السودانيون يترقبون بقلق توقف الإنترنت الفضائي

«ستارلينك» أخطرت المستخدمين بقطع الخدمة نهاية الشهر الحالي

سيدة سودانية تحاول الدخول على شبكة الإنترنت الفضائي في مدينة أم درمان الشهر الماضي (رويترز)
سيدة سودانية تحاول الدخول على شبكة الإنترنت الفضائي في مدينة أم درمان الشهر الماضي (رويترز)
TT

السودانيون يترقبون بقلق توقف الإنترنت الفضائي

سيدة سودانية تحاول الدخول على شبكة الإنترنت الفضائي في مدينة أم درمان الشهر الماضي (رويترز)
سيدة سودانية تحاول الدخول على شبكة الإنترنت الفضائي في مدينة أم درمان الشهر الماضي (رويترز)

يترقب السودانيون بقلق متزايد قرب توقف خدمة الإنترنت الفضائي المعروفة باسم «ستار لينك» في بلادهم ودول مجاورة، نهاية الشهر الحالي، وفق ما أخطرتهم به الشركة المشغلة للخدمة، «سبيس إكس»، المملوكة للملياردير إيلون ماسك.

وتُمثل خدمة الإنترنت الفضائي منفذاً وحيداً تقريباً لاتصال السودانيين مع العالم ومع بعضهم، في ظل استمرار الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» التي عصفت بالبني التحتية لقطاعات عدة، في مقدمتها شبكة الاتصالات المحلية؛ ما أدى إلى تعطُّل خدمات الجوال لأكثر من مرة في مناطق عدة في البلاد، وفرض عزلة.

وأبلغت الشركة المشغلة لخدمة الإنترنت الفضائي مستخدميها في السودان وعدد من الدول التي تستخدم باقة «الخطة الإقليمية»، بتوقف الخدمة بنهاية شهر أبريل (نيسان) الحالي.

وبحسب إفادة من منصة «جهينة» المستقلة لتدقيق المعلومات، فإن مستخدمي أجهزة «ستارلينك» في «السودان، وليبيا، وإثيوبيا، وإريتريا، وزيمبابوي، والكونغو، وجنوب أفريقيا»، تلقوا تحذيراً بريدياً بقطع الخدمة عن مشتركي الخطة الإقليمية (Regional Plan)، بنهاية الشهر الحالي، نتيجة لما سمَّته «انتهاك شروط وأحكام الاستخدام».

وتعتمد خدمة الإنترنت عبر «ستارلينك» على أقمار اصطناعية موضوعة في مدار منخفض، وترتبط ببعضها، عبر شبكة متداخلة توفر الاتصال بسرعات عالية لخدمة الإنترنت، عن طريق هوائي موصل بجهاز توجيه و«مودم» يمكّن من الارتباط بالشبكة، وتلعب دوراً حيوياً في مناطق الحروب.

وجاء في البريد الموجه لمشتركي الخدمة: «إذا كنت تستخدم (ستارلينك) في منطقة غير معتمدة لدى خدمة (ستارلينك)، فأنت تنتهك شروط الاستخدام. وابتداء من 30 أبريل (نيسان) 2024، لن تتمكن من الاتصال بالإنترنت».

وتقدم الشركة حزم إنترنت متعددة، منها «الحزمة الإقليمية» المعمول بها في كل الأجهزة الموجودة في السودان، وهي مرتبطة بالدول المرخصة للعمل بها، و«الحزمة الدولية» التي تمكِّن من الاستفادة بالخدمة في كل البلدان، وتكلف الحزمة الإقليمية نحو 50 - 100 دولار شهرياً. أما الحزمة الدولية فتكلف نحو 200 دولار لإعادة تنشيط الخدمة.

خدمة الإنترنت الفضائي تمثل منفذاً مهماً للسودانيين (رويترز)

ويعيش ملايين السودانيين في عزلة عن العالم منذ شهر فبراير (شباط) الماضي، نتيجة لقطع خدمة الاتصالات والإنترنت في ولايات عدة، ما اضطر الآلاف لشراء أجهزة «ستارلينك» التي تتراوح بين 1000 - 2000 دولار أميركي من بلدان الجوار.

أندية إنترنت

ويواجه سُكان المناطق التي قُطعت عنها خدمة الاتصالات والإنترنت المحلية، بما فيها بعض أجزاء العاصمة الخرطوم، وولايات الجزيرة، وكردفان، ودارفور، صعوبات جمة في التواصل، أو الحصول على احتياجاتهم، بما في ذلك التحويلات المالية عبر التطبيقات البنكية، بسبب توقف معظم فروع البنوك عن العمل منذ بدء الحرب، قبل أكثر من سنة.

وقال علي إبراهيم (اسم مستعار)، وهو من مستخدمي «ستارلينك» لـ«الشرق الأوسط»، إن قطع الخدمة سيعزلهم عن العالم، ويسبب لهم أضراراً كبيرة.

وأضاف: «نعتمد على تلك الأجهزة في تسلُّم وإرسال التحويلات عبر التطبيقات المالية لأهلنا؛ ففروع البنوك لا تعمل منذ اندلاع الحرب». وشرح أن «كثيرين يقطعون مسافات طويلة للوصول لمكان يوجد به جهاز (ستارلينك) لتسلُّم تحويلاتهم المالية، أو التواصل مع أسرهم لتطمينهم أو الاطمئنان عليهم، من مخاطر الحرب».

وافتتح عدد من السودانيين «أندية إنترنت» لإعادة تقديم خدمة «ستارلينك» مدفوعة لسكان مناطقهم، بسعر يبلغ نحو 3 آلاف جنيه سوداني (أكثر من دولارين تقريباً) للساعة الواحدة.

وتحدث صاحب أحد أندية الإنترنت في ولاية جنوب دارفور إلى «الشرق الأوسط»، مشترطاً عدم ذكر اسمه، وقال: «إذا توقفت الخدمة يتوقف معها مصدر رزقنا، وينقطع المواطنون عن ذويهم وأسرهم، وربما لا يستطيعون شراء احتياجاتهم اليومية، لأنهم يعتمدون على التطبيقات البنكية في تسلم وتحويل النقود من وإلى ذويهم في بلدان المهجر أو في مناطق أخرى من السودان».

حظر رسمي

ويتبادل كل من الجيش وقوات «الدعم السريع» اتهامات بالمسؤولية عن قطع خدمة الاتصالات والانترنت المحلية، وتقول هيئة الاتصالات الحكومية الموالية للجيش، إن «الدعم السريع» قطعت الخدمة عن مقسمات شركات الاتصالات الثلاثة في البلاد «زين، سوداني، إم تي إن»، و«أجبرت الفنيين العاملين فيها على وقفها».

لكن «الدعم السريع» بدروها تتهم الجيش بأنه أمر بقطع الخدمة عن المناطق التي تسيطر عليها «الدعم» لا سيما في ولايات دارفور وكردفان، إلى جانب تعطل الكثير من المقسمات بسبب انقطاع الكهرباء وانعدام الوقود أو بفعل التخريب.

سكان ونازحون سودانيون يحاولون الوصول إلى الإنترنت عبر «ستارلينك» في مدينة أم درمان مارس الماضي (رويترز)

وقال الدبلوماسي الأميركي السابق المختص في شؤون أفريقيا، كاميرون هدسون، في تغريدة على حسابه بمنصة «إكس»، إن «الحكومة السودانية، طلبت من شركة (سبيس إكس) حجب خدماتها عن المناطق التي تسيطر عليها ميليشيا (الدعم السريع) إلا أن الشركة لم تستجب لطلب الحكومة».

وتحظر «هيئة الاتصالات السودانية» استخدام أجهزة الإنترنت الفضائي في السودان، وتعدّ استخدامه مخالفاً للقانون، وأصدرت قراراً في 31 يناير (كانون الثاني) الماضي، يقضى بـ«بمنع وحظر استيراد واستخدام وامتلاك أجهزة تشغيل الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية (ستارلينك)، أو أي أجهزة لشركة أخرى توفر الخدمة ذاتها»، وعدّ ذلك مخالفة للقانون تعرِّض مرتكبها للمخالفة.

وتبعاً للحظر، صادرت السلطات آلاف الأجهزة في المناطق التي يسيطر عليها الجيش، لكنها تتجاهل القرار في بعض المناطق، بينما ظلَّت الخدمة تُستخدم على نطاق واسع في أماكن سيطرة «الدعم السريع».

ودرجت السلطات السودانية على استخدام الاتصالات والإنترنت سلاحاً ضد المحتجين السلميين منذ الثورة الشعبية التي أطاحت بنظام الرئيس السابق عمر البشير، عام 2019، في انتهاك صارخ لحق حرية الاتصال، وحين اندلعت الحرب انقطعت الخدمة (أو قُطعت) من أنحاء واسعة من البلاد، خصوصاً غربها ووسطها.


مقالات ذات صلة

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

شمال افريقيا فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمس، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قِبَل طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه.

وجدان طلحة (بورتسودان)
شمال افريقيا فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب) play-circle

المفوض الأممي لـ«حقوق الإنسان» يدعو إلى مساءلة مرتكبي الجرائم في السودان

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، يوم الأحد، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قبل طرفي النزاع في السودان.

وجدان طلحة (بورتسودان) «الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا البرهان خلال زيارة إلى بلدة عد بابكر شرق العاصمة الخرطوم الجمعة (مجلس السيادة السوداني) play-circle 00:35

البرهان: معركة «الكرامة» مستمرة حتى انتهاء «التمرد»

قال رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، إن معركة «الكرامة» لن تنتهي إلا بانتهاء «التمرد» وكل من يدعمه.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز) play-circle

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

حذّر برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة، من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين الجوع.

«الشرق الأوسط» (بورتسودان)
شمال افريقيا فولكر تورك خلال جلسة محادثات مع وفد الحكومة برئاسة وزير الخارجية محيي الدين سالم (وكالة الأنباء السودانية - سونا) play-circle

زيارة تورك إلى السودان تفجر جدلاً وسط تصعيد عسكري

فجّرت زيارة المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى السودان، جدلاً سياسياً واسعاً، في وقت تشهد فيه البلاد تصعيداً عسكرياً خطيراً.

وجدان طلحة (بورتسودان)

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
TT

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)

أعلنت الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي حالة الطوارئ القصوى، يومي الاثنين والثلاثاء، في مناطق سيطرتها بشرق البلاد وجنوبها، استعداداً لـ«عاصفة محتملة» على خلفية تحذيرات مركز الأرصاد من احتمال سوء الأحوال الجوية.

وأكد رئيس الحكومة أسامة حمَّاد إعلان حالة الطوارئ القصوى في مناطق جنوب ليبيا وشرقها، ومنح إجازة رسمية للجهات الحكومية كافة، مع استثناء المرافق الصحية والأمنية، وتعليق المدارس والمؤسسات التعليمية نتيجة التحذيرات الجوية المتوقعة من مركز الأرصاد الجوية.

وتحسباً لتقلبات الطقس، شكَّل عوض البدري، وزير الكهرباء والطاقات المتجددة بحكومة حمَّاد، غرفة طوارئ مركزية لمتابعة الأوضاع الكهربائية في مناطق سهل بنغازي والجبل الأخضر. وستعمل الغرفة على مدار اليوم لتلقي بلاغات الأعطال الكهربائية واتخاذ الإجراءات الفورية لمعالجتها.

وفي السياق نفسه، أعلن مدير أمن بنغازي اللواء صلاح هويدي حالة الطوارئ في جميع مناطق المدينة لمدة 3 أيام، مؤكِّداً ضرورة وجود جميع الضباط والأفراد في مقارِّ عملهم ورفع درجة الجاهزية القصوى، مع تجهيز الآليات والمعدات الفنية واللوجستية لضمان سرعة الاستجابة للتطورات الميدانية.

وطالبت مديرية أمن بنغازي جميع رؤساء المراكز والأقسام بعدم مغادرة مقار العمل طوال فترة الطوارئ، وحمَّلتهم المسؤولية الكاملة عن سير العمل، واتخاذ الإجراءات التي تضمن سلامة المواطنين وحماية الأرواح والممتلكات. كما نصحت المواطنين كافة بتجنّب التنقل والخروج إلا للضرورة القصوى، خاصة بين المدن والطرق السريعة التي قد تشكِّل خطراً مباشراً في ظل الظروف الجوية الحالية.

وقررت مراقبة التربية والتعليم في بنغازي منح عطلة رسمية في جميع المؤسسات التعليمية يومي الاثنين والثلاثاء، بينما علَّقت مراقبة التربية والتعليم بالمرج الدراسة بالمؤسسات التعليمية كافة حتى الثلاثاء المقبل، تحسباً لاحتمال هبوب عاصفة ورياح عالية، وفق تحذيرات مركز الأرصاد الجوية.

وفي شأن آخر، أعلن عبد الله بليحق، الناطق الرسمي باسم مجلس النواب، بدء أعمال اللجنة المشكَّلة برئاسة النائب الثاني لرئيس المجلس، مصباح دومة، المكلفة بالتواصل مع محافظ المصرف المركزي ومجلس إدارته والجهات ذات العلاقة للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية ومشاكل نقص السيولة وسعر الصرف، وضمان انتظام دفع رواتب الموظفين بالدولة.

وأعلن «المركزي»، الأحد، خفض قيمة الدينار بنسبة 14.7 في المائة ليصبح سعر صرفه 6.3759 دينار مقابل الدولار، في ثاني تعديل من نوعه للعملة في أقل من عام، مرجعاً القرار إلى الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي تشهدها ‌البلاد.

وتأتي الخطوة ‌في أعقاب ‌تخفيض ⁠قيمة العملة ‌بنسبة 13.3 في المائة في أبريل (نيسان) 2025، والذي حدد سعر الصرف عند 5.5677 دينار للدولار.

وعزا المصرف في بيان القرار الأخير إلى الآثار ⁠السلبية للانقسامات السياسية المستمرة، وتراجع عائدات النفط ‌بسبب انخفاض أسعار الخام العالمية، والتحديات الاقتصادية المتواصلة والتي تشمل غياب ميزانية عامة موحدة للدولة وتنامي الإنفاق العام.


مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
TT

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمس، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قِبَل طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه من تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان، فيما يعيش السودانيون في «أهوال وجحيم».

وقال تورك في مؤتمر صحافي بمدينة بورتسودان، التي تتخذها الحكومة مقرّاً مؤقتاً، وبعد زيارة شملت مدناً سودانية عدة هي الأولى له منذ بدء الحرب: «أدى انتشار المعدات العسكرية المتطورة، ولا سيما الطائرات من دون طيار، إلى تعزيز القدرات العسكرية لكل من (قوات الدعم السريع) والجيش، ما أدَّى بدوره إلى إطالة أمد الأعمال العدائية، وتعميق أزمة المدنيين».

ودعا المسؤول الأممي إلى ضمان مثول مرتكبي جرائم الحرب أمام العدالة، بغض النظر عن انتماءاتهم، مشيراً إلى أن مكتبه في السودان يعمل على توثيق هذه الانتهاكات والتجاوزات والإبلاغ عنها لتمهيد الطريق نحو المساءلة.


مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
TT

مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)

وسط عرض أميركي للوساطة في النزاع بين مصر وإثيوبيا بسبب «سد النهضة» الذي أقامته أديس أبابا على الرافد الرئيسي لنهر النيل، لوَّحت القاهرة بمطالبتها بـ«تعويضات مالية عن أضرار مائية» تسبب فيها «السد» لكل من مصر والسودان.

وأكد وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم «وجود تضرر على مصر من السد الإثيوبي، وإن لم يشعر المواطن بأثره حتى الآن». وأضاف، خلال كلمته في الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، الأحد: «هناك ضرر طبعاً نتيجة السد الإثيوبي... لمَّا (عندما) يخصم منك ويتم خفض حصتك من المياه، ده (هذا) ضرر».

ومضى قائلاً: «السنوات الماضية كانت من أهم السنوات... المواطن لم يشعر بقطع المياه أو الضرر، لكن هذا لا يبرئ السد الإثيوبي من المسؤولية والإجراءات المنفردة؛ فقد أثر بناء السد على مصر والسودان».

واستطرد: «لا بد من مطالبة إثيوبيا بتعويضات في يوم من الأيام عن كل هذه المبالغ التي تكلفتها مصر لمواجهة نقص المياه، التي وصلت للمليارات».

وتشهد العلاقات المصرية - الإثيوبية توترات متصاعدة بشأن السد الذي بدأت إثيوبيا بناءه في عام 2011، وافتتحته رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وسط مطالبات من دولتي المصب، مصر والسودان، باتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد بما لا يضر بمصالحهما المائية.

سد النهضة الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وطالب أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي، مصر والسودان بـ«إعداد ملف كامل بالأضرار التي تسبب فيها سد النهضة»، موضحاً أنها «أضرار يمكن إثباتها بسهولة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «من بين هذه الأضرار تخزين إثيوبيا نحو 64 مليار متر مكعب في بحيرة سد النهضة. هذه المياه كانت ستتدفق إلى مصر والسودان، وحجبها السد»، مضيفاً: «أيضاً عندما قامت إثيوبيا بفتح بوابات السد في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسببت في غرق قرى سودانية وأراضٍ مصرية».

وتتخوف القاهرة من تأثيرات «سد النهضة» التي تصاعدت حدتها في الآونة الأخيرة؛ فبعد أيام من تدشينه في سبتمبر الماضي، غمرت مياه فيضان نهر النيل عدداً من المدن السودانية، كما شهدت قرى مصرية عدة، خصوصاً في محافظتَي البحيرة والمنوفية، ارتفاعاً غير مسبوق في منسوب مياه النهر، ما أدّى إلى غمر مساحات من أراضي طرح النهر والأراضي الزراعية، فضلاً عن تضرر عدد من المنازل.

وبحسب شراقي، لا يتوقف ضرر السد الإثيوبي عند حجب المياه أو التسبب في فيضانات فجائية، بل «يتسبب في ارتباك لدى الفنيين الذين يقومون بتشغيل السدود في مصر والسودان، نتيجة عدم معرفة آليات تشغيل سد النهضة وحجم المياه التي ستتدفق»، فضلاً عن «الخسائر المالية، فكل مليار متر مكعب من المياه يحجب عن مصر يكلفها خسائر في زراعة الأرض تقدر بمليارات الجنيهات، بجانب المبالغ الكبيرة التي تنفقها القاهرة في تحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي لتعويض النقص في المياه». ووفق شراقي، فإن «كل الأضرار التي تسبب فيها سد النهضة يمكن إثباتها علمياً عن طريق صور الأقمار الصناعية وبيانات محطات الرصد».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أرسل خطاباً رسمياً، الجمعة الماضي، إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» الإثيوبي والتوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية. وردَّ السيسي على رسالة ترمب مُثمناً «اهتمام الرئيس الأميركي بمحورية قضية نهر النيل لمصر»، ومؤكداً في تدوينة على حسابه الرسمي على «حرص بلاده على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، القائم على مبادئ القانون الدولي».

ومن جانبه، قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إن «حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة ترمب حول مياه النيل». وأشار عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، السبت، إلى «أهمية إيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ للجميع حقوقهم، ما يساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم».

ويؤكد أستاذ القانون الدولي العام الدكتور محمد محمود مهران أن إعلان وزير الري المصري دراسة طلب تعويضات من إثيوبيا بسبب الأضرار الناجمة عن سد النهضة «يستند إلى أساس قانوني دولي صحيح؛ لكن تحقيق هذا المطلب يواجه تحديات قانونية إجرائية معقدة».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن القانون الدولي يؤكد مسؤولية إثيوبيا عن أي أضرار تلحق بمصر كدولة مصبّ نتيجة بناء السد والملء والتشغيل دون اتفاق ملزم، موضحاً أن المادة 7 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 «تنص صراحة على التزام دول المنبع بعدم التسبب في ضرر ذي شأن لدول المصب، وإذا حدث ضرر فإن الدولة المتسببة ملزمة بالتعويض».

لكن بحسب مهران، تكمن إشكالية التعويض في أن «مصر إذا أرادت رفع دعوى تعويضات أمام محكمة العدل الدولية فإنها تواجه عقبة جوهرية، وهي أن المحكمة تشترط قبول الطرف الآخر لاختصاصها»، مشيراً إلى أن «إثيوبيا يجب أن توافق على نظر الدعوى، أو أن يكون هناك اتفاق مسبق يمنح المحكمة الاختصاص من خلال اتفاقية إطارية أو ثنائية مثلاً».