«هدنة غزة»: القاهرة تكثف جهودها بـ«تحركات مشروطة»

مصر تنفي ادعاءات إسرائيلية عن وجود أنفاق على حدودها مع القطاع

دخان يتصاعد خلال عملية عسكرية إسرائيلية على مخيم نور شمس للاجئين (إ.ب.أ)
دخان يتصاعد خلال عملية عسكرية إسرائيلية على مخيم نور شمس للاجئين (إ.ب.أ)
TT

«هدنة غزة»: القاهرة تكثف جهودها بـ«تحركات مشروطة»

دخان يتصاعد خلال عملية عسكرية إسرائيلية على مخيم نور شمس للاجئين (إ.ب.أ)
دخان يتصاعد خلال عملية عسكرية إسرائيلية على مخيم نور شمس للاجئين (إ.ب.أ)

بوتيرة متسارعة، تخرج تسريبات إعلامية عن عودة قريبة لمفاوضات هدنة قطاع غزة، آخرها حديث مصري عن «استئناف مشروط»، رغم التوتر المتصاعد بين القاهرة وتل أبيب، وإرسال الأخيرة إشارات رسمية وميدانية متباينة. ورأى خبراء تحدثوا مع «الشرق الأوسط» أن حديث وسائل الإعلام المصرية عن «استئناف مشروط» للمفاوضات، «بمثابة دفع للمفاوضات في مسار صحيح، يستفيد من الجولات السابقة»، ما قد يشكل «فرصة لكبح جماح تل أبيب في الحرب».

ونقلت «القناة 12» الإسرائيلية، الأربعاء، عن رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، تساحي هنغبي، تأكيده أن «القتال في غزة سوف يستمر 7 أشهر أخرى على الأقل»، أي سيكون إلى مطلع 2025.

حديث هنغبي، يتعارض مع حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الاثنين الماضي، الذي نفى فيه الاتهامات بأن «حكومته لا تتفاوض بحسن نية من أجل إطلاق سراح الرهائن المحتجزين في قطاع غزة». وفي اليوم نفسه، الاثنين، قدّمت إسرائيل إلى قطر ومصر والولايات المتحدة، اقتراحاً رسمياً مكتوباً ومحدثاً لاتفاق محتمل لإطلاق سراح الرهائن المحتجزين في غزة يمكن أن يؤدي إلى وقف مؤقت لإطلاق النار، وفق ما نقله موقع «أكسيوس» الأميركي عن مصادر مطلعة لم يسمها.

أعقب ذلك تأكيد مصدر مصري، أن «الوفد الأمني المصري يكثف من جهوده لإعادة تفعيل اتفاق الهدنة وتبادل الأسرى بالتنسيق مع قطر والولايات المتحدة الأميركية». ووفق ما نقلت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية عن المصدر المصري قوله إن الوفد المصري أبلغ «كل الأطراف المعنية بأن إصرار إسرائيل على ارتكاب المذابح والتصعيد في رفح الفلسطينية يضعف مسارات التفاوض، ويؤدي لعواقب وخيمة»، ما يعكس ضغوطاً مصرية لوقف التصعيد من أجل تهيئة الأجواء للمفاوضات.

الأكثر من ذلك، كشف المصدر عن شرط تتمسك به القاهرة بالتوازي مع المفاوضات، وهو أن «مصر لن تتعامل في معبر رفح، إلا مع الأطراف الفلسطينية والدولية، ولن تعتمد التنسيق مع الجانب الإسرائيلي».

والسبت الماضي، قالت «هيئة البث الإسرائيلية» إن تل أبيب وافقت على استئناف المفاوضات الرامية إلى التوصل لهدنة في قطاع غزة، وتبادل المحتجزين مع «حماس». لكن تل أبيب لم توقف عملياتها العسكرية في رفح.

دبابة إسرائيلية تعمل بالقرب من الحدود بين إسرائيل وغزة (رويترز)

مدير المجلس المصري للشؤون الخارجية، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير عزت سعد، أكد «أهمية أن تستمر الجهود ولو كانت ضمانات نجاحها واحداً في المائة، فهي مرحب بها، خصوصاً وأن الوضع في غزة والمنطقة لا يحتمل». وأضاف أن «المفاوضات عمل جماعي، وكل طرف له أهداف محددة، لكن الجهود مطلوبة مثلما الضغوط مطلوبة في هذه الفترة؛ لأن استمرار الوضع يعني التضحية بآلاف من الأبرياء في غزة».

واستبعد سعد «إمكانية توقع مسار المفاوضات المرتقبة»، قائلاً: «ربما (تنجح) لكن الموقف الإسرائيلي المتناقض، ونظيره الأميركي المرتبط بسباق انتخابات رئاسية، يزيد من ضبابية النتائج المحتملة للتفاوض».

أما عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب المصري (البرلمان)، النائب مجدي عاشور، فرأى أن «تحرك مصر في تلك الجولة الجديدة المرتقبة من مفاوضات هدنة غزة، يبنِي على الجولات السابقة، وبالتالي عندما تضع القاهرة محاذير وشروطاً، فهي لا تعرقلها، لكن تضعها على مسارها الصحيح». ويعتقد أن «محددات مصر لنجاح المفاوضات سواء وقف التصعيد الإسرائيلي أو عدم التعامل مع تل أبيب بشأن معبر رفح، هي إعادة للأمور لما قبل السيطرة على المعبر، وبالتالي لا يعد ذلك عرقلة، ولكنه تصحيح لمسار تفاوض تريد إسرائيل أن تحقق فيه مكاسب على حساب الحقوق الفلسطينية والمصرية».

ومنذ 7 مايو (أيار) الحالي، تشهد علاقات مصر وإسرائيل توتراً إثر سيطرة تل أبيب على الجانب الفلسطيني من معبر رفح الحدودي مع مصر، ورد القاهرة برفض التنسيق مع إسرائيل بشأن المعبر، والتلويح من قبل رئيس هيئة الاستعلامات ضياء رشوان، قبل أيام، بالانسحاب من الوساطة في مفاوضات الهدنة بغزة.

عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب المصري، أكد أن هذا التحرك المصري المشروط، مهم جديد لبناء مفاوضات جادة، لأن «مناورات إسرائيل كثيرة ولا يجب أن تكرر»، داعياً المفاوض الإسرائيلي للقبول بمقترحات مصر والانصياع للقرارات الدولية، خصوصاً وحكومته تعيش أسوأ لحظاتها، ولن تفيد لغة القصف في إقرار أي سلام بالمنطقة.

ويتوقع أن «يبقى المفاوض المصري على مقترح القاهرة السابق، مع بعض تعديلات تناسب الواقع الجديد، بما لا يخل بحقوق مصر وحفظ سيادتها وحق الشعب الفلسطيني»، مؤكداً أن الموقف المصري «حريص على إنجاح المفاوضات، وعلى واشنطن أن تضغط أكثر على حليفتها إسرائيل لتخفيض وتيرة التوتر المتصاعدة بين القاهرة وتل أبيب، وإنهاء حالة الصراع بالمنطقة».

معبر رفح (رويترز)

في حين أشار الخبير بالعلاقات الدولية بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور بشير عبد الفتاح، إلى «عدم عدّ عودة المفاوضات بالأمر الكبير»، لافتاً إلى أن المفاوضات شهدت جولات كثيرة سابقة لم تسفر عن شيء، وعودتها «لا يعول عليها كثيراً ما دام أنها لن تفضي لشيء». وأضاف أن «المفاوضات بأي حال باب يفتح يمكن أن يفضي لشيء أو لا، خصوصاً، وأن هناك أجواء بالغة التوتر بين القاهرة وتل أبيب، وفقد ثقة بين أطراف الجولة الجديدة»، موضحاً أن «نتنياهو لا يعول عليه في أي مسار تفاوضي حالي أو مستقبلي».

في غضون ذلك، نفى مصدر مصري، وصفته «القاهرة الإخبارية» بـ«رفيع المستوى»، الأربعاء، «وجود أي اتصالات مع إسرائيل بشأن الادعاءات الإسرائيلية بوجود أنفاق على حدود قطاع غزة مع مصر». وقال المصدر المصري، إن إسرائيل «توظف الادعاء بوجود أنفاق على حدود غزة مع مصر، لتبرر مواصلة عملية رفح، وإطالة أمد الحرب لأغراض سياسية»، مضيفاً أن إطالة أمد الحرب في غزة «هدف إسرائيلي للتهرب من أزماتها الداخلية».


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة للشرطة في غزة

المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون حول حطام سيارة الشرطة التي دُمرت في الغارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة للشرطة في غزة

أفاد الدفاع المدني ومصادر طبية في غزة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا، اليوم الثلاثاء، بنيران الجيش الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يمشطون أحد شوارع بلدة كفر عقب في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، السبت، مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في قرية شرق مدينة رام الله، في ظل تصاعد العنف في الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي مخيم للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ب) p-circle

مصادر: مجلس السلام برئاسة ترمب يواجه أزمة مالية تعطل خطة غزة

أفادت مصادر بأن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من 17 مليار دولار سبق التعهد بها لغزة، مما يحول دون المضي قدماً في خطة دونالد ترمب لمستقبل القطاع المدمر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقارب الأسرى الفلسطينيين يحملون لافتات ويهتفون بشعارات خلال مسيرة في مدينة نابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

بعد إقرار إسرائيل قانون الإعدام... خوف وغضب يتجاذبان أهالي المعتقلين الفلسطينيين

في رام الله وسط الضفة الغربية، اعتصم أهالي معتقلين فلسطينيين وممثلون للفصائل الفلسطينية ورجال دين ونشطاء أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
شمال افريقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح نظيره المصري خلال لقائهما بموسكو في مايو الماضي (أ.ب)

السيسي وبوتين يشددان على ضرورة احتواء التصعيد الراهن

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن «روسيا بما لها من وزن وقدرات على المستوى الدولي قادرة على التأثير في اتجاه وقف الحرب».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.