اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على الصحراء يفجر أزمة حادة مع الجزائر

السلطات الجزائرية تقرر سحب سفيرها في باريس بـ«أثر فوري»

الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمناسبة زيارته للجزائر في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمناسبة زيارته للجزائر في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
TT

اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على الصحراء يفجر أزمة حادة مع الجزائر

الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمناسبة زيارته للجزائر في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمناسبة زيارته للجزائر في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

اختار الرئيس الفرنسي مناسبة احتفال المغرب بالعيد الـ25 لصعود الملك محمد السادس على العرش ليقدم للرباط هدية دبلوماسية وسياسية بالغة الأهمية، من خلال اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء، وهو ما كانت فرنسا ترفضه حتى اليوم.

التوتر الجديد بين باريس والجزائر يطرح علامات استفهام كثيرة حول زيارة تبون المرتقبة لفرنسا (الرئاسة الجزائرية)

ويبدو واضحاً أن خطوة الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي سعى في الأعوام الثلاثة الأخيرة إلى التقارب مع الجزائر، وتصفية الإرث الاستعماري لبلاده من خلال زيارة رسمية للرئيس عبد المجيد تبون، وعبر مجموعة من الخطوات، ستدفع مجدداً العلاقات الفرنسية -ـ الجزائرية نحو التوتر، بالنظر لحساسية الملف للمسؤولين الجزائريين، وللعلاقات المتردية بين الرباط والجزائر. وسارعت الجزائر منذ الخميس الماضي، أي منذ أن علمت الجزائر باستدارة الموقف الفرنسي، إلى إصدار بيان عبرت فيه عن «استنكارها الشديد» للقرار «غير المنتظر»، الذي اتخذته الحكومة الفرنسية بدعم خطة الحكم الذاتي المغربية. وأكدت وزارة الخارجية في بيانها، بلهجة لا تخلو من التهديد، أن الحكومة الجزائرية «ستستخلص كافة النتائج والعواقب التي تنتج عن هذا القرار الفرنسي، وتُحمّل الحكومة الفرنسية وحدها المسؤولية الكاملة والتامة عن ذلك».

باريس: التعويض عن الوقت الضائع

جاءت الخطوة الفرنسية، التي رفضت باريس لسنوات القيام بها ما أدى إلى تباعد بينها وبين المغرب، في إطار رسالة من الرئيس ماكرون إلى العاهل المغربي كشف عنها، معاً، قصر الإليزيه والديوان الملكي المغربي، الثلاثاء. وإذا كانت باريس قد أعلمت الجزائر مسبقاً بمضمون قرارها، فإن غرضها كان تمهيد الأرضية وتفكيك اللغم، الذي يمكن أن ينفجر بوجهها ويطيح بكافة جهود التقارب التي سعى إليها ماكرون ومعه حكومته من أجل «تطبيع» العلاقات بالغة الحساسية بين باريس والجزائر.

الرئيس الجزائري مستقبلاً رئيسة الوزراء الفرنسية في 10 أكتوبر 2022 (الرئاسة الجزائرية)

وليس سراً أن المغرب كان ينتظر منذ فترة طويلة من باريس أن تقدم أخيراً على ما أقدمت عليه، فقد كانت الرباط تأخذ عليها عدم التحاقها بالركب الغربي، على غرار ما فعلت إسبانيا والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وغيرها. وأدى تردد باريس إلى برودة في العلاقات الثنائية. وما زاد في تفاقمها «التقارب» بين باريس والجزائر، والزيارة الرسمية المطولة التي قام بها ماكرون إلى الجزائر في شهر أغسطس (آب) من عام 2022، ومحادثاته المستفيضة مع الرئيس تبون. ولأن العلاقات الفرنسية - المغربية - الجزائرية مسألة بالغة التعقيد، فإن كل تقارب بين باريس وإحدى العاصمتين ينظر إليه على أنه يتم على حساب العاصمة الأخرى.

الرئيس الجزائري مع وزير الداخلية ورئيسة الوزراء الفرنسيين يوم 18 أكتوبر 2022 (الرئاسة الجزائرية)

يبدو اليوم أن فرنسا تريد الإسراع للتعويض عن الوقت الضائع، وعن تأخرها في الاستجابة لما تراه الرباط قضيتها «المقدسة». ففي رسالته، تبنى ماكرون المقاربة المغربية لإغلاق ملف الصحراء بكل نقاطه، حيث كتب أن فرنسا تعتبر أن مخطط الحكم الذاتي الذي عرضه المغرب منذ 2007، «يشكل، من الآن فصاعداً، الأساس الوحيد للتوصل إلى حل سياسي عادل، مستدام ومتفاوض بشأنه طبقاً لقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة»، مضيفاً أن «الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يعد الإطار الذي يجب من خلاله حل هذه القضية».

وفيما يعكس رغبة في محو صفحة الخلافات بين فرنسا والمغرب، قال ماكرون إن دعم باريس لمخطط الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب في2007 «واضح وثابت»، ما يحور نوعاً ما الموقف الفرنسي السابق، حيث دعمت فرنسا دوماً المقاربة الدولية مع تقييمها الإيجابي لما طرحته الرباط.

وبتعبير قاطع لما تلتزم به فرنسا من الآن فصاعداً، كتب ماكرون أن «حاضر ومستقبل الصحراء الغربية يندرجان في إطار السيادة المغربية»، وأن باريس «تعتزم التحرك في انسجام مع هذا الموقف على المستويين الوطني والدولي». كما حرص ماكرون على الإشارة إلى أنه «من الضروري مواصلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لهذه المنطقة»، منوهاً «بجهود المغرب» على هذا الصعيد، ووعد بأن فرنسا «ستواكب المغرب في هذه الخطوات لفائدة السكان المحليين».

ملك المغرب محمد السادس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة الأخير للمغرب في نوفمبر من عام 2018 (رويترز)

وسابقاً، كانت باريس تقول إن المخطط المغربي يشكل «قاعدة جدية وذات مصداقية»، لإيجاد حل لمعضلة الصحراء، ولكن ليست القاعدة «الوحيدة» للحل. وإذ شدد ماكرون على «ثبات الموقف الفرنسي» إزاء ما سماه «تحدي الأمن الوطني» للمغرب، رأى أنه «حان الوقت لإحراز» تقدم على طريق الحل، داعياً «كافة الأطراف إلى الاجتماع من أجل حل سياسي هو في متناول اليد».

الجزائر ترد بسحب سفيرها بـ«أثر فوري» من فرنسا

حقيقة الأمر أن باريس تريد أن تدرج مقاربتها الجديدة في سياق «البراغماتية»، باعتبار أن ما يطرحه المغرب هو أكثر المقترحات جدية، وأنه يحظى بدعم متزايد من قبل الأسرة الدولية، ومنها في أفريقيا، بل إنها ترى فيه المخرج «الوحيد» من الأزمة المتواصلة منذ نحو 50 عاماً ولا أفق حل لها. ويبدو أن الرئيس ماكرون يريد «حماية» موقف بلاده بحديثه عن «حل سياسي عادل، مستدام ومتفاوض بشأنه طبقاً لقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة». إلا أنه يسارع لقول عكس ذلك عندما يجزم بأن الحل الوحيد الممكن يكمن في الحكم الذاتي لمنطقة الصحراء تحت السيادة المغربية.

وبكلام آخر، فإن ماكرون يصطف عملياً إلى جانب المغرب، بل إنه يعد بالترويج للحل الذي تعرضه الرباط منذ 17 عاماً. ولا شك أن موقف باريس الأخير سيعزز علاقاتها مع الرباط، وستكون ترجمته العملية قيام الرئيس ماكرون بزيارة رسمية «الأرجح أن تكون زيارة دولة»، بعد ثلاثة أعوام من العلاقات الباردة.

وأكدت صحيفة «لو موند» في عددها ليوم الاثنين أن «تغير» الموقف الفرنسي برز مع زيارة وزير الخارجية، ستيفان سيجورنيه، إلى الرباط في شهر فبراير (شباط) الماضي، حيث رأى أن «الصحراء الغربية مسألة وجودية» بالنسبة للمغرب، وأن باريس حضرت الأرضية لهذا التغيير منذ ربيع العام الماضي. وأفادت الصحيفة نفسها بأن الإليزيه دعا رؤساء الشركات الكبرى إلى اجتماع مع المستشار الدبلوماسي لماكرون، حيث أخبرهم الأخير بالتغير المرتقب في سياسة باريس، وأكد لهم أن زيارة ماكرون للرباط قائمة، ومن المنتظر أن تتم قبل نهاية العام الحالي، وما تنتظره فرنسا هو تلقي الدعوة الرسمية لإتمامها.

كان من الطبيعي أن تعبر الرباط عن ترحيبها وارتياحها إزاء الانعطافة الحادة في الموقف الفرنسي. وصدر بيان عن الديوان الملكي المغربي رأى أن ما قامت به باريس يشكل «تطوراً مهماً وبالغ الدلالة في دعم السيادة المغربية على الصحراء».

وتقترح الرباط منح هذه المنطقة حكماً ذاتياً تحت سيادتها، فيما تدعو جبهة «البوليساريو» إلى إجراء استفتاء لتقرير المصير برعاية الأمم المتحدة، نصّ عليه اتّفاق وقف إطلاق النار المبرم عام 1991.

ولم يتأخر رد فعل الجزائر حتى قبل نشر الرسالة الرئاسية، حيث سارعت وزارة الخارجية إلى إصدار بيان، الخميس الماضي، أعربت فيه «عن استنكارها لقرار الحكومة الفرنسية الاعتراف بخطة الحكم الذاتي لإقليم الصحراء الغربية في إطار السيادة المغربية».

وبعد ذيوع خبر رسالة ماكرون رسمياً، الثلاثاء، صدر عن وزارة الخارجية بيان أفاد بأن الحكومة الجزائرية قررت سحب سفيرها المعتمد في باريس بـ«أثر فوري». وقال البيان: «لقد أقدمت الحكومة الفرنسية على إعلان تأييدها القطعي والصريح للواقع الاستعماري المفروض فرضاً في إقليم الصحراء الغربية. وهذه الخطوة التي لم تقدم عليها أي حكومة فرنسية سابقة قد تمت من قبل الحكومة الحالية، باستخفاف واستهتار كبيرين دون تقييم متبصر للعواقب التي تسفر عنها».

واتهم البيان باريس بـ«انتهاك الشرعية الدولية، والتنكر لحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره وتناقض كل الجهود الحثيثة والدؤوبة، التي تبذلها الأمم المتحدة بهدف استكمال مسار تصفية الاستعمار في الصحراء الغربية، فضلاً عن أنها تتنصل من مسؤولياتها الخاصة المترتبة على عضويتها الدائمة في مجلس الأمن». ومع هذا التطور، تكون زيارة الرئيس عبد المجيد تبون المؤجلة إلى باريس قد دخلت في غياهب النسيان.

ومن جانبها، هاجمت «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية» «البوليساريو» فرنسا، وأكدت أنها «تستبعد باريس من كل مبادرة لغرض وضع حد للاستعمار في الصحراء»، بما في ذلك من بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء»، واتهمت في بيان فرنسا بـ«الوقوف إلى جانب المحتل» ما يجعلها «طرفاً غير مقبول».



مصر تشدد على رفض «أي إجراءات أحادية» تمس وحدة الصومال

وزير الخارجية المصري خلال لقائه نظيره الصومالي الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقائه نظيره الصومالي الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تشدد على رفض «أي إجراءات أحادية» تمس وحدة الصومال

وزير الخارجية المصري خلال لقائه نظيره الصومالي الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقائه نظيره الصومالي الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)

شدَّدت مصر على رفضها الكامل «أي إجراءات أحادية» تمس وحدة الأراضي الصومالية، أو تنتقص من سيادة الدولة، مؤكدة دعمها الكامل لجمهورية الصومال الفيدرالية ومؤسساتها الوطنية.

جاء ذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الصومالي عبد السلام عبدي علي، تناول تطورات الأوضاع في الصومال، وسبل تعزيز العلاقات الثنائية، والتنسيق المشترك بين البلدين.

وأكدت مصر حرصها على متابعة التطورات الجارية، لا سيما في العاصمة مقديشو، مُشدِّدة على أهمية الحفاظ على أمن واستقرار الصومال.

والأربعاء الماضي، شهدت العاصمة مقديشو اشتباكات بين قوات الشرطة وعناصر مسلحة، وذلك على خلفية أزمة سياسية منذ قرار الرئيس حسن شيخ محمود تمديد ولايته، وعشية مظاهرة معارضة له.

وذكرت الشرطة الصومالية، في بيان لها الأربعاء، أن «عملية أمنية واسعة النطاق نفَّذتها قوات الأمن في العاصمة تقترب من نهايتها»، مشيرة إلى أنَّها تهدف إلى ضرب «ميليشيات مسلحة شنَّت هجمات بقذائف الهاون على بعض أحياء العاصمة الصومالية».

من جانبه، أشاد وزير الخارجية الصومالي بالدعم المصري المتواصل للصومال على المستويات السياسية والتنموية والأمنية، مثمناً المواقف المصرية الثابتة الداعمة لوحدة وسيادة الصومال، وسلامة أراضيه.

وأكد الحرص على مواصلة التنسيق والتشاور مع مصر بشأن مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك بما يحقِّق المصالح المشتركة.

وكان عبد العاطي قد التقى عبد السلام عبدي علي، على هامش الاجتماع الوزاري الكوري - الأفريقي الأسبوع الماضي، وفي ذلك الحين شدَّد وزير الخارجية المصري على مواصلة تعزيز الشراكة الاستراتيجية والتعاون بين البلدين في شتى المجالات الأمنية والتجارية بما يحقِّق تطلعات الشعبين، ويعزِّز الاستقرار والتنمية.

وأشار وزير الخارجية المصري إلى أهمية الإسراع بالإفراج عن البحَّارة المصريين المختطفين وضمان سلامتهم، والعمل على إطلاق سراحهم، حسب بيان لـ«الخارجية المصرية»، الاثنين الماضي.

وأعلنت «الخارجية المصرية» في بيان، الشهر الماضي، تعرُّض ناقلة نفط على متنها 8 بحَّارة مصريين للاختطاف قرب سواحل الصومال، بعد أيام من إعلان السلطات اليمنية تعرُّض سفينة للقرصنة على متنها 12 بحاراً مصرياً وهندياً، دون أن يتم الإفراج عنهم إلى الآن.


بعضهم هتف: «الله ومعمر»... ليبيون يقتحمون أسوار «البعثة الأممية» تنديداً بـ«توطين المهاجرين»

جانب من المحتجين بعد تجاوزهم الأسوار الخارجية لمقر البعثة الأممية في جنزور غرب ليبيا (من مقطع فيديو)
جانب من المحتجين بعد تجاوزهم الأسوار الخارجية لمقر البعثة الأممية في جنزور غرب ليبيا (من مقطع فيديو)
TT

بعضهم هتف: «الله ومعمر»... ليبيون يقتحمون أسوار «البعثة الأممية» تنديداً بـ«توطين المهاجرين»

جانب من المحتجين بعد تجاوزهم الأسوار الخارجية لمقر البعثة الأممية في جنزور غرب ليبيا (من مقطع فيديو)
جانب من المحتجين بعد تجاوزهم الأسوار الخارجية لمقر البعثة الأممية في جنزور غرب ليبيا (من مقطع فيديو)

عاشت البعثات التابعة للأمم المتحدة لدى ليبيا، الخميس، يوماً مضطرباً، إثر اقتحام مواطنين الأسوار الخارجية لمقر البعثة الأممية بمدينة جنزور (غرباً) مساء الخميس، تزامناً مع احتشاد محتجين آخرين أمام مقر «مفوضية اللاجئين» بحي السراج بالعاصمة، وإغلاق أبوابه بالرمال تنديداً بـ«توطين المهاجرين».

متظاهرون هتفوا خلال المظاهرات: «الله ومعمر وبس» (إ.ب.أ)

وسعت الأجهزة الأمنية الموجودة بمحيط البعثة لثني المقتحمين، الذين هتف بعضهم: «الله ومعمر وبس»، عن مواصلة اقتحام الأسوار الداخلية للمقر، في حين تولّى محمود شيبة، آمر الكتيبة «137 مشاة» المكلّفة بحماية المقر، عملية التفاوض مع المحتجين.

وهذه ليست المرة الأولى التي يهتف فيها مواطنون باسم القذافي؛ فقد سبق أن هتفت جماهير كرة القدم باسمه عقب خروجهم من «استاد طرابلس الدولي» بعد هزيمة منتخب بلدهم أمام نظيره البنيني في تصفيات التأهل لـ«أمم أفريقيا» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.

ويأتي اقتحام مقر البعثة الأممية بعد ساعات من التظاهر أمام مقر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بمنطقة السراج بالعاصمة في ظل أجواء متوترة بغرب البلاد، وصفها مصدر مقرب من حكومة «الوحدة» بأنها «يوم مضطرب تعيشه البعثات الأممية في ليبيا»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «بعثة المفوضية تحسبت لهذه الأجواء، ولم تذهب إلى المقر الخميس، وهي في أمان».

عدّ رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا أن حادث اقتحام مقر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا يمثل «تصعيداً خطيراً يتجاوز حدود التعبير السلمي عن الرأي» (أ.ف.ب)

وعدّ الدكتور عبد المنعم الحر، رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا، أن حادث اقتحام مقر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا يمثل «تصعيداً خطيراً يتجاوز حدود التعبير السلمي عن الرأي»، ورأى أنه يمكن وصفه بـ«انتهاك الحصانات الدبلوماسية؛ إذ تشكل هذه الأفعال خرقاً واضحاً للقوانين والأعراف الدولية، لا سيما اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، واتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة».

وقال الحر في تصريح صحافي الخميس إنه «يقع على عاتق الدولة المضيفة التزام قانوني صارم بحماية مقار البعثات وموظفيها، ومنع أي اقتحام أو إساءة إليها»، لافتاً إلى أن البعثة الأممية «تمثل المظلة الدولية لتيسير الحوار والوصول إلى توافق وطني، واستهداف مقرها يعطل قنوات التواصل الدبلوماسي، ويهدد استمرارية جهود المصالحة الوطنية، وتوفير بيئة مستقرة للعملية السياسية».

جانب من المظاهرات أمام مقر «مفوضية اللاجئين» بحي السراج بالعاصمة (أ.ف.ب)

وأوضح الحر أن الحادث «يعكس ضعف السيطرة الأمنية للمؤسسات الرسمية في حماية المقار الحيوية، مما قد يدفع المنظمات الدولية الأخرى والبعثات الدبلوماسية إلى إعادة النظر في وجودها داخل العاصمة، وهو ما يعمق العزلة الدولية لليبيا»، مشيراً إلى أن «الحق في التجمع السلمي والتظاهر مكفول بموجب المواثيق الدولية، إلا أنه ينتهي تماماً عند اللجوء إلى العنف، أو اقتحام المقار المحمية بموجب القانون الدولي، أو تعطيل عمل المنظمات الإنسانية التي تقدم خدمات حيوية لإنقاذ الأرواح».

وبشأن إغلاق مقر المفوضية السامية للاجئين بطرابلس، قال الحر إن الأمر «سواء كان نتيجة لظروف أمنية فرضتها الاحتجاجات أو بقرار تنفيذي، يترتب عليه تداعيات إنسانية وقانونية مباشرة»، منها «تعليق الحماية والخدمات الأساسية»، لافتاً إلى أنه «ينتج عن ذلك توقف فوري لعمليات تسجيل طالبي اللجوء، وتقديم المساعدات الإغاثية والطبية الطارئة، وإجراءات إعادة التوطين في بلد ثالث».

وانتهى الحر إلى أن هذا الإجراء «يترك آلاف الفئات المستضعفة، خاصة المهاجرين واللاجئين، في حالة انكشاف قانوني وأمني تام».

ويرى ناصر عمار، آمر «قوة الإسناد بعملية بركان الغضب»، أن الهتاف باسم القذافي أمام مقر البعثة الأممية «لم يكن مجرد استرجاع للماضي، بل هو صرخة ألم ورفض لواقع مرير»، وقال: «عندما يهتف المتظاهرون باسم القذافي في وجه مشاريع التوطين، فإنهم لا يستحضرون شخصاً، بل يستدعون مفهوم الدولة، التي كانت تملك سيادتها، وتغلق حدودها، وتحمي ديمغرافيتها، ولا تُملى عليها القرارات الدولية».

وأضاف عمار في تصريح صحافي الخميس: «يحنّ الشارع اليوم لزمن الأمان والسيادة الوطنية، وغياب الميليشيات، والعيش الكريم»، ورأى أن «العودة إلى هذا الشعار هي رسالة واضحة للداخل والخارج: الشعب الليبي يرفض بيع وطنه تحت أي اسم، ويبحث عن الاستقرار المفقود في ركام الفوضى الحالية».

وصف أحمد عبد الحكيم المواطنين الذين اقتحموا سور مقر البعثة الأممية بأنهم «خارجون عن القانون ومشاغبون ومثيرو الفوضى» (أ.ف.ب)

من جانبه، وصف أحمد عبد الحكيم حمزة رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، المواطنين الذين اقتحموا سور مقر البعثة الأممية بأنهم «خارجون عن القانون ومشاغبون ومثيرو الفوضى»، متسائلاً: «أليست الدعوة التي دعتهم للتظاهر كانت لرفض التوطين، وكانت محصورة في مقر مفوضية اللاجئين في السراج؟! مَن الذي وجّه المظاهرات إلى مقر البعثة الأممية في جنزور؟ وما علاقة البعثة الأممية بمظاهرات (رفض التوطين)؟».

ويعتقد حمزة في تصريح صحافي أن «الهدف سياسي، والأمر مسيّس»، والغايات التي وصفها بـ«المشبوهة» من هذا الحراك «المشبوه» قد «باتت واضحة، ويجب البحث في خلفيات وتوجهات من قادوا الحراك وحرصوا عليه».

وحمّل حمزة وزارة الداخلية «المسؤولية القانونيّة حيال عدم توفير الحماية لمقرات البعثات الدبلوماسية، وخاصةً مقر بعثة الأمم المتّحدة للدعم في ليبيا، ويجب التحقيق في فشلها في أداء مهام عملها، وعدم قدرتها على ضبط الأمن وحماية حتى مقر بعثة دبلوماسية».

وسبق لمحتجين محاولة اقتحام مقر البعثة الأممية من قبل العام الماضي؛ ففي أغسطس (آب) 2025 قالت حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة إنها تمكنت من إفشال محاولة لاستهداف مقر البعثة، وأعلنت حينها أن الأجهزة الأمنية «تمكنت من رصد المحاولة والتعامل معها بسرعة، وضبط المركبة التي كانت مجهزة بصواريخ إضافية وقاعدة الإطلاق».


هل تنجح مبادلة «الديون» في تقليص الطلب على الدولار بمصر؟

اجتماع الحكومة المصرية الخميس برئاسة مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء المصري)
اجتماع الحكومة المصرية الخميس برئاسة مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء المصري)
TT

هل تنجح مبادلة «الديون» في تقليص الطلب على الدولار بمصر؟

اجتماع الحكومة المصرية الخميس برئاسة مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء المصري)
اجتماع الحكومة المصرية الخميس برئاسة مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء المصري)

تخطط الحكومة المصرية للتوسع في برنامج مبادلة استثمارات «بالديون» في مجالات التعليم، والرعاية الصحية، وتنمية المهارات، ما يثير تساؤلات حول مدى نجاح تلك الخطوة في تخفيف الأعباء المالية، وتقليص الطلب على الدولار.

ووفق خبراء قد يساهم التوسع في «مبادلة الديون» في تقليل الضغط على العملة الصعبة في مقابل الجنيه، وأكدوا لـ«الشرق الأوسط» أن «استبدال استثمارات بالديون الخارجية المستحقة على الحكومة، يُعد من المسارات المهمة لتخفيف الأعباء المالية، والاقتصادية». لكنهم رهنوا «نجاح الخطوة» بحجم الديون التي سيتم تحويلها إلى استثمارات.

وتحدث وزير المالية، أحمد كجوك عن «اتجاه مصر للتوسع في برنامج مبادلة الاستثمار بالديون في مجالات التعليم، والرعاية الصحية، والقطاعات ذات الأولوية»، وقال على هامش زياته للعاصمة البريطانية لندن، الخميس، إن «هذه الخطوة تأتي ضمن توجه أوسع لربط إدارة الدين العام بأهداف التنمية المستدامة، وتوجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر أولوية وتأثيراً على النمو الاقتصادي».

وتشكل الديون الخارجية عبئاً على الاقتصاد المصري، حيث ارتفعت لنحو 163 مليار دولار وفق البنك المركزي المصري، وتستهدف الحكومة «خفض خدمة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 78 في المائة بحلول يونيو (حزيران) 2027»، حسب وزارة المالية.

وأشار كجوك إلى أن «الحكومة تعمل بالتعاون مع شركاء دوليين ومؤسسات مالية على تطوير نماذج مبتكرة لمبادلة الديون، بما يتيح تحويل جزء من الالتزامات المالية إلى استثمارات تدعم التنمية، وتعزز رأس المال البشري».

وبحسب عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع»، وليد جاب الله: «يعد برنامج (مبادلة الديون) مساراً اقتصادياً مهماً لتخفيف أعباء الدين على الاقتصاد المصري»، ويقول إن «تطبيق البرنامج يمكن أن يخفف من الأعباء والالتزامات المالية على الاقتصاد المصري، خصوصاً إذا كانت نسب التحول للاستثمارات عالية»، موضحاً أن «تأثير هذا المسار مرهون بحجم الاستثمارات التي سيتم تدشينها من خلاله».

ويضيف جاب الله أن «الحكومة لها تجربة سابقة في (مبادلة الديون) مع دول أوروبية، مثل ألمانيا، وإيطاليا»، مشيراً إلى أن «تأثيرها كان محدوداً، نظراً لأن أرقام الاستثمارات لم تكن كبيرة».

كما يوضح أن «مصر تمتلك اتفاقيات لمبادلة الديون مع دول عديدة، منها الصين، وأيضاً مع دول خليجية، مثل الكويت»، قائلاً إن «المهم تفعيل هذه الاتفاقيات»، مشيراً إلى أن «نجاح التجربة مرهون بإرادة جميع الأطراف، وبتقدير قيمة الاستثمارات التي سيتم تدشينها».

وزير المالية المصري خلال لقائه بمستثمرين في لندن الخميس (وزارة المالية المصرية)

فيما يلفت الخبير الاقتصادي عبد المنعم السيد إلى أن «مبادلة مشروعات استثمارية بالديون تساهم في تحقيق مكاسب اقتصادية عديدة»، ويقول إن «من بين المكاسب تقليل حجم الالتزامات المالية على الحكومة، وبالتالي تحسن التصنيف الائتماني لها»، إلى جانب «تقليل الضغط على الدولار في مقابل الجنيه، وبالتالي تحسن سعر العملة المحلية» (الدولار يساوي 51.8 جنيه).

ويرى السيد أن «من فوائد مبادلة الديون تقليل أعباء الديون على الموازنة العامة، وفوائدها»، إلى جانب «زيادة معدلات التشغيل، وتقليل معدل البطالة، وبالتالي زيادة الإنتاج»، مشيراً إلى أن «زيادة الاستثمارات من الحلول الناجزة للمشكلات الاقتصادية في مصر».

«هناك نوعان من الديون تسعى مصر لسدادها»، وفق السيد، منها «ديون تتحملها الموازنة العامة للدولة، وقيمتها تقارب نصف الديون المستحقة على البلاد، ونوع آخر مرتبط بديون الشركات، والهيئات الاقتصادية».

ويشير إلى أن «ما تستطيع الحكومة مبادلة استثمارات به، الديون المرتبطة بالموازنة العامة في الدولة»، ويوضح أن «من نماذج مبادلة استثمارات بالديون كانت صفقة (رأس الحكمة) مع صندوق أبوظبي الاستثماري بنحو 35 مليار دولار، بينها 11 مليار دولار كانت ودائع إماراتية في البنوك المصرية»، حسب رأيه.

ويبلغ حجم دين قطاع الموازنة في مصر نحو 77.5 مليار دولار، وفق وزارة المالية. ووقعت مصر عقد تطوير مشروع «رأس الحكمة» على ساحل البحر المتوسط شمال البلاد بشراكة إماراتية في فبراير (شباط) 2024.