«مؤتمر باريس» يعزز آمال السودانيين... ويتعهد بمساهمات مالية اقتربت من مليار يورو

السعودية: السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة يتمثل في «حلّ سياسي داخلي»

جانب من المؤتمر الصحافي لاجتماع باريس حول السودان في الذكرى الأولى لاندلاع الحرب (رويترز)
جانب من المؤتمر الصحافي لاجتماع باريس حول السودان في الذكرى الأولى لاندلاع الحرب (رويترز)
TT

«مؤتمر باريس» يعزز آمال السودانيين... ويتعهد بمساهمات مالية اقتربت من مليار يورو

جانب من المؤتمر الصحافي لاجتماع باريس حول السودان في الذكرى الأولى لاندلاع الحرب (رويترز)
جانب من المؤتمر الصحافي لاجتماع باريس حول السودان في الذكرى الأولى لاندلاع الحرب (رويترز)

للمرة الثانية، تسخر باريس جهازها الدبلوماسي من أجل مؤتمر لدعم السودان وتعزيز آماله في العودة إلى الاستقرار وإنهاء الحرب التي اندلعت قبل عام كامل، ولم تنجح الوساطات المتعددة في إطفائها حتى تاريخه. ولهذا الغرض استعانت فرنسا بألمانيا وبالاتحاد الأوروبي، من أجل تنظيم مؤتمر ثلاثي الأبعاد، سياسي وإنساني واجتماعي، بحيث دعت إليه عشرات الدول والمنظمات الدولية والإقليمية وممثلي المجتمع المدني السوداني، بعيداً عن الفريقين المتناحرين؛ أي الجيش بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، وقوات «الدعم السريع» بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي»، ما دفع الحكومة السودانية لرفع الصوت والاحتجاج على استبعادها.

وقالت باريس قبل انطلاق المؤتمر، إنه منذ بدء المؤتمر تواتر الإعلان عن مساعدات كبيرة، حيث اقتربت المساهمات من سقف 850 مليون يورو، (350 من الاتحاد الأوروبي و244 من ألمانيا و110 ملايين من فرنسا والولايات المتحدة 147 مليون دولار).

وفي الشق السياسي، استضافت وزارة الخارجية الفرنسية اجتماعاً ضم مجموعة واسعة من الوزراء، إلى جانب وزراء خارجية فرنسا وألمانيا، ومسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، وضمت المجموعة وزراء وممثلين لدول جوار السودان؛ مصر وجنوب السودان وإثيوبيا وتشاد وليبيا وكينيا وجيبوتي، ووزراء ومسؤولين من المملكة السعودية والإمارات، وممثلين لدول غربية؛ الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج، إضافة إلى ممثلين للمنظمات الإقليمية؛ الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي و«إيغاد» ومجموعة دول شرق أفريقيا.

الاجتماع السياسي في مقر وزارة الخارجية صباح الاثنين بحضور ممثلي 20 دولة وعدد من المنظمات الإقليمية (إ.ب.أ)

السودان في طور الانهيار

في كلمته الافتتاحية التي سبقت الاجتماع السياسي المغلق، بمقر «الخارجية»، حدد وزير الخارجية الفرنسي ستيفان سيجورنيه 3 أهداف للمؤتمر: تعبئة الموارد المالية للاستجابة لحاجات السودان الإنسانية ولدول النزوح، مذكراً بأن الاستجابة لما طلبته الأمم المتحدة لم تتعدَّ سقف 5 في المائة، مشيراً إلى العوائق التي تحول دون وصول المساعدات.

وذكر سيجورنيه أن 27 مليون سوداني؛ أي ما يساوي نصف سكان البلاد؛ يعانون من انعدام الأمن الغذائي، بينهم 15 مليون طفل. وأفضت الحرب إلى نزوح 1.8 مليون شخص خارج السودان، بينما النازحون في الداخل يصل عديدهم إلى 6.7 مليون شخص. أما أعداد القتلى والجرحى فتصل إلى عشرات الآلاف.

والهدف الثاني سياسي؛ وعنوانه دعم الوساطات القائمة لوضع حد للحرب وتحسين التنسيق بين الأطراف الدولية، مشيراً إلى أن بياناً سيصدر مع نهاية الاجتماع للتأكيد على 3 أهداف: إيصال المساعدات الإنسانية دون عوائق، والتوصل إلى وقف مستدام لإطلاق النار، وضمان العودة إلى مسار الانتقال الديمقراطي بقيادة حكومة مدنية.

والهدف الثالث العمل على إسماع صوت المدنيين ومنظمات المجتمع المدني الذين دعوا إلى معهد العالم العربي من أجل منتدى استمر طوال يوم الاثنين. وترى باريس، وهو ما حاز موافقة ودعم الأطراف الآخرين في المؤتمر، أنه تتعين «مواكبة» أنشطة المدنيين السودانيين المفترض أن تفضي إلى قيام بلد يتمتع بالحرية والسلام والعدالة، فضلاً عن دعم ومساندة الطموحات الديمقراطية للشعب السوداني.

وزيرا خارجية ألمانيا وفرنسا أنجلينا بيربوك وستيفان سيجورنيه ومسؤول السياسة الخارجية الأوروبي جوزيب بوريل في استقبال وزير الدولة الإماراتي الشيخ شخبوط نهيان آل نهيان في مقر «الخارجية» الفرنسية (إ.ب.أ)

العبرة من المؤتمر

والعبرة من المؤتمر، وفق سيجورنيه، تكمن في «إعادة وضع السودان على الأجندة الدولية» بعد أن غيبته الحروب الأخرى، ومنها الحرب الأوكرانية وحرب غزة. وختم سيجورنيه قائلاً: «نريد كسر حاجز الصمت الذي يلف النواة وتعبئة الأسرة الدولية لدعم السودانيين»، الذين هم «ضحية النسيان واللامبالاة».

وكانت كلمة سيجورنيه مغرقة بالدبلوماسية، بعكس كلمتي ممثلي الاتحاد الأوروبي وكلمة نظيرته الألمانية. فمسؤول السياسة الخارجية للاتحاد جوزيب بوريل وجه سهامه للبرهان و«حميدتي» اللذين «دفعا السودان إلى حافة الهاوية» بسبب «حربهما للحيازة على السلطة»، داعياً إلى «ممارسة مزيد من الضغوط الدولية عليهما من أجل التوصل إلى وقف إطلاق النار».

وبحسب بوريل، وحدها هذه الضغوط يمكن أن تكون مفيدة من غير أن يستبعد «فرض عقوبات على معرقلي مسار السلام». وعدّ بوريل أن هناك كثيراً من المبادرات السلمية المتداخلة التي لا يحصل تنسيق بينها، ما يتيح لفريقي النزاع المماطلة والتهرب. فضلاً عن ذلك، فإن بوريل يستعجل التوصل إلى «هدنة إنسانيةّ» لإتاحة المجال أمام عمل الهيئات الإنسانية في السودان وخارجه، وخلاصته أنه حان الوقت لوضع حد لكثرة الكلام وتكثيف العمل الميداني.

أما المفوض الأوروبي لإدارة الأزمات يانيس لينارسيش، فقد ذهب أبعد من ذلك، إذ أكد أن الحرب الدائرة «سببها جنون رجلين (البرهان وحميدتي) إلا أنها تصيب 50 مليون سوداني». وأضاف أن اجتماع باريس غرضه «تذكير العالم بمآسي هؤلاء وإبراز أن أوروبا منخرطة في التخفيف من آلامهم ولدعم دول الجوار المتأثرة بالنزوح، ولوضع حد لهذا الجنون وللكارثة الإنسانية».

وحذر المسؤول الأوروبي من أن السودان «في طور الانهيار وهو يعاني من أكبر أزمة إنسانية عرفتها القارة الأفريقية، ويعاني أيضاً من انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان». وبنظره، لا يمكن «وضع حد لهذا الوضع من غير انخراط الأسرة الدولية». وكبادرة، أعلن لينارسيش أن الاتحاد سيوفر 355 مليون يورو مساعدات للعام الحالي.

مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل ووزير الخارجية الفرنسية ستيفان سيجورنيه يحضران مؤتمراً صحافياً كجزء من المؤتمر الإنساني الدولي للسودان والدول المجاورة (رويترز)

صراع على حساب الشعب

من جانبها، نددت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك، بـ«الصراع على السلطة على حساب الشعب السوداني»، وحثت على ممارسة الضغوط الدولية لحمل المتحاربين على العودة إلى طاولة المفاوضات. وتوقفت ملياً عند وصف معاناة السودانيين، حيث هناك مليون شخص يمكن أن يموتوا بسبب الجوع. بيد أن التأثر بدا جلياً على وجهها عند حديثها إلى ما تعانيه النساء اللائي يتعرضن لكل أنواع الإهانة، بما فيها الاغتصاب. وأكدت أن برلين ستقدم 244 مليون يورو مساعدات.

وكان وزير الخارجية الأميركي قد نبه، في كلمة على منصة «إكس»، إلى أن 220 ألف طفل قد يفقدون الحياة في الأشهر المقبلة بسبب سوء التغذية، مذكراً بأن الأمم المتحدة تعدّ السودان على شفا المجاعة. واتهم بلينكن الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» بعرقلة إيصال المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين في البلاد، و«نهب» المساعدات التي تصل إلى السودان وارتكاب «جرائم حرب» تشمل الاغتصاب والتعذيب والقتل خارج إطار القانون وانتهاك حقوق الإنسان.

وحذر من أن واشنطن «ستعزز الجهود من أجل محاسبة مرتكبي جرائم الحرب والفظائع الأخرى من قوات (الدعم السريع) والجيش السوداني، بما في ذلك من خلال تشديد العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على الأفراد والمؤسسات والكيانات الأخرى المسؤولة عن الانتهاكات».

قائد القوات المسلحة السودانية عبد الفتاح البرهان (رويترز)

حل داخلي

وفي كلمته باسم المملكة السعودية، أوضح نائب وزير الخارجية المهندس وليد بن عبد الكريم الخريجي، أن السبيل الوحيد لإنهاء هذه الأزمة والمعاناة المتفاقمة هو عبر حلّ سياسي داخلي (سوداني - سوداني) يحترم سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، ويُفضي إلى وقف لإطلاق النار للحفاظ على مقدرات هذا البلد ومؤسساته الوطنية من الانهيار.

وجدد المسؤول السعودي ترحيب بلاده بجميع الجهود الإقليمية والدولية الرامية لحل الأزمة، وعزمها مواصلة الجهود لرعاية المباحثات، من خلال منبر جدة، من أجل تقريب وجهات النظر بين الأطراف السودانية، لوقف إطلاق النار وعودة الحوار السياسي لتحقيق السلام والاستقرار في السودان. وشارك من السعودية أيضاً رئيس مركز الملك سلمان للإغاثة، عبد الله بن عبد العزيز الربيعي.

ومن جانبه، نبه الأمين العام المساعد للجامعة العربية حسام زكي، إلى أنه من غير توافر «الشروط السياسية والعسكرية لتحقيق وقف إطلاق نار شامل سيظل إنشاء منبر تفاوضي ناجح بين الأطراف السياسية أملاً صعب المنال»، مضيفاً أنه من غير هذه الشروط «ستتعمق معاناة الشعب السوداني وسيدخل السودان نفقاً سبقته إليه دول أخرى علت فيها مصالح أمراء الحرب وانتماءاتهم الجهوية والإثنية والقبلية على حساب الانتماء للدولة والمواطنة الرشيدة، لتصبح ساحة جذب لكل فكر متطرف أو أنشطة خارج القانون». بيد أن الدعوات الدولية استبقتها تصريحات لرئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، جاء فيها أنه لا سلم ولا مفاوضات مع وجود قوات «الدعم السريع»، مضيفاً أن «القوات المسلحة حلها واحد؛ دحر هذا التمرد، وهذا رأي الشعب السوداني، ونحن ننفذ تعليمات شعبنا العظيم».

المساعدات الإنسانية

تعكس تصريحات المديرة التنفيذية لـ«برنامج الأغذية العالمي» التابع للأمم المتحدة، سندي ماكين، الكارثة الإنسانية في السودان، إذ قالت على هامش أعمال المؤتمر في باريس، إن أزمة السودان هي «الأكبر والأقسى التي عرفها العالم إطلاقاً»، عادّة الوضع «كارثياً»، و«الجوع يعم في كل مكان»، وأنه «لو أعلنت حالة المجاعة، فإننا نكون قد تأخرنا كثيراً».

ومنذ بداية العام، طلبت الأمم المتحدة مساعدات إنسانية للسودان تبلغ 3.8 مليار يورو، لكن ما توفر منها حتى اليوم لا يزيد على 5 في المائة. وقبل انتهاء المؤتمر، أفاد مصدر دبلوماسي بأن المأمول أن يتعهد المانحون بتقديم «أكثر من مليار يورو»، ما يعني أن الاستجابة التامة لما طلبته الأمم المتحدة ما زالت بعيدة جداً. وتسعى المنظمة الدولية للحصول على 1.4 مليار دولار أخرى للمساعدات في البلدان المجاورة التي تؤوي مئات الآلاف من اللاجئين.


مقالات ذات صلة

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

شمال افريقيا طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

تواصل الفرق المختصة في الجيش السوداني عمليات تحييد الألغام وتفكيكها في مدن العاصمة الخرطوم وسط تحديات التمويل، وتكثيف التوعية لحماية المدنيين.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز)

الجيش السوداني يُعلن تدمير عشرات الدبابات والآليات لـ«الدعم السريع»

أعلن الجيش السوداني أنه كثّف ضرباته في عدد من محاور القتال ضد «قوات الدعم السريع»، مؤكداً إلحاق خسائر بالأفراد والعتاد.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية p-circle

الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية

صعّد الاتحاد الأوروبي من لهجته تجاه الحرب في السودان ولوح باتخاذ عقوبات جديدة تستهدف اقتصاد الحرب والمستفيدين منها معلناً تمسكه بوحدة السودان ورفضه لأي حكم مواز

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز) p-circle

الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية بولاية النيل الأزرق

أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء، استعادة منطقة «مقجة» الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق (جنوب شرق)، بعد معارك مع «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال استقباله في القاهرة مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية والوفد المرافق له (الخارجية المصرية - فيسبوك)

مصر: نرفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع في السودان

أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، رفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع أو تقويض فرص التسوية السياسية في السودان


تزايد الرفض الشعبي والسياسي في غرب ليبيا لـ«مبادرة بولس»

من اجتماع سابق بين المنفي والدبيبة (أرشيفية - متداولة)
من اجتماع سابق بين المنفي والدبيبة (أرشيفية - متداولة)
TT

تزايد الرفض الشعبي والسياسي في غرب ليبيا لـ«مبادرة بولس»

من اجتماع سابق بين المنفي والدبيبة (أرشيفية - متداولة)
من اجتماع سابق بين المنفي والدبيبة (أرشيفية - متداولة)

يتسع نطاق الرفض الشعبي والسياسي في غرب ليبيا لمبادرة مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، الرامية إلى تقاسم النفوذ بين أطراف متنافسة، في تطور يعكس تصاعد حالة الاحتقان الداخلي، ويضعف فرص تمرير أي تسوية لا تستند إلى توافق وطني واسع.

وفي مشهد يعكس ثقل مدينة مصراتة (غرب) في الخريطة السياسية الليبية، أعلنت مكوناتها السياسية والقبلية والعسكرية، خلال اجتماع موسع عُقد بمجمع الحديد والصلب، رفضها القاطع لما وصفته بـ«الصفقات المشبوهة» لتقاسم السلطة والثروة، مؤكدة أن أي ترتيبات تُفرض خارج الإرادة الوطنية تمثل محاولة لشرعنة «حكم العائلات» وفرض وصاية خارجية على القرار الليبي.

جانب من اجتماع مصراتة (متداولة)

وشدد البيان الصادر عن الاجتماع، السبت، على أن «أي طرف شارك في هذه الترتيبات لا يمثل إلا نفسه»، مع التأكيد على أن شرعية المدينة تنحصر في مجلسها البلدي وقوى ثورة فبراير (شباط).

وطالبت مكونات مصراتة بعثة الأمم المتحدة بالعمل على إنهاء حالة الانسداد السياسي، عبر إزالة الأجسام الحالية، وتشكيل «مجلس تأسيسي» يستند إلى مخرجات اللجنة الاستشارية، محذرة من الانجرار وراء تسويات تزيد من استنزاف مقدرات الليبيين، وتعمّق الأزمة بدلاً من حلها.

وعكست أجواء «اجتماع مصراتة»، وفق ما نقلته وسائل إعلام محلية، حالة توتر وانقسام داخل القاعة، حيث اندلعت مشادات كلامية بين بعض المشاركين، في مؤشر على عمق الخلافات بشأن المسارات السياسية المطروحة. ورغم ذلك، شدد عدد من المتحدثين على أن «الانتخابات» تمثل المخرج الوحيد للأزمة، باعتبارها المسار الأصيل لاستعادة الشرعية وإنهاء الانقسام.

وفي تصعيد لافت، دعا عضو مجلس أعيان مصراتة، أنور صوان، السبت، إلى تنظيم تظاهرات حاشدة للتعبير عن الرفض الشعبي للمبادرة، مؤكداً «ضرورة التمسك بالسيادة الوطنية، ورفض أي حلول مفروضة من الخارج».

وحسب مراقبين فإن «مخرجات اجتماع مصراتة تمثل ضربة واضحة لـ(مبادرة بولس)؛ إذ تعكس اتساع دائرة التحفظ داخل الأوساط السياسية والاجتماعية في غرب البلاد»، كما أنها «تنذر بتفاقم حالة الاحتقان الشعبي، بما قد يضاعف الضغوط على حكومة الوحدة الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي».

وتزامن هذا الموقف مع تحركات احتجاجية في العاصمة طرابلس، حيث نظم محتجون وقفة أمام مقر بعثة الأمم المتحدة في جنزور، السبت، أعلنوا خلالها رفضهم لمبادرة بولس، التي يُنظر إليها على أنها تستهدف تقاسم السلطة بين صدام حفتر، نجل ونائب القائد العام للجيش الوطني في شرق البلاد، والدبيبة في إطار تسوية لا تحظى بإجماع داخلي.

صدام حفتر (أ.ف.ب)

وفي موازاة ذلك، صعّد رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، من لهجته، ملوحاً بخيارات «صعبة» لمواجهة ما وصفه بتقييد صلاحياته، وتحويل منصبه إلى دور بروتوكولي محدود. وأعرب المنفي، في بيان، عن قلقه من «تقييد الاختصاصات الرئاسية»، معتبراً أن ذلك يضعف مشروع الإصلاح ويقيد مواجهة الفساد.

وطرح المنفي في منشور عبر منصة «إكس»، مساء الجمعة، ثلاثة مسارات محتملة للتعامل مع هذا الوضع، تشمل «منطق القوة»، أو «قوة القانون» عبر تشريعات جديدة، تصحح ما وصفه بالتشوهات، أو اللجوء إلى «حراك سلمي تحميه الدولة»، في إشارة إلى إمكانية فتح المجال أمام الشارع للضغط على النخبة السياسية.

ويرى مراقبون أن هذه التصريحات تعكس تصاعد التوتر داخل مؤسسات الحكم، وتلوّح بإمكانية إعادة تشكيل موازين القوى، سواء عبر أدوات قانونية، مثل إصدار مراسيم رئاسية أو تنظيم استفتاءات شعبية، أو من خلال تحريك الشارع في إطار احتجاجات منظمة.

المستشار الأميركي مسعد بولس خلال لقائه مع الكوني (المستشار)

من جهته، شدد نائب رئيس المجلس الرئاسي، موسى الكوني، على ضرورة الانتقال من تعدد المبادرات إلى التركيز على الطروحات القابلة للتطبيق والمقبولة شعبياً، مؤكداً أن نجاح أي مسار سياسي يظل مرهوناً بمدى توافقه مع تعقيدات الواقع الليبي، وضمان مشاركة الأطراف الفاعلة فيه.

وأكد الكوني، خلال مشاركته في المؤتمر السنوي للمجلس الوطني للعلاقات الليبية - الأميركية، بحضور بولس، مساء الجمعة، أهمية تمثيل الأقاليم الثلاثة، بما في ذلك إقليم فزان، في أي ترتيبات مستقبلية، مشيراً إلى أن تهميش الإقليم في بعض الملفات، مثل الميزانية الموحدة، ينعكس سلباً على الاستقرار العام.

لكن بولس سارع إلى القول بأن «المرحلة الحالية تتطلب تغليب المصلحة الوطنية فوق أي اعتبارات أو أجندات ضيقة»، داعياً «مختلف الأطراف الليبية إلى العمل المشترك وتجاوز الخلافات القائمة، بما يفضي إلى بناء أرضية سياسية مشتركة تعزز فرص الاستقرار».

وسعى بولس إلى الطمأنة بالقول إن «أي مبادرة سياسية مستقبلية ينبغي أن تتسم بالشمولية، وأن تحظى بمشاركة واسعة من مختلف المناطق والمؤسسات الليبية، بما يضمن الوصول إلى توافق وطني حقيقي، يمهد لإنهاء حالة الانقسام، وإعادة بناء الثقة بين الأطراف السياسية».


الشراكة الاستراتيجية بين مصر وقبرص... تقارب سياسي وفوائد اقتصادية

رئيسا مصر وقبرص يوقّعان إعلان الشراكة الاستراتيجية (الرئاسة المصرية)
رئيسا مصر وقبرص يوقّعان إعلان الشراكة الاستراتيجية (الرئاسة المصرية)
TT

الشراكة الاستراتيجية بين مصر وقبرص... تقارب سياسي وفوائد اقتصادية

رئيسا مصر وقبرص يوقّعان إعلان الشراكة الاستراتيجية (الرئاسة المصرية)
رئيسا مصر وقبرص يوقّعان إعلان الشراكة الاستراتيجية (الرئاسة المصرية)

عكس إعلان مصر وقبرص ترفيع العلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، تقارباً في المواقف السياسية، ورغبة في تعزيز الفوائد الاقتصادية. وبينما عدت نيقوسيا الإعلان «محطة مهمة»، عدته القاهرة «تتويجاً لمسار علاقات متميزة».

ووقَّع الرئيسان المصري عبد الفتاح السيسي والقبرصي نيكوس كريستودوليدس، مساء الجمعة، الإعلان المشترك لترفيع العلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية. وعد المتحدث باسم الرئاسة المصرية السفير محمد الشناوي، في إفادة رسمية، الإعلان «تتويجاً للمسار المتميز للعلاقات التاريخية والممتدة بين البلدين والشعبين».

جاء توقيع الإعلان خلال لقاء جمع الرئيسين في العاصمة نيقوسيا، على هامش مشاركة السيسي في الاجتماع التشاوري الذي عُقد بين عدد من قادة الدول العربية والدول الأوروبية ومسؤولي الاتحاد الأوروبي، لتبادل الرؤى حول تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية.

وأشاد الرئيس المصري، خلال اللقاء، بمستوى العلاقات بين البلدين في مختلف المجالات، مشيراً، بحسب المتحدث الرسمي، إلى «أهمية مواصلة العمل على الارتقاء بالعلاقات الثنائية بما يحقق المصالح المشتركة للجانبين، خصوصاً في المجالات التجارية والاستثمارية، وفي قطاعات العمالة والسياحة والطاقة».

بدوره، أشاد الرئيس القبرصي بتوقيع الإعلان المشترك للشراكة الاستراتيجية مع مصر. وقال عبر حسابه على منصة «إكس» إن توقيع الإعلان: «يعد محطة مهمة سياسية مهمة وارتقاءً جوهرياً بالعلاقات الممتازة بالفعل بين البلدين»، مشيراً إلى أن «الإعلان يمنح بُعداً جديداً للتعاون بين قبرص ومصر في مجالات حيوية، مثل الطاقة، والاقتصاد، والأمن، والدفاع، والاتصال، والتعليم، والتواصل بين شعبي البلدين».

ووفق وسائل إعلام قبرصية محلية فإن «قطاع الطاقة يعد محوراً أساسياً في هذه الشراكة، ويضع التعاون بين البلدين ضمن إطار أوسع لأمن الطاقة، وتنويع المصادر، والربط بين شرق المتوسط وأوروبا»، مشيرة إلى أن «الإعلان يعزز التنسيق السياسي بين الحكومتين، لا سيما فيما يتعلق بالقضايا الإقليمية والدولية، كفاعلين في تحقيق الاستقرار داخل منطقة تواجه تحديات معقدة ومترابطة».

وأوضح عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير يوسف زادة أن ترفيع العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية يعني «درجة أعلى من العلاقات الدبلوماسية بين البلدين»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الشراكة الاستراتيجية تتضمن تعزيزاً للعلاقات التجارية والاستثماريّة وتعاوناً على المستويين الاستخباراتي والسياسي، وتنسيقاً في مختلف القضايا مثل الهجرة والأوضاع في الشرق الأوسط وغيرها».

وأضاف أن مصر وقّعت اتفاقات مماثلة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وغيرها من الدول، لافتاً إلى زيادة وتيرة التنسيق والتعاون بين مصر وقبرص، لا سيما في مجال الغاز.

الرئيسان المصري عبد الفتاح السيسي والقبرصي نيكوس كريستودوليدس (الرئاسة المصرية)

ونهاية الشهر الماضي، وقَّعت مصر وقبرص اتفاقية إطارية للتعاون في مجال الغاز، وقال متحدث باسم الرئاسة القبرصية، إنها «ستكون أساساً يمكن للبلدين من خلاله التفاوض على مزيد من الاتفاقيات لاستغلال احتياطيات قبرص»، بعدها أعلنت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية.

وأشار الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة إلى «الفوائد الاقتصادية التي ستعود على البلدين لا سيما في مجال الطاقة، والاستفادة من حقول الغاز القبرصية». وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «تعزيز التعاون مع قبرص سيزيد من التعاون مع الاتحاد الأوروبي كله، كون قبرص عضوة في الاتحاد». وأضاف أن «الشراكة الدبلوماسية بين البلدين تدعم تحقيق مزيد من العوائد الاقتصادية لقبرص ومصر معاً؛ ما يسهم في تحسين أوضاعهما الاقتصادية».

وكانت المباحثات بين الرئيسين المصري والقبرصي قد تطرقت إلى «مستجدات ربط حقول الغاز القبرصية بالبنية التحتية المصرية، بغرض الاستهلاك المحلي والتصدير للخارج من مصر»، بحسب إفادة الرئاسة المصرية.

وفي العام الماضي، وقَّعت مصر وقبرص اتفاقيات تسمح بتصدير الغاز من الحقول البحرية القبرصية إلى مصر، لتسييله وإعادة تصديره إلى أوروبا، في إطار سعي البلدين لتعزيز دور شرق المتوسط مركزاً للطاقة.

وأكد الخبير الاستراتيجي عضو مجلس الشيوخ المصري السابق الدكتور عبد المنعم سعيد أن الإعلان «دليل على تقارب سياسي، جنباً إلى جنب مع أبعاده الاقتصادية المباشرة المتمثلة في اتفاق الغاز وغيره من الاتفاقات التجارية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر تستعد لتكون مركزاً لتسييل الغاز بما لديها من إمكانات في هذا المجال».

وأضاف أن «هناك علاقات استراتيجية ممتدة بين مصر وقبرص وتقارباً في المواقف السياسية بشأن مختلف الملفات في الشرق الأوسط»، لافتاً إلى أن «ترفيع العلاقات يعزز هذا التقارب، ويزيد التنسيق السياسي والاقتصادي بين البلدين».

تعاون مصري قبرصي في مجال الغاز يعززه إعلان الشراكة الاستراتيجية (الرئاسة المصرية)

بالفعل، أظهرت المباحثات بين السيسي وكريستودوليدس تقارباً في المواقف السياسية. وثمَّن الرئيس القبرصي المسار المتنامي للعلاقات الثنائية بين البلدين ومستوى التشاور والتنسيق السياسي بشأن القضايا الإقليمية والدولية، تعزيزاً للسلم والأمن الإقليميين، مشيراً إلى «الجهود المصرية المقدرة في مجال مكافحة الهجرة غير الشرعية، وضرورة تقاسم الاتحاد الأوروبي الأعباء مع مصر من جراء استضافتها أعداداً كبيرة من اللاجئين»، بحسب متحدث الرئاسة المصرية.

وفي هذا السياق، بحث الرئيسان مستجدات الأوضاع الإقليمية، حيث استعرض السيسي جهود بلاده الرامية لخفض التوتر بالمنطقة، واستعادة السلم والاستقرار الإقليميين، ارتباطاً بالملف الإيراني، كما بحثا تطورات الأوضاع في قطاع غزة والضفة الغربية، حيث أكدا، بحسب الإفادة، على «ضرورة التنفيذ الكامل لاتفاق وقف الحرب في القطاع، وحتمية إدخال المساعدات الإنسانية لقطاع غزة من دون قيود، فضلاً عن سرعة البدء في عملية إعادة إعمار القطاع».


ضغوط أممية وأميركية لعقد لقاء رئيسَي «النواب» و«الأعلى للدولة» الليبيين

فريق الوساطة الليبي خلال لقاء مع تكالة الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للفريق)
فريق الوساطة الليبي خلال لقاء مع تكالة الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للفريق)
TT

ضغوط أممية وأميركية لعقد لقاء رئيسَي «النواب» و«الأعلى للدولة» الليبيين

فريق الوساطة الليبي خلال لقاء مع تكالة الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للفريق)
فريق الوساطة الليبي خلال لقاء مع تكالة الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للفريق)

يواجه مجلسا النواب و«الأعلى للدولة» الليبيين ضغوطاً أممية وأميركية متزايدة، بسبب تعثرهما في التوصل إلى توافق بشأن القوانين الانتخابية، حسب مراقبين، وهو ما أعاد طرح سيناريو عقد لقاء مباشر بين رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، في بلدٍ يعاني انقساماً مزمناً منذ انهيار نظام العقيد معمر القذافي في 2011.

رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح (المكتب الإعلامي للمجلس)

وحسب محللين، تبدو فرص عقد لقاء بين رئيسَي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» أقرب إلى «ورقة ضغط سياسية» تتفاعل مع الضغوط الدولية المتصاعدة، أكثر من كونها «مساراً حاسماً» في ظل تضارب المسارات السياسية الجارية، وتعدد المبادرات الدولية والطاولات الحوارية. وهي أيضاً رؤية الباحث الليبي خالد الشارف، الذي اعتبر أن هذا التداخل يجعل فرص عقد اللقاء «ممكنة شكلياً لكنها ضعيفة عملياً»، وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن جدواه تظل مرهونة بوجود آلية تنفيذ واضحة وضمانات دولية ملزمة، وإلا فإنه سيظل مجرد إعادة إنتاج للأزمة، دون تغيير فعلي في بنية الانقسام القائم.

جلسة للمجلس الأعلى للدولة في طرابلس الأربعاء الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)

ووسط غياب أي إعلان رسمي عن لقاء بين رئيسي المجلسين، لا ينقطع حديث أوساط سياسية ليبية وتقارير محلية عن تبادل رسائل ومقترحات، تمهّد لعقد لقاء بين تكالة وصالح، مع طرح عواصم ومدن مثل القاهرة وأنقرة وبوزنيقة بوصفها محطات محتملة، دون أن يرتقي ذلك حتى الآن إلى مسار رسمي واضح، وهو حديث متداول أكده أيضاً عضو مجلس النواب، فهمي التواتي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط».

وسبق أن فشلت وساطة فرنسية في عقد اجتماع في العاصمة باريس بين رئيسي مجلسي «النواب» و«الأعلى للدولة» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، للتوصل إلى حل بخصوص القوانين اللازمة لإجراء الانتخابات العامة المؤجلة.

غير أن الحديث عن اللقاء المحتمل عاد مجدداً، توازياً مع تحرك جدي لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لتجاوز حالة الجمود بين المجلسين، عبر تشكيل «مجموعة سياسية مصغرة»، تتولى معالجة أكثر القضايا الانتخابية تعقيداً تحت اسم «4+4»، وهو ما عدّه مراقبون رسالة دولية ضاغطة على المجلسين.

فريق الوساطة الليبي خلال لقاء مع صالح في أبريل الحالي (الصفحة الرسمية للفريق)

وبرز في هذا السياق ما عكسته إحاطة المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن الدولي، الأربعاء الماضي، إلى جانب تصريحات نائبتها، ستيفاني خوري، من قناعة متزايدة بأن مجلسي «النواب» و«الدولة» لم يحرزا التقدم المطلوب ضمن خريطة الطريق.

ويشمل ذلك تعثر التوافق على تشكيل مفوضية الانتخابات، وعدم حسم التعديلات المرتبطة بالقوانين الانتخابية، وهما من الركائز الأساسية في خريطة الطريق، التي أقرها مجلس الأمن في أغسطس (آب) الماضي.

رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة (الصفحة الرسمية للمجلس)

وفي الخلفية، علا صخب حديث الإعلام منتصف الشهر الحالي عن سيناريوهات لقاء صالح وتكالة، على وقع مقترحات منسوبة إلى مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، بشأن إعادة تشكيل السلطة التنفيذية، بدت من منظور بعض المراقبين أنها تحدياً يواجه المجلسين ووجودها في المشهد السياسي الليبي.

وقوبلت هذه المبادرة برفض من «المجلس الأعلى للدولة»، مع تأكيده على عدم الاعتداد بأي تسوية لا تمر عبره بتفويض رسمي، في حين لم يُسجل اعتراض معلن من مجلس النواب.

ولم يعلق عضو مجلس النواب، سعيد مغيب، على ما يدور بشأن لقاء محتمل بين رئيسي المجلسين، لكنه اكتفى بالقول لـ«الشرق الأوسط» إن مبادرة بولس «لم تفشل، أو على الأقل لم يُعلن عن فشلها حتى الآن».

هانا تيتيه (غيتي)

بالتوازي، برز مسار وساطة محلية بدأ في فبراير (شباط) الماضي لتسهيل اللقاء بين رئيسي المجلسين، وركز على معالجة الخلافات المرتبطة بالقوانين الانتخابية، ومخرجات «6+6»، وهي لجنة مشتركة بين مجلسي «النواب» و«الأعلى للدولة»، توصلت إلى إطار قانوني للانتخابات الرئاسية والتشريعية قبل ثلاث سنوات، لكنها واجهت بنوداً خلافية، مثل ازدواج الجنسية وترشح العسكريين، حالت دون تنفيذ مخرجاتها على أرض الواقع.

ووفق عضو فريق الوساطة، حسام فنيش، فقد تمكن الفريق من تحديد نقاط الخلاف، وتهيئة بيئة تفاوضية أولية، مع تسجيل تجاوب مبدئي من تكالة في طرابلس. كما أشار إلى لقاء جرى مع صالح في مدينة القبة، عُرضت خلاله ملاحظات تكالة، حيث أبدى رئيس مجلس النواب استعداداً للتعاون، وقبول تعديلات محتملة من لجنة «6+6»، مع قبول مشروط للقاء تكالة بوجود اتفاق مبدئي يضمن جدية اللقاء ونتائجه.

وعاد فريق الوساطة المحلي، حسب تصريحات فنيش لـ«الشرق الأوسط»، إلى بنغازي لعرض نتائج تحركاته على تكالة، الذي أبدى انفتاحاً على مخرجات الوساطة، خصوصاً فيما يتعلق بإمكانية عقد لقاء بين رئيسي المجلسين، رغم بقاء المسار محدود التأثير، وعدم تحوله بعد إلى إطار تفاوضي شامل.

يشار إلى أن المجلس الأعلى للدولة أعلن الأسبوع الماضي تشكيل «لجنة للتواصل» مع مجلس النواب، وإحياء «اتفاق القاهرة»، في مقابل استمرار مجلس النواب في التزام الصمت دون موقف معلن.

أعاد فريق الوساطة طرح ملاحظات «المفوضية العليا للانتخابات» بشأن صعوبة إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في يوم واحد (المفوضية)

من ناحية فنية، أعاد فريق الوساطة طرح ملاحظات «المفوضية الوطنية العليا للانتخابات» بشأن صعوبة إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في يوم واحد. ووفقاً لعضو لجنة الوساطة والرئيس الأسبق للمفوضية، الدكتور عثمان القاجيجي، فإن التحديات السابقة كانت لوجستية وتنظيمية أكثر من كونها قانونية مستحيلة، مستشهداً بتجارب الانتخابات البلدية، التي اعتمدت نظام تعدد صناديق الاقتراع داخل المركز الواحد، ما يجعل إجراء الاستحقاقين ممكناً من الناحية التقنية إذا توفرت الإرادة السياسية.

ويبدو أن جوهر الانسداد في المشهد الليبي لا يكمن في الجانب الفني الخاص بالعملية الانتخابية، حسب القاجيجي، الذي يرى أن «المشكلة في غياب التوافق السياسي»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن أي تقدم في هذا الملف مرهون بوجود اتفاق على القواعد المنظمة للعملية الانتخابية.