القاهرة وطهران لتعزيز مسار التقارب

شكري وباقري كني توافقا على معالجة «القضايا العالقة»

شكري خلال حديث مع باقري كني في طهران نهاية مايو (أيار) الماضي (وكالة الأنباء الإيرانية «إرنا»)
شكري خلال حديث مع باقري كني في طهران نهاية مايو (أيار) الماضي (وكالة الأنباء الإيرانية «إرنا»)
TT

القاهرة وطهران لتعزيز مسار التقارب

شكري خلال حديث مع باقري كني في طهران نهاية مايو (أيار) الماضي (وكالة الأنباء الإيرانية «إرنا»)
شكري خلال حديث مع باقري كني في طهران نهاية مايو (أيار) الماضي (وكالة الأنباء الإيرانية «إرنا»)

في اتصال يعزز مسار التقارب المصري الإيراني المكثف، خلال الآونة الأخيرة، توافقت القاهرة وطهران على «أهمية متابعة تطوير العلاقات الثنائية، ومعالجة القضايا العالقة». وأكد وزير الخارجية المصري، سامح شكري، خلال اتصال هاتفي مع وزير خارجية إيران بالوكالة، علي باقري كني، مساء الأربعاء، «العمل على تحقيق مصالح الشعبين، ودعم استقرار المنطقة».

كان البلدان قد قطعا العلاقات الدبلوماسية بينهما عام 1979، قبل أن تُستأنف العلاقات من جديد بعد ذلك بـ11 عاماً، لكن على مستوى القائم بالأعمال ومكاتب المصالح. وشهدت الأشهر الماضية لقاءات بين وزراء مصريين وإيرانيين في مناسبات عدة، لبحث إمكانية تطوير العلاقات. وفي مايو (أيار) 2023، وجّه الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي وزارة الخارجية باتخاذ الإجراءات اللازمة لـ«تعزيز العلاقات مع مصر».

ووفق إفادة لمتحدث وزارة الخارجية المصرية، السفير أحمد أبو زيد، فإن باقري كني أعرب، خلال الاتصال مع شكري، عن تقدير الجانب الإيراني قيام الرئيس عبد الفتاح السيسي بتقديم التعازي في وفاة الرئيس الإيراني الراحل، وإيفاده وزير الخارجية إلى طهران؛ لتقديم واجب العزاء، مثمناً، في هذا الصدد، تضامن مصر مع الشعب الإيراني في مُصابه الأليم. وأضاف أن الاتصال تطرَّق إلى الموضوعات المرتبطة بالعلاقات الثنائية بين مصر وإيران، حيث توافق الوزيران على «أهمية متابعة مسار تطوير العلاقات الثنائية بما يضمن معالجة كل القضايا العالقة، تمهيداً لاستعادة العلاقات إلى طبيعتها، استناداً إلى مبادئ الاحترام المتبادل وحسن الجوار، والعمل على تحقيق مصالح الشعبين المصري والإيراني، ودعم استقرار المنطقة».

السيسي ورئيسي خلال محادثات سابقة بالرياض في نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)

إشارات سابقة

وفي نهاية الشهر الماضي، أكدت إيران، في إفادتين على لسان القائم بأعمال الرئيس الإيراني، محمد مخبر، ووزير الخارجية الإيراني بالوكالة، أن «العلاقات مع القاهرة سوف تستمر بـ(قوة)، وستتم متابعة المحادثات التي بدأها رئيسي، ووزير الخارجية السابق حسين أمير عبداللهيان». وأكد شكري حينها، على هامش زيارته طهران وتقديم العزاء في وفاة رئيسي، «ضرورة استمرار المشاورات في سياق رفع مستوى العلاقات القائمة على أسس مستديمة ومُحكمة».

ووفق نائب وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون الأفريقية، السفير علي الحفني، فإن «مسار العلاقات المصرية الإيرانية هو مسار يرغب فيه البلدان، ويعيد الأمور إلى نصابها؛ بل هو شيء يصب في مصلحة القاهرة وطهران وأمن الدولتين القومي»، لافتاً إلى أنه «مسار يتطور يوماً بعد يوم، وأخذ أشكالاً عدة، سواء خلال اللقاءات والاتصالات على مستوى القيادة، أم على مستوى وزراء الخارجية».

وترجم البلدان مسار التقارب المتدرج عبر لقاء جمع السيسي، ورئيسي، بالرياض، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وأعقبه، بعد شهر واحد، أول اتصال هاتفي يجمعهما؛ إذ خيّمت الحرب في غزة وحل القضايا العالقة على المحادثات. ومنذ ذلك الحين، تعددت الاتصالات الهاتفية بين الجانبين، سواء على المستوى الرئاسي أم الوزاري.

ورأى الحفني أن «الفترة المقبلة سوف تشهد عودة للمسار المتبقي للعلاقات»، لكنه أشار إلى أن «المسألة تأخذ وقتاً، ومعقدة؛ لأنها مستمرة منذ عام 1979 وهي تراكمات ومتغيرات عدة على المستويين الدولي والإقليمي». وأضاف، لـ«الشرق الأوسط»، أن «الأمر يحتاج لتدارس الأمور كافة، والاتفاق على خريطة طريق لاستعادة مسار العلاقات بشكل كامل»، لافتاً إلى أن «عودة العلاقات بين البلدين يجب أن تحدث، مهما طال أمد الخلافات».

لقاء سابق جمع شكري وعبداللهيان في نيويورك سبتمبر (أيلول) الماضي («الخارجية» المصرية)

مسار العلاقات

وأكد الباحث المصري بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، كرم سعيد، أن «مسار العلاقات بين القاهرة وطهران موجود، فمصر منفتحة على جميع دول الإقليم بما يخدم مصالحها ومصالح المنطقة، وإيران دولة لها وزنها في المنطقة، واستمرار القطيعة بينهما (ليس مفيداً)». وقال، لـ«الشرق الأوسط»، إن «مصر تحاول صياغة استراتيجية إقليمية لتوفير المصالح الجامعة لكل دول المنطقة، وهناك خطوات ملموسة للتقارب بين البلدين منذ عدة شهور، وربما تستمر حالة الانفتاح خلال الفترة المقبلة؛ لكن ستكون عبر (مسارات مدروسة وليست متعجلة لحين ضبط الأمور، والتوافق على حل للنقاط الخلافية؛ ليست بين القاهرة وطهران فقط، وإنما بين إيران ودول المنطقة».

بيان «الخارجية المصرية»، مساء الأربعاء، أشار إلى أن شكري وباقري كني اتفقا، خلال الاتصال الهاتفي، على «الحفاظ على وتيرة التشاور بشأن مسار العلاقات الثنائية، وسبل حلحلة الأزمة الراهنة في قطاع غزة، ومواجهة التحديات المرتبطة بها على الصعيدين الإقليمي والدولي».

كما تطرَّق الحديث، خلال الاتصال، إلى الوضع في قطاع غزة، حيث حرص شكري على استعراض الجهود المبذولة من جانب الوساطة المصرية القطرية بدعم أميركي للتوصل إلى «صفقة تؤدى إلى هدنة تسمح بتبادل الأسرى والمحتجَزين، وإدخال المساعدات إلى الفلسطينيين في القطاع، وصولاً إلى تحقيق وقف دائم لإطلاق النار، وخروج القوات الإسرائيلية من قطاع غزة».

سفينة حاويات تابعة لشركة البحر الأبيض المتوسط للشحن خلال عبورها في وقت سابق قناة السويس باتجاه البحر الأحمر (إ.ب.أ)

حرب غزة

ووفق سعيد، فإن التقارب المصري الإيراني مرتبط، خلال هذا التوقيت، بمتغيرات إقليمية؛ منها استمرار تداعيات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، والأوضاع الاقتصادية وتأثيرها على دول المنطقة، والتي باتت محفزاً للدول على تحقيق التقارب، فضلاً عن استمرار التوترات في الملاحة بالبحر الأحمر، والدعم الإيراني لجماعة الحوثي، في ظل محاولات من بعض القوى الإقليمية الرئيسية، مثل القاهرة، لوقف هذه التوترات.

وتستهدف جماعة الحوثي اليمنية، منذ نهاية نوفمبر الماضي، سفناً بمنطقة البحر الأحمر وباب المندب، تقول إنها «مملوكة أو تُشغّلها شركات إسرائيلية». وتأتي الهجمات رداً على الحرب المستمرة في قطاع غزة. ودفعت تلك الهجمات شركات شحن عالمية لتجنب المرور في البحر الأحمر، وتغيير مسار سفنها إلى طريق رأس الرجاء الصالح.

وتؤكد القاهرة «تراجع عوائد قناة السويس بنحو 60 في المائة بسبب التوترات بمنطقة البحر الأحمر». وتعد القناة من أهم القنوات والمضائق حول العالم، وهي أقصر طرق الشحن بين أوروبا وآسيا، وتعد من المصادر الرئيسية للعملات الأجنبية لمصر.

وفي فبراير (شباط) الماضي، نقل شكري لعبداللهيان «قلق مصر البالغ لاتساع رقعة التوترات العسكرية في منطقة جنوب البحر الأحمر، والتي ترتَّب عليها تهديد حركة الملاحة الدولية في أحد أهم ممراتها على نحو غير مسبوق، والضرر المباشر لمصالح عدد كبير من الدول؛ ومن بينها مصر».

وحول استمرار الاتصالات بين البلدين قال الحفني إن «مصر وطهران بدآ الاتصالات منذ فترة، وما زالت مستمرة، وهناك رغبة من البلدين لهذا التواصل، ومناقشة الجوانب السلبية كافة، التي أثّرت في العلاقات خلال الفترة الماضية».

في حين أوضح سعيد أن «هناك نوعاً من الانفتاح لفتح آفاق أوسع، لكن يتبقى جملة من التحديات والقضايا الخلافية ربما تشكل (عثرة) لعدم الوصول إلى تطبيع كامل بين مصر وإيران الآن». وأوجز سعيد هذه التحديات «في السياسات الإيرانية تجاه بعض دول المنطقة، من خلال دعم طهران بعض الأذرع المسلَّحة، فضلاً عن الملفات الإيرانية الغربية، خصوصاً أن مصر لديها قناعة بأن الأمن العربي هو جزء من الأمن القومي المصري».


مقالات ذات صلة

مصر: اتهامات لـ«الإخوان» بـ«التضليل» إثر مزاعم عن مظاهرات

العالم العربي عشرات الآلاف من المصريين خلال مظاهرات 30 يونيو 2013 ضد حكم الرئيس الإخواني الراحل محمد مرسي (أرشيفية - أ.ف.ب)

مصر: اتهامات لـ«الإخوان» بـ«التضليل» إثر مزاعم عن مظاهرات

اتَّهم برلمانيون وإعلاميون مصريون عناصر جماعة «الإخوان» المحظورة، بـ«التضليل» ونشر «الشائعات»، عقب مزاعم عن وجود مظاهرات في أنحاء مصر.

محمد عجم (القاهرة)
العالم العربي رئيس الوزراء المصري في لقاء سابق مع مشايخ وعواقل سيناء (مجلس الوزراء المصري)

مصر: «عفو رئاسي» عن 54 سجيناً من سيناء

قرَّر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، العفو عن 54 سجيناً من أبناء سيناء، من المحكوم عليهم في قضايا، في خطوة رحّب بها مشايخ وعواقل قبائل سيناء.

أحمد إمبابي (القاهرة)
العالم العربي وزير الدفاع المصري يتفقد أحد تشكيلات قوات الدفاع الجوي (المتحدث العسكري)

وزير الدفاع المصري يؤكد قدرة بلاده على تحقيق «توازن إقليمي»

أكد وزير الدفاع المصري، الفريق أول عبد المجيد صقر، أن بلاده تمتلك القدرة على تحقيق «التوازن الإقليمي» في المنطقة التي قال إنها «تموج بمتغيرات متسارعة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الأمير فيصل بن فرحان والوزير بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

السعودية ومصر تبحثان الوضع في سوريا

بحث وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان مع نظيره المصري بدر عبد العاطي، في اتصال هاتفي، الاثنين، مستجدات الأوضاع على الساحة السورية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد الرئيس المصري خلال اجتماع حكومي لتطوير منظومة الطيران المدني (الرئاسة المصرية)

مصر لتطوير منظومة الطيران المدني

بحث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في اجتماع حكومي، مساء الأحد، «موقف تطوير منظومة الطيران المدني بجميع مكوناتها».

أحمد إمبابي (القاهرة)

مرصد عالمي يؤكد تفشي المجاعة في مناطق جديدة بالسودان

24 % من السكان دخلوا مرحلة المجاعة... حسب مبعوثة الاتحاد الأوروبي للقرن الأفريقي (الأمم المتحدة)
24 % من السكان دخلوا مرحلة المجاعة... حسب مبعوثة الاتحاد الأوروبي للقرن الأفريقي (الأمم المتحدة)
TT

مرصد عالمي يؤكد تفشي المجاعة في مناطق جديدة بالسودان

24 % من السكان دخلوا مرحلة المجاعة... حسب مبعوثة الاتحاد الأوروبي للقرن الأفريقي (الأمم المتحدة)
24 % من السكان دخلوا مرحلة المجاعة... حسب مبعوثة الاتحاد الأوروبي للقرن الأفريقي (الأمم المتحدة)

قال مرصد عالمي للجوع، الثلاثاء، إن نطاق المجاعة في السودان اتسع إلى خمس مناطق جديدة، ومن المرجح أن يمتد إلى خمس مناطق أخرى، بحلول مايو (أيار) المقبل.

جاء ذلك في الوقت الذي يواصل فيه الطرفان المتحاربان في السودان تعطيل المساعدات الإنسانية اللازمة للتخفيف من وطأة واحدة من أسوأ أزمات الجوع في العصر الحديث.

وذكرت لجنة مراجعة المجاعة التابعة للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، أن ظروف المجاعة تأكدت في مخيمي أبو شوك والسلام للنازحين داخلياً في الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بالإضافة إلى مناطق سكنية وأخرى للنازحين في جبال النوبة.

وخلصت اللجنة أيضاً إلى أن المجاعة، التي كُشف عنها لأول مرة في أغسطس (آب)، لا تزال مستمرة في مخيم زمزم بشمال دارفور. وتتوقع اللجنة، التي تتألف من خمسة أعضاء وتدقق وتتحقق من وجود المجاعة، امتداد المجاعة إلى خمس مناطق أخرى في شمال دارفور بحلول مايو، وهي أم كدادة، ومليط، والفاشر، والطويشة واللعيت. وحددت اللجنة 17 منطقة أخرى في أنحاء السودان معرَّضة لخطر المجاعة.

أم تحتضن طفلها الذي يعاني سوء التغذية الحاد في مستشفى جنوب كردفان (رويترز)

وتشير تقديرات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي إلى أن نحو 24.6 مليون شخص، أي نحو نصف العدد الكلي للسودانيين، في حاجة ماسة إلى مساعدات غذائية حتى مايو المقبل، وهي زيادة كبيرة عما كان متوقعاً في يونيو (حزيران) عند 21.1 مليون خلال الفترة من أكتوبر (تشرين الأول) حتى فبراير (شباط).

ونُشرت النتائج على الرغم من استمرار الحكومة السودانية في تعطيل عمل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي المرتبط بتحليل انعدام الأمن الغذائي الحاد، والذي يساعد المانحين والمنظمات الإنسانية على توجيه المساعدات إلى الأماكن التي تشتد الحاجة إليها.

وأعلنت الحكومة، الاثنين، تعليق مشاركتها في ذلك النظام العالمي لمراقبة الجوع، متهمة إياه «بإصدار تقارير غير موثوقة تقوض سيادة السودان وكرامته».

والتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي هو هيئة مستقلة تموّلها دول غربية وتشرف عليها 19 من المنظمات الإنسانية الكبرى والمؤسسات الحكومية الدولية. ويلعب التصنيف دوراً محورياً في النظام العالمي لرصد الجوع والتخفيف من وطأته، وهو مصمم لدق ناقوس الخطر بشأن تطور الأزمات الغذائية حتى تتمكن المنظمات من التحرك ومنع المجاعات والحيلولة دون تفشي الجوع.

طفل سوداني يتلقى العلاج في عيادة لمنظمة «أطباء لا حدود» بمخيم ميتشي بتشاد (أ.ب)

وبموجب نظام التصنيف، تعكف «مجموعة عمل فنية» ترأسها عادة الحكومة الوطنية على تحليل البيانات وتصدر تقارير دورية تصنف المناطق على مقياس من واحد إلى خمسة. وهذه المراحل هي «لا مشكلة»، أو الحد الأدنى من انعدام الأمن الغذائي، ثم مرحلة انعدام الأمن الغذائي الحاد «الضغط»، ثم مرحلة «الأزمة»، ومرحلة «الطارئ» وأخيراً مرحلة «المجاعة»، التي صنف بموجبها السودان.

السودان يعارض

ويخوض الجيش السوداني حرباً مع «قوات الدعم السريع»، ويعارض بشدة إعلان المجاعة خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى ضغوط دبلوماسية لتخفيف الإجراءات على الحدود ويتسبب في تواصل «قوات الدعم السريع» بشكل أكبر مع الخارج.

وفي رسالة إلى التصنيف ولجنة مراجعة المجاعة ودبلوماسيين، قال وزير الزراعة السوداني، الاثنين، إن أحدث تقرير للتصنيف يفتقر إلى بيانات محدثة عن معدلات سوء التغذية وتقييمات إنتاج المحاصيل خلال موسم الأمطار الصيفية الماضي.

وتقول الرسالة إن موسم المحاصيل كان ناجحاً. كما أشارت الرسالة إلى «مخاوف جدية» بشأن قدرة التصنيف على جمع البيانات من المناطق التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع».

وأظهرت وثيقة اطلعت عليها «رويترز» أن الحكومة السودانية علقت في أكتوبر التحليل الذي كانت تقوده بنفسها. وبعد استئناف العمل، لم تقرّ مجموعة العمل الفنية بوجود مجاعة.

وقال تقرير لجنة مراجعة المجاعة، الذي صدر الثلاثاء، إن المجموعة التي تقودها الحكومة استبعدت بيانات رئيسة متعلقة بسوء التغذية من تحليلها.

«تقدم» تأسف لـ«سياسة الإنكار»

واعتبرت «تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية» (تقدم)، الثلاثاء، انسحاب الحكومة السودانية المؤقتة في بورتسودان، من نظام التصنيف المتكامل لمراحل انعدام الأمن الغذائي، «خطوة غير مسؤولة». وقالت «تقدم» وهي التحالف السياسي الأكبر في البلاد، في بيان إن قرار الانسحاب يأتي في ظل تصاعد الأزمة الإنسانية والاقتصادية التي خلَّفتها الحرب، التي أثرت بشدة على قدرة الدولة على معالجة القضايا الإنسانية الملحة.

حمدوك رئيس تنسيقية «تقدم» التي استنكرت انسحاب الحكومة من نظام تصنيف المجاعة (فيسبوك)

وأضافت في بيان على «فيسبوك» أن نهج «سياسة الإنكار» سيؤدي إلى تراجع المنظمات الدولية التي تعتمد في تقديمها للمساعدات على التصنيف المتكامل لتحديد المناطق الأكثر احتياجاً للمساعدات.

ودعت «تقدم» المجتمع الدولي إلى ممارسة المزيد من الضغوط على طرفَي القتال لاتخاذ تدابير لحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى جميع السودانيين في مناطق النزاعات.

وكانت الحكومة السودانية عرقلت عمل التصنيف في وقت سابق، حسب تحقيق نشرته «رويترز» في الآونة الأخيرة، من هذا العام؛ مما أدى إلى تأخير تأكيد وجود مجاعة أشهر عدة في مخيم زمزم، حيث لجأ النازحون إلى أكل أوراق الأشجار من أجل البقاء على قيد الحياة.

وأدت الحرب الأهلية التي اندلعت في أبريل (نيسان) 2023 إلى تراجع إنتاج المواد الغذائية ومعدلات التجارة فيها ودفعت أكثر من 12 مليون سوداني إلى ترك منازلهم؛ مما جعلها أكبر أزمة نزوح في العالم. وتُتَهم «قوات الدعم السريع» بنهب إمدادات غذائية إنسانية وأخرى تجارية ووضع عوائق أمام الزراعة وحصار بعض المناطق؛ مما أدى إلى ارتفاع تكلفة التجارة وأسعار المواد الغذائية. كما تمنع الحكومة وصول المنظمات الإنسانية إلى بعض أجزاء البلاد.

البحث عن ممرات آمنة

وقال مدير تحليل الأمن الغذائي والتغذية لدى برنامج الأغذية العالمي، جان مارتن باور: «لدينا الطعام وشاحنات على الطريق وأفراد على الأرض. نحتاج فقط إلى ممر آمن لتقديم المساعدات».

امرأة نازحة سودانية تستريح داخل ملجأ في مخيم زمزم شمال دارفور 1 أغسطس 2024 (رويترز)

وحسب «رويترز»، فإن «قوات الدعم السريع» نفت الاتهامات الموجهة لها بنهب الإمدادات الغذائية، قائلة إنها «مجرد مزايدات بلا دليل». وذكرت أن ملايين الأشخاص في المناطق التي تسيطر عليها يواجهون «خطر الجوع»، وأنها ملتزمة «بضمان وصول المساعدات إلى المتأثرين».

وقالت الحكومة إن «قوات الدعم السريع» هي مَن تعوق توصيل المساعدات.

ويقول تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي إن طرفي الصراع فرضا «إجراءات بيروقراطية وعمليات موافقة... تحدّ بشدة من نطاق الجهود الإنسانية وحجمها».

الحكومة السودانية تعرقل

وجاء في التقرير أن 10 في المائة فقط من الأشخاص في المناطق التي استعرضها التصنيف حصلوا على مساعدات غذائية خلال الأشهر الثلاثة الماضية.

وقال ما لا يقل عن 12 من عمال الإغاثة والدبلوماسيين لـ«رويترز» إن التوترات تزايدت بين الحكومة السودانية ومنظمات الإغاثة الإنسانية بعد أن خلص التصنيف المتكامل إلى أن مخيم زمزم يعاني المجاعة في أغسطس.

وقالت المصادر إن الحكومة تبطئ وتيرة إرسال المساعدات، وإن جهازي المخابرات العامة والعسكرية التابعين للحكومة يشرفان على توصيل المساعدات، وإن الموافقة على إدخال المساعدات الدولية تخضع لأهداف سياسية وعسكرية للجيش السوداني.

وتؤخر الحكومة إجراءات الموافقة على إصدار تأشيرات دخول لموظفي الإغاثة، وقال عدد منهم إن الحكومة تثبط عزيمة المنظمات غير الحكومية التي تسعى لتقديم مواد إغاثية في منطقة دارفور المتضررة بشدة، التي تسيطر «قوات الدعم السريع» على معظم مناطقها.

وقال أحد كبار مسؤولي الإغاثة الذي طلب عدم الكشف عن هويته إن الحكومة أبلغت منظمات الإغاثة بأنه «لا توجد احتياجات مشروعة في دارفور؛ لذا يجب ألا تعملوا هناك، وإذا واصلتم الاستجابة للاحتياجات هناك، فلا تتوقعوا الحصول على تأشيرات».

الحرب في السودان والقيود المفروضة على توصيل المساعدات تسببتا في مجاعة في شمال دارفور (رويترز)

وخلال الأشهر الأربعة الماضية، ارتفع عدد الطلبات التي قدمها موظفو إغاثة غير تابعين للأمم المتحدة من أجل الحصول على تأشيرة دخول للسودان والتي لم يتم البت فيها، كما انخفض معدل الموافقة على طلبات أخرى، وفقاً لبيانات نشرتها المنظمات غير الحكومية العالمية في السودان.

وتقول «رويترز» إن الحكومة لم ترد على أسئلتها للتعليق على حظر التأشيرات، وقالت في أوقات سابقة إن غالبية طلبات التأشيرات تمت الموافقة عليها.

وقالت ثلاثة مصادر لـ«رويترز» إن الحكومة السودانية حثّت الأمم المتحدة في أكتوبر على سحب كبير مسؤولي المساعدات الإنسانية في منطقة دارفور بعد أن سافر إلى هناك دون تصريح من الحكومة.

وذكرت المصادر أن طلبات الحصول على تصريحات للسفر توقفت، وأن الحكومة أبلغت الأمم المتحدة بأنها ستطرد المسؤول إذا لم يتم سحبه. وامتثلت الأمم المتحدة لطلب الحكومة في النهاية. ولم ترد الحكومة على أسئلة متعلقة بإبعاد هذا المسؤول. وقال متحدث باسم الأمم المتحدة إن المنظمة لا تعلق على «ترتيبات عمل» الموظفين.