حكومة شرق ليبيا تعلن وقف إنتاج النفط وتصديره حتى إشعار آخر

«قوت الشعب» يدخل مجدداً حلبة «الصراع السياسي»

أحد المواقع النفطية التابعة لشركة «الواحة» للنفط (المكتب الإعلامي للشركة)
أحد المواقع النفطية التابعة لشركة «الواحة» للنفط (المكتب الإعلامي للشركة)
TT

حكومة شرق ليبيا تعلن وقف إنتاج النفط وتصديره حتى إشعار آخر

أحد المواقع النفطية التابعة لشركة «الواحة» للنفط (المكتب الإعلامي للشركة)
أحد المواقع النفطية التابعة لشركة «الواحة» للنفط (المكتب الإعلامي للشركة)

صعّدت الحكومة الليبية المكلفة من مجلس النواب، برئاسة أسامة حمّاد، من موقفها تجاه عملية تغيير رئيس محافظ المصرف المركزي، من قبل سلطات طرابلس، وقررت (الاثنين) إعلان حالة «القوة القاهرة» على جميع الحقول والموانئ والمؤسسات والمرافق النفطية، وإيقاف إنتاج وتصدير النفط «حتى إشعار آخر».

وبهذه الخطوة يعود النفط الذي يُوصف «بقوت الليبيين»، ويُشكّل 98 في المائة من موارد البلاد مجدداً، إلى دائرة الصراع السياسي بين أفرقاء الأزمة المتنافسين على حكم ليبيا.

أسامة حماد رئيس الحكومة الليبية المكلفة من البرلمان (مكتب حماد)

وبرّر حمّاد القرار، بأنه ردّ على «تكرار الاعتداءات على قيادات وموظفي وإدارات مصرف ليبيا المركزي من قبل (مجموعات خارجة عن القانون)، وبتحريض ومساعدة من المجلس الرئاسي، منتحل الصفة».

وقال في مؤتمر صحافي، (الاثنين) إن «محاولات الدخول بالقوة إلى مقر المصرف نتج عنها إيقاف وعرقلة سير المعاملات المالية للدولة؛ كما أدت إلى الإضرار بالمواطنين بشكل عام».

وفيما نوه إلى أنها (الاعتداءات) من شأنها أيضاً «تعريض الاقتصاد الوطني للانهيار المتسارع»، أهاب بالأجهزة المختصة والتابعة لحكومته التفاعل مع قرار الإغلاق، ووضعه موضع التنفيذ «بشكل عاجل».

وأيّد عيسى العريبي رئيس لجنة الطاقة بمجلس النواب، قرار الحكومة الليبية بإعلان حالة «القوة القاهرة» على جميع الحقول والموانئ النفطية.

حقل «الشرارة» النفطي في جنوب ليبيا (الاتحاد العام لعمال النفط والغاز)

وأغلق مواطنون وقبائل ليبية مقربة من «الجيش الوطني» حقولاً وموانئ نفطية قبل ذلك، على خلفيات مطالب اجتماعية وأزمات سياسية بين سلطات شرق البلاد وغربها، ولأسباب من بينها «عدم وجود عدالة في توزيع الموارد».

وتقع غالبية الحقول تحت سيطرة «الجيش الوطني» برئاسة المشير خليفة حفتر، فضلاً عن أن منطقة الواحات بجنوب غربي ليبيا، تعد من أبرز المناطق الغنية بالحقول النفطية في البلاد.

ووسط تخوفات مجتمعية ودولية من تداعيات وقف النفط، دافع عضو مجلس النواب، محمد تامر، عن القرار الذي اتخذه حمّاد، وقال إنه «جاء رداً على الإجراءات غير القانونية التي أجراها المجلس الرئاسي بخصوص تكليف محافظ جديد للمصرف المركزي».

وعدّ تامر، النائب عن الجنوب الليبي، قرار «الرئاسي» بتغيير المحافظ «تعدياً على اختصاصات مجلسي النواب والأعلى للدولة»، متهماً (الرئاسي) بـ«الإضرار بالمصرف المركزي».

وعدّ في حديث إلى «الشرق الأوسط» إعلان حكومة حمّاد «القوة القاهرة» على الحقول النفطية «إجراءً احترازياً يستهدف الحفاظ على أموال الليبيين».

https://www.facebook.com/watch/?v=1182655736180888

وبالتوازي مع قرار حمّاد، أعلنت شركة الواحة للنفط، (الاثنين) أنها «ستبدأ في التخفيض التدريجي» للإنتاج، مطالبة الجهات المختصة بالتدخل للمحافظة على استمرار إنتاج النفط، كما حذرت من أن استمرار الاحتجاجات والضغوط سيؤدي إلى إيقاف إنتاج النفط.

محتجون من شباب منطقة الواحات بجنوب غربي ليبيا يعلنون البدء في تعطيل إنتاج النفط (من مقطع فيديو)

وقبل ذلك، أعلن عدد من شباب المناطق النفطية والفعاليات الاجتماعية في مدن الواحات الواقعة جنوب شرقي ليبيا، التوجه لإغلاق الحقول النفطية في منطقتهم، على خلفية أزمة مصرف ليبيا المركزي.

وتوعدوا في بيان مصور تلاه أحدهم «بإغلاق الحقول النفطية بالكامل لحين التوصل لاتفاق عادل لاقتسام الموارد بين الأقاليم، وإعطاء كل ذي حق حقه»، وزادوا من توعدهم: «سوف نستمر في الإغلاق حتى تتحقق مطالبنا العادلة والمشروعة».

وقال المجتمعون إنهم «تابعوا ما تمر به البلاد من أحداث متسارعة، ومحاولة السيطرة على مصرف ليبيا المركزي بالقوة، والاستفراد بالأموال من قبل ضعفاء النفوس»، وانتهوا إلى أن «أصحاب المصالح الشخصية يريدون تمرير القرارات والتلاعب بأموال الليبيين، وزيادة معاناة الشعب الليبي».

و«القوة القاهرة» هي أحد بنود العقود، وتعفي الطرفين المتعاقدين من التزاماتهما عند حدوث ظروف قاهرة خارجة عن إرادتهما.

أحد حقول النفط في جنوب ليبيا (رويترز)

وتقع المنشآت النفطية في عموم ليبيا رهينة قبضة بعض المحتجين، الذين يطالبون السلطات من حين لآخر بمطالب، بعضها فئوية، تتمثل في زيادة الاستحقاقات المالية، أو الرعاية الطبية لهم ولأسرهم، وذلك بتعمدهم تعطيل العمل في بعض المنشآت النفطية.

وسبق أن أغلق محتجون من الجنوب الليبي حقل «الشرارة»، الذي يعد (أكبر الحقول الليبية) بعد انتهاء مهلة الاستجابة لمطالبهم، محمّلين «المؤسسة الوطنية للنفط»، و«الحكومات» المسؤولية الكاملة في حال عدم تحقيق مطالبهم، ما أعاد مجدداً النفط الليبي إلى «دائرة الصراع».

وتسبب إغلاق حقل «الشرارة» الذي تبلغ طاقته الإنتاجية 300 ألف برميل يومياً، في خسارة ليبيا حتى الآن 3.5 مليار دينار ليبي، بحسب تصريحات صحافية لنقيب قطاع النفط سالم الرميح. (الدولار يساوي 4.84 دينار في السوق الرسمية).

وأعلنت «المؤسسة الوطنية للنفط» في وقت سابق من أغسطس (آب) حالة القوة القاهرة في حقل الشرارة.

وكان جُل الليبيين يتوقعون ذلك، لا سيما بعد تلويح عقيلة صالح رئيس مجلس النواب بذلك، عندما حذر الأسبوع الماضي، من أن «أي تغيير في منصب محافظ المصرف المركزي قد يؤدي إلى إغلاق منشآت النفط، ووقف تحويل الإيرادات إلى المصرف المركزي».

ومضى صالح حين ذلك في تهديده، الذي بات واقعاً: «لن نسمح باستمرار ضخ إيرادات الثروة الليبية لأشخاص جاءوا بطريقة مشبوهة وأيدٍ غير أمينة».

شبان غاضبون يغلقون حقل «108» النفطي في منتصف يوليو 2023 (جهاز حرس المنشآت النفطية بالجنوب الشرقي)

وفي وقت سابق، أكد نائب رئيس «المجلس الأعلى للقبائل الليبية»، السنوسي الحليق، أن إغلاق الموانئ والحقول النفطية في شرق البلاد «قد يكون خياراً مطروحاً إذا استمرت الظروف القاهرة»، محذراً من أن «استغلال هذه الثروة بشكل غير عادل قد يجر البلاد إلى منزلق خطير».

وأظهرت بيانات ديوان المحاسبة الليبي عن النصف الأول من السنة المالية 2024 تسجيل إجمالي الموارد النفطية ما يزيد على 44 مليار دينار موزعة على إيرادات النفط والغاز والمشتقات النفطية.


مقالات ذات صلة

واشنطن تمنح «فيتول» ترخيصاً لبدء مفاوضات استيراد وتصدير النفط الفنزويلي

الاقتصاد رافعات مضخات النفط تقف على بحيرة ماراكايبو في كابيمس بفنزويلا (أ.ب)

واشنطن تمنح «فيتول» ترخيصاً لبدء مفاوضات استيراد وتصدير النفط الفنزويلي

أفادت مصادر مطلعة لـ«رويترز» بأن شركة «فيتول» حصلت على ترخيص خاص من الحكومة الأميركية لبدء مفاوضات بهدف استيراد وتصدير النفط من فنزويلا.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
الاقتصاد أشخاص على الشاطئ يلتقطون صوراً لسفينة الحفر «تنغستن إكسبلورر» في مدينة لارنكا الساحلية (أ.ب)

«إيني» تقترب من تطوير «كرونوس» القبرصي لتصدير الغاز إلى أوروبا عبر مصر

أعلنت شركة الطاقة الإيطالية العملاقة «إيني» أنها وصلت إلى «المراحل النهائية» لاتخاذ قرار الاستثمار لتطوير حقل الغاز الطبيعي «كرونوس» القبرصي.

«الشرق الأوسط» (نيقوسيا)
الولايات المتحدة​ صورة من فيديو قدمته وزارة الدفاع الأميركية لسفينة من خفر السواحل تراقب الناقلة «إم في بيلا 1» شمال المحيط الأطلسي يوم 7 يناير (أ.ب)

ترمب يتوقع إدارة فنزويلا «لسنوات»... ويدعو رئيس كولومبيا لزيارة البيت الأبيض

توقع الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أن تدير الولايات المتحدة فنزويلا ونفطها لسنوات، وتصالَحَ مع الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، ودعاه لزيارة البيت الأبيض قريباً.

علي بردى (واشنطن)
العالم صورة تم توزيعها في 7 يناير 2026 تُظهر مسؤولاً من خفر السواحل الأميركي يراقب من خلال منظار الناقلة مارينيرا (رويترز)

«الخارجية» الروسية: إنزال قوات أميركية على متن الناقلة «مارينيرا» انتهاك بالغ للقانون الدولي

عبّرت وزارة الخارجية الروسية، الخميس، عن قلقها البالغ من استخدام أميركا «القوة بشكل غير قانوني» ضد ناقلة النفط «مارينيرا».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد حقل غرب القرنة 2 النفطي في البصرة بجنوب شرقي بغداد (رويترز)

العراق يُسند إدارة حقل «غرب القرنة 2» لشركة «نفط البصرة»

وافقت الحكومة العراقية على تولي شركة «نفط البصرة» الحكومية إدارة العمليات النفطية في حقل «غرب القرنة 2»، أحد أضخم حقول النفط في العالم، وذلك لمدة 12 شهراً.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

مؤتمر مصري لدعم رئيس فنزويلا الموقوف يثير تباينات

جانب من مؤتمر حزب «الكرامة» المصري لرفض التدخلات الأميركية في فنزويلا (حزب الكرامة)
جانب من مؤتمر حزب «الكرامة» المصري لرفض التدخلات الأميركية في فنزويلا (حزب الكرامة)
TT

مؤتمر مصري لدعم رئيس فنزويلا الموقوف يثير تباينات

جانب من مؤتمر حزب «الكرامة» المصري لرفض التدخلات الأميركية في فنزويلا (حزب الكرامة)
جانب من مؤتمر حزب «الكرامة» المصري لرفض التدخلات الأميركية في فنزويلا (حزب الكرامة)

أثار مؤتمر لقوى سياسية مصرية، لدعم الرئيس الفنزويلي الموقوف، نيكولاس مادورو، تندراً على منصات التواصل الاجتماعي في مصر، وسط تعليقات انتقدت أداء «القوى والأحزاب» الداعية للمؤتمر.

ونظم حزب «الكرامة» المصري، الذي ينتمي للتيار الناصري، مؤتمراً، مساء الثلاثاء، للتعبير عن رفض التدخلات الأميركية في فنزويلا، والتأكيد على التضامن مع مادورو. ودعا سياسيون شاركوا في المؤتمر، منهم السياسي الناصري حمدين صباحي، الولايات المتحدة للإفراج عن الرئيس الفنزويلي.

وأكد صباحي على «دعم المشاركين لمادورو، والشعب الفنزويلي في تقرير مصيره»، وقال إن «اختطاف الرئيس الفنزويلي يعكس مساعي واشنطن لفرض هيمنتها على الشعوب».

وتفاعل متابعون على منصات التواصل الاجتماعي مع المؤتمر، والمشاركين فيه، وتصدر وسم «حمدين صباحي»، «تريند» منصة (إكس)، الخميس، حيث توالت المنشورات، والتعليقات التي تنتقد فكرة المؤتمر، وخطاب المشاركين فيه، والتي اعتبروها «بعيدة عن الواقع».

وبحسب أحد المتابعين فإن «التيار الناصري في مصر ما زال يعيش في فترة الستينات».

فيما رأى الناشط المصري، لؤي الخطيب، أن انعقاد المؤتمر دليل على مواقف المعارضة المصرية المتباينة، وقال عبر حسابه على (إكس) إن «مؤتمر دعم مادورو يقدم إجابة نموذجية على عدم تعامل المصريين بجدية مع المعارضة»، وأشار إلى أن «التقييم السياسي لمؤتمر بهذا الشكل بالنسبة للمواطن العادي هو مجرد نكتة».

وبينما تحدث متابعون عن أسباب انعقاد المؤتمر. هاجم آخرون الشعارات التي استخدمها في المؤتمر باعتبارها غير واقعية.

وانتقد رئيس حزب «الشعب الديمقراطي» المصري، خالد فؤاد، عقد التيار الناصري مؤتمراً لدعم الرئيس الفنزويلي، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «كان من الأفضل أن نرى تحركاً من حزب (الكرامة) والمشاركين في المؤتمر لدعم الاستقرار، ووحدة السودان، واليمن، وليبيا، بدلاً من الحديث عن فنزويلا».

ويعتقد فؤاد أن «الشعارات السياسية التي كان يستخدمها التيار الناصري سابقاً، لم يعد لها حضور حالياً»، ويشير إلى أن «مثل هذه المؤتمرات لا تحظى بتفاعل سياسي أو شعبي في مصر»، موضحاً أن «المطالب التي نادى بها المؤتمر غير واقعية».

ودعا صباحي في كلمته بالمؤتمر إلى ضرورة أن «يصل صوتهم إلى الشوارع في كاراكاس ليعلموا أن مصر معهم»، في حين طالب المشاركون في المؤتمر بـ«تشكيل لجنة تضامن من القوى الشعبية داعمة لفنزويلا».

بينما يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي، أمين الشؤون السياسية للحزب الناصري السابق، محمد سيد أحمد، أن دعم التيار الناصري للرئيس الفنزويلي «لم يكن مستغرباً باعتبار مادورو من المؤيدين للمشروع الناصري»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المؤتمر كان ضرورياً للتأكيد على صوت مصري رافض للتدخل الأميركي في فنزويلا».

ورغم التندر الذي قُوبل به المؤتمر، فإن أحمد اعتبر أن «من المهم تسجيل موقف رافض لما حدث مع مادورو»، وقال: «إذا لم يلقَ هذا الموقف الصدى المطلوب، إلا أنه يبقى صوتاً معبراً عن استمرار القوة الناعمة المصرية الرافضة للتدخلات الأميركية في فنزويلا».


ما حجم المعارضة في البرلمان المصري المقبل؟

إحدى اللجان الانتخابية في أثناء إجراء اقتراع انتخابات مجلس النواب المصري (وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية)
إحدى اللجان الانتخابية في أثناء إجراء اقتراع انتخابات مجلس النواب المصري (وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية)
TT

ما حجم المعارضة في البرلمان المصري المقبل؟

إحدى اللجان الانتخابية في أثناء إجراء اقتراع انتخابات مجلس النواب المصري (وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية)
إحدى اللجان الانتخابية في أثناء إجراء اقتراع انتخابات مجلس النواب المصري (وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية)

تشهد مصر جدلاً متصاعداً بشأن حجم المعارضة في مجلس النواب القادم (الغرفة الأولى للبرلمان)، ومدى تأثيرها، على خلفية تبرؤ «الحركة المدنية الديمقراطية»، (تجمع معارض يضم أحزاباً سياسية وشخصيات عامة)، من نواب انتُخبوا ضمن ائتلاف «أحزاب الموالاة».

ومن المقرر أن تعلن «الهيئة الوطنية للانتخابات»، السبت، النتائج الرسمية لجولة الإعادة الخاصة بالدوائر الـ27 التي أُلغيت نتائجها بأحكام قضائية خلال المرحلة الأولى، لتُختتم بذلك أطول انتخابات برلمانية في تاريخ مصر الحديث.

وانطلقت الانتخابات في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، واستمرت نحو شهرين، وشابتها اتهامات بتجاوزات في عمليات الفرز وشراء الأصوات؛ مما استدعى تدخل الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبعدها قررت «الهيئة الوطنية للانتخابات» إبطال العملية في عدد من الدوائر، وكذلك «المحكمة الإدارية العليا»، فأُعيدت الانتخابات في عشرات الدوائر، لتمتد إلى 7 جولات.

وأكد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن تحديد حجم المعارضة داخل البرلمان سابق لأوانه قبل انعقاد جلسات «مجلس النواب الجديد»، ويتوقف الأمر على توجهات النواب بشأن تشكيل «تحالفات للمعارضة» داخل المجلس، كما أن تأثيرها سيكون متوقفاً على الفضاء السياسي العام الذي يمارس فيه البرلمان أدواره الرقابية والتشريعية.

تضم الحركة المدنية 12 حزباً سياسياً معارضاً، بينها عشرة أحزاب نشطة، هي: الدستور، والتحالف الشعبي الاشتراكي، والعيش والحرية، والكرامة، والشيوعي المصري، والمحافظين، والحزب العربي الديمقراطي الناصري، وحزب الوفاق القومي، والحزب الاشتراكي المصري، وحزب الإصلاح والتنمية، بينما لا يزال حزبا «العدل» و«المصري الديمقراطي» مجمدين نشاطهما داخل الحركة منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة 2024 من دون أن يتراجعا عن هذا القرار.

كانت «الهيئة العامة للاستعلامات» (حكومية) قد أعلنت في وقت سابق «حصد 8 أحزاب معارضة 53 مقعداً بمجلس النواب المقبل، بما يقارب 10 في المائة من الأعضاء المنتخبين بالمجلس، نصف عدد هذه الأحزاب المعارضة من المنتمية (للحركة المدنية الديمقراطية) بعدد 32 مقعداً، يمثلون 60 في المائة من إجمالي مقاعد أحزاب المعارضة»، وذكر البيان أنه «بالتالي يكون مجلس النواب الجديد يضم 15 حزباً سياسياً، منهم 8 أحزاب من المعارضة و7 أحزاب من المؤيدة».

غير أن «الحركة المدنية» شككت في الأرقام التي أعلنتها «هيئة الاستعلامات»، حيث تبرأت من نواب وأحزاب خاضوا الانتخابات ضمن «القائمة الوطنية من أجل مصر» التي يسيطر عليها «أحزاب الموالاة»، وفازت بالتزكية لعدم وجود قوائم منافسة.

اجتماع سابق لـ«الحركة المدنية الديمقراطية» المعارضة في مصر الشهر الماضي (صفحة الحركة المدنية على «فيسبوك»)

وأوضحت الحركة في بيان لها الأربعاء، أن «ما تم ذكره بشأن وجود 32 عضواً يمثلون الحركة المدنية الديمقراطية في البرلمان الجديد، هي معلومة غير صحيحة بالمرّة، حيث إن الأغلبية العظمى من هؤلاء الأعضاء ترشّحوا على ما سُميت بـ(القائمة الوطنية)، التي أعدتها (أحزاب الموالاة)، واستخدمت المال السياسي لاستقطاب المواطنين وتوجيههم للتصويت لصالح هذه القائمة، التي خاضت الانتخابات منفردة، بعد إقصاء القوائم الأخرى دون إبداء أي أسباب».

وأكدت أنها «ليست مسؤولة عن خوض بعض أعضاء الأحزاب، التي جمّدت عضويتها بالحركة، الانتخابات من خلال ما أُطلق عليه (القائمة الوطنية)»، مشيرةً إلى أنها «أعلنت أكثر من مرة أنها لن تخوض الانتخابات بالتنسيق مع (أحزاب الموالاة)، سواء علي الفردي أو عبر القائمة الموحدة؛ وأنها تركت لأعضائها من الأحزاب حرية خوض الانتخابات البرلمانية في إطار ما وضعته الحركة من ضوابط قد أقرتها مسبقاً».

وربط نائب مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» بمصر، الدكتور عمرو هاشم ربيع، حجم وتأثير المعارضة في البرلمان القادم باتخاذ إجراءات من شأنها «فتح المجال العام»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المؤشرات تقول إنه لن يتغير شيء في أداء وتأثير المعارضة في البرلمان القادم ما لم يكن هناك فضاء سياسي يتيح لها الظهور، وإقرار إصلاح سياسي يسمح بأداء مختلف»، معتبراً أن «(فيتو) السيسي قد يؤدي إلى تغيير ما في أداء المجلس القادم».

وجرت الانتخابات المصرية وفق قانون يعتمد نظاماً مختلطاً بواقع انتخاب نصف المقاعد فردياً، في حين أن النصف الآخر يُنتخب بنظام «القوائم المغلقة المطلقة». ويشهد مجلس النواب القادم وجود 596 نائباً، بينهم 568 عضواً بالانتخاب، و28 عضواً بنسبة 5 في المائة يعيّنهم رئيس الجمهورية.

وسيطرت أحزاب الموالاة، وهي «مستقبل وطن» و«حماة وطن» و«الجبهة الوطنية»، على غالبية مقاعد المجلس الجديد، وحصدت مجتمعةً نحو 410 مقاعد، أي 72 في المائة من إجمالي مقاعد المجلس، مقابل 158 مقعداً لأحزاب المعارضة والمستقلين أي 28 في المائة، حسب «الهيئة العامة للاستعلامات».

«الحركة المدنية المعارضة» في مصر تثير جدلاً بالتبرؤ من أحزاب داخلها شاركت على قوائم «أحزاب الموالاة» (وكالة أبناء الشرق الأوسط الرسمية)

وفي رأي أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، الدكتور طارق فهمي، من المبكر تحديد حجم المعارضة وتأثيرها داخل البرلمان القادم، بسبب حالة السيولة السياسية الحالية، مضيفاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «من الناحية النظرية سيكون للمعارضة وجود، لكن عملياً سيتوقف هذا على التطورات اللاحقة، فمن الممكن أن تلجأ أحزاب معارضة ومستقلون إلى تشكيل ائتلاف أو تحالف داخل البرلمان يكون له تأثير واضح».

الجدل بشأن حجم وجود المعارضة في البرلمان المقبل، أبرز التباين بين أحزاب سياسية تصنَّف جميعها بـ«المعارضة» في حين تختلف مواقفها السياسية جذرياً، وهو أمر تكرر أيضاً في انتخابات مجلس النواب 2020، حيث خاضت أحزاب منضوية داخل «الحركة المدنية» الانتخابات على قوائم «أحزاب الموالاة» لكن بعضها حافظ على أداءٍ معارض للحكومة في أثناء فترة مجلس النواب الحالي.

عضو مجلس النواب عن حزب «الإصلاح والتنمية» الدكتورة إيرين سعيد، التي شارك حزبها بـ«القائمة الوطنية» رغم كونه أحد أحزاب «الحركة المدنية»، ترى أن التباين بين مواقف أحزاب المعارضة أمر طبيعي، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «التحالف الانتخابي يختلف عن التحالف السياسي، ومشاركتنا في (القائمة الوطنية) لا يعني توافقاً سياسياً، بل سنظل نعبّر عن مواقفنا المعارضة، ونطرح رؤى تختلف مع ما تطرحه أحزاب الموالاة».


تفاقم صراع الأفرقاء بشأن «مفوضية الانتخابات» الليبية

تكالة يتوسط المنفي (يسار) والدبيبة في لقاء سابق (المجلس الرئاسي الليبي)
تكالة يتوسط المنفي (يسار) والدبيبة في لقاء سابق (المجلس الرئاسي الليبي)
TT

تفاقم صراع الأفرقاء بشأن «مفوضية الانتخابات» الليبية

تكالة يتوسط المنفي (يسار) والدبيبة في لقاء سابق (المجلس الرئاسي الليبي)
تكالة يتوسط المنفي (يسار) والدبيبة في لقاء سابق (المجلس الرئاسي الليبي)

باتت مؤسسة ليبية جديدة على «أبواب الانقسام»، بعد أن عجز أفرقاء الأزمة السياسية في شرق البلاد وغربها عن التوافق على رئيس مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وسط تخوفات من تفاقم الوضع السياسي، ومن ثم تعطيل «خريطة الطريق» الأممية، وضياع فرصة إجراء الاستحقاق الرئاسي.

وبدا أن الأوضاع السياسية في ليبيا إلى مزيد من التعقيد، بعد انتخاب المجلس الأعلى للدولة بالعاصمة طرابلس، برئاسة محمد تكالة، صلاح الدين الكميشي، رئيساً جديداً للمفوضية العليا للانتخابات، بدلاً من رئيسها الحالي عماد السايح المدعوم من مجلس النواب، الذي يتمسك رئيسه عقيلة صالح بالرئيس الحالي.

من حملة الانتخابات البلدية السابقة (المفوضية)

ويعود هذا التصعيد، وفق محللين، إلى التباين العميق في مواقف مجلسي النواب و«الدولة» بشأن أحقية كل طرف في إدارة الملفات السيادية المرتبطة بالعملية الانتخابية، وفي مقدمتها المفوضية العليا للانتخابات، التي تُعد أحد الأعمدة الأساسية لأي «خريطة طريق» سياسية، تهدف إلى إنهاء المرحلة الانتقالية.

وأمام هذا التصعيد بين المجلسين، أكد نيكولا أورلاندو، سفير الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا، أنه اتفق مع تكالة خلال لقائهما، الخميس، على «أهمية الحفاظ على وحدة مؤسسات الدولة، وضمان استدامة الإنفاق العام في جميع أنحاء البلاد للحفاظ على الاستقرار، وحماية الاقتصاد الليبي»، لافتاً إلى أنهما استعرضا «التقدم المحرز والتحديات العالقة في تنفيذ (خريطة الطريق) السياسية التي تيسرها البعثة الأممية».

وأكد أورلاندو، عبر حسابه على منصة «إكس»، دعم الاتحاد الأوروبي لجميع «الجهود والحوار مع مجلس النواب لدفع العملية السياسية قدماً»، مجدداً تشجيعه لجميع الأطراف المعنية على «المشاركة بشكل بنّاء وبحسن نية».

وظلت المفوضية العليا للانتخابات في ليبيا بمنأى عن الانقسام المؤسسي إلى أن اتّجه تكالة للعمل بشكل مفاجئ على إعادة تشكيل مجلسها، وذلك على خلفية تقاربه مع المجلس الرئاسي، وخلافه الحاد مع صالح رئيس مجلس النواب.

ويأتي الخلاف الدائم بين مجلس النواب و«الأعلى للدولة» في «سياق سياسي معقّد تعيشه البلاد منذ تعثر المسار الانتخابي أواخر عام 2021، واستمرار الانقسام المؤسسي بين السلطات التشريعية والتنفيذية».

المنفي مستقبلاً تكالة في أغسطس الماضي (المجلس الرئاسي الليبي)

وسبق أن أعربت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن «قلقها البالغ» إزاء تصاعد حدة التوتر بين المجلسين، في ظل الخلاف المحتدم حول إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، محذّرة من أن «استمرار الخلاف بهذه الوتيرة لا يهدد فقط عمل المفوضية، بل يفتح فصلاً جديداً من الانقسام المؤسسي، قد ينعكس سلباً على فرص استعادة المسار السياسي برمته».

واعتبر صالح أن الغرض من إعادة تشكيل مجلس إدارة مفوضية الانتخابات هو «تعطيل الانتخابات، بوصفه بوابة للخلاف حول المناصب السيادية بوجه عام».

وقال صالح في حديثه إلى «تلفزيون المسار» الليبي إنه «لا يوجد سبب مقنع حتى الآن لتغيير شخص بكفاءة رئيس المفوضية عماد السايح»، ويرى أن ذلك «ليس دفاعاً عن شخص السايح، بل عن المؤسسات الموحدة».

ويشمل الانقسام في ليبيا المؤسسات العسكرية والأمنية، بالإضافة إلى المؤسسات التابعة لحكومة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة أسامة حماد المكلفة من مجلس النواب في شرق البلاد.

ويرى سياسيون أن الانقسام المؤسسي في ليبيا «يزيد من حدة الصراعات بين الأطراف المختلفة، ويؤثر مباشرة على استقرار الدولة، ويعطل فرص إجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية المؤجلة، ومن ثم تأزم المسار السياسي».

تكالة مستقبلاً المنفي في المجلس الأعلى للدولة في أكتوبر الماضي (المجلس الرئاسي الليبي)

في سياق قريب، أعلنت المفوضية الوطنية للانتخابات، الخميس، النتائج النهائية لانتخابات 8 مجالس بلدية ضمن «المجموعة الثالثة»، التي تضم بلديات بنغازي وقمينس والأبيار وتوكرة وسلوق وقصر الجدي وسرت وسبها، وذلك بعد استكمال جميع المراحل القانونية والفنية للعملية الانتخابية.

واستثنت المفوضية في قرارها «النتائج النهائية لانتخابات المجلس البلدي لطبرق في أقصى الشرق الليبي، نظراً لعدم استكمال مرحلة الطعون، التي من المتوقع أن تُعلن نتائجها الأسبوع المقبل».