التعاون العسكري المصري - الصومالي يصعّد التوترات مع إثيوبيا

وسط خلاف بين القاهرة وأديس أبابا بشأن «سد النهضة»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل نظيره الصومالي في قصر الاتحادية بالقاهرة منتصف أغسطس الحالي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل نظيره الصومالي في قصر الاتحادية بالقاهرة منتصف أغسطس الحالي (الرئاسة المصرية)
TT

التعاون العسكري المصري - الصومالي يصعّد التوترات مع إثيوبيا

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل نظيره الصومالي في قصر الاتحادية بالقاهرة منتصف أغسطس الحالي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل نظيره الصومالي في قصر الاتحادية بالقاهرة منتصف أغسطس الحالي (الرئاسة المصرية)

عقب إعلان الصومال وصول معدات ووفود عسكرية مصرية، أبدت جارتها الغربية إثيوبيا التي لديها خلافات سابقة مع القاهرة بسبب أزمة «سد النهضة»، قلقها ولوحت بأنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، مع حديث إعلام رسمي في أديس أبابا عن تحرك قوات إثيوبية على الحدود مع الصومال، وترقب لتداعيات الخطوة التي لم تبد مصر تعليقاً رسمياً بشأنها بعد.

إرسال قوات مصرية إلى الصومال «سيرفع منسوب التوتر» مع إثيوبيا، وفق خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، إلا أنهم توقعوا أن تكون التداعيات دبلوماسية «قد تصل للقطيعة» دون أي تصعيد عسكري على الأرض.

متحدث الخارجية الإثيوبية، نبيو تاديلي، قال، الأربعاء، في بيان: «إن بلاده تعرب عن قلقها إزاء انتقال بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية في الصومال إلى بعثة جديدة لدعم السلام دون أخذ دعوات إثيوبيا (لم يوضحها) على محمل الجد»، عادّاً ذلك «يشكل مخاطر على المنطقة».

إثيوبيا أضافت أنها «لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي بينما تتخذ جهات فاعلة أخرى (لم تسمها) تدابير لزعزعة استقرار المنطقة»، مؤكدة أنها «تراقب التطورات في المنطقة التي قد تهدد أمنها القومي».

يأتي ذلك غداة إعلان سفير الصومال لدى مصر، علي عبدي أواري، «بدء وصول المعدات والوفود العسكرية المصرية إلى العاصمة الصومالية مقديشو في إطار مشاركة مصر بقوات حفظ السلام»، موضحاً أن «مصر بذلك ستكون أولى الدول التي تنشر قوات لدعم الجيش الصومالي بعد انسحاب قوات الاتحاد الأفريقي الحالية».

صوماليون يحتجون ضد صفقة الميناء بين إثيوبيا وأرض الصومال بمقديشو (رويترز)

وعدَّ السفير الصومالي هذه الخطوة «مهمة وأولى الخطوات العملية لتنفيذ مخرجات القمة المصرية الصومالية» التي عُقدت في القاهرة مؤخراً بين الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والصومالي حسن شيخ محمود في 14 أغسطس (آب) الحالي، والتي شهدت توقيع اتفاق دفاعي مشترك بين البلدين.

وبينما لم تعلق مصر على إرسال قوات إلى الصومال، فإن الموضوع أثار تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي عقب الحديث الصومالي وإفادة الخارجية الإثيوبية وسط ترحيب بمواقف مصر الداعمة للصومال بمواجهة ما يرونه «غطرسة» إثيوبية.

وقال الإعلامي وصانع المحتوى المصري، لؤي الخطيب، في تدوينة على «إكس»: «مصر لم تذهب إلى الصومال إلا لحفظ السلام، سواء ضمن البعثة الأفريقية أو عبر القوات التي ستنتشر بموجب اتفاق بين البلدين، في الحالتين الهدف هو حفظ السلام وتجنب الحرب... من يزعزع استقرار المنطقة هو إثيوبيا التي تتعاون مع كيانات غير شرعية، وتعتدي في سبيل تحقيق أطماعها على أراضٍ لدولة مستقلة مثل الصومال، وهي ممارسات استعمارية لا يمكن لمن يقترفها أن يتحدث عن الاستقرار».

وتستعد مصر للمشاركة في بعثة الدعم التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال (AUSSOM)، التي من المقرر أن تحل محل بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية الحالية (ATMIS) بحلول يناير (كانون الثاني) 2025، بحسب إفادة للسفير الصومالي، الأربعاء.

الخارجية الإثيوبية استنكرت في بيانها تلك الخطوة، وقالت إنه «بدلاً من متابعة هذه الجهود من أجل السلام في محادثات بتركيا لحل الخلافات التي شهدت إحراز تقدم ملموس، تسعى حكومة الصومال مع جهات خارجية إلى زعزعة استقرار المنطقة وتحاول تأجيج التوتر»، محذرة من «عواقب قد تنزلق إليها المنطقة».

وأطلقت تركيا مبادرة للوساطة بين الصومال وإثيوبيا واستضافت جولتين من المفاوضات بين البلدين لحل الخلاف بشأن اتفاقية بخصوص ميناء، وقعتها أديس أبابا مع منطقة أرض الصومال الانفصالية في بداية العام الماضي، تسمح لها باستخدام سواحل المنطقة على البحر الأحمر لأغراض تجارية وعسكرية.

ضابط شرطة صومالي يقف للحراسة خلال مسيرة ضد صفقة ميناء إثيوبيا وأرض الصومال بأحد شوارع مقديشو (رويترز)

يأتي ذلك وسط حديث وسائل إعلام إثيوبية، بأن «أديس أبابا ستنقل قوات عسكرية إلى حدودها مع الصومال رداً على وصول تعزيزات عسكرية مصرية». ولم تؤكد «وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية» (إينا) تلك الأنباء، غير أنها نقلت تدوينة عن وزير الخارجية الإثيوبي، تاي أتسكي سيلاسي، تفيد بأن «انتقال بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية في الصومال لا ينبغي أن يؤدي إلى حالة من عدم اليقين والفوضى الهائلة في القرن الأفريقي».

بالتوازي، التزمت مصر الصمت حيال تلك التطورات، غير أن الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي كشف في 14 أغسطس الحالي عن احتمال مشاركة قوات مصرية بقوات حفظ السلام بالصومال حال وافقت مقديشو، وذلك في مؤتمر صحافي مشترك بالقاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود، وتلاه ترحيب من السفير الصومالي بمصر في إفادة، وقتها.

ولا تزال الخلافات متصاعدة بين مصر وإثيوبيا في ملف سد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على فرع النيل الأزرق، والذي تقول القاهرة والخرطوم إنه سيؤثر بشكل كبير في حصتيهما من مياه النيل، وتتمسكان بالتوصل أولاً إلى «اتفاق ملزم» مع أديس أبابا بشأن ملء وتشغيل السد، لضمان استمرار تدفق حصتيهما المائية من نهر النيل، وهو ما تنفيه إثيوبيا، وتؤكد أنها لا تستهدف الإضرار بدولتَي مصبّ النيل.

أزمة داخلية

المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، الدكتور خالد عكاشة، يرى أن ذلك التعقيب الإثيوبي على الوجود المصري بالصومال «يعكس أزمة إثيوبية داخلية وتوتراً داخلياً لديهم»، مؤكداً أن أزمة إثيوبيا الأساسية مع الصومال منذ عقود، وتوقيع أديس أبابا اتفاقاً مع أرض الصومال هو ما رفع التوتر وليس الحضور المصري.

وتعارض مصر توقيع الحكومة الإثيوبية في يناير الماضي، اتفاقاً مبدئياً مع إقليم «أرض الصومال» تحصل بموجبه أديس أبابا على مَنفذ بحري، وعدّت القاهرة حينها الاتفاق «مخالفاً للقانون الدولي، واعتداء على السيادة الصومالية».

ويؤكد عكاشة أن الحضور المصري نابع من طلب صومالي وهو حق سيادي لمقديشو في اختيار الدول التي تشارك في قوات حفظ السلام على أراضيها، موضحاً أن مصر أعلنت ذلك بكل شفافية، وواضح أنها كانت ستشارك منذ فترة ولم يكن الأمر مفاجئاً للجميع أو تم بصورة عشوائية.

ونبه إلى أن الشراكة المصرية الصومالية ليست عسكرية وتقتصر على التدريب ورفع الكفاءة العسكرية، ولكنها تمتد لأبعاد اقتصادية وتنموية، و«هذا ما يزعج إثيوبيا»؛ أن تشهد مقديشو تطوراً تنموياً اقتصادياً تحتاج إليه البلاد، ومصر قادرة على دعم الصومال فيه.

وعن الأزمة الحالية، يرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الوهاب شيخ عبد الصمد، أن الموقع الاستراتيجي للصومال في القرن الأفريقي يجعلها لاعباً مهماً في الجغرافيا السياسية الإقليمية، مضيفاً أنه قد يُنظر إلى الوجود العسكري المصري في الصومال من قبل إثيوبيا على أنه «محاولة من القاهرة لتطويق إثيوبيا أو الضغط عليها من جبهات متعددة، ومن ثم تصعيد التوترات».

وباعتقاد عبد الصمد أن «وجود قوات عسكرية أجنبية في الصومال، قد يعقد الاستقرار الداخلي في الصومال وعلاقاتها بالدول المجاورة، بما في ذلك إثيوبيا»، ويرى أنه قد تنظر إثيوبيا إلى التدخل المصري في الصومال بعدّه «تحديًا لنفوذها في المنطقة». ونظراً لشبكة التحالفات المعقدة في منطقة القرن الأفريقي، فقد يؤدي هذا إلى إعادة تنظيم القوى الإقليمية، مع سعي إثيوبيا ربما إلى موازنة النفوذ المصري من خلال تعزيز علاقاتها بلاعبين إقليميين آخرين.

الوجود العسكري المصري في الصومال، وفق عبد الصمد، «يفتح فصلاً جديداً من التوترات بين القاهرة وأديس أبابا» خاصة في سياق نزاعهما المستمر حول مياه النيل وسد النهضة. وقد يؤدي هذا الوضع إلى زيادة المنافسة الجيوسياسية وربما مواجهة إقليمية أوسع إذا لم تتم إدارته بعناية.

فيما يرى عميد معهد الدراسات الأفريقية الأسبق في مصر، ورئيس لجنة الشؤون الأفريقية السابق بمجلس النواب، الدكتور السيد فليفل، أن إثيوبيا «تثير زوبعة في الإقليم بمخالفتها للقانون الدولي وروح التعاون»، لافتاً إلى أن «مصر أبرمت اتفاقاً دفاعياً مع الصومال، لا يحمل أي إجراءات عدائية، ويتماشى في إطار التعاون العسكري الطبيعي والتقليدي».

فيما يتوقع المحلل السياسي السوداني، هيثم محمود حميدة، «حدوث توتر بين مصر وإثيوبيا»، قد يصل لـ«قطيعة دبلوماسية» بعد وصول القوات المصرية ولهجة التهديد الحادة من قبل الحكومة الإثيوبية بنشر قوات على الحدود مع الصومال في ظل أزمة تتفاقم بسبب سد النهضة.

وفي اعتقاد حميدة أن «أديس أبابا ستستغل هذا الحدث لتقوم بتجييش شعبها وعمل تعبئة تزيد من شعبية رئيس الوزراء في البلاد آبي أحمد وهذا سيترتب عليه زيادة في التوتر القائم أصلاً بين البلدين».


مقالات ذات صلة

إعلان «ولاية شمال شرق» الصومالية رسمياً يقلص ذرائع الانفصال

العالم العربي الرئيس الصومالي يشارك في مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرق (وكالة الأنباء الصومالية)

إعلان «ولاية شمال شرق» الصومالية رسمياً يقلص ذرائع الانفصال

بدأت ولاية «شمال شرق الصومال»، المتاخمة للإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، مهام عملها رسمياً بعد أشهر من إعلانها وبدء تشكيل هياكلها الحكومية، وسط حضور رئاسي.

محمد محمود (القاهرة)
تحليل إخباري الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

تحليل إخباري مقديشو تواجه تحدياً جديداً بعد مهلة غوبالاند بشأن انتخابات الرئاسة

تصعيد جديد من قِبل رئيس ولاية غوبالاند، أحمد مدوبي مع الحكومة الصومالية الفيدرالية، حيث «توعد بإقامة انتخابات منفردة» إذا انقضت مهلة تصل لنحو 20 يوماً.

محمد محمود (القاهرة)
تحليل إخباري مشاورات عسكرية بين مصر والصومال العام الماضي في القاهرة (المتحدث العسكري)

تحليل إخباري اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» يعزز التنسيق العسكري بين القاهرة ومقديشو

يسلط اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي دولةً مستقلةً، الضوء على التفاهمات والاتفاقات الأمنية التي أبرمتها القاهرة ومقديشو.

أحمد جمال (القاهرة)
العالم العربي وزير الخارجية المصري يلتقي الممثل الشخصي لسكرتير عام حلف «الناتو» لشؤون الجوار الجنوبي الثلاثاء (الخارجية المصرية)

مصر تشدد على وحدة الصومال وتُحذر من زعزعة استقرار «القرن الأفريقي»

شددت مصر، الثلاثاء، على تمسكها بوحدة وسيادة الصومال على أراضيه، محذرةً من أن يؤدي الاعتراف إسرائيل بما يسمى "أرض الصومال"، إلى تقويض أسس الاستقرار في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي رئيس جيبوتي إسماعيل عمر غيلة يستقبل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

آبي أحمد يزور جيبوتي ويعيد الجدل بشأن «صفقة المنفذ البحري»

زار رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، جيبوتي، وركز على قضايا التجارة والخدمات اللوجيستية، وسط جدل مستمر بسبب تمسكه بحصول بلاده، الحبيسة، على منفذ بالبحر الأحمر.

محمد محمود (القاهرة)

المغرب يقبل دعوة ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

الملك محمد السادس (رويترز)
الملك محمد السادس (رويترز)
TT

المغرب يقبل دعوة ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

الملك محمد السادس (رويترز)
الملك محمد السادس (رويترز)

قالت وزارة الخارجية ​المغربية في بيان اليوم (الاثنين) إن الملك محمد السادس عاهل البلاد، قبِل دعوة ‌من الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ⁠ترمب ​للانضمام بصفته ‌عضواً مؤسساً إلى «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة.

وذكرت الوزارة في بيان أن ⁠العاهل المغربي رد ‌بالإيجاب على الدعوة، ‍مضيفة أن المملكة المغربية «ستعمل على المصادقة على الميثاق التأسيسي لهذا المجلس».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن يوم 14 يناير 2026 (رويترز)

وتابعت: «تشيد المملكة ​المغربية بالإعلان عن إطلاق المرحلة الثانية من ⁠مخطط السلام الشامل للرئيس ترمب، وكذا الإحداث الرسمي للجنة الوطنية لإدارة غزة كهيئة انتقالية مؤقتة».


«الجنائية الدولية»: «الدعم» حفرت مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب» في السودان

مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)
مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)
TT

«الجنائية الدولية»: «الدعم» حفرت مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب» في السودان

مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)
مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)

اتهمت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهت شميم خان، الاثنين، «قوات الدعم السريع» بحفر مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية» ارتكبتها في إقليم دارفور بغرب السودان.

ووفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية، قالت خان في إحاطة لمجلس الأمن الدولي إن مكتب المدعي العام خلص إلى أن «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية قد ارتُكبت في الفاشر، ولا سيما في أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، مع وصول حصار المدينة من قبل (قوات الدعم السريع) إلى ذروته».

وأوضحت في الإحاطة التي قدمتها عبر الفيديو لعدم حصولها على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة، أن المكتب استند إلى مواد صوتية ومرئية ولقطات بالأقمار الصناعية «تشير إلى وقوع قتل جماعي وإلى محاولات إخفاء الجرائم عن طريق حفر مقابر جماعية».

وأطبقت «قوات الدعم السريع» حصارها على الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في مايو (أيار) 2024، إلى أن سيطرت عليها بالكامل في أكتوبر 2025.

وأظهرت صور بالأقمار الصناعية حللتها وكالة الصحافة الفرنسية في ديسمبر (كانون الأول)، آثاراً لما يبدو أنّها قبور، على مساحة 3600 متر مربع.

كما حدد تحليل مماثل لمختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل الأميركية في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) «أكواماً من الأشياء التي تتوافق مع جثث بشرية» تمّ نقلها أو دفنها أو حرقها.

وأفادت شهادات ناجين من معركة الفاشر، بتعرّض المدنيين للاستهداف أثناء فرارهم من المدينة، بما يشمل إعدامات ميدانية وعنفاً جنسياً.

وحذرت خان من أن سكان دارفور يتعرضون لـ«تعذيب جماعي»، مضيفة أن «سقوط الفاشر صاحبه حملة منظمة ومحسوبة لتعريض المجتمعات غير العربية لأعمق أشكال المعاناة».

أضافت: «استناداً إلى تحقيقاتنا فإن العنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب، يُستخدم كأداة حرب في دارفور»، وأن «الصورة التي تتضح تدريجياً هي صورة مروّعة لجريمة منظمة واسعة النطاق، تشمل عمليات إعدام جماعية وفظائع».

وأكدت أن هذه الجرائم تشمل كل الإقليم الشاسع ولا تقتصر على الفاشر.

وتحدثت عن أدلة على أن «الفظائع التي ارتُكبت في الجنينة عام 2023 تكررت في الفاشر عام 2025، وهذه الجرائم تتكرر في مدينة تلو الأخرى بدارفور»، محذّرة من أنها ستستمر «إلى أن يتم وضع حد لهذا النزاع وللإفلات من العقاب».

ويقدّر خبراء الأمم المتحدة أن «قوات الدعم السريع» قتلت ما بين 10 و15 ألف شخص في مدينة الجنينة بغرب دارفور معظمهم من قبيلة المساليت.

وجددت خان دعوة السلطات السودانية لتسليم الأفراد الذين أصدرت الجنائية الدولية بحقهم مذكرات توقيف، وأبرزهم الرئيس السابق عمر البشير ورئيس الحزب الحاكم في عهده أحمد هارون.

ورأت أن تسليم الأخير يمثّل أولوية؛ إذ يواجه عشرات الاتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب تتضمن القتل والاغتصاب والتعذيب، إبان قمع السلطات لتمرد في دارفور في مطلع الألفية وفي جنوب كردفان عام 2011.

وينفي هارون هذه التهم.


«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
TT

«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)

بدأت الحكومة المصرية خطوات إنشاء مشروع «مدينة العاصمة الطبية للمستشفيات والمعاهد التعليمية للبحوث والتدريب»، وسط تطلعات بأن تُحدث نقلة نوعية في المنظومة الصحية.

وخلال اجتماع مع عدد من أعضاء حكومته، الاثنين، أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن المشروع «هو بمثابة حلم نضيفه لمصر في الفترة المقبلة... من شأنه أن يُحدث نقلة نوعية في الخدمات الصحية».

وأوضح في إفادة رسمية أن «هناك توجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي بالبدء في تنفيذ هذه المدينة، وقد قطعنا بالفعل شوطاً طويلاً في إعداد الدراسات الخاصة بهذا المشروع، وكذلك التصميمات المختلفة»، مشيراً إلى أن مصر تضع على أجندة أولوياتها في هذه المرحلة تحسين الخدمات الصحية والتعليمية.

ويقام المشروع على مساحة تصل إلى 221 فداناً، ويشتمل على 18 معهداً بسعة إجمالية تصل إلى أكثر من 4 آلاف سرير، وتقدم مستشفياته خدمات متنوعة تشمل العناية المركزة، والعناية المتوسطة، ورعاية الأطفال المبتسرين، وكذا خدمات الاستقبال والطوارئ، والعيادات، فضلاً عن إجراء العمليات الجراحية، وفق نائب رئيس الوزراء للتنمية البشرية ووزير الصحة خالد عبد الغفار.

وأورد بيان صادر عن الحكومة، الاثنين، أن المشروع «يتضمن إنشاء الجامعة الأهلية لعلوم الطب والتكنولوجيا الطبية، والتي تضم خمس كليات هي: كلية الطب البشري، وكلية طب الأسنان، وكلية التمريض، وكلية الصيدلة، والكلية التكنولوجية للعلوم الطبية التطبيقية، بالإضافة إلى مركز للأبحاث».

وأضاف البيان أن الطاقة الاستيعابية للجامعة تقدر بنحو 4 آلاف طالب، وتركز على دعم البحث العلمي والتدريب.

وتقام «المدينة الطبية» في العاصمة الجديدة، التي أصبحت مقراً للحكومة والبرلمان والوزارات، والتي من المنتظر أن تستوعب نحو 7 ملايين مواطن، وكان الغرض من إنشائها بالدرجة الأولى تخفيف الضغط على القاهرة التي يسكنها 18 مليون نسمة، إضافة إلى استقبالها ملايين الزوار يومياً.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع لبدء إجراءات إنشاء المدينة الطبية (مجلس الوزراء)

ويرى محمود فؤاد، المدير التنفيذي لـ«جمعية الحق في الدواء»، وهي جمعية أهلية، أن إنشاء مدينة طبية متكاملة سيشكل طفرة كبيرة في منظومة الرعاية الصحية بمصر، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «المدينة الطبية مشروع طموح سيغير مفهوم الرعاية الصحية بالبلاد، خاصة في مجال البحث العلمي، الذي يمكنه أن يساهم في رسم سياسات صحية مستقبلية بمعايير علمية، بما سيؤدي إلى تحسين الخدمات الصحية المقدمة للمواطن».

وتطرق فؤاد إلى تأثير فكرة المدينة الطبية المتكاملة على التعليم الطبي، قائلاً: «الكثير من كليات الطب ليست لديها مستشفيات، وهو ما يجعل طلابها يبحثون عن مستشفيات أخرى في أماكن بعيدة جغرافياً للتدرّب فيها، كما أن بعض المستشفيات لديها مراكز أبحاث، لكنها تكون في أماكن أخرى بعيدة جغرافياً؛ لذلك ستوفر المدينة الطبية كل عناصر تطوير المنظومة الصحية في مكان واحد، بما في ذلك توفير التدريب لطلاب كليات الطب».

وبحسب إفادة وزير الصحة المصري، تبحث الحكومة عدة مقترحات تتعلق بطريقة إنشاء مدينة العاصمة الطبية، منها أن تتم بشراكة أجنبية بنظام «نموذج الإدارة المشتركة»، عن طريق قيام الجانب المصري بالتشغيل الطبي، الذي يتمثل في الإدارة الطبية الكاملة، من توفير الأطباء والتمريض والسياسات العلاجية ورعاية المرضى، على أن يختص الجانب الأجنبي بإدارة المرافق والخدمات المساعدة، من خلال عقد تشغيل لعدة سنوات، مؤكداً أنه يوجد «عدد من العروض تتعلق بذلك سيتم بحثها مع الجهات المتقدمة».

مساعٍ حكومية في مصر لتطوير المنظومة الصحية (وزارة الصحة)

وتؤكد عضوة لجنة الصحة بمجلس النواب، إيرين سعيد، أن فكرة إنشاء مدينة طبية متكاملة ستشكل «صرحاً طبياً مهماً، ونقلة نوعية في المنظومة الصحية بالبلاد».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «حتى يتحول مشروع المدينة الطبية إلى إنجاز حقيقي، يجب دراسة مشكلات المنظومة الصحية في مصر وعلاجها جذرياً، حيث تقوم المنظومة على 3 عناصر تتمثل في المستشفيات وتجهيزاتها وبنيتها التحتية وأجهزتها الطبية، ثم العنصر البشري من أطباء وتمريض وطواقم طبية، يليه ملف الأدوية».

وأكدت أن الحكومة «تبذل جهداً كبيراً في تطوير العنصر الأول، وهو المستشفيات، في حين يظل العنصر الثاني يعاني من مشكلات كبيرة، منها تدني أجر الطبيب والطواقم الطبية، كما أن ملف الأدوية يحتاج إلى حلول جذرية لضمان توافرها بالأسواق بشكل مستدام».