التعاون العسكري المصري - الصومالي يصعّد التوترات مع إثيوبيا

وسط خلاف بين القاهرة وأديس أبابا بشأن «سد النهضة»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل نظيره الصومالي في قصر الاتحادية بالقاهرة منتصف أغسطس الحالي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل نظيره الصومالي في قصر الاتحادية بالقاهرة منتصف أغسطس الحالي (الرئاسة المصرية)
TT

التعاون العسكري المصري - الصومالي يصعّد التوترات مع إثيوبيا

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل نظيره الصومالي في قصر الاتحادية بالقاهرة منتصف أغسطس الحالي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل نظيره الصومالي في قصر الاتحادية بالقاهرة منتصف أغسطس الحالي (الرئاسة المصرية)

عقب إعلان الصومال وصول معدات ووفود عسكرية مصرية، أبدت جارتها الغربية إثيوبيا التي لديها خلافات سابقة مع القاهرة بسبب أزمة «سد النهضة»، قلقها ولوحت بأنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، مع حديث إعلام رسمي في أديس أبابا عن تحرك قوات إثيوبية على الحدود مع الصومال، وترقب لتداعيات الخطوة التي لم تبد مصر تعليقاً رسمياً بشأنها بعد.

إرسال قوات مصرية إلى الصومال «سيرفع منسوب التوتر» مع إثيوبيا، وفق خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، إلا أنهم توقعوا أن تكون التداعيات دبلوماسية «قد تصل للقطيعة» دون أي تصعيد عسكري على الأرض.

متحدث الخارجية الإثيوبية، نبيو تاديلي، قال، الأربعاء، في بيان: «إن بلاده تعرب عن قلقها إزاء انتقال بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية في الصومال إلى بعثة جديدة لدعم السلام دون أخذ دعوات إثيوبيا (لم يوضحها) على محمل الجد»، عادّاً ذلك «يشكل مخاطر على المنطقة».

إثيوبيا أضافت أنها «لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي بينما تتخذ جهات فاعلة أخرى (لم تسمها) تدابير لزعزعة استقرار المنطقة»، مؤكدة أنها «تراقب التطورات في المنطقة التي قد تهدد أمنها القومي».

يأتي ذلك غداة إعلان سفير الصومال لدى مصر، علي عبدي أواري، «بدء وصول المعدات والوفود العسكرية المصرية إلى العاصمة الصومالية مقديشو في إطار مشاركة مصر بقوات حفظ السلام»، موضحاً أن «مصر بذلك ستكون أولى الدول التي تنشر قوات لدعم الجيش الصومالي بعد انسحاب قوات الاتحاد الأفريقي الحالية».

صوماليون يحتجون ضد صفقة الميناء بين إثيوبيا وأرض الصومال بمقديشو (رويترز)

وعدَّ السفير الصومالي هذه الخطوة «مهمة وأولى الخطوات العملية لتنفيذ مخرجات القمة المصرية الصومالية» التي عُقدت في القاهرة مؤخراً بين الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والصومالي حسن شيخ محمود في 14 أغسطس (آب) الحالي، والتي شهدت توقيع اتفاق دفاعي مشترك بين البلدين.

وبينما لم تعلق مصر على إرسال قوات إلى الصومال، فإن الموضوع أثار تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي عقب الحديث الصومالي وإفادة الخارجية الإثيوبية وسط ترحيب بمواقف مصر الداعمة للصومال بمواجهة ما يرونه «غطرسة» إثيوبية.

وقال الإعلامي وصانع المحتوى المصري، لؤي الخطيب، في تدوينة على «إكس»: «مصر لم تذهب إلى الصومال إلا لحفظ السلام، سواء ضمن البعثة الأفريقية أو عبر القوات التي ستنتشر بموجب اتفاق بين البلدين، في الحالتين الهدف هو حفظ السلام وتجنب الحرب... من يزعزع استقرار المنطقة هو إثيوبيا التي تتعاون مع كيانات غير شرعية، وتعتدي في سبيل تحقيق أطماعها على أراضٍ لدولة مستقلة مثل الصومال، وهي ممارسات استعمارية لا يمكن لمن يقترفها أن يتحدث عن الاستقرار».

وتستعد مصر للمشاركة في بعثة الدعم التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال (AUSSOM)، التي من المقرر أن تحل محل بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية الحالية (ATMIS) بحلول يناير (كانون الثاني) 2025، بحسب إفادة للسفير الصومالي، الأربعاء.

الخارجية الإثيوبية استنكرت في بيانها تلك الخطوة، وقالت إنه «بدلاً من متابعة هذه الجهود من أجل السلام في محادثات بتركيا لحل الخلافات التي شهدت إحراز تقدم ملموس، تسعى حكومة الصومال مع جهات خارجية إلى زعزعة استقرار المنطقة وتحاول تأجيج التوتر»، محذرة من «عواقب قد تنزلق إليها المنطقة».

وأطلقت تركيا مبادرة للوساطة بين الصومال وإثيوبيا واستضافت جولتين من المفاوضات بين البلدين لحل الخلاف بشأن اتفاقية بخصوص ميناء، وقعتها أديس أبابا مع منطقة أرض الصومال الانفصالية في بداية العام الماضي، تسمح لها باستخدام سواحل المنطقة على البحر الأحمر لأغراض تجارية وعسكرية.

ضابط شرطة صومالي يقف للحراسة خلال مسيرة ضد صفقة ميناء إثيوبيا وأرض الصومال بأحد شوارع مقديشو (رويترز)

يأتي ذلك وسط حديث وسائل إعلام إثيوبية، بأن «أديس أبابا ستنقل قوات عسكرية إلى حدودها مع الصومال رداً على وصول تعزيزات عسكرية مصرية». ولم تؤكد «وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية» (إينا) تلك الأنباء، غير أنها نقلت تدوينة عن وزير الخارجية الإثيوبي، تاي أتسكي سيلاسي، تفيد بأن «انتقال بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية في الصومال لا ينبغي أن يؤدي إلى حالة من عدم اليقين والفوضى الهائلة في القرن الأفريقي».

بالتوازي، التزمت مصر الصمت حيال تلك التطورات، غير أن الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي كشف في 14 أغسطس الحالي عن احتمال مشاركة قوات مصرية بقوات حفظ السلام بالصومال حال وافقت مقديشو، وذلك في مؤتمر صحافي مشترك بالقاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود، وتلاه ترحيب من السفير الصومالي بمصر في إفادة، وقتها.

ولا تزال الخلافات متصاعدة بين مصر وإثيوبيا في ملف سد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على فرع النيل الأزرق، والذي تقول القاهرة والخرطوم إنه سيؤثر بشكل كبير في حصتيهما من مياه النيل، وتتمسكان بالتوصل أولاً إلى «اتفاق ملزم» مع أديس أبابا بشأن ملء وتشغيل السد، لضمان استمرار تدفق حصتيهما المائية من نهر النيل، وهو ما تنفيه إثيوبيا، وتؤكد أنها لا تستهدف الإضرار بدولتَي مصبّ النيل.

أزمة داخلية

المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، الدكتور خالد عكاشة، يرى أن ذلك التعقيب الإثيوبي على الوجود المصري بالصومال «يعكس أزمة إثيوبية داخلية وتوتراً داخلياً لديهم»، مؤكداً أن أزمة إثيوبيا الأساسية مع الصومال منذ عقود، وتوقيع أديس أبابا اتفاقاً مع أرض الصومال هو ما رفع التوتر وليس الحضور المصري.

وتعارض مصر توقيع الحكومة الإثيوبية في يناير الماضي، اتفاقاً مبدئياً مع إقليم «أرض الصومال» تحصل بموجبه أديس أبابا على مَنفذ بحري، وعدّت القاهرة حينها الاتفاق «مخالفاً للقانون الدولي، واعتداء على السيادة الصومالية».

ويؤكد عكاشة أن الحضور المصري نابع من طلب صومالي وهو حق سيادي لمقديشو في اختيار الدول التي تشارك في قوات حفظ السلام على أراضيها، موضحاً أن مصر أعلنت ذلك بكل شفافية، وواضح أنها كانت ستشارك منذ فترة ولم يكن الأمر مفاجئاً للجميع أو تم بصورة عشوائية.

ونبه إلى أن الشراكة المصرية الصومالية ليست عسكرية وتقتصر على التدريب ورفع الكفاءة العسكرية، ولكنها تمتد لأبعاد اقتصادية وتنموية، و«هذا ما يزعج إثيوبيا»؛ أن تشهد مقديشو تطوراً تنموياً اقتصادياً تحتاج إليه البلاد، ومصر قادرة على دعم الصومال فيه.

وعن الأزمة الحالية، يرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الوهاب شيخ عبد الصمد، أن الموقع الاستراتيجي للصومال في القرن الأفريقي يجعلها لاعباً مهماً في الجغرافيا السياسية الإقليمية، مضيفاً أنه قد يُنظر إلى الوجود العسكري المصري في الصومال من قبل إثيوبيا على أنه «محاولة من القاهرة لتطويق إثيوبيا أو الضغط عليها من جبهات متعددة، ومن ثم تصعيد التوترات».

وباعتقاد عبد الصمد أن «وجود قوات عسكرية أجنبية في الصومال، قد يعقد الاستقرار الداخلي في الصومال وعلاقاتها بالدول المجاورة، بما في ذلك إثيوبيا»، ويرى أنه قد تنظر إثيوبيا إلى التدخل المصري في الصومال بعدّه «تحديًا لنفوذها في المنطقة». ونظراً لشبكة التحالفات المعقدة في منطقة القرن الأفريقي، فقد يؤدي هذا إلى إعادة تنظيم القوى الإقليمية، مع سعي إثيوبيا ربما إلى موازنة النفوذ المصري من خلال تعزيز علاقاتها بلاعبين إقليميين آخرين.

الوجود العسكري المصري في الصومال، وفق عبد الصمد، «يفتح فصلاً جديداً من التوترات بين القاهرة وأديس أبابا» خاصة في سياق نزاعهما المستمر حول مياه النيل وسد النهضة. وقد يؤدي هذا الوضع إلى زيادة المنافسة الجيوسياسية وربما مواجهة إقليمية أوسع إذا لم تتم إدارته بعناية.

فيما يرى عميد معهد الدراسات الأفريقية الأسبق في مصر، ورئيس لجنة الشؤون الأفريقية السابق بمجلس النواب، الدكتور السيد فليفل، أن إثيوبيا «تثير زوبعة في الإقليم بمخالفتها للقانون الدولي وروح التعاون»، لافتاً إلى أن «مصر أبرمت اتفاقاً دفاعياً مع الصومال، لا يحمل أي إجراءات عدائية، ويتماشى في إطار التعاون العسكري الطبيعي والتقليدي».

فيما يتوقع المحلل السياسي السوداني، هيثم محمود حميدة، «حدوث توتر بين مصر وإثيوبيا»، قد يصل لـ«قطيعة دبلوماسية» بعد وصول القوات المصرية ولهجة التهديد الحادة من قبل الحكومة الإثيوبية بنشر قوات على الحدود مع الصومال في ظل أزمة تتفاقم بسبب سد النهضة.

وفي اعتقاد حميدة أن «أديس أبابا ستستغل هذا الحدث لتقوم بتجييش شعبها وعمل تعبئة تزيد من شعبية رئيس الوزراء في البلاد آبي أحمد وهذا سيترتب عليه زيادة في التوتر القائم أصلاً بين البلدين».


مقالات ذات صلة

إثيوبيا تستعيد السيطرة على مدينة حدودية بعد أنباء عن توغل إريتري

أفريقيا عناصر من الشرطة الفيدرالية في ميكيلي بعد انسحاب «جبهة تحرير شعب تيغراي» منها (رويترز)

إثيوبيا تستعيد السيطرة على مدينة حدودية بعد أنباء عن توغل إريتري

تبادل البلدان الاتهامات بعدما أثارت تقارير عن توغل قوات إريترية - نفتها إريتريا ولم يتسن لـ«رويترز» التحقق منها بشكل مستقل.

«الشرق الأوسط» (أسمرة - أديس أبابا)
أفريقيا عناصر من الشرطة الإثيوبية يقومون بدورية في ميكيلي بعد تراجع متمرّدي «جبهة تحرير تيغراي» يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

ما التحركات الإثيوبية المحتملة إثر تزايد التوتر مع إريتريا؟

تبادلت إثيوبيا وإريتريا، الجمعة، الاتهامات بشنّ «حرب عدوانية»، في وقت يهدّد النزاع المتصاعد بين الجيش الإثيوبي ومتمرّدي تيغراي بالتحوّل إلى حرب إقليمية.

محمد محمود (القاهرة) «الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ (الرئاسة المصرية)

السيسي يؤكد رفض أي ترتيبات جديدة للنفاذ إلى البحر الأحمر

شدّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على رفض أي إجراءات تستهدف «إنشاء ترتيبات جديدة» للنفاذ إلى البحر الأحمر على حساب سيادة الدول المشاطئة.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يترأس اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)

السيسي: حصة مصر المائية حق تاريخي راسخ لا نقبل المساس به

جددت مصر تمسكها بحقها في نهر النيل، وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي إن «حصة مصر المائية حق تاريخي راسخ لا نقبل المساس به»، في وقت صعَّدت فيه إثيوبيا لهجتها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أفريقيا عناصر من «قوة السلام» التابعة للحكومة الفيدرالية خلال دورية في الشارع بعاصمة تيغراي ميكيلي (أ.ف.ب)

تجهيز إثيوبي لإدارة جديدة في تيغراي

تتجه الحكومة الفيدرالية الإثيوبية لتأسيس إدارة جديدة في إقليم تيغراي ضمن تحركاتها لمواجهة الجبهة المعارضة لحكومة آبي أحمد بالإقليم الذي يشهد نزاعاً جديداً

محمد محمود (القاهرة )

قوى سودانية تبحث مع «الآلية الخماسية» سبل وقف الحرب

فتى سوداني يمسك وعاء للحصول على طعام من مطبخ خيري بالخرطوم 23 سبتمبر الماضي (أ.ب)
فتى سوداني يمسك وعاء للحصول على طعام من مطبخ خيري بالخرطوم 23 سبتمبر الماضي (أ.ب)
TT

قوى سودانية تبحث مع «الآلية الخماسية» سبل وقف الحرب

فتى سوداني يمسك وعاء للحصول على طعام من مطبخ خيري بالخرطوم 23 سبتمبر الماضي (أ.ب)
فتى سوداني يمسك وعاء للحصول على طعام من مطبخ خيري بالخرطوم 23 سبتمبر الماضي (أ.ب)

بحث وفد من القوى السياسية والمدنية السودانية المنضوية تحت «إعلان المبادئ»، في أديس أبابا، الاثنين، مع «الآلية الخماسية» سُبل إنهاء الحرب ومعالجة الأزمة الإنسانية في السودان.

وقالت هذه القوى، في بيان صحافي، إن الاجتماع مع «الآلية الخماسية»، التي تضم الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، وهيئة «إيغاد»، ركز على إطلاق ترتيبات عملية سلام يقودها السودانيون، تبدأ بهدنة إنسانية تُفضي إلى وقف دائم للقتال وانتقال مدني ديمقراطي.

وشدد بيان القوى، وهي تحالف سياسي مدني مناهض للحرب، على أولوية التوصل إلى «هدنة إنسانية فورية غير مشروطة»، ودعا إلى حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، بما يمهد لإطلاق عملية السلام.

وقدمت القوى السودانية رؤيتها إلى «الآلية الخماسية» الدولية بشأن عملية سلام متكاملة تمضي في ثلاثة مسارات متزامنة، تتصدرها الاستجابة الإنسانية لما خلفته الحرب، ووقف إطلاق النار، إلى جانب إطلاق حوار سياسي يعالج جذور الأزمة، ويؤسس لسلام عادل وشامل يؤدي إلى انتقال مدني ديمقراطي مستدام.

وتدعو الرؤية إلى توحيد الوساطات الإقليمية والدولية وربطها بضغوط منسقة، تشمل توسيع حظر السلاح إلى كامل السودان، وتجفيف مصادر تمويل الحرب، ومحاسبة مرتكبي الفظائع ومعرقلي السلام.

وشدد المشاركون في اجتماع أديس أبابا على أهمية إنشاء مظلة موحدة تضم «الرباعية» و«الآلية الخماسية» ودول الترويكا.

كما أكد البيان ضرورة مشاركة كل القوى المدنية السودانية في تصميم العملية وقيادتها وفق معايير عادلة تمنع هيمنة أي طرف، مع استبعاد حزب «المؤتمر الوطني» المعزول وواجهاته التنظيمية من أي مشاركة في العملية السياسية المقبلة.

وفقاً للبيان، أكدت «قوى إعلان المبادئ» أهمية ربط عملية السلام بإنفاذ إجراءات مشددة للضغط على أطراف الحرب التي تعرقل السلام، إلى جانب وقف كل أشكال الدعم الخارجي التي تؤجج النزاع، وتجفيف مصادر تمويل الحرب، ومحاسبة المسؤولين عن الفظائع.

كما شددت القوى على ضرورة الحفاظ على وحدة السودان أرضاً وشعباً، وجددت الدعوة لأن تعمل كل المساعي الإقليمية والدولية مع السودانيين في إيجاد حل سلمي للأزمة، وتحويل الجهود الدبلوماسية إلى خطوات ملموسة توقف نزيف الدم وتخفف معاناة الشعب السوداني.

وتوافقت قوى «إعلان المبادئ السوداني»، في وقت سابق، على وثيقة تنص على أنه «لا حل عسكرياً للأزمة»، داعية إلى عملية سياسية بملكية سودانية خالصة، بمشاركة واسعة من القوى المناهضة للحرب، بما يعزز فرص الوصول إلى حلول مستدامة.

ويضم إعلان قوى المبادئ «تحالف صمود» بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، و«حزب الأمة القومي»، و«التجمع الاتحادي»، وحزب «المؤتمر السوداني»، و«الحركة الشعبية لتحرير السودان - التيار الثوري»، وحركة «جيش تحرير السودان»، و«حزب البعث العربي الاشتراكي»، بالإضافة إلى عدد من الشخصيات الوطنية المستقلة.


أمطار غزيرة تُعرِّي البنية التحتية في العاصمة الليبية

أمطار طوفانية تسببت في غرق سيارات بالعاصمة الليبية (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
أمطار طوفانية تسببت في غرق سيارات بالعاصمة الليبية (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
TT

أمطار غزيرة تُعرِّي البنية التحتية في العاصمة الليبية

أمطار طوفانية تسببت في غرق سيارات بالعاصمة الليبية (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
أمطار طوفانية تسببت في غرق سيارات بالعاصمة الليبية (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

​أدت أمطار غزيرة هطلت على العاصمة الليبية طرابلس، الثلاثاء، إلى إغراق شوارع ومنازل وسيارات، وإرباك حركة المرور، وتعطيل خدمات في مرافق عامة ومصرفية، بينما دفعت السلطات بفرق الطوارئ والإنقاذ للتعامل مع تجمعات المياه، وأغلقت طرقاً رئيسية.

جانب من الأمطار التي ضربت العاصمة الليبية (مديرية أمن طرابلس)

ووجَّهت حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، الجهات المختصة إلى رفع درجة الجاهزية، وتسخير الإمكانات اللازمة لمواجهة تداعيات الأمطار.

وقد تسببت الأمطار في تعرية البنية التحتية في طرابلس، حسب سكان محليين. وأعادت الأضرار التي طالت مناطق عدة تسليط الضوء على كفاءة شبكات تصريف المياه، رغم مشروعات التطوير المنفَّذة حديثاً.

وقال اللواء محمد علي البكوش، مدير «إدارة الفروع بهيئة السلامة الوطنية»، والمتحدث باسم الهيئة، لـ«الشرق الأوسط»، إن الأمطار الغزيرة التي هطلت على بعض ضواحي طرابلس أدت إلى تجمع كميات كبيرة من المياه، وحدوث سيول واختناقات مرورية، وغرق عدد من السيارات. وأرجع ذلك إلى «تهالك البنية التحتية في بعض ضواحي العاصمة».

تكوُّن برك المياه في أحد شوارع العاصمة الليبية طرابلس جرَّاء الأمطار (حكومة الوحدة)

وأضاف البكوش أن الهيئة شكَّلت خلية عمل، ودفعت بفرق الإنقاذ والإغاثة للتعامل مع تداعيات الأمطار، بالتنسيق مع هيئة المياه والصرف الصحي، وشركة الخدمات العامة، ومركز طب الطوارئ والدعم، لافتاً إلى تسخير الإمكانات المتاحة لشفط المياه من المناطق المتضررة.

وفي حصيلة أولية للوفيات المعلنة المرتبطة بتداعيات الأمطار، أعلن مصرف الجمهورية وفاة أحد موظفيه، إثر تعرضه لصعقة كهربائية خلال دخوله مقر عمله في شارع المقريف بطرابلس.

وحسب سكان محليين ووسائل إعلام ليبية، تركزت تجمعات المياه في مناطق عدة، من بينها سوق الجمعة وبن عاشور وفشلوم والنوفليين، بالإضافة إلى «ميدان الشهداء» بوسط العاصمة. وأدت المياه إلى غمر شوارع ومنازل وسيارات، وإعاقة حركة المرور، وإلحاق أضرار ببعض المحال التجارية.

وأعلنت مديرية أمن طرابلس إغلاق الاتجاه الشرقي من الطريق الدائري الثاني، ابتداء من كوبري الجامعة، بسبب تجمع المياه، ودعت السائقين إلى استخدام مسارات بديلة.

مياه الأمطار امتدت إلى أحد المراكز الصحية في طرابلس (النقابة العامة لأطباء الأسنان)

وامتدت تداعيات الأمطار إلى مرافق عامة؛ إذ أفادت تقارير محلية بدخول المياه إلى «المتحف الوطني» الليبي، وغمر ملعب النهر في المدينة الرياضية. بينما أعاقت تجمعات المياه حركة السكان في مناطق متفرقة، وأثَّرت في تنقلاتهم اليومية، وسط استمرار جهود التعامل مع المياه المتراكمة.

ولم تسلم الخدمات المصرفية من آثار التقلبات الجوية؛ إذ أعلن المصرف التجاري الوطني -وهو مصرف حكومي- توقف بعض فروعه مؤقتاً عن تقديم الخدمات، بسبب خلل في شبكة الاتصالات نجَم عن الأحوال الجوية، في وقت واجه فيه السكان صعوبات في التنقل والوصول إلى الخدمات.

وفي مواجهة الأضرار، وجَّهت حكومة «الوحدة الوطنية» بتوفير الآليات والفرق الفنية وفرق الطوارئ والإنقاذ لشفط المياه وإزالة العوائق، بمشاركة هيئة السلامة الوطنية، وشركة المياه والصرف الصحي، وشركة الخدمات العامة، وأجهزة الإسعاف، بهدف تسريع الاستجابة للمناطق الأكثر تضرراً.

كما سيَّرت الجهات المختصة سيارات شفط المياه إلى عدد من بلديات العاصمة، بينما شكَّلت وزارة الصحة لجنة للطوارئ لمتابعة التداعيات الصحية المحتملة، وتنسيق الاستجابة مع الجهات المعنية. وتزامنت هذه الإجراءات مع استمرار التعامل الميداني مع تجمعات المياه والاختناقات المرورية.

عنصر تابع لـ«هيئة السلامة الوطنية» خلال متابعة جهود الإنقاذ في طرابلس الثلاثاء (الصفحة الرسمية للهيئة)

وقال اللواء خليل وهيبة، مدير أمن طرابلس، إن الفرق الأمنية والشرطية تواصل عملها الميداني لمساعدة المواطنين وتنظيم حركة السير، والتعامل مع تداعيات الأمطار؛ خصوصاً في المناطق التي تشهد تجمعات للمياه، أو إغلاقاً لبعض الطرق، داعياً إلى الالتزام بالتوجيهات الأمنية.

وأعلنت الشركة العامة للكهرباء فصل التيار عن مناطق في طرابلس، في إجراء احترازي، عقب دخول المياه إلى بعض المحطات الكهربائية.

لكن الإجراءات الحكومية لم توقف الانتقادات المتعلقة بأوضاع البنية التحتية، وقدرتها على استيعاب كميات الأمطار. ففي سوق الجمعة، أعلن عميد البلدية أنور عوز، في تسجيل مصور، أن البلدية منكوبة، محملاً الحكومة مسؤولية تقديم الدعم اللازم، في ظل ما وصفه بانهيار البنية التحتية.

وأظهرت مقاطع مصورة متداولة محاولات لإنقاذ أشخاص حاصرتهم المياه، بينما أثارت مشاهد غرق المنازل والسيارات تساؤلات حول جاهزية شبكات تصريف مياه الأمطار. ولم تتوفر بيانات رسمية شاملة توضح حجم الأضرار، أو عدد المناطق التي لحقتها خسائر.

وانتقد عضو مجلس النواب علي السباعي أوضاع العاصمة عقب الأمطار، قائلاً إن مشاهد غرق المنازل والطرق والسيارات والأحياء لم يسبق له أن رآها بهذا الشكل. وتساءل في منشور عبر صفحته الرسمية بموقع «فيسبوك» عن جدوى شعار «عودة الحياة»، في ظل الأضرار التي لحقت مناطق من طرابلس.

وكانت حكومة «الوحدة الوطنية» قد أطلقت مبادرة «عودة الحياة» عام 2021، لتنفيذ مشروعات إعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية والمرافق العامة. وأعاد السباعي -من خلال انتقاده- طرح التساؤلات بشأن انعكاس مشروعات التنمية على قدرة العاصمة على مواجهة الأمطار والحد من آثارها.

أشجار تساقطت جرَّاء الأمطار في العاصمة الليبية طرابلس الثلاثاء (الهلال الأحمر الليبي)

وطالب البكوش الحكومة «بمعالجة الاختلالات المتراكمة في شبكات تصريف المياه والطرق والكباري»، وشدد على ضرورة المسارعة في «إصلاح البنية التحتية، وتدارك الأخطاء المتراكمة على مدى عشرات السنين، لتفادي تكرار الأضرار مستقبلاً».


الجزائر والنيجر تبحثان التحديات الأمنية وتهديدات الحدود المشتركة

الوزير المنتدب للدفاع الجزائري في أثناء إلقائه كلمة بمناسبة زيارة وزير دفاع النيجر (وزارة الدفاع الجزائرية)
الوزير المنتدب للدفاع الجزائري في أثناء إلقائه كلمة بمناسبة زيارة وزير دفاع النيجر (وزارة الدفاع الجزائرية)
TT

الجزائر والنيجر تبحثان التحديات الأمنية وتهديدات الحدود المشتركة

الوزير المنتدب للدفاع الجزائري في أثناء إلقائه كلمة بمناسبة زيارة وزير دفاع النيجر (وزارة الدفاع الجزائرية)
الوزير المنتدب للدفاع الجزائري في أثناء إلقائه كلمة بمناسبة زيارة وزير دفاع النيجر (وزارة الدفاع الجزائرية)

بحث الوزير المنتدب للدفاع ورئيس أركان الجيش الجزائري، الفريق أول السعيد شنقريحة، مع وزير دفاع دولة النيجر، الفريق أول ساليفو مودي، التحديات الأمنية والتهديدات على الحدود المشتركة، خلال لقائهما، اليوم الثلاثاء، إلى جانب مستجدات الوضع السياسي والأمني في النيجر. ويأتي هذا اللقاء بعد نحو شهر ونصف شهر من إرسال الجزائر طائرات عسكرية إلى نيامي، في خطوة جاءت في سياق التطورات الأمنية التي شهدتها النيجر، عقب محاولة انقلاب ضد رئيس البلاد.

وزير دفاع النيجر خلال زيارته مقر قيادة أركان الجيش الجزائري (وزارة الدفاع الجزائرية)

وأفاد بيان لوزارة الدفاع الجزائرية أن شنقريحة استقبل مودي بمقر الوزارة، بحضور قائد القوات البرية، وقائد القوات الجوية، وقائد الدرك الوطني، ومدير الديوان لدى وزارة الدفاع، ورؤساء الدوائر ومديرين مركزيين بوزارة الدفاع وأركان الجيش الجزائري، وكذا أعضاء الوفد العسكري النيجري.

وأوضح البيان أن الوفدين «أجريا محادثات تناولت التعاون العسكري الثنائي، كما تبادلا التحاليل ووجهات النظر حول القضايا ذات الاهتمام المشترك»، من دون تفاصيل أخرى.

علاقات تتجه إلى أفق أرحب

نقل نفس البيان عن شنقريحة أن العلاقات بين الجزائر والنيجر «ليست وليدة اليوم، بل هي علاقات عريقة تشكلت بحكم أواصر الأخوة والتضامن الصادق وحسن الجوار، وتكرّست في ظل محطات فارقة في تاريخ البلدين، ورسختها رؤية متقاربة لمستقبل منطقتنا ومصير شعوبها»، مؤكداً أن زيارة وزير الدفاع النيجري «تندرج في إطار الديناميكية المتجددة التي تعرفها العلاقات الجزائرية - النيجرية، وتعكس بحق الإرادة المشتركة لقيادتي البلدين في تعزيز مسارات التعاون الثنائي، لا سيما في المجال الدفاعي والأمني»..

جانب من مباحثات وفدي وزارتي الدفاع الجزائرية والنيجرية (وزارة الدفاع الجزائرية)

ولفت سعيد شنقريحة إلى أن هذه الزيارة «تأتي في سياق الزيارة التاريخية»، التي قادت الرئيس عبد الرحمان تشياني إلى الجزائر يومي 15 و16 فبراير (شباط) الماضي، والتي وصفها شنقريحة بأنها «محطة مفصلية في مسار العلاقات بين البلدين، وعززت الإرادة القوية لقائدي البلدين في الارتقاء بعلاقاتنا إلى آفاق أرحب، ومواجهة التحديات الإقليمية بروح من التضامن المتجدد والمسؤولية المشتركة»، وفق ما نقله بيان وزارة الدفاع.

وأضاف نفس البيان أن الفريق أول ساليفو مودي «عبّر عن تطلعه الدائم للعمل على تعزيز علاقات التعاون العسكري، كما أشاد بمستوى التنسيق متعدد الأبعاد بين البلدين الشقيقين».

وأكدت مصادر مطلعة أن الجانبين بحثا مكافحة الإرهاب والجماعات المسلحة، وتبادُل المعلومات والخبرات، وتعزيز التنسيق لمواجهة نشاط الجماعات المسلحة في منطقة الساحل والصحراء، خصوصاً في المناطق الحدودية التي يفوق طولها 900 كلم. كما تناولت المباحثات، حسب المصادر نفسها، تأمين الحدود المشتركة، وتعزيز مراقبتها، ومواجهة التهريب والجريمة المنظمة، والتحركات المسلحة العابرة للحدود.

رئيس وزراء النيجر خلال زيارته الجزائر في 27 أغسطس الماضي (الوزارة الأولى الجزائرية)

من التوتر إلى التحالف

شهدت العلاقات بين البلدين الجارين توتراً حاداً عام 2025، على خلفية إسقاط سلاح الجو الجزائري طائرة مسيّرة مالية في الأول من أبريل (نيسان). وأعلنت النيجر وبوركينا فاسو تضامنهما مع مالي في خلافها مع الجزائر، فيما تبادلت الأطراف المعنية تصريحات حادة، ووصلت القضية إلى الأمم المتحدة، حيث تقدمت مالي بشكوى ضد الجزائر.

غير أن العلاقات عادت إلى طبيعتها مع الدول الثلاث خلال العام الحالي، وتم طي الخلاف مع النيجر، بمناسبة زيارة رئيسها إلى الجزائر في فبراير الماضي. وقد أصبحت أكثر متانة منذ نهاية شهر أغسطس (آب) الماضي، وذلك عندما أوفدت الجزائر مقاتلات عسكرية إلى نيامي لصد محاولة انقلاب ضد تشياني.

وتناول الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون هذه القضية في الثالث من الشهر الحالي، خلال مقابلة مع التلفزيون العمومي الجزائري، مؤكداً أن بلاده تحركت عسكرياً لمنع عزل الرئيس تشياني بالقوة. وأثارت هذه القضية جدلاً داخلياً في البلاد، ذلك أنه لأول مرة تنقل الجزائر عتادها العسكري خارج حدودها في مواجهة مع طرف أجنبي.

انتشار الجيش الجزائري بالقرب من الحدود مع النيجر (صحف جزائرية)

وقد أحبطت السلطات النيجرية محاولة الانقلاب، التي جرت ليلة 28 إلى 29 أغسطس الماضي، عقب هجمات متزامنة شنّتها مجموعة من العسكريين استهدفت القصر الرئاسي والقاعدة الجوية بمطار نيامي الدولي، بهدف الإطاحة بالرئيس. وعزت تقارير صحافية فرنسية فشل المحاولة إلى تضافر عدة عوامل؛ أبرزها ولاء الحرس الرئاسي، وسرعة تحرك القوات الموالية، إلى جانب التدخل الحاسم لعناصر «فيلق أفريقيا» الروسي المنتشر في حدود النيجر.

وفي تصريحاته حول القضية، قال تبون بهذا الخصوص: «كان رئيس الوزراء النيجري (محمد لمين زين) موجوداً في الجزائر، وفي الوقت نفسه كانت هناك محاولة انقلاب جارية في النيجر. ماذا يعني هذا؟ هل هو استفزاز للجزائر؟ وأنا أيضاً سأرسل طائرات، وسأقف في مواجهتكم نداً لندّ؛ لأن هناك من لم يعد يعرف حدود اللياقة والاحترام».

رئيس النيجر السابق محمد بازوم لدى زيارته الجزائر قبل عام من عزله في انقلاب عسكري في 2023 (الرئاسة الجزائرية)

ولمّح تبون في كلامه إلى وقوف طرف أجنبي وراء محاولة الانقلاب في النيجر، عاداً أن الخطة كانت تستهدف إزاحة حليف الجزائر، الرئيس عبد الرحمن تشياني، وزعزعة الاستقرار على الحدود المشتركة بين البلدين. غير أنه لم يكشف عن هوية هذه الجهة.