التعاون العسكري المصري - الصومالي يصعّد التوترات مع إثيوبيا

وسط خلاف بين القاهرة وأديس أبابا بشأن «سد النهضة»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل نظيره الصومالي في قصر الاتحادية بالقاهرة منتصف أغسطس الحالي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل نظيره الصومالي في قصر الاتحادية بالقاهرة منتصف أغسطس الحالي (الرئاسة المصرية)
TT

التعاون العسكري المصري - الصومالي يصعّد التوترات مع إثيوبيا

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل نظيره الصومالي في قصر الاتحادية بالقاهرة منتصف أغسطس الحالي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل نظيره الصومالي في قصر الاتحادية بالقاهرة منتصف أغسطس الحالي (الرئاسة المصرية)

عقب إعلان الصومال وصول معدات ووفود عسكرية مصرية، أبدت جارتها الغربية إثيوبيا التي لديها خلافات سابقة مع القاهرة بسبب أزمة «سد النهضة»، قلقها ولوحت بأنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، مع حديث إعلام رسمي في أديس أبابا عن تحرك قوات إثيوبية على الحدود مع الصومال، وترقب لتداعيات الخطوة التي لم تبد مصر تعليقاً رسمياً بشأنها بعد.

إرسال قوات مصرية إلى الصومال «سيرفع منسوب التوتر» مع إثيوبيا، وفق خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، إلا أنهم توقعوا أن تكون التداعيات دبلوماسية «قد تصل للقطيعة» دون أي تصعيد عسكري على الأرض.

متحدث الخارجية الإثيوبية، نبيو تاديلي، قال، الأربعاء، في بيان: «إن بلاده تعرب عن قلقها إزاء انتقال بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية في الصومال إلى بعثة جديدة لدعم السلام دون أخذ دعوات إثيوبيا (لم يوضحها) على محمل الجد»، عادّاً ذلك «يشكل مخاطر على المنطقة».

إثيوبيا أضافت أنها «لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي بينما تتخذ جهات فاعلة أخرى (لم تسمها) تدابير لزعزعة استقرار المنطقة»، مؤكدة أنها «تراقب التطورات في المنطقة التي قد تهدد أمنها القومي».

يأتي ذلك غداة إعلان سفير الصومال لدى مصر، علي عبدي أواري، «بدء وصول المعدات والوفود العسكرية المصرية إلى العاصمة الصومالية مقديشو في إطار مشاركة مصر بقوات حفظ السلام»، موضحاً أن «مصر بذلك ستكون أولى الدول التي تنشر قوات لدعم الجيش الصومالي بعد انسحاب قوات الاتحاد الأفريقي الحالية».

صوماليون يحتجون ضد صفقة الميناء بين إثيوبيا وأرض الصومال بمقديشو (رويترز)

وعدَّ السفير الصومالي هذه الخطوة «مهمة وأولى الخطوات العملية لتنفيذ مخرجات القمة المصرية الصومالية» التي عُقدت في القاهرة مؤخراً بين الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والصومالي حسن شيخ محمود في 14 أغسطس (آب) الحالي، والتي شهدت توقيع اتفاق دفاعي مشترك بين البلدين.

وبينما لم تعلق مصر على إرسال قوات إلى الصومال، فإن الموضوع أثار تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي عقب الحديث الصومالي وإفادة الخارجية الإثيوبية وسط ترحيب بمواقف مصر الداعمة للصومال بمواجهة ما يرونه «غطرسة» إثيوبية.

وقال الإعلامي وصانع المحتوى المصري، لؤي الخطيب، في تدوينة على «إكس»: «مصر لم تذهب إلى الصومال إلا لحفظ السلام، سواء ضمن البعثة الأفريقية أو عبر القوات التي ستنتشر بموجب اتفاق بين البلدين، في الحالتين الهدف هو حفظ السلام وتجنب الحرب... من يزعزع استقرار المنطقة هو إثيوبيا التي تتعاون مع كيانات غير شرعية، وتعتدي في سبيل تحقيق أطماعها على أراضٍ لدولة مستقلة مثل الصومال، وهي ممارسات استعمارية لا يمكن لمن يقترفها أن يتحدث عن الاستقرار».

وتستعد مصر للمشاركة في بعثة الدعم التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال (AUSSOM)، التي من المقرر أن تحل محل بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية الحالية (ATMIS) بحلول يناير (كانون الثاني) 2025، بحسب إفادة للسفير الصومالي، الأربعاء.

الخارجية الإثيوبية استنكرت في بيانها تلك الخطوة، وقالت إنه «بدلاً من متابعة هذه الجهود من أجل السلام في محادثات بتركيا لحل الخلافات التي شهدت إحراز تقدم ملموس، تسعى حكومة الصومال مع جهات خارجية إلى زعزعة استقرار المنطقة وتحاول تأجيج التوتر»، محذرة من «عواقب قد تنزلق إليها المنطقة».

وأطلقت تركيا مبادرة للوساطة بين الصومال وإثيوبيا واستضافت جولتين من المفاوضات بين البلدين لحل الخلاف بشأن اتفاقية بخصوص ميناء، وقعتها أديس أبابا مع منطقة أرض الصومال الانفصالية في بداية العام الماضي، تسمح لها باستخدام سواحل المنطقة على البحر الأحمر لأغراض تجارية وعسكرية.

ضابط شرطة صومالي يقف للحراسة خلال مسيرة ضد صفقة ميناء إثيوبيا وأرض الصومال بأحد شوارع مقديشو (رويترز)

يأتي ذلك وسط حديث وسائل إعلام إثيوبية، بأن «أديس أبابا ستنقل قوات عسكرية إلى حدودها مع الصومال رداً على وصول تعزيزات عسكرية مصرية». ولم تؤكد «وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية» (إينا) تلك الأنباء، غير أنها نقلت تدوينة عن وزير الخارجية الإثيوبي، تاي أتسكي سيلاسي، تفيد بأن «انتقال بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية في الصومال لا ينبغي أن يؤدي إلى حالة من عدم اليقين والفوضى الهائلة في القرن الأفريقي».

بالتوازي، التزمت مصر الصمت حيال تلك التطورات، غير أن الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي كشف في 14 أغسطس الحالي عن احتمال مشاركة قوات مصرية بقوات حفظ السلام بالصومال حال وافقت مقديشو، وذلك في مؤتمر صحافي مشترك بالقاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود، وتلاه ترحيب من السفير الصومالي بمصر في إفادة، وقتها.

ولا تزال الخلافات متصاعدة بين مصر وإثيوبيا في ملف سد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على فرع النيل الأزرق، والذي تقول القاهرة والخرطوم إنه سيؤثر بشكل كبير في حصتيهما من مياه النيل، وتتمسكان بالتوصل أولاً إلى «اتفاق ملزم» مع أديس أبابا بشأن ملء وتشغيل السد، لضمان استمرار تدفق حصتيهما المائية من نهر النيل، وهو ما تنفيه إثيوبيا، وتؤكد أنها لا تستهدف الإضرار بدولتَي مصبّ النيل.

أزمة داخلية

المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، الدكتور خالد عكاشة، يرى أن ذلك التعقيب الإثيوبي على الوجود المصري بالصومال «يعكس أزمة إثيوبية داخلية وتوتراً داخلياً لديهم»، مؤكداً أن أزمة إثيوبيا الأساسية مع الصومال منذ عقود، وتوقيع أديس أبابا اتفاقاً مع أرض الصومال هو ما رفع التوتر وليس الحضور المصري.

وتعارض مصر توقيع الحكومة الإثيوبية في يناير الماضي، اتفاقاً مبدئياً مع إقليم «أرض الصومال» تحصل بموجبه أديس أبابا على مَنفذ بحري، وعدّت القاهرة حينها الاتفاق «مخالفاً للقانون الدولي، واعتداء على السيادة الصومالية».

ويؤكد عكاشة أن الحضور المصري نابع من طلب صومالي وهو حق سيادي لمقديشو في اختيار الدول التي تشارك في قوات حفظ السلام على أراضيها، موضحاً أن مصر أعلنت ذلك بكل شفافية، وواضح أنها كانت ستشارك منذ فترة ولم يكن الأمر مفاجئاً للجميع أو تم بصورة عشوائية.

ونبه إلى أن الشراكة المصرية الصومالية ليست عسكرية وتقتصر على التدريب ورفع الكفاءة العسكرية، ولكنها تمتد لأبعاد اقتصادية وتنموية، و«هذا ما يزعج إثيوبيا»؛ أن تشهد مقديشو تطوراً تنموياً اقتصادياً تحتاج إليه البلاد، ومصر قادرة على دعم الصومال فيه.

وعن الأزمة الحالية، يرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الوهاب شيخ عبد الصمد، أن الموقع الاستراتيجي للصومال في القرن الأفريقي يجعلها لاعباً مهماً في الجغرافيا السياسية الإقليمية، مضيفاً أنه قد يُنظر إلى الوجود العسكري المصري في الصومال من قبل إثيوبيا على أنه «محاولة من القاهرة لتطويق إثيوبيا أو الضغط عليها من جبهات متعددة، ومن ثم تصعيد التوترات».

وباعتقاد عبد الصمد أن «وجود قوات عسكرية أجنبية في الصومال، قد يعقد الاستقرار الداخلي في الصومال وعلاقاتها بالدول المجاورة، بما في ذلك إثيوبيا»، ويرى أنه قد تنظر إثيوبيا إلى التدخل المصري في الصومال بعدّه «تحديًا لنفوذها في المنطقة». ونظراً لشبكة التحالفات المعقدة في منطقة القرن الأفريقي، فقد يؤدي هذا إلى إعادة تنظيم القوى الإقليمية، مع سعي إثيوبيا ربما إلى موازنة النفوذ المصري من خلال تعزيز علاقاتها بلاعبين إقليميين آخرين.

الوجود العسكري المصري في الصومال، وفق عبد الصمد، «يفتح فصلاً جديداً من التوترات بين القاهرة وأديس أبابا» خاصة في سياق نزاعهما المستمر حول مياه النيل وسد النهضة. وقد يؤدي هذا الوضع إلى زيادة المنافسة الجيوسياسية وربما مواجهة إقليمية أوسع إذا لم تتم إدارته بعناية.

فيما يرى عميد معهد الدراسات الأفريقية الأسبق في مصر، ورئيس لجنة الشؤون الأفريقية السابق بمجلس النواب، الدكتور السيد فليفل، أن إثيوبيا «تثير زوبعة في الإقليم بمخالفتها للقانون الدولي وروح التعاون»، لافتاً إلى أن «مصر أبرمت اتفاقاً دفاعياً مع الصومال، لا يحمل أي إجراءات عدائية، ويتماشى في إطار التعاون العسكري الطبيعي والتقليدي».

فيما يتوقع المحلل السياسي السوداني، هيثم محمود حميدة، «حدوث توتر بين مصر وإثيوبيا»، قد يصل لـ«قطيعة دبلوماسية» بعد وصول القوات المصرية ولهجة التهديد الحادة من قبل الحكومة الإثيوبية بنشر قوات على الحدود مع الصومال في ظل أزمة تتفاقم بسبب سد النهضة.

وفي اعتقاد حميدة أن «أديس أبابا ستستغل هذا الحدث لتقوم بتجييش شعبها وعمل تعبئة تزيد من شعبية رئيس الوزراء في البلاد آبي أحمد وهذا سيترتب عليه زيادة في التوتر القائم أصلاً بين البلدين».


مقالات ذات صلة

توترات «المنفذ البحري» بين مصر وإثيوبيا... ماذا تعني لملف «سد النهضة»؟

شمال افريقيا سد النهضة الإثيوبيي (رويترز)

توترات «المنفذ البحري» بين مصر وإثيوبيا... ماذا تعني لملف «سد النهضة»؟

وسط تحركات أميركية لرأب الصدع بين القاهرة وأديس أبابا في أزمة «سد النهضة»، خرجت إثيوبيا بانتقادات لمصر بشأن علاقاتها بدول الجوار وعرقلة وصولها إلى البحر الأحمر.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي رئيس أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

كيف تواجه مقديشو «التغلغل الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

تتواصل الإدانات - لا سيما الصومالية - منذ نحو 5 أشهر، بينما تعمق إسرائيل وجودها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بعد أن اعترفت به في ديسمبر (كانون الأول) الماضي

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)

«منفذ البحر الأحمر» يفاقم التوتر بين مصر وإثيوبيا

بعد نحو أسبوع من زيارة مصرية لإريتريا، وتأكيدات رسمية برفض وجود دول غير مشاطئة على البحر الأحمر، اتهمت إثيوبيا القاهرة بمحاولة عرقلة وصولها إلى منفذ على البحر.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

المعارضة الصومالية تُصعد احتجاجاتها ضد الرئيس والحكومة

توترات سياسية تتصاعد في الصومال، مع إعلان المعارضة اعتزامها الاحتجاج أسبوعياً بعد انتهاء عيد الأضحى، وسط مطالبات أممية وأوروبية بالتوصل لحل

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (صفحة الجامعة على فيسبوك)

«الجامعة العربية» ترفض قرار «أرض الصومال» فتح سفارة في القدس

حذرت جامعة الدول العربية من «تعميق بؤر التوتر في القرن الأفريقي» على خلفية فتح «إقليم أرض الصومال» الانفصالي سفارة له في القدس المحتلة

فتحية الدخاخني (القاهرة )

تحرك دولي لتعزيز السلامة وتطهير ليبيا من مخلفات الحروب

الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)
الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)
TT

تحرك دولي لتعزيز السلامة وتطهير ليبيا من مخلفات الحروب

الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)
الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)

جددت مجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا التزامها بمواصلة دعم الجهود الوطنية، الرامية إلى تطهير البلاد من مخلفات الحروب، وتعزيز سلامة المدنيين في المناطق المتضررة بمختلف أنحاء البلاد.

وقالت البعثة الأممية لدى ليبيا إن مجموعة الدعم عقدت اجتماعها السنوي الثاني، حيث أكد ممثلو عشر دول أن الأعمال المتعلقة بالألغام «تشكل ركيزة أساسية لحماية المدنيين، وتعزيز الاستقرار وبناء السلام المستدام في ليبيا».

وشهد الاجتماع مشاركة ممثلين دبلوماسيين وعسكريين من الاتحاد الأوروبي، ومصر، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وهولندا، وقطر، وجمهورية كوريا، وتونس، وتركيا، والمملكة المتحدة؛ وذلك بهدف تعزيز التنسيق الدولي، وتوحيد الدعم المقدم لجهود مكافحة الألغام في ليبيا.

واستضاف سفير إيطاليا لدى ليبيا، جيانلوكا ألبيريني، بمقر السفارة في طرابلس، الاجتماع وترأسه بالشراكة مع نائبة الممثل الخاص للأمين العام والمنسقة المقيمة في بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، أولريكا ريتشاردسون.

خلال عملية سابقة لنقل مخلفات حربية في ليبيا (البعثة الأممية)

وركزت المناقشات على «التداعيات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية لمخلفات الحرب القابلة للانفجار»، إضافة إلى «مخاطر التخزين غير الآمن للذخائر، بما في ذلك التهديدات المستمرة، التي تشكلها مستودعات الذخيرة الواقعة بالقرب من المناطق السكنية على المدنيين في مختلف أنحاء البلاد».

وانفجرت مخازن ذخيرة أكثر من مرة داخل ثكنات تتبع تشكيلات مسلحة في مدن بغرب ليبيا، وخاصة مصراتة. وفي سبتمبر (أيلول) 2025، تظاهر مواطنون في مصراتة للمطالبة بإخراج مخازن الأسلحة والذخائر من منطقتهم، ونقلها إلى مواقع بعيدة عن التجمعات السكنية.

وحسب تقارير المركز الليبي للأعمال المتعلقة بالألغام ومخلفات الحروب، تم تحديد أكثر من 688 مليون متر مربع من المناطق المؤكدة، أو المشتبه بتلوثها بمخلفات الحروب في مختلف أنحاء ليبيا منذ عام 2011؛ الأمر الذي لا يزال ينعكس سلباً على المناطق السكنية والأراضي الزراعية والبنية التحتية الحيوية.

ومنذ مايو (أيار) 2020، تسببت حوادث الألغام والذخائر المتفجرة في سقوط 487 ضحية، بينهم 175 قتيلاً و312 مصاباً، من ضمنهم 87 طفلاً. وأكد المشاركون في الاجتماع أهمية تكثيف التنسيق للحيلولة دون وقوع المزيد من المآسي الإنسانية، الناجمة عن الذخائر المتفجرة في ليبيا.

وأشار المشاركون كذلك إلى أن جهود مكافحة الألغام في ليبيا لا تزال تواجه تحديات كبيرة، أبرزها محدودية القدرات الفنية، وصعوبات الوصول إلى بعض المناطق، إضافة إلى نقص التمويل مقارنة بحجم التلوث الناتج عن مخلفات الحروب في ليبيا.

وعلى الرغم من تحرير وتسليم نحو 219 مليون متر مربع من الأراضي من خلال عمليات المسح، والتطهير منذ وقف إطلاق النار عام 2020، فإن التلوث بمخلفات الحروب لا يزال يؤثر بشكل مباشر على المدنيين في عدد من المناطق، من بينها جنوب طرابلس، ومصراتة، وسرت، وغريان ومزدة، إضافة إلى بنغازي، وطبرق، ومرزق وسبها.

وأكد المشاركون أهمية ترسيخ الملكية الوطنية، وتعزيز القيادة الليبية للأعمال المتعلقة بالألغام، إلى جانب ضمان استمرار الدعم الدولي لهذه الجهود التي تقودها ليبيا، من خلال بناء القدرات، وتعزيز التعاون الثنائي، ودعم المؤسسات الوطنية العاملة في مجالي مكافحة الألغام، والإدارة الآمنة للأسلحة والذخائر.

كما شددوا على ضرورة تنسيق الجهود الدولية وتوحيد الرسائل والمواقف الداعمة، بما ينسجم مع الأولويات الوطنية، ويسهم في تعزيز فاعلية الجهود الليبية بقيادة وطنية.

وفي هذا السياق، أكد المشاركون ضرورة منح قضايا مكافحة الألغام والإدارة الآمنة للذخائر اهتماماً أكبر، ضمن أعمال مجموعة العمل الأمنية الدولية المنبثقة عن مسار برلين.

جانب من أنشطة «أونماس» التي تعمل على توعية الأطفال بمخاطر الألغام (البعثة الأممية)

وأشاد السفير ألبيريني بالجهود المبذولة للتصدي للتهديد، الذي تمثله مخلفات الحرب القابلة للانفجار والذخائر المتفجرة في مختلف أنحاء البلاد، مشيداً بالاستجابة التي قادها المركز الليبي للأعمال المتعلقة بالألغام، بالتعاون مع شركائه وبدعم من بعثة الأمم المتحدة، عقب انفجار مخزن ذخيرة في مصراتة في أغسطس (آب) 2025.

وكان الانفجار قد نجم عن اشتعال ذخائر داخل مستودع ذخيرة يقع في منطقة سكنية مكتظة، محدثاً انفجاراً هائلاً. وأسفر الحادث عن أضرار امتدت ضمن نطاق يتراوح بين ثلاثة وأربعة كيلومترات؛ ما أدى إلى إصابة ما لا يقل عن 21 شخصاً، فضلاً عن تضرر عدد من المباني التجارية والمنازل السكنية.

وقال ألبيريني: «لقد شهدنا في موقع الانفجار قدراً كبيراً من المهنية والكفاءة في تنفيذ عمليات إزالة المخلفات المتفجرة وأنشطة التوعية بمخاطر الذخائر غير المتفجرة».

كما استحضرت نائبة الممثل الخاص للأمين العام والمنسقة المقيمة ريتشاردسون رسالة الأمين العام للأمم المتحدة، بمناسبة اليوم الدولي للتوعية بمخاطر الألغام، والمساعدة في الأعمال المتعلقة بها لعام 2026 تحت شعار: «استثمروا في السلام، استثمروا في الأعمال المتعلقة بالألغام»، داعيةً إلى مواصلة الجهود الرامية إلى الحد من المخاطر الناجمة عن تخزين الذخائر داخل المناطق السكنية، وتعزيز حماية المدنيين، بمن فيهم الأطفال، وتسريع وتيرة التعافي والتنمية.

وأوقعت الألغام ضحايا كثيرين في ليبيا، وخاصة من الأطفال، لا سيما في المناطق التي شهدت حروباً واشتباكات.


التصعيد القائم في المنطقة يربك رهانات خفض الفائدة بمصر

مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)
مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)
TT

التصعيد القائم في المنطقة يربك رهانات خفض الفائدة بمصر

مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)
مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)

لا يزال التصعيد القائم في المنطقة وصعوبات التكهن بتسوية الحرب الإيرانية، يربكان رهانات خفض أسعار الفائدة في مصر، بعد أن لجأ البنك المركزي المصري لتثبيت «سعر الفائدة» للمرة الثانية على التوالي.

ووفق اقتصاديين، فإنه «من الصعب المراهنة على خفض أسعار الفائدة وسط حالة عدم اليقين التي تعيشها المنطقة»، وأشاروا إلى أنه «من المرجح رفع سعر الفائدة في الاجتماع القادم لـ(لجنة السياسات النقدية) حال استمرار الأوضاع الإقليمية على وضعها».

وقررت «لجنة السياسات النقدية» بالبنك المركزي المصري في اجتماعها مساء الخميس «الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير»، وأشارت اللجنة في إفادة لها إلى أن «القرار جاء متسقاً مع رؤية اللجنة لآخر تطورات التضخم وتوقعاته، في ظل بيئة خارجية تتسم بعدم اليقين».

وبحسب القرار، سيتم تثبيت سعرَي عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي عند 19.00 في المائة، و20.00 في المائة، و19.50 في المائة على الترتيب، إلى جانب «الإبقاء على سعر الائتمان والخصم عند 19.50 في المائة»، حسب البنك المركزي.

وهذه هي المرة الثانية التي يقرر فيها «المركزي» تثبيت سعر الفائدة بعد قرار اللجنة في أبريل (نيسان) الماضي الإبقاء على أسعار الفائدة على الإيداع والإقراض، على وقع تداعيات الحرب الإيرانية، لينهي سلسلة انخفاض تدريجي لأسعار الفائدة من مستوياتها المرتفعة بدأت في أبريل (نيسان) 2025.

وتعقد «لجنة السياسات النقدية» اجتماعها الدوري كل ستة أسابيع، ويتبقى لها 5 اجتماعات خلال العام الحالي، في ظل ترقب الأسواق لتطورات التضخم وسعر الصرف وأسعار الطاقة العالمية.

ووفق «عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع»، وليد جاب الله، فإن «حالة التصعيد التي تشهدها المنطقة وعدم حسم ملف الحرب الإيرانية يسببان ارتباكاً لدى القائمين على السياسات النقدية».

وقال جاب الله لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك صعوبات في وضع معايير اقتصادية يمكن البناء عليها في خطط التوسع بالاستثمارات وفي الغذاء والأسمدة»، مشيراً إلى أن «خريطة الاقتصاد العالمي شبه متوقفة لحين وضوح الرؤية على الصعيدين الإقليمي والدولي».

مقر البنك المركزي المصري (صفحة البنك على «فيسبوك»)

ورأى جاب الله أنه «من الصعب المراهنة على خفض أسعار الفائدة بمصر، في ظل حالة عدم اليقين بالمنطقة»، وأضاف أن «البنك المركزي لا يستطيع خفض الفائدة في الوقت الراهن لتأثير هذا القرار على زيادة معدلات التضخم»، مشيراً إلى أن «التضخم سيرتفع بنسب كبيرة حالة خفض الفائدة، نتيجة خروج جانب من الودائع والمدخرات في أنشطة استهلاكية».

وتراجع معدل التضخم في مصر بشكل طفيف الشهر الماضي بعد أن سجل في المدن المصرية على أساس سنوي 14.9 في المائة، مقارنة بنحو 15.2 في المائة في مارس (آذار) الماضي، في حين تراجع على أساس شهري إلى 1.1 في المائة في أبريل الماضي، مقابل 3.2 في المائة في مارس الماضي، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء».

ويعتقد جاب الله أن قرار «المركزي» تثبيت سعر الفائدة «خيار طبيعي في ظل توقعات تباطؤ الاقتصاد العالمي»، ويشير إلى أن «(لجنة السياسات النقدية) رأت أن معدلات التضخم القائمة في الأسواق تطور عارض بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والكهرباء على وقع الحرب الإيرانية».

حركة الأسواق تتأثر في مصر بسبب زيادة الأسعار (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

ويرى الخبير الاقتصادي، مصطفى بدرة، أنه «لم يعد خيار خفض الفائدة مطروحاً في ظل الأضرار الاقتصادية للحرب الإيرانية، وتراجع معدلات النمو وفق تقديرات المؤسسات الاقتصادية الدولية».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «ارتفاع معدلات التضخم نتيجة اضطراب سلاسل إمداد الطاقة دفع البنك المركزي لتثبيت الفائدة»، وأشار إلى أنه «من المرجح رفع سعر الفائدة في الاجتماع القادم لـ(لجنة السياسات النقدية) حال استمرار حالة عدم اليقين الحالية».

ويوضح أن «الحكومة تستهدف من تثبيت سعر الفائدة الحفاظ على مستوى التشدد النقدي لإحكام السيطرة على التضخم بالأسواق»، ويشير إلى أن «قرار التثبيت يساهم في تباطؤ حركة السيولة النقدية بالأسواق».

وعدّ بدرة أن ذلك «يساهم في عدم رفع أسعار السلع بالأسواق بشكل مبالغ فيه، وسط تحديات سلاسل الإمداد القائمة».


تشديد مصري على المطوّرين العقاريين بعد أزمات تأخّر التسليم

الحكومة المصرية تتدخل لضبط سوق العقارات (العاصمة الإدارية الجديدة)
الحكومة المصرية تتدخل لضبط سوق العقارات (العاصمة الإدارية الجديدة)
TT

تشديد مصري على المطوّرين العقاريين بعد أزمات تأخّر التسليم

الحكومة المصرية تتدخل لضبط سوق العقارات (العاصمة الإدارية الجديدة)
الحكومة المصرية تتدخل لضبط سوق العقارات (العاصمة الإدارية الجديدة)

تتجه الحكومة المصرية لضبط سوق العقارات، عبر تشريع يحكم العلاقة بين المطورين العقاريين من جهة، ومشتري الوحدات من جهة أخرى، في ظل شكاوى متزايدة من تعثر بعض المطورين في استكمال مشاريعهم، بما يؤثر سلباً على سمعة السوق العقارية النامية.

يأتي هذا التوجه في وقت أكد رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي على «الأهمية القصوى التي توليها الحكومة لمتابعة هذه السوق، باعتبارها أحد الروافد الأساسية للاقتصاد الوطني»، وذلك خلال اجتماعه مع وزيرة الإسكان راندة المنشاوي، وعدد من مسؤولي القطاع، الخميس.

وأضاف مدبولي، وفق بيان رسمي، أن «الحكومة تستهدف الحفاظ على معدلات النمو في هذا القطاع الحيوي، والتعامل مع أي تحديات به، بما يضمن تحقيق الحوكمة والانضباط المستهدف، وتحقيق التوازن الكامل بين حقوق جميع الأطراف، من الدولة والمستثمرين (المطورين العقاريين)، والمواطنين حاجزي الوحدات؛ لضمان استدامة قطاع العقارات وحمايته من أي ممارسات غير منضبطة يقوم بها البعض».

رئيس الحكومة المصرية خلال اجتماعه مع وزيرة الإسكان ومسؤولي القطاع لتطوير السوق العقارية المصرية (رئاسة الوزراء المصرية)

وتعدّ سوق العقارات المصرية من أكثر الأسواق نمواً وتطوراً خلال العقد الأخير، مدفوعةً بتوجهات رسمية لتوسعته بعدد من المشاريع الضخمة، في مقدمتها مشروع العاصمة الإدارية الجديدة.

وبلغ حجم سوق العقارات في مصر 18.04 مليار دولار (الدولار يساوي نحو 53 جنيهاً)، في عام 2023، وسط توقعات أن يتجاوز 30 مليار دولار في عام 2028، بمعدل نمو سنوي 10.96 في المائة، وفق ما نقله مركز معلومات مجلس الوزراء عن مؤسسة «موردر إنتلجنس» العالمية.

خطوة لحماية السوق

ورحّب عدد من المتخصصين في سوق العقارات المصرية بالتوجه الحكومي الأخير لحوكمة هذه السوق، معتبرين أن الخطوة ضرورية لحمايته، وإن تأخرت، «فكان لا بد أن تصاحب النمو الكبير في هذا السوق قبل 10 سنوات».

وقال المسوق العقاري وأحد مؤسسي شركة «هب إمباير»، أنس الكيلاني، لـ«الشرق الأوسط»، إن سمعة سوق العقارات المصرية تأثرت مؤخراً بعد تعثر العديد من المطورين في استكمال المشاريع، ما جعل بعض المشترين يشعرون أنهم تعرضوا لعمليات نصب، مشيراً إلى أن بعض هذه المشاريع توجد في العاصمة الإدارية الجديدة نفسها، التي أغرت التسهيلات الحكومية فيها العديد من المطورين على الاستثمار بمشاريع هناك، دون أن تكون لديهم الملاءة المالية الكافية.

وسيتضمن مشروع القانون الجديد لحوكمة وتنظيم قطاع التطوير العقاري، «إنشاء كيان رسميّ للمطورين العقاريين وتصنيفهم وفقاً لمعايير وضوابط محددة. وذلك في إطار جهود الدولة لتعزيز البيئة الاستثمارية، والحفاظ على هذا القطاع المهم، وحماية حقوق المواطنين»، وفق وزيرة الإسكان راندة المنشاوي.

وأشارت إلى أنه «سيتم إقرار ضوابط محددة تهدف إلى تجنب دخول أي مطور عقاري ليست لديه الملاءة المالية أو الفنية الكافية لتنفيذ المشروعات، وتتضمن الالتزام بمواعيد التسليم المحددة، بما يمنع أي تعثرات قد تسيء إلى سمعة القطاع».

ويرى المسوق العقاري أنس الكيلاني أن «وضع ضوابط من هذا النوع سيؤثر إيجاباً على القطاع ونموه وجذب مستثمرين أجانب»، مقترحاً أن تتضمن الضوابط وسائل لمعالجة الوضع القائم أو المتوقع حدوثه من تعثرات، مثل أن تتدخل الحكومة في استكمال المشاريع المتعثرة، مقابل حصول هيئة المجتمعات العمرانية على حقوق المشروع من المطور.

تأثير التضخم على البناء

التطوير العقاري يتضمن رؤية استراتيجية للمكان وليس مجرد تشييد (العاصمة الإدارية الجديدة)

وأرجع الخبير العقاري، عبد المجيد جادو، تكرار التأخيرات في مواعيد تسليم الوحدات العقارية خلال السنوات الماضية إلى التضخم، وتأثيره على البناء، خصوصاً في ظل عدم وجود القدرة المالية الكافية لدى المطورين لتغطية المشاريع، واعتمادهم على مقدمات الحجوزات والأقساط في ذلك.

وسجّلت مصر معدل تضخم سنوياً في أبريل (نيسان) الماضي بلغ 14.9 في المائة، مقارنة بـ15.2 في مارس (آذار).

وشدّد جادو، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، على ضرورة أن يتضمن التشريع الجديد كافة الأمور الفنية والهندسية المتعلقة بالمشاريع، وليس عمليات التسليم فقط، خصوصاً مع طرح بعض المطورين وحدات بمساحات كبيرة نظرياً، بينما تخرج الوحدة في النهاية بعيدة كل البعد عن هذه المعايير.

ويشيد المتخصص في مجال التطوير العقاري ومدير قطاع التطوير في عدة شركات مصرية، محمود سامي، بالتوجه الرسمي الأخير لضبط السوق، معتبراً أنه توجه تأخر كثيراً، مضيفاً: «توجد ضوابط حاكمة لأسواق العقارات الكبيرة في تركيا والإمارات وكندا وغيرها، بينما اقتصرت القوانين في مصر إما على ضوابط البناء نفسه واستخراج رخص التشييد، أو على ضرورة تشييد 30 في المائة من العقار قبل البدء في بيع وحداته، وهو ما لا يحدث عملياً».

ورأى سامي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، ضرورة إنشاء كيان للمطورين أشبه بنقابة، تواجه فوضى السوق، موضحاً أن «المطور العقاري مسمى يجب ألا يُلصق بأي أحد، فهو مرتبط بالاستدامة والرؤية الاستراتيجية لتطوير المكان والتوسع في مدن جديدة، ووضع خطة لتطويره وجعل الأصل العقاري يحتفظ بقيمته مع تحقيق زيادات مستمرة، وهو أمر لا يرتبط بالوحدات السكنية فقط، لكن بالخدمات، وهذا عكس عمل المقاول الذي لا يسعى سوى للربح».

وكانت وزيرة الإسكان نوّهت خلال اجتماعها مع مدبولي، إلى أن الهيكل التنظيمي المقترح لكيان المطورين العقاريين يرتكز على نموذج محوكم، يماثل في آلياته وضوابطه الاتحاد المصري لمقاولي التشييد والبناء، بما فيها تصنيف المطورين العقاريين وفق معايير محددة.

وشدّدت أيضاً على وجود حزمة من العقود واللوائح الداخلية الصارمة بهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، تضمن التعامل مع أي مخالفات تصدر عن أي مطور عقاري؛ بما يكفل ضمان حقوق الدولة، وحقوق المواطنين، ويعزز من تنافسية السوق العقارية المصرية على المستويين الإقليمي والعالمي.