تونس: قضايا جديدة في الإرهاب و«التآمر على أمن الدولة»

المحاكم في إجازة صيفية لمدة شهرين

اجتماع جديد بين الرئيس التونسي قيس سعيد ووزير الداخلية خالد النوري وكاتب الدولة للأمن سفيان بالصادق حول مستجدات الوضع الأمني وعودة المهاجرين (موقع رئاسة الجمهورية التونسية)
اجتماع جديد بين الرئيس التونسي قيس سعيد ووزير الداخلية خالد النوري وكاتب الدولة للأمن سفيان بالصادق حول مستجدات الوضع الأمني وعودة المهاجرين (موقع رئاسة الجمهورية التونسية)
TT

تونس: قضايا جديدة في الإرهاب و«التآمر على أمن الدولة»

اجتماع جديد بين الرئيس التونسي قيس سعيد ووزير الداخلية خالد النوري وكاتب الدولة للأمن سفيان بالصادق حول مستجدات الوضع الأمني وعودة المهاجرين (موقع رئاسة الجمهورية التونسية)
اجتماع جديد بين الرئيس التونسي قيس سعيد ووزير الداخلية خالد النوري وكاتب الدولة للأمن سفيان بالصادق حول مستجدات الوضع الأمني وعودة المهاجرين (موقع رئاسة الجمهورية التونسية)

أعلنت مصادر أمنية وقضائية تونسية أن قوات الأمن نظمت أخيراً «حملة أمنية بكامل تراب الجمهورية»، أسفرت عن إلقاء القبض على 1416 شخصاً مُفَتَّشاً عنهم من قبل المحاكم، وتجهيزات تُستخدَم في عمليات التهريب والاتجار في المخدرات ومختلف الجرائم.

إيقاف «تكفيري»

كما أعلنت المصادر نفسها إيقاف «تكفيري» متهم بالانتماء إلى «تنظيم إرهابي» صدرت ضده أحكام غيابية بالسجن لمدة 46 عاماً.

ولم تكشف تلك المصادر عن اسم التنظيم المتهم بالإرهاب، ولا تفاصيل القضايا التي حوكم بسببها غيابياً بعشرات السنين سجناً، ولا إن كان من بين المتهمين بالمشارَكة خلال العشرية الماضية في العمليات الإرهابية التي وقعت خلال تلك الفترة، واستهدف بعضها عسكريين وأمنيين في المناطق الحدودية مع الجزائر وليبيا، وبعضها الآخر استهدف منشآت سياحية وثقافية في تونس العاصمة وفي المنطقة الساحلية سوسة - المنستير.

وكانت المحاكم أصدرت وقتها أحكاماً ثقيلة بالسجن على مجموعات من الموقوفين والمتهمين بحالة فرار ممن شملتهم قضايا إرهاب استُخدمت فيها أسلحة نارية ومتفجرات، وتسبّب بعضها في سقوط قتلى وجرحى.

وسجّلت بعض تلك العمليات الإرهابية بالقرب من سفارتَي فرنسا وأميركا في تونس، وفي مدخل المتحف الوطني في باردو، المجاور لمبنى البرلمان.

وصدرت في تلك الأثناء بلاغات إعلامية عن تنظيمات مسلحة تونسية ومغاربية وعربية، بينها «داعش»، و«القاعدة»، و«عقبة بن نافع».

في الأثناء، كشفت مصادر إعلامية وقضائية وسياسية عن إحالة مزيد من المتهمين بالإرهاب و«التآمر على أمن الدولة»، و«قضايا الفساد المالي»، و«مخالفة القانون الانتخابي» إلى التحقيق والمحاكم.

وقدّر محامون عدد المتهمين في هذا النوع من القضايا بعشرات، بينهم عدد من البرلمانيين والمسؤولين الحكوميين السابقين، وشخصيات تحمّلت مسؤوليات على رأس مؤسسات اقتصادية وإدارية عملاقة.

واتُّهم بعض القائمين على هذه المؤسسات بالضلوع في «جرائم مالية سياسية خطرة ترتقي إلى درجة التآمر على أمن الدولة»، مع الاشتباه باستغلال بعضهم صفاتهم الإدارية والسياسية، وعلاقاتهم للحصول على امتيازات مادية وقروض ضخمة من البنوك العمومية وشبه العمومية، وبينها البنك الوطني الفلاحي وبنك الإسكان والشركة التونسية للبنك، فضلاً عن «البنوك المشتركة التونسية الأجنبية» على حد ما أورده رئيس المعهد التونسي للمستشارين الجبائيين الأسعد الذوادي في تصريح لـ«الشرق الأوسط».

كما أورد المحامي أمين بوكر لـ«الشرق الأوسط» أن ملف المتهمين في قضية «إنستالينغو» ذات الصبغة «الإرهابية»، وبينهم عسكريون ومدنيون وسياسيون سابقون، أُحيلوا إلى المحكمة قبل أيام، وتقرر تأجيل الجلسة إلى يوم 8 يوليو (تموز). لكنه استبعد أن يقع البت في هذه القضية، التي سال حبر كثير حولها في تونس؛ بسبب تعقيداتها الأمنية والإدارية والقضائية. وتوقّع أن تؤجل جلسات الاستنطاق والمرافعات وإصدار الأحكام إلى ما بعد العطلة القضائية التي تستمر شهرين، وتبدأ يوم 15 يوليو.

دوائر صيفية

كما استبعد المحامي سمير بن عمر، المختص في متابعة ملفات المتهمين في «قضايا ذات صبغة سياسية»، و«الإرهاب والتآمر على أمن الدولة» أن تبت المحاكم قريباً في ملفات عشرات الموقوفين والمساجين الذين أحالتهم السلطات الأمنية والقضائية ضمن أكثر من 10 «ملفات تآمر»، فُتح بعضها منذ أواخر 2022 وأوائل 2023، وشمل عسكريين وأمنين وقيادات سياسية في الأحزاب التي تصدرت المشاهد البرلمانية والحكومية والإعلامية خلال العشرية الماضية.

ومن بين أبرز المتهمين في هذه القضايا رئيس الحكومة ووزير الداخلية الأسبق علي العريض، ورئيس البرلمان السابق راشد الغنوشي، ووزير الخارجية الأسبق رفيق عبد السلام، ووزير العدل الأسبق نور الدين البحيري، وعدد من المديرين العامين السابقين في وزارة الداخلية، إلى جانب رجال أعمال متهمين بـ«الضلوع في قضايا فساد، والاستفادة غير القانونية من أموال الدولة».

وأورد المحامي أمين بوكر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «البت في هذه القضايا خلال موسم الإجازات السنوية في المحاكم يستوجب إصدار قرار بإحداث دوائر صيفية»، وهو ما لا يبدو وراداً حالياً. لذلك يرجح «تأجيل المحاكمات في القضايا ذات الصبغة الأمنية والسياسية والإرهابية» إلى ما بعد الانتخابات المقررة في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، حسب رئيس الهيئة العليا للانتخابات، القاضي فاروق بوعسكر.

وصول أولى بواخر المهاجرين التونسيين القادمين من أوروبا إلى ميناء تونس - حلق الوادي أكبر موانئ البلاد في ظل تعبئة أمنية (متداولة)

عودة مليون مهاجر

من جهة أخرى، دخلت قوات الأمن التونسية في مرحلة استنفار جديدة براً وبحراً وجواً بمناسبة عودة ما لا يقل عن مليون مهاجر تونسي إلى موطنهم صيفاً، أي نحو نصف أبناء الجالية التونسية في المهجر.

وقد عقد الرئيس التونسي قبل أيام اجتماعاً جديداً مع وزير الداخلية خالد النوري، وكاتب الدولة للأمن الوطني سفيان بالصادق، أعلنت صفحة رئاسة الجمهورية أنه ناقش «مستجدات الوضع الأمني في البلاد، وحُسن تأمين عودة المهاجرين وعائلاتهم».

ازدحام في المطارات والموانئ التونسية بمناسبة عودة أكثر من مليون مهاجر (متداولة)

في هذا السياق، أعلن بلاغ رسمي جديد من وزارة الداخلية أنه «في سياق الحرص على توفير أفضل الظروف لعودة الجالية التونسية المقيمة بالخارج، وتماشياً مع سياسة الدولة التونسية، اتخذت مصالح الوزارة جملةً من الإجراءات والتدابير الإضافية للمساهمة في تحسين جودة الخدمات المقدّمة لفائدتهم، سواء كان ذلك على مستوى استخراج الوثائق الإدارية (مطالب استخراج جوازات السفر ومطالب الانتفاع بامتياز الإعفاء من القيد الجمركي)، أو تسهيل عمليات حلولهم ومغادرتهم للتراب التونسي (مختلف الإجراءات الحدودية)، وتسهيل حركة المرور وحفظ النظام العام بمحيط الموانئ والمطارات». في الوقت نفسه أُعلنت إجراءات أمنية إضافية في المعابر، الحدودية التونسية - الجزائرية، والتونسية - الليبية.


مقالات ذات صلة

«الكردستاني» يهدد بوقف «السلام» مع تركيا ويؤكد عدم ثقته بها

شؤون إقليمية يسمح قانون أقره البرلمان التركي بعودة عناصر حزب «العمال الكردستاني» ووقف ملاحقتهم قضائياً بشكل مشروط بعد التحقق من حل الحزب وانتهاء نزع أسلحته (أ.ف.ب)

«الكردستاني» يهدد بوقف «السلام» مع تركيا ويؤكد عدم ثقته بها

هددت قيادات في حزب «العمال الكردستاني» بعدم إلقاء الأسلحة ووقف «عملية السلام» ما لم يتم منح الحرية لزعيمه عبد الله أوجلان والسماح بعودة قيادات إلى تركيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
آسيا أشخاص يقفون بالقرب من سيارة إسعاف وجزء متضرر من مركز للشرطة عقب هجوم انتحاري في كوهات بباكستان يوم 18 سبتمبر 2026 (رويترز)

ارتفاع حصيلة تفجير وهجوم مسلّح في باكستان إلى 31 قتيلاً

ارتفعت حصيلة عملية التفجير والهجوم المسلح على المقر العام للشرطة الباكستانية في كوهات بشمال البلاد إلى ما لا يقل عن 31 قتيلا بينهم 16 شرطياً.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
شمال افريقيا لقاء بين الفريق فرج الصوصاع المدعي العام العسكري بشرق ليبيا وكريم خان المدعي العام لـ«الجنائية الدولية» في نوفمبر 2022 (القيادة العامة)

انتقادات حادة للبعثة الأممية في ليبيا بسبب موقفها من «إعدامات بنغازي»

أثارت إعدامات نُفذت بحق أكثر من 30 شخصاً في بنغازي انتقادات للبعثة الأممية لدى ليبيا بعد دعوتها سلطات شرق البلاد إلى وقف تنفيذ أحكام إعدام جديدة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي استقبل رئيس مجلس الشعب الدكتور عبد الحميد العواك وفداً من مجلس الشيوخ الفرنسي بحضور مكتب المجلس

مجلس الشعب السوري يقر إلغاء «محكمة الإرهاب» وإبطال قراراتها

أقر مجلس الشعب السوري، الأربعاء، إلغاء «قانون محكمة قضايا الإرهاب» رقم «22» لعام 2012، مع إبطال كل المفاعيل والآثار القانونية المترتبة عليه.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية جانب من المباحثات الموسعة بين وزيري الخارجية السوري أسعد الشيباني والتركي هاكان فيدان في دمشق في 13 سبتمبر بحضور وفدي البلدين (الخارجية التركية)

تركيا: الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي توقف «قسد» عن كونها تهديداً

أكدت تركيا أن الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي أن تتوقف «قوات سوريا الديمقراطية» عن كونها تهديداً، عادّةً أن إسرائيل تشكل الخطر الأكبر على استقرار جارتها

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

دعا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، إلى إعادة النظر في النظام والمؤسسات السياسية في بلاده لمواءمتها مع متطلبات الحقبة الراهنة.

وقال في خطاب ألقاه في مدينة إطار، في مستهل زيارة لولاية آدرار، إن الحوار الوطني الشامل المرتقب يجب أن يفضي إلى «إجماع واسع» حول القضايا الوطنية الكبرى، وأن يسهم في تعزيز المواطنة والعدل والإنصاف وتقوية مؤسسات الدولة.

وأوضح أنه يأمل في أن «يوفق الحوار الوطني الشامل، الذي ينعقد قريبًا، في الخروج بإجماع واسع حول كبريات قضايانا الوطنية».

وجاءت دعوة الغزواني قبيل إنطلاق الحوار الذي يجري الإعداد له منذ أشهر، بعد اعتماد «الدليل العملي للحوار» الذي حدد أربعة محاور رئيسية للنقاش، تتعلق بالوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، والنموذج الديمقراطي، والحوكمة، وإدماج الفئات الهشة والوقاية من المخاطر والتهديدات.

وقال ولد الغزواني إن الهدف من الحوار هو تعزيز «العقد الوطني» بما يجعله أكثر قدرة على استيعاب التحولات التي يشهدها المجتمع وأكثر تعبيرًا عن تطلعات الأجيال الجديدة، مؤكدًا أن ذلك «لا يعني إعادة تعريف الوطن» أو المساس بأسسه ومبادئه الجمهورية وهويته الثقافية والحضارية.

وأضاف أن المطلوب هو أن تخرج المشاركات والنقاشات بما «يقوي لمة المجتمع، ويعزز رباط المواطنة، ويرسخ العدل والإنصاف، ويجعل مؤسساتنا أكثر قوة وانسجامًا وفعالية».

وشدد الرئيس على أن الحوار يجب أن يكون «شاملًا وجادًا»، وألا يخضع لمحظورات أو «توجيهات إملائية» من أي جهة، وأن تأتي مخرجاته حصراً من مداولاته.

وكانت المعارضة قد هددت بمقاطعة التحضيرات الجارية للحوار إذا تضمن النقاش المساس بمواد الدستور المحصنة التي تحظر على رئيس الجمهورية ممارسة أو البقاء في السلطة لأكثر من فترتين رئاسيتين متتاليتين مدة كل واحدة منهما خمس سنوات وهو ما تسعى أحزاب الموالاة إلى تعديله للسماح للغزواني بالترشح لولاية ثالثة.


تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
TT

تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)

تترقب الأوساط السياسية في ليبيا الخطوات المقبلة لتطبيق اتفاق «4+4» الذي وافق عليه مجلس النواب الأسبوع الماضي، وسط تساؤلات عن موعد وآلية تدشين السلطة التنفيذية الموحدة التي تقود البلاد نحو الانتخابات العامة، وإنهاء الانقسام السياسي والحكومي.

ووفق مسودة اتفاق «4+4»، الموقعة نهاية أغسطس (آب) الماضي، برعاية البعثة الأممية وممثلين عن شرق ليبيا وغربها، فإنه يتعين إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية خلال فترة لا تتجاوز 24 شهراً في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، لكن الاتفاق لم يكشف تفاصيل آلية بناء هذه السلطة، وهل ستكون حكومة تكنوقراط، أم توافقية تضم شخصيات مقربة من القوى الفاعلة.

آلية لحسم الملف

يرى رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، أن البعثة لا تزال تحتاج إلى وقت للكشف عن تفاصيل خطتها لنقل الاتفاق من مرحلة التوقيع إلى التطبيق على الأرض، وإنهاء الانقسام الراهن، منوهاً بأن كيفية تشكيل السلطة التنفيذية وموعد انطلاقها أمر يحظى باهتمام من النخب السياسية التي سألت البعثة بدورها عن الأمر دون تلقِّي إجابة واضحة حتى الآن.

ويعتقد الشبلي بوجود «تضارب» بين حديث نائبة المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري، عن تشكيل حكومة جديدة، وما يتحدث عنه المقربون من حكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن سلطة تنفيذية تضم مجلساً رئاسياً وحكومة، وتقاسم مقاعد الأخيرة بشكل توافقي بين الطرفين، معبراً عن قناعته «بوجود مؤشرات قوية تدعم الطرح الأخير».

وتعيش ليبيا انقساماً بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى برئاسة أسامة حماد تدير شرق البلاد وبعض مناطق الجنوب بتكليف من البرلمان ودعم من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع مجموعة من فريق «الحوار السياسي والمصالحة» في ليبيا الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

بدوره، توقع المحلل السياسي الليبي حسام الدين العبدلي، أن تسعى البعثة الأممية إلى تشكيل لجنة حوار سياسي جديدة تضم نحو 47 عضواً، بوصف ذلك آلية لحسم ملف السلطة التنفيذية، في تكرار لسيناريو اتفاقَي «الصخيرات» و«جنيف» اللذين رعتهما البعثة.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن لقاءات البعثة الأخيرة مع قوى سياسية واجتماعية وممثلي مكونات ثقافية عززت توجهها نحو تشكيل تلك اللجنة، لكنه يعتقد أن الصياغة النهائية لشكل هذه اللجنة ومعايير اختيارها لم تحدد بعد.

وقال: «إدراك البعثة تخوفات مجلسي (النواب) و(الأعلى للدولة) من تجاوز دورهما في المرحلة المقبلة قد يجعلهما، كعادتهما، يعرقلان أي توافق؛ وبالتالي خططت من البداية لعدم رهن تطبيق الاتفاق بمواقفهما».

واستبعد العبدلي وجود خلاف بين القوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها على مقاعد الحكومة المقبلة، معرباً عن قناعته بـ«تدخل دولي، تحديداً من أميركا، لحسم الحقائب السيادية، كالدفاع والداخلية والخارجية والمالية، في ظل تراجع الوضع الاقتصادي للبلاد».

واعتبر أن أي خلافات أخرى «لن تكون ذات جدوى، خصوصاً مع وجود تفاهمات ترضي الطرفين»، وسط توقعات بمنح القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» رئاسة المجلس الرئاسي، ووجود الدبيبة على رأس الحكومة الموحدة.

إلا أنه لفت إلى أن الخلاف قد ينشب إذا اقتصر الاتفاق على حكومة موحدة دون مجلس رئاسي جديد، ويرى أن ممثلي «الجيش الوطني» لن يرضوا بذلك.

لجنة للحوار السياسي

كانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد بحثت مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة مستجدات الوضع السياسي والاقتصادي وسبل تنفيذ «خريطة الطريق» الأممية عقب اتفاق «4+4»، مؤكدة التزام البعثة بالعمل مع جميع الأطراف الليبية، وفق توصيات «الحوار المهيكل» لتهيئة الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات الوطنية.

ورغم توافقه مع الآراء السابقة بشأن احتمالية توجه البعثة إلى تشكيل «لجنة حوار سياسي لإخراج السلطة التنفيذية الجديدة ومنحها غطاءً سياسياً»، توقع المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ أن يواجه ذلك عقبات.

ولفت محفوظ في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن البعثة قد تجري قريباً اجتماعات منفصلة مع الوفدين الممثلين لحكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن السلطة التنفيذية.

ولفت مراقبون إلى أن اجتماعات البعثة المقبلة قد تمتد إلى قوى إقليمية ودولية مؤثرة، كالقاهرة وأنقرة وموسكو، في ضوء مراقبتها الدقيقة لأي تحرك يمس مصالحها السياسية والاقتصادية.

وكان كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، قد قال إن المبادرة التي طرحها بشأن ليبيا والمبادرة الأممية «مكملتان بعضهما لبعض»، ولفت إلى أن المبادرة الأميركية «ستركز على كيفية إدارة مرحلة العامين التحضيرية للانتخابات، تحديداً توحيد المؤسسات».


معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
TT

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)

تواجه حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة اعتصاماً جديداً يُضاف إلى سلسلة من الأزمات والاحتجاجات المتصاعدة في البلاد، مع تمسك المعلمين بمطالبهم ورفضهم ما وصفوه بـ«تحويل حقوقهم إلى وعود مؤجلة». ويأتي التحرك في وقت تواجه فيه السلطات ضغوطاً متزايدة على ملفات خدمية وأمنية ومعيشية عديدة.

جانب من اعتصام معلمي مدرسة شهداء الانتصار للتعليم الأساسي في «أبو سليم» بطرابلس يوم الأحد (من مقطع فيديو بثته النقابة العامة للمعلمين)

وأعلن رئيس «حراك المعلمين» في ليبيا، أشرف الهادي، استمرار الاعتصام السلمي المنظم الذي ينفذه المعلمون حتى انتهاء المهلة المحددة للحوار مع الجهات الرسمية، مؤكداً أن الهدف هو الوصول إلى حلول حقيقية وتنفيذ مطالب المعلمين، وليس تعطيل العملية التعليمية.

وقال الهادي في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية إن الإضراب العام «يظل أحد الخيارات المطروحة إذا انتهت المهلة دون استجابة جدية ونتائج ملموسة». وأضاف: «الحراك يُفضّل الحوار، لكنه يشترط أن يتحول إلى قرارات واضحة وجدول زمني وآليات محددة للتنفيذ».

وتشمل مطالب المعلمين معالجة المرتبات، وتسوية الفروقات والمستحقات المالية، وتوفير التأمين الصحي، وتحسين الوضع الوظيفي والمعيشي، وإصدار قانون لحماية المعلم.وفي السابع من سبتمبر (أيلول) الجاري، أعلن الحراك عن مهلة 15 يوماً لتنفيذ مطالب المعلمين.

وأوضح الهادي أن باب التفاوض مفتوح بشأن آليات التنفيذ، وليس حول أصل الحقوق، وأكد أن الحراك لم يتلقّ تواصلاً رسمياً مباشراً بالقدر المطلوب حتى الآن، داعياً الجهات صاحبة القرار إلى «فتح حوار جاد ومسؤول»، كما ناشد المعلمين الحفاظ على وحدتهم والالتزام بالسلمية والتنظيم خلال المرحلة المقبلة.

يأتي هذا في خضم موجة احتجاجات واعتصامات واسعة النطاق بدأت مع انطلاق العام الدراسي الجديد في منتصف الشهر الجاري، وامتدت من العاصمة طرابلس ومدن المنطقة الغربية مثل مصراتة وبني وليد وأبو سليم إلى بنغازي ومناطق أخرى في الشرق والجنوب.

وأعلنت نقابات معلمين في بلديات الغرب اعتصاماً مفتوحاً وإضراباً عن العودة إلى الدراسة، قائلة إنه جاء نتيجة «استمرار تجاهل حقوق المعلمين، وليس بهدف عرقلة التعليم».

وأدت هذه التحركات إلى إرباك انطلاق الدراسة في كثير من المدارس، حيث ظلت أبوابها مغلقة أو شبه فارغة في الأيام الأولى من العام الدراسي، فيما يشكو المعلمون من أن مرتباتهم، التي لا تتجاوز في كثير من الحالات 2000 دينار شهرياً، لم تعد تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى تأخر صرف المستحقات وغياب التأمين الصحي الفعال. والدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية، و9.56 دينار في السوق الموازية.

في مقابل ذلك عقد وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة»، محمد عبد السلام القريو، اجتماعاً موسعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقتين الغربية والوسطى، الأحد، لمتابعة انطلاقة العام الدراسي الجديد الذي بدأ في 13 من الشهر الجاري، والوقوف على جاهزية المؤسسات التعليمية.

وقالت الوزارة في بيان، الأحد، إن القريو أكد أن المعلم «يمثل الركيزة الأساسية للعملية التعليمية»، مشدداً على «التزام الوزارة الكامل بحماية حقوقه، وتحسين أوضاعه المهنية والمعيشية، وتمكينه من أداء رسالته بكفاءة».

كما أشار إلى أن «ضمان حق الطلاب في تعليم جيد وعادل وشامل، داخل بيئة آمنة ومحفزة، يُعد أولوية وطنية لا تنازل عنها»، منوهاً إلى أن استقرار المؤسسات التعليمية وانتظام الدراسة مسؤولية مشتركة تستوجب تكثيف المتابعة الميدانية، وترسيخ الانضباط والمساءلة، إلى جانب تفعيل منظومة الحوافز للقيادات والمدارس المتميزة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار الاحتقان داخل صفوف المعلمين دون حلول ملموسة قد يؤدي إلى تصعيد أوسع يشمل إضراباً عاماً، مما يفاقم الضغط على العملية التعليمية في البلاد.