«مؤتمر باريس» يعزز آمال السودانيين... ويتعهد بمساهمات مالية اقتربت من مليار يورو

السعودية: السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة يتمثل في «حلّ سياسي داخلي»

جانب من المؤتمر الصحافي لاجتماع باريس حول السودان في الذكرى الأولى لاندلاع الحرب (رويترز)
جانب من المؤتمر الصحافي لاجتماع باريس حول السودان في الذكرى الأولى لاندلاع الحرب (رويترز)
TT

«مؤتمر باريس» يعزز آمال السودانيين... ويتعهد بمساهمات مالية اقتربت من مليار يورو

جانب من المؤتمر الصحافي لاجتماع باريس حول السودان في الذكرى الأولى لاندلاع الحرب (رويترز)
جانب من المؤتمر الصحافي لاجتماع باريس حول السودان في الذكرى الأولى لاندلاع الحرب (رويترز)

للمرة الثانية، تسخر باريس جهازها الدبلوماسي من أجل مؤتمر لدعم السودان وتعزيز آماله في العودة إلى الاستقرار وإنهاء الحرب التي اندلعت قبل عام كامل، ولم تنجح الوساطات المتعددة في إطفائها حتى تاريخه. ولهذا الغرض استعانت فرنسا بألمانيا وبالاتحاد الأوروبي، من أجل تنظيم مؤتمر ثلاثي الأبعاد، سياسي وإنساني واجتماعي، بحيث دعت إليه عشرات الدول والمنظمات الدولية والإقليمية وممثلي المجتمع المدني السوداني، بعيداً عن الفريقين المتناحرين؛ أي الجيش بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، وقوات «الدعم السريع» بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي»، ما دفع الحكومة السودانية لرفع الصوت والاحتجاج على استبعادها.

وقالت باريس قبل انطلاق المؤتمر، إنه منذ بدء المؤتمر تواتر الإعلان عن مساعدات كبيرة، حيث اقتربت المساهمات من سقف 850 مليون يورو، (350 من الاتحاد الأوروبي و244 من ألمانيا و110 ملايين من فرنسا والولايات المتحدة 147 مليون دولار).

وفي الشق السياسي، استضافت وزارة الخارجية الفرنسية اجتماعاً ضم مجموعة واسعة من الوزراء، إلى جانب وزراء خارجية فرنسا وألمانيا، ومسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، وضمت المجموعة وزراء وممثلين لدول جوار السودان؛ مصر وجنوب السودان وإثيوبيا وتشاد وليبيا وكينيا وجيبوتي، ووزراء ومسؤولين من المملكة السعودية والإمارات، وممثلين لدول غربية؛ الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج، إضافة إلى ممثلين للمنظمات الإقليمية؛ الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي و«إيغاد» ومجموعة دول شرق أفريقيا.

الاجتماع السياسي في مقر وزارة الخارجية صباح الاثنين بحضور ممثلي 20 دولة وعدد من المنظمات الإقليمية (إ.ب.أ)

السودان في طور الانهيار

في كلمته الافتتاحية التي سبقت الاجتماع السياسي المغلق، بمقر «الخارجية»، حدد وزير الخارجية الفرنسي ستيفان سيجورنيه 3 أهداف للمؤتمر: تعبئة الموارد المالية للاستجابة لحاجات السودان الإنسانية ولدول النزوح، مذكراً بأن الاستجابة لما طلبته الأمم المتحدة لم تتعدَّ سقف 5 في المائة، مشيراً إلى العوائق التي تحول دون وصول المساعدات.

وذكر سيجورنيه أن 27 مليون سوداني؛ أي ما يساوي نصف سكان البلاد؛ يعانون من انعدام الأمن الغذائي، بينهم 15 مليون طفل. وأفضت الحرب إلى نزوح 1.8 مليون شخص خارج السودان، بينما النازحون في الداخل يصل عديدهم إلى 6.7 مليون شخص. أما أعداد القتلى والجرحى فتصل إلى عشرات الآلاف.

والهدف الثاني سياسي؛ وعنوانه دعم الوساطات القائمة لوضع حد للحرب وتحسين التنسيق بين الأطراف الدولية، مشيراً إلى أن بياناً سيصدر مع نهاية الاجتماع للتأكيد على 3 أهداف: إيصال المساعدات الإنسانية دون عوائق، والتوصل إلى وقف مستدام لإطلاق النار، وضمان العودة إلى مسار الانتقال الديمقراطي بقيادة حكومة مدنية.

والهدف الثالث العمل على إسماع صوت المدنيين ومنظمات المجتمع المدني الذين دعوا إلى معهد العالم العربي من أجل منتدى استمر طوال يوم الاثنين. وترى باريس، وهو ما حاز موافقة ودعم الأطراف الآخرين في المؤتمر، أنه تتعين «مواكبة» أنشطة المدنيين السودانيين المفترض أن تفضي إلى قيام بلد يتمتع بالحرية والسلام والعدالة، فضلاً عن دعم ومساندة الطموحات الديمقراطية للشعب السوداني.

وزيرا خارجية ألمانيا وفرنسا أنجلينا بيربوك وستيفان سيجورنيه ومسؤول السياسة الخارجية الأوروبي جوزيب بوريل في استقبال وزير الدولة الإماراتي الشيخ شخبوط نهيان آل نهيان في مقر «الخارجية» الفرنسية (إ.ب.أ)

العبرة من المؤتمر

والعبرة من المؤتمر، وفق سيجورنيه، تكمن في «إعادة وضع السودان على الأجندة الدولية» بعد أن غيبته الحروب الأخرى، ومنها الحرب الأوكرانية وحرب غزة. وختم سيجورنيه قائلاً: «نريد كسر حاجز الصمت الذي يلف النواة وتعبئة الأسرة الدولية لدعم السودانيين»، الذين هم «ضحية النسيان واللامبالاة».

وكانت كلمة سيجورنيه مغرقة بالدبلوماسية، بعكس كلمتي ممثلي الاتحاد الأوروبي وكلمة نظيرته الألمانية. فمسؤول السياسة الخارجية للاتحاد جوزيب بوريل وجه سهامه للبرهان و«حميدتي» اللذين «دفعا السودان إلى حافة الهاوية» بسبب «حربهما للحيازة على السلطة»، داعياً إلى «ممارسة مزيد من الضغوط الدولية عليهما من أجل التوصل إلى وقف إطلاق النار».

وبحسب بوريل، وحدها هذه الضغوط يمكن أن تكون مفيدة من غير أن يستبعد «فرض عقوبات على معرقلي مسار السلام». وعدّ بوريل أن هناك كثيراً من المبادرات السلمية المتداخلة التي لا يحصل تنسيق بينها، ما يتيح لفريقي النزاع المماطلة والتهرب. فضلاً عن ذلك، فإن بوريل يستعجل التوصل إلى «هدنة إنسانيةّ» لإتاحة المجال أمام عمل الهيئات الإنسانية في السودان وخارجه، وخلاصته أنه حان الوقت لوضع حد لكثرة الكلام وتكثيف العمل الميداني.

أما المفوض الأوروبي لإدارة الأزمات يانيس لينارسيش، فقد ذهب أبعد من ذلك، إذ أكد أن الحرب الدائرة «سببها جنون رجلين (البرهان وحميدتي) إلا أنها تصيب 50 مليون سوداني». وأضاف أن اجتماع باريس غرضه «تذكير العالم بمآسي هؤلاء وإبراز أن أوروبا منخرطة في التخفيف من آلامهم ولدعم دول الجوار المتأثرة بالنزوح، ولوضع حد لهذا الجنون وللكارثة الإنسانية».

وحذر المسؤول الأوروبي من أن السودان «في طور الانهيار وهو يعاني من أكبر أزمة إنسانية عرفتها القارة الأفريقية، ويعاني أيضاً من انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان». وبنظره، لا يمكن «وضع حد لهذا الوضع من غير انخراط الأسرة الدولية». وكبادرة، أعلن لينارسيش أن الاتحاد سيوفر 355 مليون يورو مساعدات للعام الحالي.

مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل ووزير الخارجية الفرنسية ستيفان سيجورنيه يحضران مؤتمراً صحافياً كجزء من المؤتمر الإنساني الدولي للسودان والدول المجاورة (رويترز)

صراع على حساب الشعب

من جانبها، نددت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك، بـ«الصراع على السلطة على حساب الشعب السوداني»، وحثت على ممارسة الضغوط الدولية لحمل المتحاربين على العودة إلى طاولة المفاوضات. وتوقفت ملياً عند وصف معاناة السودانيين، حيث هناك مليون شخص يمكن أن يموتوا بسبب الجوع. بيد أن التأثر بدا جلياً على وجهها عند حديثها إلى ما تعانيه النساء اللائي يتعرضن لكل أنواع الإهانة، بما فيها الاغتصاب. وأكدت أن برلين ستقدم 244 مليون يورو مساعدات.

وكان وزير الخارجية الأميركي قد نبه، في كلمة على منصة «إكس»، إلى أن 220 ألف طفل قد يفقدون الحياة في الأشهر المقبلة بسبب سوء التغذية، مذكراً بأن الأمم المتحدة تعدّ السودان على شفا المجاعة. واتهم بلينكن الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» بعرقلة إيصال المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين في البلاد، و«نهب» المساعدات التي تصل إلى السودان وارتكاب «جرائم حرب» تشمل الاغتصاب والتعذيب والقتل خارج إطار القانون وانتهاك حقوق الإنسان.

وحذر من أن واشنطن «ستعزز الجهود من أجل محاسبة مرتكبي جرائم الحرب والفظائع الأخرى من قوات (الدعم السريع) والجيش السوداني، بما في ذلك من خلال تشديد العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على الأفراد والمؤسسات والكيانات الأخرى المسؤولة عن الانتهاكات».

قائد القوات المسلحة السودانية عبد الفتاح البرهان (رويترز)

حل داخلي

وفي كلمته باسم المملكة السعودية، أوضح نائب وزير الخارجية المهندس وليد بن عبد الكريم الخريجي، أن السبيل الوحيد لإنهاء هذه الأزمة والمعاناة المتفاقمة هو عبر حلّ سياسي داخلي (سوداني - سوداني) يحترم سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، ويُفضي إلى وقف لإطلاق النار للحفاظ على مقدرات هذا البلد ومؤسساته الوطنية من الانهيار.

وجدد المسؤول السعودي ترحيب بلاده بجميع الجهود الإقليمية والدولية الرامية لحل الأزمة، وعزمها مواصلة الجهود لرعاية المباحثات، من خلال منبر جدة، من أجل تقريب وجهات النظر بين الأطراف السودانية، لوقف إطلاق النار وعودة الحوار السياسي لتحقيق السلام والاستقرار في السودان. وشارك من السعودية أيضاً رئيس مركز الملك سلمان للإغاثة، عبد الله بن عبد العزيز الربيعي.

ومن جانبه، نبه الأمين العام المساعد للجامعة العربية حسام زكي، إلى أنه من غير توافر «الشروط السياسية والعسكرية لتحقيق وقف إطلاق نار شامل سيظل إنشاء منبر تفاوضي ناجح بين الأطراف السياسية أملاً صعب المنال»، مضيفاً أنه من غير هذه الشروط «ستتعمق معاناة الشعب السوداني وسيدخل السودان نفقاً سبقته إليه دول أخرى علت فيها مصالح أمراء الحرب وانتماءاتهم الجهوية والإثنية والقبلية على حساب الانتماء للدولة والمواطنة الرشيدة، لتصبح ساحة جذب لكل فكر متطرف أو أنشطة خارج القانون». بيد أن الدعوات الدولية استبقتها تصريحات لرئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، جاء فيها أنه لا سلم ولا مفاوضات مع وجود قوات «الدعم السريع»، مضيفاً أن «القوات المسلحة حلها واحد؛ دحر هذا التمرد، وهذا رأي الشعب السوداني، ونحن ننفذ تعليمات شعبنا العظيم».

المساعدات الإنسانية

تعكس تصريحات المديرة التنفيذية لـ«برنامج الأغذية العالمي» التابع للأمم المتحدة، سندي ماكين، الكارثة الإنسانية في السودان، إذ قالت على هامش أعمال المؤتمر في باريس، إن أزمة السودان هي «الأكبر والأقسى التي عرفها العالم إطلاقاً»، عادّة الوضع «كارثياً»، و«الجوع يعم في كل مكان»، وأنه «لو أعلنت حالة المجاعة، فإننا نكون قد تأخرنا كثيراً».

ومنذ بداية العام، طلبت الأمم المتحدة مساعدات إنسانية للسودان تبلغ 3.8 مليار يورو، لكن ما توفر منها حتى اليوم لا يزيد على 5 في المائة. وقبل انتهاء المؤتمر، أفاد مصدر دبلوماسي بأن المأمول أن يتعهد المانحون بتقديم «أكثر من مليار يورو»، ما يعني أن الاستجابة التامة لما طلبته الأمم المتحدة ما زالت بعيدة جداً. وتسعى المنظمة الدولية للحصول على 1.4 مليار دولار أخرى للمساعدات في البلدان المجاورة التي تؤوي مئات الآلاف من اللاجئين.


مقالات ذات صلة

الخرطوم تنفي مسؤولية الجيش عن «مجزرة أبيي»

شمال افريقيا قوات حفظ السلام الأممية (يونيسفا) في أثناء محاولات إطفاء النيران في سوق النعام بمنطقة أبيي (الأمم المتحدة - «فيسبوك»)

الخرطوم تنفي مسؤولية الجيش عن «مجزرة أبيي»

نفت الحكومة السودانية أي صلة للجيش بهجوم الطائرة المسّيرة الذي استهدف سوق النعام بمنطقة أبيي الحدودية مع دولة جنوب السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا سوق على الحدود بين السودان وجنوب السودان تعرّض لهجوم بطائرات مسيّرة (رويترز) p-circle

الأمم المتحدة تدين «الحصيلة المروعة» للهجمات بالمسيّرات في السودان

أدانت الأمم المتحدة، الجمعة، التصعيد الدامي في استخدام الطائرات المسيّرة في السودان خلال هذا الشهر، مشيرة إلى أنها وثقت مقتل أكثر من 300 شخص جراء هذه الهجمات.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)

الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

تحت وطأة الحرب وتفاقم الأزمات المعيشية، لم يعد مد الأيدي طلباً للمساعدة في شوارع السودان مشهداً عابراً، بل بات انعكاساً لمأساة إنسانية تتسع يوماً بعد يوم.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية) p-circle

إجماع دولي يؤكد «استحالة الحل العسكري» لحرب السودان

أكد اجتماع دولي حول أوضاع السودان «استحالة الحل العسكري» للحرب الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا قلق من تأثر حركة التجارة بين مصر والسودان بعد مقتل سائقين مصريين (أ.ف.ب)

آمال بعودة التدفق التجاري بين مصر والسودان بعد هدوء التوترات

قدّم رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان الفريق عبد الفتاح البرهان تطمينات بشأن أوضاع المصريين المقيمين بالسودان

أحمد جمال (القاهرة)

محادثات أنقرة تختبر فرص توحيد المؤسسة العسكرية في ليبيا

اجتماع سابق بين الزوبي وصدام حفتر بحضور وزير الدفاع التركي (وكالة أنباء الأناضول)
اجتماع سابق بين الزوبي وصدام حفتر بحضور وزير الدفاع التركي (وكالة أنباء الأناضول)
TT

محادثات أنقرة تختبر فرص توحيد المؤسسة العسكرية في ليبيا

اجتماع سابق بين الزوبي وصدام حفتر بحضور وزير الدفاع التركي (وكالة أنباء الأناضول)
اجتماع سابق بين الزوبي وصدام حفتر بحضور وزير الدفاع التركي (وكالة أنباء الأناضول)

تختبر المحادثات الجارية في أنقرة بين ممثلي القوتين العسكريتين الرئيستين في شرق ليبيا وغربها فرص «توحيد الجيش»، وسط أنباء عن تباينات بشأن «طبيعة الترتيبات المقترحة وحدودها، وخلافات داخل المجلس الرئاسي حول صلاحيات إدارة هذا الملف».

وتفتح المحادثات، التي بدأت (الجمعة) بين وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة»، عبدالسلام الزوبي، ونائب القائد العام للجيش الوطني الفريق صدام حفتر، مساراً جديداً في محاولات تجاوز الانقسام العسكري، وسط تحركات تركية لتقريب المؤسستين العسكريتين في الشرق والغرب، ومبادرة أميركية يقودها مستشار الرئيس دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، لإعادة ترتيب السلطة التنفيذية في البلاد.

المشير خليفة حفتر القائد العام للجيش الوطني (إعلام القيادة العامة)

ووسط تكتم رسمي بالغ عن فحوى اللقاء، تتحدث مصادر ليبية عن أن «المحادثات تركز على الجوانب الفنية والعسكرية المتعلقة بإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، وتطرح طبيعة المشاركين فيها وتوقيتها تساؤلات بشأن علاقتها بالمسار السياسي الأوسع، واحتمال أن تصبح التفاهمات العسكرية مدخلاً لإعادة توزيع النفوذ بين المعسكرين».

وبحسب تقارير محلية، فقد تناولت المحادثات التي جرت في العاصمة التركية، برعاية أنقرة، ترتيبات للتنسيق العسكري، من بينها إنشاء غرفة قيادة مشتركة تمثل الطرفين، وتشكيل قوة عسكرية مشتركة تبدأ مهامها في المنطقة الجنوبية.

كما تحدثت تقارير عن مقترحات أوسع لإعادة تنظيم القيادة العسكرية، وتوحيد بعض الهياكل الإدارية والمالية، من دون إعلان رسمي مشترك يؤكد الاتفاق على هذه الترتيبات أو اعتمادها نهائياً.

واكتفى صدام حفتر، في تصريح بالقول (الجمعة)، إن «ليبيا أكبر من خلافاتنا، وأعزّ من أن تبقى رهينة انقساماتنا».

المنفي وإردوغان في لقاء احتضنته نيويورك في سبتمبر الماضي (د.ب.أ)

وفي مؤشر على الرهان التركي على تحقيق تقدم في هذا الملف، اعتبر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، أن الظروف أصبحت مهيأة لتوحيد شرق ليبيا وغربها بصورة دائمة، وقال (الجمعة)، إن «الهياكل العسكرية في الجانبين ينبغي أن تندمج في جيش وطني موحد»، معرباً عن أمله في صدور إعلان بهذا الشأن في المستقبل القريب.

وكان الزوبي وصدام حفتر قد التقيا في مناسبات سابقة، برعاية تركية أو أميركية، من بينها لقاء في إسطنبول خلال مايو (أيار) الماضي، في سياق اتصالات تستهدف تقريب وجهات النظر بين القوى العسكرية المتنافسة.

وتسعى أنقرة، التي ترتبط بعلاقات عسكرية وسياسية وثيقة مع سلطات غرب ليبيا، إلى تعزيز قنوات التواصل مع معسكر الشرق أيضاً، بما يتيح لها لعب دور في تقريب وجهات النظر بين الطرفين، مع الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في ليبيا وشرق المتوسط.

ويأتي ذلك بعد أيام من مصادقة مجلس النواب الليبي على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا لعام 2019، في تطور يعزز أهمية العلاقات بين أنقرة والسلطات الموجودة في شرق ليبيا.

وفي تطور يعكس حساسية الملف داخل المؤسسات الليبية، وجَّه رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي (الجمعة)، بصفته القائد الأعلى للجيش، تعليمات إلى الزوبى ورئيس أركان قوات حكومة الوحدة صلاح النمروش بـ«عدم إبرام اتفاقات أو مذكرات تفاهم تتعلق بترتيبات توحيد المؤسسة العسكرية قبل الحصول على الاعتماد المسبق، مع التشديد على التنسيق مع اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)، وعرض المقترحات على وزير الدفاع أولاً».

وكشفت هذه الخطوة عن عمق الخلافات داخل المجلس الرئاسي نفسه، بعدما اعترض موسى الكوني، نائب المنفي، على مخاطبته للزوبي بصفته القائد الأعلى للجيش، مؤكداً أن «المراسلة لم تصدر بقرار جماعي من المجلس»، وأنها «جاءت دون استشارة أعضائه».

رئيس حكومة الوحدة الوطنية في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)

واستند الكوني في رسالته إلى الزوبي إلى أن الكتاب المتعلق بترتيبات توحيد المؤسسة العسكرية لم يتم عرضه على المجلس الرئاسي، ولم تصدر بشأنه موافقة جماعية، مؤكداً تأييده للجهود التي يبذلها الزوبي لتوحيد الجيش، وأهمية التنسيق مع اللجنة العسكرية المشتركة «5+5» والجهات المختصة.

ويكشف الخلاف عن التباين حول إدارة ملف توحيد المؤسسة العسكرية وحدود صلاحيات المنفي، في وقت يفترض فيه أن يشكل المجلس الرئاسي مظلة توافقية بين الأطراف الليبية.

ولا يبدو هذا التباين معزولاً عن خلافات أوسع بشأن إدارة الملفات السياسية والأمنية، ما يطرح تساؤلات حول قدرة المجلس الرئاسي على لعب دور في مسألة توحيد هذه المؤسسة.

وتتجاوز أهمية اجتماع أنقرة إمكانية التوصل إلى تفاهمات عسكرية محدودة، كونه يأتي في وقت تتواصل فيه الجهود الأميركية لإعادة ترتيب السلطة التنفيذية، وسط تحركات إقليمية تستهدف توسيع قنوات الاتصال بين الأطراف الليبية المتنافسة.

وطبقاً لمراقبين ليبيين، يمثل الاجتماع اختباراً بشأن إمكانية تحويل التنسيق بين الشرق والغرب إلى خطوة فعلية نحو توحيد المؤسسة العسكرية، ومدى ارتباط هذه الخطوة بالتفاهمات السياسية المطروحة بشأن مستقبل السلطة في ليبيا.

وتكمن المعضلة في أن توحيد الجيش لا يقتصر على التوصل إلى تفاهمات بين شخصيات عسكرية بارزة، بل يتطلب بناء مؤسسة تخضع لقواعد موحدة في القيادة والتمويل والمساءلة، وتحظى بقبول الأطراف المعنية لإنهاء الانقسام.

وقد تؤسس «جولة أنقرة» في حال نجاحها، بحسب مراقبين لـ«قيادة عسكرية موحدة تخضع لمرجعية مؤسسية واضحة، وتحسم قضية السلطة على الجيش».


الجزائر تدرس توسيع انخراطها العسكري في النيجر

الرئيس الجزائري مستقبلاً وفداً عسكرياً نيجرياً بقيادة وزير الدفاع في 21 أكتوبر الجاري (الرئاسة)
الرئيس الجزائري مستقبلاً وفداً عسكرياً نيجرياً بقيادة وزير الدفاع في 21 أكتوبر الجاري (الرئاسة)
TT

الجزائر تدرس توسيع انخراطها العسكري في النيجر

الرئيس الجزائري مستقبلاً وفداً عسكرياً نيجرياً بقيادة وزير الدفاع في 21 أكتوبر الجاري (الرئاسة)
الرئيس الجزائري مستقبلاً وفداً عسكرياً نيجرياً بقيادة وزير الدفاع في 21 أكتوبر الجاري (الرئاسة)

تتداول الأوساط السياسية والإعلامية في الجزائر، منذ الخميس، أنباء عن استعداد البرلمان الجزائري لمنح الرئيس عبد المجيد تبون تفويضاً، بوصفه وزير الدفاع، يسمح بإرسال وحدات من الجيش إلى النيجر، في إطار تحرك عسكري محتمل يستهدف مجموعات مسلحة، يُشتبه في سعيها إلى الإطاحة برئيس البلاد عبد الرحمن تياني، بما قد يشكله ذلك من تهديد للأمن القومي الجزائري، في ظل الحدود الممتدة لآلاف الكيلومترات، التي تربط الجزائر بجيرانها في منطقة الساحل.

تلقّى أعضاء «المجلس الشعبي الوطني»، (الغرفة البرلمانية السفلى)، في 22 من الشهر الحالي، رسالة تدعوهم إلى حضور دورة استثنائية مقررة غداً (الأحد)، الساعة العاشرة صباحاً. ولم يتضمن الاستدعاء أي جدول أعمال. كما تلقّى أعضاء «مجلس الأمة»، (غرفة البرلمان العليا)، الاستدعاء نفسه، لعقد اجتماع بعد ظهر اليوم ذاته، من دون توضيح سبب الاجتماع.

وحسب مصادر برلمانية، سيخصَّص الاجتماعان لمنح الجيش تفويضاً يسمح له بالتدخل خارج الأراضي الجزائرية، تطبيقاً للفقرة الثانية من المادة 91 من الدستور الجزائري، التي تنص على أن رئيس الجمهورية يملك صلاحية اتخاذ قرار «إرسال وحدات الجيش الوطني الشعبي إلى الخارج، بعد موافقة أغلبية ثلثي أعضاء كل غرفة من غرفتي البرلمان».

رئيس النيجر مصافحاً نظيره الجزائري منتصف فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

ترتيبات الحسم العسكري

تشير جميع المعطيات، وفقاً مصادر سياسية، إلى احتمال تنفيذ ضربات جوية دقيقة خلال الأيام المقبلة، بواسطة سلاح الجو الجزائري، تستهدف مصالح أجنبية في النيجر، أو جماعات يُزعم أن أطرافاً أجنبية تموّلها. ويأتي ذلك في وقت تمتلك فيه الجزائر بالفعل قوة عسكرية في نيامي، منذ أغسطس (آب) الماضي، حيث أرسلت قوة إلى الجارة الجنوبية لصد محاولة انقلاب ضد الرئيس عبد الرحمن تشياني.

ويزداد هذا الاحتمال ترجيحاً، وفق المصادر نفسها، بالنظر إلى الزيارتين اللتين قادتا وزير الدفاع النيجري ساليفو ماودي إلى الجزائر. الأولى كانت في 13 من الشهر الجاري، والثانية الأربعاء الماضي، حيث استقبله الرئيس تبون، كما أجرى مباحثات مع رئيس أركان الجيش الفريق أول سعيد شنقريحة، الذي صرح بأن جيش بلاده «مستعد لدراسة أي مقترح نيجري، من شأنه تعزيز التعاون العسكري والأمني، خدمة لمصالح بلدينا العليا».

انتشار الجيش الجزائري بالقرب من الحدود مع النيجر (صحف جزائرية)

من جهته، أشاد وزير دفاع النيجر بـ«مستوى التنسيق متعدد الأبعاد بين جيشي البلدين الشقيقين». وتوجت زيارته باتفاق «يؤطر مجال التعاون العسكري بين البلدين»، حسب بيان لوزارة الدفاع الجزائرية، دون تقديم أي تفاصيل.

وقبيل هذه الزيارة بيوم واحد، كان الرئيس عبد المجيد تبون قد عقد اجتماعاً للمجلس الأعلى للأمن حضره كبار المسؤولين الحكوميين، من دون أن تكشف رئاسة الجمهورية عن مضمونه.

وحول موضوع التئام غرفتي البرلمان في جلستين، كتب المتحدث باسم وزارة الخارجية الجزائرية، السفير عمار بلاني، منشوراً على حسابه في الإعلام الاجتماعي، السبت، قال فيه: «إذا كانت الجلستان البرلمانيتان ستُخصّصان للموافقة على تدخل عسكري خارج الحدود، فإن ذلك قد يفتح المجال أمام وجود جزائري أكثر تنظيماً ووضوحاً في النيجر. ومن شأن قرار كهذا أن يعكس تصوراً أوسع للأمن القومي، إذ لن تعود حماية الحدود وحدها كافية إذا كان سقوط دولة مجاورة قد يعرّض المصالح الوطنية، والبنى التحتية للطاقة والشراكات الاقتصادية والنفوذ الإقليمي، للخطر».

وأكد بلاني أن النيجر «قد تتحول في هذه الحالة إلى شريك ذي أولوية في إطار تعاون عسكري معزّز، من دون أن يعني ذلك، بطبيعة الحال، إقامة دائمة للقوات الجزائرية على أراضي هذا البلد».

خيارات الردع

يذهب عبد المنعم بن حمدة، قيادي الحزب الإسلامي حركة مجتمع السلم، بعيداً في التحليل، إذ ذكر في منشور أن «بعض المعطيات تشير إلى احتمال منح النيجر الجزائر حق استخدام قاعدة ماداما العسكرية، التي سبق أن استخدمتها القوات الفرنسية منذ عام 2014، قبل انسحابها منها في يوليو (تموز) 2019).

طائرة تابعة لسلاح الجو الجزائري (وزارة الدفاع)

ووفق بن حمدة: «تقع القاعدة في منطقة استراتيجية حساسة شمال النيجر، على بُعد نحو 95 كيلومتراً بخط مستقيم من أقرب نقطة على الحدود الليبية، بالقرب من المجال الصحراوي المتصل بفزّان والعمق الاستراتيجي للجنوب الليبي، فضلاً عن موقعها الذي يتيح الإشراف على نطاق جغرافي قريب من الحدود التشادية».

وتأتي هذه التطورات امتداداً منطقياً لتصريحات أدلى بها عبد المجيد تبون مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، حين أشار إلى أن الجزائر «سترد من الآن فصاعداً على محاولات زعزعة استقرار أحد بلدان المنطقة، ولن يقتصر ردها على الكلام».

كواليس «سوخوي 30»

ظهرت إحدى أولى الإشارات إلى هذا التوجه الجديد في أواخر أغسطس (آب) الماضي، مع إرسال أربع طائرات مقاتلة من طراز «سوخوي 30-إس» إلى نيامي، مرفقة بكامل التجهيزات والتسليح اللازمين لإحباط محاولة للإطاحة بالسلطة الحاكمة في النيجر. وقد اعتبرت السلطات الجزائرية تلك المحاولة تحدياً للجزائر، التي كانت قد استقبلت رئيس الوزراء النيجري محمد لمين زينه، قبل ذلك.

رئيس الجزائر مع وزير دفاع النيجر (الرئاسة)

وصرح الرئيس تبون بهذا الخصوص، خلال مقابلة بثها التلفزيون العمومي مطلع أكتوبر: «كان رئيس الوزراء النيجري موجوداً في الجزائر، وفي الوقت نفسه كانت هناك محاولة انقلاب جارية في النيجر. ماذا يعني هذا؟ هل هو استفزاز للجزائر؟ وأنا أيضاً سأرسل طائرات، وسأقف في مواجهتكم نداً لند، لأن هناك من لم يعد يعرف حدود اللياقة والاحترام».

واستُشفّ من تصريحاته أن جهة خارجية قد تكون وراء محاولة الانقلاب في النيجر، في إطار ما يراه استهدافاً مزدوجاً، يتمثل في الإطاحة بالرئيس عبد الرحمن تياني، الذي تربطه بالجزائر علاقات وثيقة ويُنظر إليه على أنه حليف لها، والعمل في الوقت ذاته على زعزعة الاستقرار داخل الجزائر، بالنظر إلى الحدود الطويلة التي تجمع البلدين.

رئيس أركان الجيش الجزائري في لقاء سابق مع وزير الدفاع النيجري (وزارة الدفاع الجزائرية)

غير أن الرئيس الجزائري لم يكشف عن هوية الجهة، التي ألمح إلى احتمال تورطها في هذه المحاولة، التي تأتي في سياق أمني مضطرب تعيشه النيجر، البلد الذي شهد محاولات انقلابية سابقة، ويصنف ضمن أفقر دول العالم.


تضخم إنفاق حكومتي ليبيا يفاقم الضغوط على «المصرف المركزي»

واجهة المصرف المركزي بطرابلس (رويترز)
واجهة المصرف المركزي بطرابلس (رويترز)
TT

تضخم إنفاق حكومتي ليبيا يفاقم الضغوط على «المصرف المركزي»

واجهة المصرف المركزي بطرابلس (رويترز)
واجهة المصرف المركزي بطرابلس (رويترز)

لا يبدو أن تغيير قيادة مصرف ليبيا المركزي بات كافياً لإنهاء الضغوط، التي تلاحق إدارته بسبب تضخم الإنفاق الحكومي، وفق خبراء رأوا في ذلك «انعكاساً لوضع متأزم في بلد يعاني انقساماً سياسياً وحكومياً منذ أكثر من عقد، وتتنازع فيه سلطات الشرق والغرب إدارة الموارد العامة، وتحديد أولويات صرفها».

فمن ناجي عيسى، محافظ المركزي، الذي قُبلت استقالته من قبل مجلس النواب، الأسبوع الماضي، إلى سلفه الصديق الكبير الذي غادر منصبه قبل عامين، كان القاسم المشترك هو شكاوى القائمين على المصرف من ضغوط اتساع النفقات الحكومية، وتأثيرها في الاستقرار النقدي والمالي، في وقت تتواصل فيه المطالب بتمويل زيادات في الرواتب، ونفقات حكومية لا تتناسب بالضرورة مع الإيرادات المتاحة.

محافظ مصرف ليبيا المركزي السابق ناجي عيسى خلال مشاركته في اجتماع محافظي المجموعة الأفريقية في تايلاند الشهر الحالي (صفحة المصرف)

وفي مؤشر على المخاطر التي يثيرها استمرار الإنفاق المتزايد، أعادت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا التأكيد على «ضرورة الحفاظ على استقلالية مصرف ليبيا المركزي»، وذلك في بيان، مساء الجمعة، تعليقاً على قبول استقالة ناجي عيسى، وتكليف فوزي بوخزام بقيادة «المصرف».

وذهبت البعثة الأممية إلى التحذير من أن «استمرار الضغوط الرامية إلى تمويل الإنفاق العام المتزايد قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على سعر الصرف، وتأجيج التضخم، وتسريع استنزاف الاحتياطيات، بما يفاقم الأوضاع الاقتصادية، ويرفع احتمالات الاضطرابات الاجتماعية».

* سوء تسيير

بحسب الخبير الاقتصادي خالد الزنتوتي، فإن تضخم الإنفاق الحكومي يعكس «سوء الإدارة والتنافس على اقتسام الغنيمة بين مختلف الأطراف»، في ظل الانقسام السياسي والصراع على السلطة والموارد.

وبحسب الزنتوتي، الرئيس السابق لشركة «الاستثمارات الخارجية والمحفظة طويلة المدى» (حكومية)، فإن المحافظ الجديد للمصرف المركزي سيواجه المعضلة نفسها ما دام الانقسام مستمراً، مرجحاً أن «تقود محاولات الإصلاح إلى مواجهة مع القوى المستفيدة من الوضع القائم، بما قد يعرّض المحافظ لضغوط تنتهي باستقالته، أو إقالته إذا رفض مسايرة السياسات الإنفاقية للحكومتين».

محافظ المصرف المركزي الليبي المكلف من مجلس النواب فوزي بوخزام (صفحات ليبية)

وتكشف البيانات الرسمية عن اتساع فاتورة الإنفاق العام، فقد بلغ إجمالي الإنفاق المعلن خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 نحو 88.6 مليار دينار، مقابل 86.3 مليار دينار خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وذلك بزيادة تقارب 2.4 مليار دينار.

(السعر الرسمي للدولار نحو 6.40 دينار، و10.06 دينار في السوق السوداء).

وبموازاة ذلك، بلغ الإنفاق الموازي للحكومتين نحو 69 مليار دينار، أو ما يعادل 10.9 مليار دولار، خلال الفترة الممتدة من بداية العام حتى نهاية يوليو (تموز) الماضي، وفق أرقام رسمية.

والملاحظ أن قضية تضخم الإنفاق الحكومي كانت حاضرة في الخلافات، التي سبقت مغادرة عيسى منصبه. ووفق مصادر مقربة منه سبق أن تحدثت إلى «الشرق الأوسط»، فقد اشترط المحافظ السابق قبل نحو شهرين للعدول عن استقالته، وقف قرارات الزيادات الأخيرة في الرواتب التي أقرتها جهات حكومية، بسبب عدم تناسبها مع الإيرادات العامة، وما تفرضه من أعباء إضافية على المالية العامة.

ويبدو أن الاتفاق المالي الموحد، الذي وُقّع في أبريل (نيسان) 2026 برعاية أميركية، لم يكن كافياً حتى الآن لتبديد تلك الاعتراضات. وبحسب المصادر نفسها، كان التباطؤ في تنفيذ الاتفاق أحد مصادر شكوى عيسى، وأسباب تقديم استقالته.

* ورطة الإفراط في الإنفاق

يرى الخبير الاقتصادي عبد الحميد الفضيل أن مشاورات ناجي عيسى مع صندوق النقد الدولي، في وقت سابق من الشهر الحالي قبيل استقالته، كشفت عن «حقائق صادمة بشأن التوسع المفرط في الإنفاق العام من جانب الحكومتين». وأشار إلى أن المشاورات عكست غياب أفق قريب لتوحيد الإنفاق، بالتزامن مع تراجع إيرادات النفط بفعل تضخم فاتورة المحروقات، وتصدير النفط خارج القنوات الرسمية، وعدم امتثال بعض المصارف التجارية لتعليمات المصرف المركزي، فضلاً عن تراجع استقلالية المؤسسة النقدية.

ورأى الفضيل في منشور عبر «فيسبوك» أن هذه المعطيات تضع المصرف المركزي أمام قدرة محدودة للغاية على كبح استنزاف الاحتياطيات، في ظل ضغوط يمارسها نافذون في شرق البلاد وغربها للحصول على مزيد من الأموال خارج الأطر الرسمية، وبمستويات تتجاوز بكثير قدرة الاقتصاد الليبي على استيعابها.

محافظ المصرف المركزي الليبي الأسبق الصديق الكبير خلال مشاركته في أحد لقاءات تجمع سياسي بطرابلس في يوليو الماضي (تجمع الرؤية الوطنية)

وللتذكير، فإن شكاوى تضخم الإنفاق الحكومي لم تقتصر على عيسى؛ إذ سبق أن اعترض المحافظ الأسبق الصديق الكبير في فبراير (شباط) 2024 على تضخم النفقات الحكومية، مشيراً في خطابات إلى رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة إلى بلوغها 420 مليار دينار خلال 3 سنوات.

وقبل أشهر من مغادرة منصبه، كشف الكبير أن معظم الإنفاق وُجّه إلى الاستهلاك على حساب التنمية، محذراً من تفاقم العجز إذا استمرت السياسات المالية نفسها. وتزامنت تحذيراته مع تداول الدينار عند 7.26 دينار للدولار في السوق الموازية، مقابل 4.77 دينار رسمياً، بينما كان ينظر إليه حينها على أنه قفزة في أسعار الصرف.

ويرى الزنتوتي أن المحافظ الجديد سيكون أمام خيارين: أولهما القبول بالواقع القائم، بما قد يتيح له البقاء في منصبه سنوات طويلة، «إلى أن تفلس الدولة»، والثاني محاولة إصلاح السياسات المالية، وتحمل تبعات الاصطدام بالأطراف المستفيدة من استمرارها، موضحاً أن الأزمة مرشحة للاستمرار في المدى القريب حتى في حال توحيد الحكومتين.