ما المطلوب دولياً وإقليمياً لإيقاف حرب السودان؟

بعد عام على اندلاعها

آثار الدمار والمنازل المتضررة جراء الحرب في مدينة أم درمان 7 أبريل (رويترز)
آثار الدمار والمنازل المتضررة جراء الحرب في مدينة أم درمان 7 أبريل (رويترز)
TT

ما المطلوب دولياً وإقليمياً لإيقاف حرب السودان؟

آثار الدمار والمنازل المتضررة جراء الحرب في مدينة أم درمان 7 أبريل (رويترز)
آثار الدمار والمنازل المتضررة جراء الحرب في مدينة أم درمان 7 أبريل (رويترز)

دخلت الحرب بين القوات المسلحة السودانية و«قوات الدعم السريع» عامها الثاني دون إحراز أي تقدم يُذكر على صعيد الحل السلمي التفاوضي، في حين تلوح الفرصة الآن مع إعلان استئناف مفاوضات جدة السعودية خلال أسبوعين.

داخلياً، كان التصعيد العسكري، سواء في الميدان أو في خطابات القيادات العسكرية، سيد الموقف، الأمر الذي أثار مخاوف كبيرة في أوساط الخبراء والمراقبين من أن السودان ربما يكون في طريقه إلى حرب طويلة تقود إلى تقسيمه وإلى تهديد الأمن الإقليمي، ولا سيما أن الحرب طرقت بقوة أبواب شرق السودان، الذي كان بعيداً عن الحرب؛ إذ استهدفت مسيرات تابعة لـ«الدعم السريع»، في التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، مقرات تابعة للجيش وجهاز الأمن في مدينة القضارف، شرق البلاد.

الزمن عامل حاسم

ترتبط فرص نجاح مفاوضات السلام في السودان ارتباطاً عضوياً بالتوقيت؛ إذ إن استطالة أمد الحرب تخلق عقبات جديدة تعقّد التفاوض، ومنها على سبيل المثال حدوث انشقاقات في الجيش أو «الدعم السريع». وفي هذا السياق، يحذر الدكتور بكري الجاك، الناطق الرسمي باسم «تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية» (تقدم) من أن الحرب في السودان، بحكم أنها تمضي أكثر في اتجاه الحشد على أسس عرقية وجهوية بدلاً من الأسس الآيديولوجية أو السياسية، فإن احتمال فقدان القيادة المركزية للطرفين السيطرة على قواتها على الأرض وارد، وكذلك تقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ وسيطرة، سيكون الخطوة الأولى نحو تقسيم السودان.

المؤتمر الصحافي لاجتماع باريس حول السودان في ذكرى اندلاع الحرب (رويترز)

ويرى الجاك ضرورة التسريع بالوصول إلى حل تفاوضي عبر نزع شرعية الحرب داخلياً، وتكثيف الاتصالات الإقليمية والدولية لدعم السلام في السودان، تفادياً لاستطالة أمد الحرب.

الإرادة السياسية في الداخل

ويقدر خبراء الخسائر المباشرة للاقتصاد السوداني خلال عام واحد من الحرب بمائة مليار دولار. فقد جرى تدمير 90 في المائة من المصانع، كما تعطل الإنتاج الزراعي بنسبة 65 في المائة، والقطاع الخدمي بنسبة 75 في المائة. وإذا أضفنا إلى الخسائر الفرص الضائعة، تصل الخسارة إلى 200 مليار دولار. وقبل ذلك كله، فقد السودانيون أربعة عشر ألف قتيل من المدنيين، وآلاف الجرحى والمفقودين، و11 مليون نازح ولاجئ. أما الخسائر في أوساط العسكريين، فهناك تعتيم إعلامي من الطرفين حول حجمها الحقيقي، وهو كبير بلا شك. ولكن، رغم كل هذه الخسائر، لا توجد حتى الآن إرادة سياسية نافذة لدى طرفي القتال بالتوجه إلى الحل التفاوضي، رغم أن القاسم المشترك الأعظم بين ملايين السودانيين المكتوين بويلات الحرب هو الرغبة في إحلال السلام. ورغم وجود تيارات معتبرة وسط القوى السياسية المدنية ترفع شعار «لا للحرب» وتشدد على أن لا حل عسكرياً للأزمة السودانية، ظل صوت الأجندة الحربية عالياً. فهل يعني ذلك أن هذه الحرب ستطول ولا سبيل للجمها؟

تكامل الإرادتين الوطنية والإقليمية

حرب السودان، كغيرها من حروب المنطقة، من الصعب أن تتوقف دون تكامل الإرادة الوطنية المنحازة للسلام مع إرادة إقليمية ودولية داعمة وضاغطة على الأطراف العسكرية بشكل حقيقي في اتجاه قبول الحل التفاوضي. وفي هذا الإطار يرى الكاتب والمحلل السياسي الحاج وراق، أن «هناك عوامل رئيسية تحدد ما إذا كانت الحرب ستتمدد أم ستُلجم.

أطفال سودانيون لاجئون وأمهاتهم يسجلون لدى «المفوضية» في مصر (الأمم المتحدة)

العامل الأول منها هو مدى وضوح وتماسك واتساق السياسة الأميركية تجاه السودان. فأميركا منقسمة حالياً على نفسها بين رؤيتين استراتيجيتين (الديمقراطيين والجمهوريين). فإدارة بايدن الديمقراطية تتنازعها تيارات فرعية متعددة، من بينها من يدعم الحكم المدني، وأيضاً من يركز على إعادة تمكين قسم من إسلاميي (المؤتمر الوطني) تحت قيادة البرهان. وأما من يهدفون إلى حكم مدني، فهم يرددون شعارات عامة بلا مضمون محدد، وسياستهم العملية كثيراً ما تدعم العناصر المعادية للديمقراطية، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة».

ويمضي وراق في انتقاده للسياسة الأميركية، مؤكداً أن «أهداف الإدارة الأميركية المعلنة غير قابلة للتحقق؛ لأنها بلا سياسة محددة، وتتناقض مؤشراتها العملية مع بعضها، فضلاً عن أنها ستصطدم حتماً مع القوى الديمقراطية السودانية ومع دوائر مؤثرة داخل الولايات المتحدة الأميركية نفسها، ولكن رغم ذلك تظل الكثير من أوراق إنهاء الحرب السودانية عند الأميركيين، ولذلك تحتاج القوى المدنية الديمقراطية إلى استثمار انفتاح النظام الأميركي لبلورة سياسة محددة متسقة تضمن إنهاء الحرب واستعادة النظام الديمقراطي ووحدة السودان على أساس فيدرالي حقيقي».

الحرب والذهب

ومن العوامل المهمة المؤثرة على الحرب في السودان، شبكات اللصوصية التي تمولها، خصوصاً شبكات استخراج وتهريب الذهب. فهذه الشبكات، بالإضافة إلى تمويلها للحرب ودعايتها، أنشأت أضخم سوق نخاسة ورشى سياسية في البلاد. وهي تقف وراء تمزيق صفوف القوى المدنية وتسميم الأجواء المعنوية في البلاد. فإذا نجحت القوى المنحازة للسلام في تعبئة التيارات الرئيسية في الغرب، فيمكن استهداف شبكات اللصوصية هذه بعقوبات، ما يعجل بإيقاف الحرب.

الحرب السودانية طالت مناطق واسعة في البلاد (أ.ف.ب)

ومن العوامل المهمة كذلك للجم الحرب، توحد قوى السلام والحكم المدني الديمقراطي. ورغم أن «تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية» (تقدم) تشكل أوسع وأكبر تحالف للقوى المدنية، فإنها، حسب ورّاق، «تحتاج للانفتاح الشعبي أكثر، وإلى ضم أقسام إضافية من القوى الجديدة وغير الحزبية، كما تحتاج إلى تطوير بنائها الداخلي بما يجعلها أكثر فاعلية».

فإذا توحد تيار متماسك وفعال من القوى المدنية الديمقراطية، فإن ذلك سوف ينزع الشرعية عن الحرب، حسب الدكتور بكري الجاك، الذي شدد على ضرورة ألا تتبنى القوى المدنية سردية أي من الطرفين حول الحرب، وأن تكثف جهودها من أجل إيقافها.

ولو تكاملت الأدوار الداخلية للقوى المنحازة للسلام مع أدوار إقليمية ودولية فاعلة، سوف يقود ذلك إلى تبلور تيار مؤيد للسلام والحكم المدني بين القوى المتحاربة نفسها؛ إذ إن هناك تيارات متعددة في كل من الجيش و«الدعم السريع»، وإذا تواصل الفرز ودعمت التطورات الدولية والإقليمية والمحلية بروز تيار السلام لدى طرفَي القتال، يمكن أن يسرع ذلك في إنهاء الحرب، وطبعاً المقصود هنا ليس حدوث انقسامات أو انشقاقات؛ لأن ذلك له مخاطر، وإنما المقصود هو خلق البيئة السياسية داخلياً وإقليمياً ودولياً، بحيث يكون خيار السلام هو الخيار الوحيد الممكن عملياً.


مقالات ذات صلة

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

شمال افريقيا وزارة الخزانة الأميركية (رويترز) p-circle

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

أظهر منشور على موقع وزارة الخزانة الأميركية، اليوم (الجمعة)، أن الولايات المتحدة أصدرت عقوبات جديدة مرتبطة بالسودان، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

تصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة في السودان، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي مع دخول الحرب عامها الرابع.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)

حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

رغم الجهود المتواصلة لإنهاء الحرب في السودان، فإنها تدخل عامها الرابع دون مؤشرات تدل على وجود أي رغبة من طرفيها الجيش و«الدعم السريع» في التوصل لحل سلمي

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)

مستشار لترمب: لا ننحاز لأحد في حرب السودان ونركّز على الجانب الإنساني

قال مسعد ​بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية اليوم الأربعاء، إن الولايات المتحدة ‌لا ‌تنحاز ​لأي ‌طرف ⁠في ​الحرب الدائرة ⁠في السودان.

«الشرق الأوسط» (برلين - الخرطوم)
شمال افريقيا واحد من كل 4 سودانيين يعيش فقراً مدقعاً بأقل من دولارين في اليوم (رويترز)

السودان: 700 قتيل بهجمات مسيّرات منذ يناير.. و70 % من السكان تحت خط الفقر

تضاعفت معدلات الفقر في السودان منذ اندلاع الحرب قبل 3 سنوات، بحيث بات 70 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.