.

وعبّرت المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب خلال هذا الأسبوع في بيان عن «قلقها من تدهور ظروف الاحتجاز، وتزايد الوفيات في الوسط السجني»، في ظروف «لا تزال، بالنسبة إلى عدد منها، غير واضحة بما فيه الكفاية».

وأعربت المنظمة أيضاً عن أسفها لـ«غياب بيانات رسمية مجمَّعة» حول الموضوع، داعية إلى إجراء «تحقيقات مستقلة ومحايدة وشفافة» بخصوص الوفيات، التي حدثت في السجن.

وخلال الصيف، حذَّرت عائلات الموقوفين من تدهور ظروف احتجاز ذويهم مع ارتفاع درجات الحرارة. وغالباً ما جاءت المخاوف من أقارب لمعارضين للرئيس قيس سعيّد، ومن بينهم أقارب الناشط السياسي أحمد نجيب الشابي (82 عاماً)، ورئيس حزب حركة النهضة راشد الغنوشي (85 عاماً).

وكتبت هيفاء الشابي، ابنة نجيب على موقع «فيسبوك»: «لن أنتظر إلى أن يتوفَّى أبي وعمِّي في السجن. الله يرحم كل من توفى في هذه الظروف القاسية... ضحايا. لن أسكت...أطلقوا سراح المعتقلين».

وفي 22 أغسطس (آب) الماضي، رفضت إدارة السجون الاتهامات بالإهمال أو التقصير في الرعاية، على ما نقلت وسائل إعلام محلية. وفي الأيام الأخيرة، أعاد تدهور الحالة الصحية للصحافي الاستقصائي التونسي محمد اليوسفي، الناقد أيضاً للسلطات، إحياء المخاوف.

وأُوقف اليوسفي الجمعة الماضي بتهمة الإثراء غير المشروع، بينما كان يستعد للمشاركة في برنامج إذاعي. واضطر للخضوع لعملية جراحية بسبب التهاب الزائدة الدودية، ثم أُخضع مجدداً للاستجواب لدى قوات الأمن.

كما عبّرت ابنة الصحافي المستقل زياد الهاني، المعروف بانتقاده للسلطة، عن قلقها الشديد. وقالت آرام الهاني في مقطع فيديو نُشر على موقع «فيسبوك»: «أنتظر يوماً ما وسيخبرونني بأن أبي توفي في السجن».

وحُكم على والدها بالسجن سنة واحدة إثر تصريحات أدلى بها خلال مؤتمر صحافي.

وأضافت آرام باكية: «كل مرة أغادر فيها السجن، أقول لنفسي ربما تكون هذه آخر مرة أرى أبي». ومنذ أن قرّر سعيّد صيف عام 2021 احتكار السلطات في البلاد، سُجن عشرات المعارضين والصحافيين ورجال الأعمال والشخصيات العامة.

وحثّت المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب السلطات التونسية على اتخاذ «الإجراءات اللازمة لحماية حياة وصحة وسلامة الأشخاص الموقوفين»، وعلى «ضمان وصول» المنظمات غير الحكومية إلى المؤسسات السجنية.

وأفادت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بأنه لم يعد يُسمح لها بزيارة السجون منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.