«مؤتمر القاهرة» للقوى السودانية يطرح رؤى لإنهاء الحرب

مصر تشدد على حل سياسي شامل

حضور لافت خلال مؤتمر القوى السياسية والمدنية السودانية بالقاهرة (الخارجية المصرية)
حضور لافت خلال مؤتمر القوى السياسية والمدنية السودانية بالقاهرة (الخارجية المصرية)
TT

«مؤتمر القاهرة» للقوى السودانية يطرح رؤى لإنهاء الحرب

حضور لافت خلال مؤتمر القوى السياسية والمدنية السودانية بالقاهرة (الخارجية المصرية)
حضور لافت خلال مؤتمر القوى السياسية والمدنية السودانية بالقاهرة (الخارجية المصرية)

استضافت العاصمة المصرية القاهرة، السبت، فعاليات مؤتمر «القوى السياسية والمدنية السودانية»، تحت شعار «معاً لوقف الحرب»، بهدف «تقديم رؤى لإنهاء النزاع»، وذلك بحضور ممثلين لمنظمات إقليمية ودولية، ودبلوماسيين من دول أفريقية وعربية وأوروبية. في حين دعت مصر إلى «التوصل لحل سياسي شامل للأزمة السودانية».

ووسط غياب ممثلين لطرفي الصراع في السودان (الجيش وقوات الدعم السريع)، اجتمع ممثلو القوى السياسية والمدنية السودانية الفاعلة، في المؤتمر الذي دعت له مصر؛ لإجراء مشاورات حول ثلاثة ملفات لإنهاء النزاع، تضمنت «وقف الحرب، والإغاثة الإنسانية، والرؤية السياسية للحل. وقال سياسيون سودانيون مشاركون في المؤتمر إن المناقشات «تستهدف بناء الثقة بين الأطراف السياسية»، وأشاروا إلى أن «المؤتمر يضع خريطة طريق لحوار سياسي أوسع وأشمل في السودان لعلاج الأزمة».

ودعت مصر إلى مؤتمر يجمع القوى السياسية السودانية بهدف «الوصول لتوافق حول سبل بناء السلام الشامل والدائم في السودان، عبر حوار وطني سوداني - سوداني يتأسس على رؤية سودانية خالصة»، وذلك «بالتعاون والتكامل مع جهود الشركاء الإقليميين والدوليين».

ويشهد السودان منذ أبريل (نيسان) 2023 حرباً داخلية بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، راح ضحيتها آلاف المدنيين، ودفعت «نحو 10 ملايين سوداني للفرار داخلياً وخارجياً لدول الجوار»، حسب تقديرات الأمم المتحدة.

مؤتمر «القوى السياسية والمدنية السودانية» في القاهرة (الخارجية المصرية)

وضع كارثي

ورأى وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، بدر عبد العاطي، في افتتاح المؤتمر، السبت، أن «مؤتمر القوى السياسية والمدنية السودانية في القاهرة تاريخي»، مشيراً إلى أن «الوضع الكارثي في السودان يتطلب الوقف الفوري والمستدام للحرب، وتسهيل عمليات الاستجابة الإنسانية الجادة والسريعة من أطراف المجتمع الدولي كافة؛ لتخفيف معاناة السودانيين، والتوصل لحل سياسي شامل».

وقال عبد العاطي إن «أي حل سياسي حقيقي للأزمة في السودان لا بد أن يستند إلى رؤية سودانية خالصة تنبع من السودانيين أنفسهم، ودون إملاءات أو ضغوط خارجية»، موضحاً أن «أي عملية سياسية مستقبلية ينبغي أن تشمل الأطراف الوطنية الفاعلة كافة بالسودان، وفي إطار احترام مبادئ سيادة السودان ووحدة وسلامة أراضيه، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية».

كما شدد الوزير المصري على «أهمية وحدة القوات المسلحة السودانية لدورها في حماية السودان، والحفاظ على سلامة مواطنيه». وأشار في الوقت نفسه إلى معاناة السودانيين الذين فروا من الحرب لدول الجوار، داعياً «المجتمع الدولي للوفاء بتعهداته التي أعلن عنها في مؤتمري جينيف وباريس لإغاثة السودان، لسد الفجوة التمويلية القائمة والتي تناهز 75 في المائة من إجمالي الاحتياجات».

حضور مؤتمر القوى السياسية السودانية في القاهرة (الخارجية المصرية)

مشاركة حمدوك

وشارك في فعاليات مؤتمر القوى السودانية في القاهرة، ممثلو عدد من الأحزاب والكيانات السياسية السودانية، أبرزهم مكونات تجمع «الميثاق الوطني» (يضم تجمعي الكتلة الديمقراطية وقوى الحراك الوطني)، بجانب «مكونات تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية» (تقدم).

وضم المؤتمر مجموعة من الشخصيات السودانية المؤثرة، بينهم نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، مالك عقار، ورئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، ووزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم، ورئيس «حركة تحرير السودان»، مني أركو ميناوي، وعدد من رؤساء الأحزاب السودانية مثل «حزب الأمة» و«الحزب الاتحادي».

وقال حمدوك إن «مؤتمر القاهرة نقطة فارقة في الحل السياسي للأزمة السودانية». وأرجع ذلك إلى «اجتماع مختلف القوى السياسية والمدنية السودانية للمرة الأولى بهذا الشكل للتشاور حول الأزمة السودانية». وحول تفاصيل مشاورات القوى السودانية، أوضح حمدوك لـ«الشرق الأوسط» أن «أُولى القضايا التي ناقشتها القوى السياسية، كانت ضرورة وقف الحرب اليوم قبل الغد». وأضاف أنهم ناقشوا «سبل معالجة الأزمة الإنسانية التي تعد الأكبر في العالم»، إضافة إلى «مبادئ وأجندة العملية السياسية في السودان».

وناقشت القوى والكيانات السياسية السودانية المشاركة في المؤتمر، ثلاثة ملفات أساسية، تضمنت «وقف الحرب، والإغاثة الإنسانية، والرؤية السياسية». ولفت رئيس الوزراء السوداني السابق إلى أن «السودان يمر بأزمة وجودية»، قائلاً إن «مشاورات القوى السياسية في القاهرة يمكن البناء عليها، لصياغة حل متوافق عليه من القوى السودانية».

دبابة مدمَّرة نتيجة الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أم درمان (رويترز)

ورأى رئيس قوى «الحراك الوطني» السوداني، التيجاني السيسي، أن «المؤتمر خطوة مهمة لبناء الثقة بين الأطراف السياسية السودانية». وقال إن «الخطوة الأولى التي تستهدفها مشاورات القوى السياسية، هي استعادة الثقة قبل الحديث عن حلول سياسية للأزمة». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «اجتماع القوى السياسية خطوة إيجابية يُمكن البناء عليها في وضع رؤية سياسية شاملة للحل في السودان».

ولفت التيجاني إلى أن «المشاورات ناقشت خطة محددة لإجراء حوار سوداني شامل، تشارك فيه كل الأطراف والقوى السودانية، بما فيها القوى التي لم تحضر مؤتمر القاهرة الحالي، وبما يساهم في وقف النزاع، والوصول لتحقيق سلام مستدام في السودان».

وشهد المؤتمر أيضاً حضور دبلوماسيين من دول جوار السودان، وممثلين عن منظمات دولية وإقليمية، بينها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، ومنظمة (إيغاد)»، بالإضافة لأطراف «منبر جدة»، ومبعوث الولايات المتحدة الأميركية للسودان، توم بيريلو.

وأشارت ممثلة الاتحاد الأفريقي، نائبة رئيس اللجنة الأفريقية المعنية بالسودان، سبشيوزا وانديرا، إلى أهمية «توحيد الجهود الإقليمية والدولية للوصول لحل عاجل في السودان». وأوضحت أن «مؤتمر القاهرة خطوة مهمة تمهد لاجتماع الاتحاد الأفريقي من أجل السودان، المقرر عقده الأسبوع المقبل في أديس أبابا»، مشيرة في كلمة لها بالمؤتمر إلى «انعقاد الحوار السوداني على مرحلتين؛ الأولى تخطط للحوار وأهدافه وقواعده ومعايير المشاركة فيه، والثانية تشمل حواراً موسعاً لجميع الأطراف والقوى».

كما لفت مدير «إدارة السودان» بالجامعة العربية، زيد الصبان، إلى أن مؤتمر القاهرة «فرصة للعمل على وقف الحرب في السودان». وأكد محددات الجامعة العربية للحل في السودان، والتي تتضمن «الحفاظ على وحدة وسيادة الدولة السودانية، ورفض التدخل الأجنبي، ودفع جهود الإغاثة الإنسانية».


مقالات ذات صلة

توترات «هرمز» تدعم الربط عبر موانئ السعودية ومصر

شمال افريقيا  جانب من تطوير ميناء سفاجا بالبحر الأحمر في مصر (وزارة النقل المصرية)

توترات «هرمز» تدعم الربط عبر موانئ السعودية ومصر

تدعم توترات الملاحة في مضيق هرمز الربط التجاري بين موانئ السعودية ومصر بما يوفر منفذاً جديداً لسلاسل الإمداد بين دول مجلس التعاون الخليجي وأوروبا

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا مواطن يستبدل دولارات من داخل صرافة في القاهرة (رويترز)

تحسّن أداء الجنيه لا يُخفف مخاوف المصريين من هزات الاقتصاد

رغم تحسّن مستوى الجنيه أمام الدولار، فإن ذلك لن ينعكس قريباً على الأسعار، ولن يُبدد المخاوف من الهزات الاقتصادية، حسب متخصصين.

رحاب عليوة (القاهرة)
شؤون إقليمية وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع نظيره التركي (الخارجية المصرية)

وزير الخارجية المصري يزور تركيا لتنسيق المشاورات بشأن إيران وغزة

بدأ وزير خارجية مصر، بدر عبد العاطي، زيارة لتركيا تتخللها لقاءات ذات بعد إقليمي مرتبطة بتطورات الأوضاع في قطاع غزة، والمفاوضات المتعثرة بين واشنطن وطهران.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا إحدى السفن خلال عبورها قناة السويس في نهاية مارس الماضي (هيئة قناة السويس)

قناة السويس تعزز الشراكات الدولية لتجاوز أزمات الملاحة

أكد رئيس هيئة قناة السويس، الفريق أسامة ربيع، الجمعة، جاهزية القناة لتقديم خدماتها اللوجيستية والبحرية، لا سيما مع ما شهدته من أعمال تطوير للمجرى الملاحي.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري خلال اجتماع مجلس الوزراء الخميس (مجلس الوزراء)

الحكومة المصرية تستعد لسيناريوهات مختلفة في «حرب إيران»

أكدت الحكومة المصرية استعدادها لمختلف السيناريوهات المتوقعة، خاصة في ظل استمرار الضغوط على أسواق الطاقة والتدفقات المالية.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

توترات «هرمز» تدعم الربط عبر موانئ السعودية ومصر

 جانب من تطوير ميناء سفاجا بالبحر الأحمر في مصر (وزارة النقل المصرية)
جانب من تطوير ميناء سفاجا بالبحر الأحمر في مصر (وزارة النقل المصرية)
TT

توترات «هرمز» تدعم الربط عبر موانئ السعودية ومصر

 جانب من تطوير ميناء سفاجا بالبحر الأحمر في مصر (وزارة النقل المصرية)
جانب من تطوير ميناء سفاجا بالبحر الأحمر في مصر (وزارة النقل المصرية)

تدعم توترات الملاحة في مضيق هرمز الربط التجاري بين موانئ السعودية ومصر، بما يوفر منفذاً جديداً لسلاسل الإمداد بين دول مجلس التعاون الخليجي وأوروبا.

وأعلن «ميناء نيوم» أخيراً تدشين ممر لوجيستي متعدد الوسائط يربط بين أوروبا ومصر ونيوم ودول مجلس التعاون الخليجي، في خطوة يراها خبراء «تدعم حركة التجارة الإقليمية».

ورغم إعلان إيران، الجمعة، فتح المضيق بشكل مؤقت لحين انتهاء «مهلة الهدنة» بين واشنطن وطهران، فإن الممر اللوجيستي «يحمل أهمية قصوى كونه سيخفف من ضغط حركة التجارة في مضيق هرمز»، وفقاً لما أكده الخبراء لـ«الشرق الأوسط».

وتسبب الحصار الأميركي لمضيق هرمز وقبله إغلاق طهران للمضيق، في اضطراب حركة الملاحة، ما أثر على سلاسل إمداد الطاقة وحركة التجارة الإقليمية، حيث يمر عبر المضيق خُمس نفط العالم والغاز الطبيعي المسال في أوقات السلم.

وجاء خبر تدشين الممر اللوجيستي الجديد، عبر حساب «ميناء نيوم» على منصة «إكس»، حيث أشار إلى أنه «يوفر ممراً متكاملاً يجمع بين النقل البري والبحري، ليضمن نقل البضائع بسلاسة وكفاءة، وفي وقت قياسي، إلى أسواق الخليج».

ويعتمد الممر الجديد على نموذج «الجسر البري - البحري»، حيث تنقل البضائع من أوروبا إلى موانئ مصرية مثل دمياط أو سفاجا، ثم تعبر البحر الأحمر بواسطة عبارات إلى «ميناء نيوم»، ومنها إلى دول الخليج... ويعد هذا النموذج أحد الحلول المتقدمة لتسريع سلاسل الإمداد وتقليل زمن العبور.

ويعتمد مستوردون على «ممر نيوم» في عدة أسواق أوروبية، للوصول إلى الإمارات والكويت والعراق وعُمان والمنطقة، وذلك بدعم من شركاء عالميين وإقليميين رائدين، حسب «ميناء نيوم».

اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي الخميس (مجلس الوزراء المصري)

وأشار «ميناء نيوم» إلى أن «الشحنات الحساسة للوقت بدأت بالفعل استخدام هذا الممر اللوجيستي، بالتعاون مع شركة النقل البحري (بان مارين) وعدد من شركات الخدمات اللوجيستية الإقليمية».

ووفق خبير النقل البحري، أحمد الشامي، «يشكل (ممر نيوم) إضافة مهمة لسلاسل الإمداد بالمنطقة»، ويقول إن «الممر يستغل الموقع الجيوسياسي للموانئ السعودية والمصرية، للربط بين دول التعاون الخليجي وشرق المتوسط».

ويضيف: «سيفيد الممر في نقل كثير من البضائع وتنشيط حركة التجارة الإقليمية»، ويوضح أن «الممر سيخفف من ضغط حركة التجارة في مضيق هرمز»، ويشير إلى أنه «يستثمر قدرات الموانئ المصرية بالبحرين الأحمر والمتوسط بوصفها محوراً تجارياً إقليمياً، يمكن استغلاله في دعم صناعات القيمة المضافة بمنطقة قناة السويس».

وأعلنت الحكومة المصرية، الشهر الماضي، عن خطة لتطوير ميناء السخنة (الذي يقع على ساحل البحر الأحمر شرق القاهرة) بما يتيح التشغيل الفوري وتعظيم الاستفادة من البنية التحتية الحالية للميناء.

ويحقق «ممر نيوم» اللوجيستي ميزة النفاذ للأسواق الخليجية، بحسب الشامي، ويقول إن «الممر يساعد في نقل البضائع عبر وسائط متعددة بين دول التعاون الخليجي وأوروبا».

تطوير ميناء سفاجا بالبحر الأحمر في مصر (وزارة النقل المصرية)

ويشار إلى أنه جرى تدشين الممر اللوجيستي بالتعاون مع شركة «بان مارين»، وبدعم من شركات لوجيستية أخرى من بينها «دي إف دي إس»، إلى جانب شركات نقل إقليمية، بما يعكس توجهاً لتوسيع نطاق الربط التجاري بين أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط عبر مسارات بديلة وأكثر كفاءة.

عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع»، وليد جاب الله، قال إن «الظروف الإقليمية أنتجت مشاريع لتطوير عمليات النقل بين الرياض والقاهرة»، وأشار إلى أن «ميزة المشروع الجديد أنه يقدم ممراً يدمج بين النقل البري والبحري بالمنطقة، ويستثمر قدرات الموانئ بالبحر الأحمر لتعزيز التجارة بين أوروبا ودول الخليج».

ويرى جاب الله أن «الممر يفيد في نقل البضائع الخفيفة»، ويشير إلى أن «دوره يعدّ مكملاً للممرات الملاحية الكبرى مثل قناة السويس»، ويوضح أن «البنية التحتية في الموانئ المصرية جاهزة لمثل هذه المشاريع بفضل عمليات التطوير التي تشهدها السنوات الأخيرة».

وتمتلك مصر خريطة من الموانئ البحرية، وتستهدف تطويرها لتحسين دورها في التجارة البينية والدولية، وقالت وزارة النقل المصرية أخيراً إن «عملية تطوير الموانئ المصرية كافة تستهدف تحويل مصر إلى مركز إقليمي للنقل واللوجيستيات وتجارة الترانزيت، وزيادة قدرة تلك الموانئ على جذب الاستثمارات واستيعاب النمو المتزايد في حركة التجارة».


«حراك أوروبي» مكثف في الجزائر لتأمين الحدود ومكافحة الهجرة

رئيسة الوزراء الإيطالية بحثت مع الرئيس الجزائري تعزيز التعاون في وقف تدفقات المهاجرين السريين (الرئاسة الجزائرية)
رئيسة الوزراء الإيطالية بحثت مع الرئيس الجزائري تعزيز التعاون في وقف تدفقات المهاجرين السريين (الرئاسة الجزائرية)
TT

«حراك أوروبي» مكثف في الجزائر لتأمين الحدود ومكافحة الهجرة

رئيسة الوزراء الإيطالية بحثت مع الرئيس الجزائري تعزيز التعاون في وقف تدفقات المهاجرين السريين (الرئاسة الجزائرية)
رئيسة الوزراء الإيطالية بحثت مع الرئيس الجزائري تعزيز التعاون في وقف تدفقات المهاجرين السريين (الرئاسة الجزائرية)

تسارعت الجهود الأوروبية بشكل لافت، خلال الأسابيع الأخيرة، لدفع الجزائر نحو لعب دور «دركي المتوسط»، وهو ما عكسته الزيارات المكثفة لمسؤولين أوروبيين كبار خلال أشهر: فبراير (شباط) ومارس (آذار) الماضيين، وأبريل (نيسان) الحالي؛ حيث تسعى عواصم أوروبية من خلال هذا الضغط الدبلوماسي والأمني إلى ترسيخ مكانة الجزائر كحائط صدّ أساسي، يتولى مهمة لجم تدفقات الهجرة السرية، وتأمين الحدود البحرية لمصلحة الفضاء الأوروبي.

رئيسا جهازي الشرطة الجزائري والألماني (الشرطة الجزائرية)

وأعلنت «الإدارة العامة للأمن الوطني» الجزائري، في بيان، أن مديرها علي بدوي استقبل، الخميس، رئيس الشرطة الفيدرالية الألمانية دييتر رومان، الذي يؤدي حالياً زيارة رسمية إلى الجزائر على رأس وفد أمني رفيع، مؤكدة أن المسؤولَين الجزائري والألماني «أجريا محادثات ثنائية، ثم توسعت لتشمل وفدي شرطة البلدين، حيث ركزت المباحثات على سبل تعزيز وترقية آليات التعاون، لا سيما في مجالات تأمين وإدارة الحدود، ومكافحة الهجرة غير الشرعية، بالإضافة إلى تبادل الخبرات في مجال إدارة وتسيير الأحداث الكبرى، وتوحيد الجهود لمواجهة القضايا الأمنية ذات الاهتمام المشترك، بما يتماشى والتحديات الراهنة والمستجدة».

اجتماع بين مسؤولي الشرطة في الجزائر وألمانيا تناول التصدي للهجرة غير النظامية (الشرطة الجزائرية)

وأوضح البيان نفسه أن الشرطي الأول في ألمانيا، زار مديرية شرطة الحدود بإدارة الشرطة الجزائرية، «حيث وقف ميدانياً على المهام الحيوية المسندة لهذه المديرية، والمصالح والفرق التابعة لها، واطلع على الأساليب المعتمدة في تسيير وتأمين الحركة الحدودية للأشخاص والمركبات»، مبرزاً «رغبة مشتركة لتبادل التجارب الميدانية، وتطوير الأداء الشرطي بين البلدين».

تطوير آليات مراقبة الحدود

وفق مصادر صحافية جزائرية، وضعت زيارة دييتر رومان «ملف تسيير تدفقات الهجرة» على رأس أجندة التعاون الثنائي، حيث تم التركيز، حسب المصادر نفسها، على «تحديث التنسيق العملياتي، وتطوير آليات الرقابة الحدودية، فضلاً عن تبادل المعلومات الاستخباراتية، والخبرات التقنية في تأمين التظاهرات الكبرى». وتعكس كثافة هذا النشاط، استناداً إلى المصادر ذاتها، «رغبة مشتركة في مواجهة التحديات العابرة للحدود بأسلوب أكثر تنسيقاً».

مهاجران سريان يتلقيان الإسعافات بعد إنقاذهم من الغرق في عرض المتوسط (أرشيفية وزارة الدفاع الجزائرية)

وافتتحت الزيارات الأوروبية المكثفة إلى الجزائر، بشأن تدفقات الهجرة، أجندتها في فبراير الماضي، بزيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونييز، الذي بحث مع المسؤولين الجزائريين، خلال يومين كاملين (16 و17 فبراير الماضي) الملف الخلافي، المرتبط بمئات المهاجرين الجزائريين غير النظاميين، الذين صدرت بحقهم أوامر بالطرد من فرنسا، والذين رفضت الجزائر خلال الأشهر الماضية استعادتهم، في سياق تصاعد التوترات بين البلدين، إثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء في 2024.

طرق الهجرة البحرية نحو إسبانيا انطلاقاً من السواحل الجزائرية (مواقع مهتمة بالهجرة السرية)

وبعد أيام من زيارة نونييز، أعلنت «اللجنة المشتركة لمساعدة اللاجئين والمهاجرين» في فرنسا، المعروفة اختصاراً بـ«لا سيماد»، أن الجزائريين الذين صدرت بحقهم قرارات بمغادرة الأراضي الفرنسية بدأ ترحيلهم مجدداً إلى بلدهم الأصلي، ما يعني أن القنصليات الجزائرية في فرنسا رفعت الحظر عن إصدار التصاريح التي تتيح ترحيلهم.

وتتصدر الجالية الجزائرية قائمة الوجود الأجنبي في فرنسا، وهو حضور يرافقه تعقيد قانوني، يتمثل في ملف المقيمين غير النظاميين. وبحسب بيانات «لا سيماد»، يشكل الجزائريون الفئة الأكبر من المشمولين بقرارات الترحيل داخل مراكز الاحتجاز الإداري؛ حيث سجلت هذه المراكز خلال عام 2024 عبور أكثر من 5 آلاف جزائري، يليهم التونسيون بـ1900، فالمغاربة بـ1700 محتجز.

الهجرة والطاقة تتصدران أولويات روما

إثر هذه التفاهمات بين الجزائر وفرنسا، أجرت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، زيارة رسمية إلى الجزائر في 25 مارس (آذار) الماضي، حملت أبعاداً استراتيجية عميقة في ظل التوترات الجيوسياسية، التي أفرزتها الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وتأثيرها على إمدادات الطاقة العالمية.

وزير الخارجية الجزائرية خلال اجتماعه بالمسؤولين البلجيكيين في بروكسل نهاية مارس الماضي (وزارة الخارجية الجزائرية)

لم تكن زيارة ميلوني إلى الجزائر مجرد مسعى لتأمين احتياجات إيطاليا من الطاقة، في ظل تقلبات السوق الدولية، بل كانت محطة لترسيخ رؤية إيطالية أعمق، تزاوج بين الحفاظ على تدفقات الغاز، وضرورة ضبط تدفقات الهجرة غير النظامية، باعتبارهما محددين أساسيين للاستقرار في حوض المتوسط.

وفي سياق تفعيل «خطة ماتي»، بحثت ميلوني في الجزائر سبل تجسيد هذه الرؤية، التي تربط بشكل عضوي بين تحقيق التنمية الاقتصادية في دول المنشأ والعبور، والحد من تدفقات الهجرة؛ حيث ركزت نقاشاتها مع كبار المسؤولين، وفي مقدمتهم الرئيس عبد المجيد تبون، على أن استقرار إيطاليا وشريكتها في المغرب العربي، يمثل الضمانة الأولى والركيزة الأساسية لتقليص ضغوط الهجرة عبر المتوسط.

وشددت ميلوني على تبني «مقاربة شاملة»، تتجاوز الحلول الأمنية التقليدية، لتشمل تعاوناً وثيقاً في مراقبة الحدود البحرية، وتسهيل إجراءات إعادة المهاجرين غير النظاميين.

وزير الخارجية الإسباني مع نظيره الجزائري (وزارة الخارجية الجزائرية)

بعد يوم واحد من زيارة ميلوني، حل وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بالجزائر (26 و27 مارس) في زيارة رسمت ملامح إذابة الجليد بين البلدين، بعد الأزمة التي اندلعت في 2022، إثر انحياز مدريد للمغرب في نزاع الصحراء.

قوارب الهجرة مصدر إزعاج لمدريد

كانت مكافحة الهجرة غير النظامية محوراً أساسياً في المحادثات، حيث بحث ألباريس مع نظيره الجزائري، أحمد عطاف، سبل تعزيز التنسيق الأمني لمواجهة تدفقات الهجرة عبر «طريق المتوسط»، مع التركيز على تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتفكيك شبكات تهريب البشر.

وزير الداخلية الفرنسي في لقائه مع نظيره الجزائري في 17 فبراير الماضي (وزارة الداخلية الجزائرية)

والمعروف أن آلاف الجزائريين يسافرون عبر قوارب الهجرة السرّية، إلى جزر البليار الإسبانية، عدد كبير منهم يلقون حتفهم في عرض البحر بسبب تعطل القوارب أو فقدان الوجهة.

وفي 31 من الشهر نفسه، أثمرت زيارة أحمد عطاف إلى بروكسل عن توقيع عدة اتفاقيات مع الجانب البلجيكي، برزت من بينها اتفاقية وصفت بـ«التاريخية»، تهدف إلى تسهيل إعادة قبول الرعايا الجزائريين المقيمين في بلجيكا بطريقة غير نظامية.

وتكتسي هذه الاتفاقية أهمية خاصة لدى الحكومة البلجيكية؛ إذ اعتبرتها وزيرة الهجرة، فان بوسويت، ثمرة مفاوضات شاقة استمرت لعشرين عاماً، مشددة على دورها المحوري في تعزيز مكافحة الهجرة غير الشرعية، وتخفيف الضغط عن السجون البلجيكية.

وتقضي بنود الاتفاقية بتسريع إجراءات تحديد هوية المعنيين بالترحيل في غضون 15 يوماً، مع إصدار وثائق سفر صالحة لمدة شهر كامل، كما تمنح المرونة اللازمة لتنظيم رحلات جوية مباشرة، أو غير مباشرة، تضم مجموعات من الأشخاص، مع إمكانية الاستعانة بمرافقين أمنيين جزائريين في حالات الإعادة القسرية، وهو ما يضع إطاراً عملياتياً جديداً، ينهي عقوداً من الجمود في هذا الملف الحساس بين البلدين.


تحسّن أداء الجنيه لا يُخفف مخاوف المصريين من هزات الاقتصاد

مواطن يستبدل دولارات من داخل صرافة في القاهرة (رويترز)
مواطن يستبدل دولارات من داخل صرافة في القاهرة (رويترز)
TT

تحسّن أداء الجنيه لا يُخفف مخاوف المصريين من هزات الاقتصاد

مواطن يستبدل دولارات من داخل صرافة في القاهرة (رويترز)
مواطن يستبدل دولارات من داخل صرافة في القاهرة (رويترز)

فوجئت الثلاثينية آلاء محمد، وهي أم لثلاثة أطفال في المرحلة الابتدائية، بالارتفاعات الكبيرة في الأسعار في مصر، بعد عودتها من زيارة لزوجها الذي يعمل في إحدى الدول الخليجية، واستمرت لعدة أشهر. وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «كانت الأسعار مرتفعة قبل سفري، وكان الدولار يساوي نحو 48 جنيهاً، أما الآن فقد وصلت الأسعار إلى مرحلة الجنون».

عادت آلاء -وهي ربة منزل تقطن في منطقة الهرم- إلى مصر قبل أيام، تزامناً مع انخفاضات طفيفة في سعر الدولار، وسط توقعات باستمرار التراجع حال التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب الإيرانية. وعلى العكس، تتزايد المخاوف من عودة الدولار إلى الارتفاع إذا انهارت التهدئة، في ظل أوضاع إقليمية غير مستقرة.

وصعد الدولار من مستوى 48 جنيهاً إلى نحو 55 جنيهاً خلال شهر في أعقاب اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، ثم تراجع إلى نحو 51.80 جنيه.

ورغم تحسّن الجنيه أمام الدولار، فإن ذلك لن ينعكس قريباً على الأسعار، ولن يُبدّد المخاوف من الهزات الاقتصادية، حسب متخصصين.

وقال محافظ البنك المركزي المصري، حسن عبد الله، إن البنك ملتزم بمواصلة سياسة سعر الصرف المرن، بما يسمح للعملة بامتصاص الصدمات الخارجية، وهو ما تجلّى بوضوح في تعافي الجنيه المصري، واسترداده نحو 50 في المائة من مقدار تراجعه السابق، خلال أيام قليلة، مدفوعاً بتحسن الموارد وسيناريوهات تهدئة الأوضاع في المنطقة.

جاء ذلك خلال مشاركته -عبر تقنية الفيديو كونفرانس- في اجتماع محافظي البنوك المركزية ووزراء مالية مجموعة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان (MENAP)، ضمن فعاليات اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين لعام 2026، حسب بيان لـ«المركزي المصري».

منفذ «أمان» لبيع اللحوم بأسعار منخفضة مقارنة بالسوق في ميدان الدقي (الشرق الأوسط)

ويُرجع أستاذ الاقتصاد بجامعة الإسكندرية (شمال)، الدكتور عاطف وليم، التحسن الطفيف في قيمة الجنيه أمام الدولار إلى عودة جزء من «الأموال الساخنة» التي خرجت من السوق المصرية عقب اندلاع الحرب الإيرانية، لافتاً إلى أن التأثر الكبير بتدفقات هذه الأموال، دخولاً وخروجاً، يعكس هشاشة في العملة المصرية نتيجة السياسات الاقتصادية على مدار العقد الماضي.

وشهدت مصر تدفق نحو 1.7 مليار دولار من «الأموال الساخنة» خلال يومين، حتى منتصف أبريل (نيسان) الحالي.

و«الأموال الساخنة» هي استثمارات أجنبية عادة ما تستهدف أدوات الدين من أذون خزانة وسندات؛ للاستفادة من أسعار الفائدة المرتفعة في هذه الأدوات، وتتميز بقدرتها على الخروج السريع من الأسواق عند وقوع أزمات.

وأضاف وليم لـ«الشرق الأوسط» أنه من غير المتوقع أن نشهد تحسناً قريباً في أسعار السلع نتيجة تراجع الدولار بنحو جنيهين عن الفترة السابقة، مشيراً إلى المبدأ الاقتصادي المعروف بأن «منحنى صعود الأسعار يتسم بالمرونة، في حين يتسم منحنى الهبوط بالجمود»، أي أن الأسعار يسهل أن ترتفع، لكنها عادة لا تعود لتشهد انخفاضات.

ويتفق معه الخبير الاقتصادي وائل النحاس، مشيراً إلى أنه رغم إيجابية تراجع سعر صرف الدولار أمام الجنيه مقارنة بالأسابيع الماضية، فإن أزمة العملة الصعبة لم تنتهِ بعد، في ظل استحقاقات الديون الضخمة على مصر خلال الربع الحالي من العام، من أبريل الحالي حتى يونيو (حزيران) المقبل.

وأضاف النحاس لـ«الشرق الأوسط» أن تراجع الدولار لم ينعكس حتى الآن على المعاملات التجارية والصناعية التي تعتمد على العملة الصعبة، إذ يُحتسب الدولار وفقاً للسعر الذي بلغه في ذروة تأثيرات الحرب الإيرانية على الاقتصاد المصري في مارس (آذار) الماضي، أي نحو 55 جنيهاً، وذلك تحسباً لعودة الحرب أو لامتصاص تداعياتها المتوقعة التي قد تستمر لفترة، ما يعني أن الأسعار لن تنخفض قريباً.

سوق شعبية في محافظة الجيزة بمصر (الشرق الأوسط)

وكانت أسعار السلع والخدمات قد شهدت قفزة عقب القرار الحكومي برفع أسعار المحروقات بنسبة تراوحت بين 14 و30 في المائة، بعد أيام من اندلاع الحرب الإيرانية، بهدف امتصاص تداعياتها الاقتصادية.

وأضاف النحاس أن تداعيات الحرب مستمرة حتى في حال توقفها، وأن التأثير الأكبر يظل على فاتورة استيراد الطاقة التي ارتفعت، وكذلك من المتوقع أن تزداد فواتير استيراد القمح والزيوت وغيرهما من السلع الأساسية.

ويرى أستاذ الاقتصاد عاطف وليم أن المواطن يتحمل في المقام الأول تبعات كل ذلك، مشيراً إلى أن التأثيرات التي قد تظهر خلال الفترة المقبلة في انخفاض معدلات التضخم «لا تعني أن الأسعار ستنخفض، بل إن معدل الزيادة سيتباطأ».

وسجل معدل التضخم في مصر على أساس سنوي نحو 15.2 في المائة خلال مارس الماضي، ارتفاعاً من 13.4 في المائة في فبراير (شباط)، كما ارتفع معدل التضخم على أساس شهري في مارس إلى 3.2 في المائة، مقارنة بـ2.8 في المائة في فبراير، وفق «الجهاز المركزي للإحصاء».

وكانت الحكومة المصرية قد أعلنت في وقت سابق رفع الحد الأدنى للأجور إلى 8 آلاف جنيه (نحو 150 دولاراً) اعتباراً من يوليو، بدلاً من 7 آلاف جنيه، غير أن هذه الزيادة المرتقبة لا تخفف من المخاوف بشأن موجات ارتفاع جديدة في الأسعار لاحقاً.