اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على الصحراء يفجر أزمة حادة مع الجزائر

السلطات الجزائرية تقرر سحب سفيرها في باريس بـ«أثر فوري»

الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمناسبة زيارته للجزائر في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمناسبة زيارته للجزائر في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
TT

اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على الصحراء يفجر أزمة حادة مع الجزائر

الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمناسبة زيارته للجزائر في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي بمناسبة زيارته للجزائر في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

اختار الرئيس الفرنسي مناسبة احتفال المغرب بالعيد الـ25 لصعود الملك محمد السادس على العرش ليقدم للرباط هدية دبلوماسية وسياسية بالغة الأهمية، من خلال اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء، وهو ما كانت فرنسا ترفضه حتى اليوم.

التوتر الجديد بين باريس والجزائر يطرح علامات استفهام كثيرة حول زيارة تبون المرتقبة لفرنسا (الرئاسة الجزائرية)

ويبدو واضحاً أن خطوة الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي سعى في الأعوام الثلاثة الأخيرة إلى التقارب مع الجزائر، وتصفية الإرث الاستعماري لبلاده من خلال زيارة رسمية للرئيس عبد المجيد تبون، وعبر مجموعة من الخطوات، ستدفع مجدداً العلاقات الفرنسية -ـ الجزائرية نحو التوتر، بالنظر لحساسية الملف للمسؤولين الجزائريين، وللعلاقات المتردية بين الرباط والجزائر. وسارعت الجزائر منذ الخميس الماضي، أي منذ أن علمت الجزائر باستدارة الموقف الفرنسي، إلى إصدار بيان عبرت فيه عن «استنكارها الشديد» للقرار «غير المنتظر»، الذي اتخذته الحكومة الفرنسية بدعم خطة الحكم الذاتي المغربية. وأكدت وزارة الخارجية في بيانها، بلهجة لا تخلو من التهديد، أن الحكومة الجزائرية «ستستخلص كافة النتائج والعواقب التي تنتج عن هذا القرار الفرنسي، وتُحمّل الحكومة الفرنسية وحدها المسؤولية الكاملة والتامة عن ذلك».

باريس: التعويض عن الوقت الضائع

جاءت الخطوة الفرنسية، التي رفضت باريس لسنوات القيام بها ما أدى إلى تباعد بينها وبين المغرب، في إطار رسالة من الرئيس ماكرون إلى العاهل المغربي كشف عنها، معاً، قصر الإليزيه والديوان الملكي المغربي، الثلاثاء. وإذا كانت باريس قد أعلمت الجزائر مسبقاً بمضمون قرارها، فإن غرضها كان تمهيد الأرضية وتفكيك اللغم، الذي يمكن أن ينفجر بوجهها ويطيح بكافة جهود التقارب التي سعى إليها ماكرون ومعه حكومته من أجل «تطبيع» العلاقات بالغة الحساسية بين باريس والجزائر.

الرئيس الجزائري مستقبلاً رئيسة الوزراء الفرنسية في 10 أكتوبر 2022 (الرئاسة الجزائرية)

وليس سراً أن المغرب كان ينتظر منذ فترة طويلة من باريس أن تقدم أخيراً على ما أقدمت عليه، فقد كانت الرباط تأخذ عليها عدم التحاقها بالركب الغربي، على غرار ما فعلت إسبانيا والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وغيرها. وأدى تردد باريس إلى برودة في العلاقات الثنائية. وما زاد في تفاقمها «التقارب» بين باريس والجزائر، والزيارة الرسمية المطولة التي قام بها ماكرون إلى الجزائر في شهر أغسطس (آب) من عام 2022، ومحادثاته المستفيضة مع الرئيس تبون. ولأن العلاقات الفرنسية - المغربية - الجزائرية مسألة بالغة التعقيد، فإن كل تقارب بين باريس وإحدى العاصمتين ينظر إليه على أنه يتم على حساب العاصمة الأخرى.

الرئيس الجزائري مع وزير الداخلية ورئيسة الوزراء الفرنسيين يوم 18 أكتوبر 2022 (الرئاسة الجزائرية)

يبدو اليوم أن فرنسا تريد الإسراع للتعويض عن الوقت الضائع، وعن تأخرها في الاستجابة لما تراه الرباط قضيتها «المقدسة». ففي رسالته، تبنى ماكرون المقاربة المغربية لإغلاق ملف الصحراء بكل نقاطه، حيث كتب أن فرنسا تعتبر أن مخطط الحكم الذاتي الذي عرضه المغرب منذ 2007، «يشكل، من الآن فصاعداً، الأساس الوحيد للتوصل إلى حل سياسي عادل، مستدام ومتفاوض بشأنه طبقاً لقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة»، مضيفاً أن «الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يعد الإطار الذي يجب من خلاله حل هذه القضية».

وفيما يعكس رغبة في محو صفحة الخلافات بين فرنسا والمغرب، قال ماكرون إن دعم باريس لمخطط الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب في2007 «واضح وثابت»، ما يحور نوعاً ما الموقف الفرنسي السابق، حيث دعمت فرنسا دوماً المقاربة الدولية مع تقييمها الإيجابي لما طرحته الرباط.

وبتعبير قاطع لما تلتزم به فرنسا من الآن فصاعداً، كتب ماكرون أن «حاضر ومستقبل الصحراء الغربية يندرجان في إطار السيادة المغربية»، وأن باريس «تعتزم التحرك في انسجام مع هذا الموقف على المستويين الوطني والدولي». كما حرص ماكرون على الإشارة إلى أنه «من الضروري مواصلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لهذه المنطقة»، منوهاً «بجهود المغرب» على هذا الصعيد، ووعد بأن فرنسا «ستواكب المغرب في هذه الخطوات لفائدة السكان المحليين».

ملك المغرب محمد السادس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة الأخير للمغرب في نوفمبر من عام 2018 (رويترز)

وسابقاً، كانت باريس تقول إن المخطط المغربي يشكل «قاعدة جدية وذات مصداقية»، لإيجاد حل لمعضلة الصحراء، ولكن ليست القاعدة «الوحيدة» للحل. وإذ شدد ماكرون على «ثبات الموقف الفرنسي» إزاء ما سماه «تحدي الأمن الوطني» للمغرب، رأى أنه «حان الوقت لإحراز» تقدم على طريق الحل، داعياً «كافة الأطراف إلى الاجتماع من أجل حل سياسي هو في متناول اليد».

الجزائر ترد بسحب سفيرها بـ«أثر فوري» من فرنسا

حقيقة الأمر أن باريس تريد أن تدرج مقاربتها الجديدة في سياق «البراغماتية»، باعتبار أن ما يطرحه المغرب هو أكثر المقترحات جدية، وأنه يحظى بدعم متزايد من قبل الأسرة الدولية، ومنها في أفريقيا، بل إنها ترى فيه المخرج «الوحيد» من الأزمة المتواصلة منذ نحو 50 عاماً ولا أفق حل لها. ويبدو أن الرئيس ماكرون يريد «حماية» موقف بلاده بحديثه عن «حل سياسي عادل، مستدام ومتفاوض بشأنه طبقاً لقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة». إلا أنه يسارع لقول عكس ذلك عندما يجزم بأن الحل الوحيد الممكن يكمن في الحكم الذاتي لمنطقة الصحراء تحت السيادة المغربية.

وبكلام آخر، فإن ماكرون يصطف عملياً إلى جانب المغرب، بل إنه يعد بالترويج للحل الذي تعرضه الرباط منذ 17 عاماً. ولا شك أن موقف باريس الأخير سيعزز علاقاتها مع الرباط، وستكون ترجمته العملية قيام الرئيس ماكرون بزيارة رسمية «الأرجح أن تكون زيارة دولة»، بعد ثلاثة أعوام من العلاقات الباردة.

وأكدت صحيفة «لو موند» في عددها ليوم الاثنين أن «تغير» الموقف الفرنسي برز مع زيارة وزير الخارجية، ستيفان سيجورنيه، إلى الرباط في شهر فبراير (شباط) الماضي، حيث رأى أن «الصحراء الغربية مسألة وجودية» بالنسبة للمغرب، وأن باريس حضرت الأرضية لهذا التغيير منذ ربيع العام الماضي. وأفادت الصحيفة نفسها بأن الإليزيه دعا رؤساء الشركات الكبرى إلى اجتماع مع المستشار الدبلوماسي لماكرون، حيث أخبرهم الأخير بالتغير المرتقب في سياسة باريس، وأكد لهم أن زيارة ماكرون للرباط قائمة، ومن المنتظر أن تتم قبل نهاية العام الحالي، وما تنتظره فرنسا هو تلقي الدعوة الرسمية لإتمامها.

كان من الطبيعي أن تعبر الرباط عن ترحيبها وارتياحها إزاء الانعطافة الحادة في الموقف الفرنسي. وصدر بيان عن الديوان الملكي المغربي رأى أن ما قامت به باريس يشكل «تطوراً مهماً وبالغ الدلالة في دعم السيادة المغربية على الصحراء».

وتقترح الرباط منح هذه المنطقة حكماً ذاتياً تحت سيادتها، فيما تدعو جبهة «البوليساريو» إلى إجراء استفتاء لتقرير المصير برعاية الأمم المتحدة، نصّ عليه اتّفاق وقف إطلاق النار المبرم عام 1991.

ولم يتأخر رد فعل الجزائر حتى قبل نشر الرسالة الرئاسية، حيث سارعت وزارة الخارجية إلى إصدار بيان، الخميس الماضي، أعربت فيه «عن استنكارها لقرار الحكومة الفرنسية الاعتراف بخطة الحكم الذاتي لإقليم الصحراء الغربية في إطار السيادة المغربية».

وبعد ذيوع خبر رسالة ماكرون رسمياً، الثلاثاء، صدر عن وزارة الخارجية بيان أفاد بأن الحكومة الجزائرية قررت سحب سفيرها المعتمد في باريس بـ«أثر فوري». وقال البيان: «لقد أقدمت الحكومة الفرنسية على إعلان تأييدها القطعي والصريح للواقع الاستعماري المفروض فرضاً في إقليم الصحراء الغربية. وهذه الخطوة التي لم تقدم عليها أي حكومة فرنسية سابقة قد تمت من قبل الحكومة الحالية، باستخفاف واستهتار كبيرين دون تقييم متبصر للعواقب التي تسفر عنها».

واتهم البيان باريس بـ«انتهاك الشرعية الدولية، والتنكر لحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره وتناقض كل الجهود الحثيثة والدؤوبة، التي تبذلها الأمم المتحدة بهدف استكمال مسار تصفية الاستعمار في الصحراء الغربية، فضلاً عن أنها تتنصل من مسؤولياتها الخاصة المترتبة على عضويتها الدائمة في مجلس الأمن». ومع هذا التطور، تكون زيارة الرئيس عبد المجيد تبون المؤجلة إلى باريس قد دخلت في غياهب النسيان.

ومن جانبها، هاجمت «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية» «البوليساريو» فرنسا، وأكدت أنها «تستبعد باريس من كل مبادرة لغرض وضع حد للاستعمار في الصحراء»، بما في ذلك من بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء»، واتهمت في بيان فرنسا بـ«الوقوف إلى جانب المحتل» ما يجعلها «طرفاً غير مقبول».



الرئيس الموريتاني يحسم الجدل: لا أرغب في ولاية ثالثة

الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)
الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)
TT

الرئيس الموريتاني يحسم الجدل: لا أرغب في ولاية ثالثة

الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)
الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)

حسم الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، الجدل الذي أثير حول ترشحة لولاية ثالثة بتأكيده أنه لا يرغب في الترشح للرئاسيات المقبلة، موضحاً أنه لم يأمر أحداً بالعمل على تعديل الدستور من أجل ذلك.

كما رفض أي تدخل في جلسات الحوارالمرتقب، مؤكداً أنه لن يأمر بحذف أي نقطة يريد طرفٌ ما طرحها للنقاش.

وجاء تأكيد الرئيس خلال اجتماع عقده، مساء الخميس، مع وفد من مؤسسة المعارضة الديمقراطية، ورداً على طلب الأغلبية الرئاسية الحاكمة في وقت سابق إدراج نقطة المأموريات الرئاسية ضمن أجندة الحوار المرتقب، وهو ما رفضته المعارضة بشدة.


مصر: تراجع الملاحة يوجه دفّة الاهتمامات لـ«اقتصادية قناة السويس»

عبد العاطي أكد خلال لقاء لافروف الجمعة أهمية العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (الخارجية المصرية)
عبد العاطي أكد خلال لقاء لافروف الجمعة أهمية العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (الخارجية المصرية)
TT

مصر: تراجع الملاحة يوجه دفّة الاهتمامات لـ«اقتصادية قناة السويس»

عبد العاطي أكد خلال لقاء لافروف الجمعة أهمية العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (الخارجية المصرية)
عبد العاطي أكد خلال لقاء لافروف الجمعة أهمية العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (الخارجية المصرية)

في ظل تراجع الملاحة بقناة السويس بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، توجه مصر دفّة الاهتمامات نحو المنطقة الاقتصادية للقناة، وسط تطلع مصري إلى تسريع المشروعات الصناعية الروسية.

وتمتد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس على مساحة 455 كيلومتراً، وتضم 4 مناطق صناعية (شرق بورسعيد، والسخنة، وغرب القنطرة، وشرق الإسماعيلية)، بالإضافة إلى 6 موانئ (شرق بورسعيد، وغرب بورسعيد، والسخنة، والطور، والأدبية، والعريش).

وتكثّف الحكومة المصرية من جهودها لتعظيم الاستفادة من المنطقة الاقتصادية للقناة، وتحدّث وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، خلال لقاءات عدة مع مسؤولين بروسيا، في أثناء زيارته الحالية إلى موسكو، عن «المنطقة الاقتصادية».

وأكد عبد العاطي، خلال لقائه نظيره الروسي، سيرغي لافروف، الجمعة، «أهمية الإسراع في تفعيل العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فضلاً عن جذب الاستثمارات الروسية، خصوصاً في القطاعات ذات الأولوية مثل الصناعات الدوائية، والكيماوية، والسيارات، والبتروكيماويات».

كما أشار إلى أهمية «العمل على زيادة حجم الاستثمارات في مصر، بحيث تمتد لتشمل مختلف المناطق الحرة، بما يحقق المنفعة المشتركة، ويعزّز استفادة المستثمرين الروس من الحوافز الاستثمارية التي توفرها الدولة المصرية».

وأعرب عبد العاطي، أيضاً خلال لقاء، الجمعة، مع ممثلي كبرى الشركات الروسية التي ستشارك في مشروع المنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، عن التطلّع إلى «جذب مزيد من الاستثمارات الروسية في ظل المناخ الجاذب للاستثمارات والحوافز والتسهيلات التي تمنحها الحكومة المصرية للتيسير على المستثمرين الأجانب».

وزير الخارجية المصري يتحدث عن قناة السويس خلال لقاء ممثلي كبرى الشركات الروسية الجمعة (الخارجية المصرية)

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية، تناول اللقاء مشروع المنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بوصفه محطة إضافية بارزة في مسار التعاون الثنائي، حيث تم التأكيد على «أهمية بدء العمل في هذه المنطقة الصناعية الروسية في أسرع وقت ممكن».

وحسب مراقبين فإن «مصر تزيد الاهتمام بالمنطقة الاقتصادية للقناة الآن، بسبب تراجع حركة المرور في قناة السويس نتيجة تصاعد الحرب الإيرانية». وأكد المراقبون أن «القاهرة تسعى لمزيد من الشراكات المستقبلية من أجل تعزيز الاستثمارات في المنطقة الاقتصادية للقناة».

مستشار النقل البحري، خبير اقتصادات النقل، أحمد الشامي، أشار إلى «تعديل في السياسة الاقتصادية للدولة المصرية، ليس فقط بسبب تداعيات حرب إيران، وإنما منذ حرب غزة». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الدولة المصرية تتبنّى تعديل الرؤية الاقتصادية على أساس محورَين؛ «التنمية المستدامة» و«كيفية مقاومة الأزمات»، وكذلك المحور الآخر الذي يهم قناة السويس «عبر استغلال الموقع الجغرافي المتميز باعتبار أن مصر وجودها في الشمال الشرقي الأفريقي تعدّ تقريباً في مركز وقلب التجارة العالمية».

ويرى الشامي أن «تعديل الرؤية المصرية بهدف الاستمرار على مبدأ الاستدامة وإضافة كيفية مواجهة الأزمات، نتيجة أن الدولة منذ 2020 حتى الآن دخلت في أزمات لا علاقة لها بها؛ بدءاً من (جائحة كورونا) ثم الحرب الروسية-الأوكرانية، ثم الحرب في غزة، وحالياً تداعيات الحرب الإيرانية».

ويضيف أن «الدولة المصرية تسعى الآن لشراكات وتعاون استراتيجي مع (أهم اللاعبين) في المناطق الاقتصادية الكبرى كافّة، ومن بينهم روسيا، وذلك عبر مشروعات وامتيازات وتوجيه الاهتمام العالمي أكثر نحو الاستثمار في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس».

إحدى السفن خلال مرورها في قناة السويس فبراير الماضي (هيئة القناة)

وحقّقت الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس أعلى إيرادات في تاريخها خلال العام المالي 2023-2024 بلغت 8.25 مليار جنيه، بزيادة 36 في المائة عن العام المالي السابق عليه، ووافقت الهيئة نهائياً على 98 مشروعاً بإجمالي استثمارات 2.23 مليار دولار، وفقاً لإحصاءات صادرة عنها بنهاية 2024.

ووفق الشامي فإن «قناة السويس من أهم المسارات الملاحية التي تربط بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا، مما يجعل هناك تركيزاً متزايداً على المحورَين؛ الجنوبي (منطقة السخنة)، والشمالي (منطقة شرق وغرب بورسعيد)».

أيضاً المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كانت محوراً مهماً خلال لقاء وزير الخارجية المصري، الجمعة، رئيس مجلس الدوما الروسي، فياتشيسلاف فولودين، حيث أعرب عبد العاطي عن التطلّع إلى مواصلة العمل معاً لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري بين البلدَين، من خلال الإسراع في تنفيذ مشروع المنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

ويرى المراقبون أن «الحكومة المصرية اتخذت إجراءات مهمة خلال الفترة الماضية لتطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وجذبت استثمارات جيدة على مستوى الصناعة واللوجيستيات».

رئيس الوزراء المصري في أثناء افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس خلال سبتمبر الماضي (مجلس الوزراء)

ووقّعت شركة «موانئ مصر البحرية» والهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، الشهر الماضي، عقد ترخيص لمزاولة أنشطة الشحن والتفريغ وتداول وتخزين البضائع العامة وبضائع الصب الجاف والنظيف، بما يتيح التشغيل الفوري وتعظيم الاستفادة من البنية التحتية الحالية لميناء السخنة. وكذلك وقّعت مذكرة «تفاهم لإجراء الدراسات اللازمة، بشأن إنشاء وتشغيل وصيانة وتطوير محطة صب جاف ونظيف وبضائع عامة في ميناء السخنة».

وقال وزير النقل المصري، كامل الوزير، حينها، إن «بلاده تستهدف تحويل (ميناء السخنة) إلى ميناء محوري، يضاهي أحدث الموانئ العالمية، بما يخدم حركة التجارة الإقليمية والدولية، ويُسهم في زيادة حصة مصر بالسوق العالمية لتجارة الترانزيت».

بينما أكد رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وليد جمال الدين، «مساعي الهيئة من أجل جذب استثمارات نوعية تُسهم في تنويع الأنشطة داخل ميناء السخنة، وتلبية احتياجات حركة التجارة المتنامية». وأشار، حينها، إلى أن «الهيئة تعمل على تطوير محطات قادرة على التعامل مع مختلف أنواع البضائع، بما يحقق المرونة التشغيلية، ويعزّز تنافسية الميناء على المستويين الإقليمي والدولي».

المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كانت محوراً مهماً خلال لقاء عبد العاطي ورئيس «الدوما الروسي» (الخارجية المصرية)

وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، قال رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، خلال افتتاح عدد من المشروعات في «القنطرة غرب»، إنه «من المخطط أن تستوعب منطقة (القنطرة غرب) 300 مصنع، بما يوفّر أكثر من 500 ألف فرصة عمل، مما يجعل المنطقة قادرة على التصدير بما يعادل 25 مليار دولار».

وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في أكثر من مناسبة، خلال مارس (آذار) الماضي، أن «بلاده تكبّدت خسائر تقارب 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس، بسبب الحرب في غزة، بالإضافة إلى آثار أخرى مباشرة وغير مباشرة».

وسجّلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة، لتحقق 3.9 مليار دولار، مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023.

في غضون ذلك، أصدر السيسي قراراً جمهورياً، الجمعة، بشأن تجديد تعيين عدد من نواب رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى جانب تعيين نائب جديد للمنطقة الشمالية، وذلك لمدة عام.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


قتلى في غارتين تهزان مستشفى بوسط السودان وإدانات واسعة

صورة متداولة للدمار الذي لحق بمستشفى الجبلين في ولاية النيل الأبيض جراء القصف بطائرة مسيرة
صورة متداولة للدمار الذي لحق بمستشفى الجبلين في ولاية النيل الأبيض جراء القصف بطائرة مسيرة
TT

قتلى في غارتين تهزان مستشفى بوسط السودان وإدانات واسعة

صورة متداولة للدمار الذي لحق بمستشفى الجبلين في ولاية النيل الأبيض جراء القصف بطائرة مسيرة
صورة متداولة للدمار الذي لحق بمستشفى الجبلين في ولاية النيل الأبيض جراء القصف بطائرة مسيرة

توالت ردود الفعل المنددة بالغارة التي استهدفت، الخميس، مستشفى مدينة الجبلين بولاية النيل الأبيض، جنوب وسط السودان، وأسفرت عن مقتل 7 وجرح عدد من الأشخاص، في حين نفت «قوات الدعم السريع» المتهمة بتنفيذ الغارة، أي صلة لها بالهجوم.

وقالت «شبكة أطباء السودان» إن القصف أدّى إلى مقتل 7 أشخاص، وإصابة 11 آخرين، من بينهم طبيب وطبيبة، ووصفت الحادث بأنه «تصعيد خطير» في وتيرة الاعتداءات التي تهدد النظام الصحي في البلاد. وأفاد شهود عيان لـ«الشرق الأوسط» بأن طائرة مسيّرة نفّذت غارتين بفارق زمني قصير، استهدفت الأولى مبنى المستشفى بشكل مباشر، بينما وقعت الثانية خلال محاولة السكان إسعاف الضحايا وإجلائهم، ما أدى إلى سقوط مزيد من القتلى والجرحى. وبحسب الشهود، فقد قُتل ما لا يقل عن 5 أشخاص من أسرة واحدة، إلى جانب العمدة إبراهيم حامد، أحد زعماء القبائل في إقليم شمال كردفان.

«الخارجية» تدين

وأدانت وزارة الخارجية السودانية، بأشد العبارات، ما وصفته بـ«الهجوم الإرهابي الغادر» الذي قالت إن «قوات الدعم السريع» نفّذته بطائرة مسيّرة، مستهدفة المستشفى الوحيد في مدينة الجبلين، الذي يقدم خدماته لسكان المنطقة. وقالت الوزارة، في بيان صحافي، صدر في وقت متأخر من مساء الخميس، إن الهجوم يمثل «انتهاكاً صارخاً للقوانين والأعراف الدولية»، مشيرة إلى أن الاعتداء أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين، بينهم أطفال وكوادر طبية، فضلاً عن تدمير أجزاء واسعة من المستشفى ومعداته. وأضافت أن القصف تزامن مع انطلاق حملة لتحصين الأطفال داخل المستشفى، الأمر الذي اعتبرته دليلاً على تعمد منفذي الهجوم إيقاع أكبر عدد ممكن من الخسائر بين المدنيين. ودعت الخارجية السودانية المجتمع الدولي إلى إدانة ما جرى، واتخاذ إجراءات عاجلة لوقف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، مجددة مطالبتها بتصنيف «قوات الدعم السريع» منظمة إرهابية.

في المقابل، نفت «قوات الدعم السريع»، في بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أي مسؤولية لها عن قصف مستشفى الجبلين، وقالت إن الاتهامات الموجهة إليها «مزاعم باطلة» يروج لها الجيش السوداني وحلفاؤه بهدف تشويه صورتها. وأضافت أنها ترفض «بشكل قاطع» محاولات الزجّ بها فيما وصفته بـ«حملات تضليل ممنهجة»، متهمة الجيش السوداني بالسعي إلى صرف الأنظار عن الانتهاكات التي يرتكبها بحق المدنيين والمنشآت العامة.

ويأتي هذا الهجوم بعد نحو أسبوع من اتهامات وُجهت إلى الجيش السوداني بشنّ غارة بطائرات مسيّرة استهدفت مستشفى مدينة الضعين، عاصمة ولاية شرق دارفور، وأسفرت عن مقتل 64 شخصاً وإصابة عشرات المدنيين.

حطام مُسيّرة قالت «قوات الدعم السريع» إنها من طراز «بيرقدار أكينجي» تركية الصنع أسقطتها قرب مدينة نيالا (قوات «الدعم السريع»)

تصاعد هجمات المسيرات

وخلال الأشهر الماضية، كثّفت الطائرات المسيّرة التابعة لـ«قوات الدعم السريع» هجماتها على مواقع عسكرية في عدد من مدن ولاية النيل الأبيض، غير أن بعض تلك الهجمات أدّى إلى سقوط ضحايا في صفوف المدنيين. واعتبرت قوى سياسية ومدنية أن استهداف مستشفى الجبلين، وما نتج عنه من سقوط قتلى وجرحى بين المرضى والكوادر الطبية، يمثل «جريمة نكراء» تضاف إلى سجل الانتهاكات، التي ترتكبها أطراف الحرب بحقّ المدنيين والمنشآت الخدمية. وفي السياق نفسه، أعرب التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، المناهض للحرب، عن إدانته الشديدة للهجوم، محملاً «قوات الدعم السريع» مسؤوليته.

وشدّد التحالف، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، في بيان نشره عبر موقع «فيسبوك»، على ضرورة وقف استهداف المنشآت المدنية بالطائرات المسيّرة، أو بأي وسائل عسكرية أخرى، وضرورة الالتزام بحماية المدنيين. ودعا التحالف طرفي النزاع، ممثلين في القوات المسلحة السودانية و«قوات الدعم السريع»، إلى الاستجابة العاجلة لمقترحات الهدنة الإنسانية، والشروع في اتخاذ خطوات جادة نحو وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.

وشهدت الآونة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في وتيرة الهجمات المتبادلة بالطائرات المسيّرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في إقليمي دارفور وكردفان، ما أدى إلى سقوط مئات القتلى والجرحى، غالبيتهم من المدنيين.