المبعوث الأميركي الخاص لـ«الشرق الأوسط»: أرى طريقاً إلى الأمام في السودان

توم بيريللو: المواطنون لا يريدون رؤية المتطرفين ومسؤولي النظام القديم الفاسدين يعودون إلى الحكم

TT

المبعوث الأميركي الخاص لـ«الشرق الأوسط»: أرى طريقاً إلى الأمام في السودان

 المبعوث الأميركي الخاص إلى السودان، توم بيريللو (الشرق الأوسط)
المبعوث الأميركي الخاص إلى السودان، توم بيريللو (الشرق الأوسط)

حذّر المبعوث الأميركي الخاص إلى السودان، توم بيريللو، من خطورة الحرب السودانية، داعياً إلى ضرورة حل الأزمة سريعاً قبل تحولها إلى «حرب إقليمية». ورجّح بيريللو، في مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط»، أن تبدأ محادثات جدة قريباً من دون تحديد التاريخ، مشيراً إلى وجود مفاوضات غير رسمية جارية في الوقت الحالي.

وحثّ بيريللو «اللاعبين الخارجين» على أن يكونوا شركاء في تحقيق السلام في السودان، مشدداً على أنه يحظى بتعاون من أعلى المستويات في البيت الأبيض ووزارة الخارجية، لكنه لا يستطيع «تحقيق الهدف بمفرده من دون تعاون الآخرين». وأوضح أن ما يجري يشكل مشكلة استراتيجية، تتمثل في «وجود بلد يتمتع بموقع رئيسي في الساحل، لكنه ينزلق نحو ما هو ليس مجرد حرب أهلية، بل حرب متعددة الأطراف تجر جيران السودان. فما نراه هو تحول النزاع إلى صراع إقليمي بشكل متزايد، وهذا يعد كارثة للجميع».

وأكد المبعوث الخاص الأميركي أنه يحصل على تعاون من أعلى المستويات في البيت الأبيض ومن وزارة الخارجية للقيام بمهامه. وفيما يلي نص اللقاء كاملاً...

إرادة سياسية

* هل ترى نوراً في نهاية الأفق في السودان؟

- نعم، أرى طريقاً إلى الأمام في السودان، لقد رأيت صراعات سابقة اعتبر البعض أنه ليس لديها أمل، ثم شهدنا انفراجات كبيرة، بما في ذلك أول اتفاقية سلام عملتُ عليها في سيراليون. أرى في الواقع طريقاً للأمام في السودان، إنها مسألة إرادة سياسية. الحقيقة أن الشعب السوداني موحد إلى حد كبير حول ما يريده، إنهم منقسمون بشأن القضايا السياسية، وهذا أمر طبيعي في أي مكان، ليس من المفترض أن يكون عليه إجماع، لكن هناك إجماعاً عميقاً على الأسئلة الجوهرية التي لها صلة بهذه القضايا.

وأعتقد أن هناك مصلحة مشتركة، أو ينبغي أن تكون هناك مصلحة مشتركة، لكل اللاعبين في المنطقة، بأن الجميع يمكن أن يستفيد من سودان مستقر تحت انتقال ديمقراطي شامل، والجميع يخسر في المسار الذي نحن عليه الآن. لذا يجب أن نكون قادرين على الاصطفاف من أجل الوصول إلى اتفاق. وهذا ليس مجرد سؤال عما إذا كنا سنفعل ذلك، بل ما إذا كنا نفعله بسرعة كافية، لأن الوقت ليس لصالحنا، ونحن نتصرف بسرعة ليست دائماً في طبيعة الدبلوماسيين والدبلوماسية.

وربما ننتهي بكوننا غير دبلوماسيين بعض الشيء، إذ إننا ندفع ونلوي الأذرع قليلاً للوصول إلى تلك النقطة. لكن ما رأيته في أشهري القليلة في الوظيفة هو أن هناك فهماً متزايداً بأن هذا وضع يخرج عن السيطرة، ولا أحد سيستفيد من ذلك السيناريو، وهذا ما يمنحني بعض الأمل. والأهم من ذلك، أنا متفائل لأن الشعب السوداني كان مرناً خلال أوضاع مروعة في السابق، وهو لا يتخلى عن طموحه لمستقبل أكثر إشراقاً. وأرى ذلك كلما التقيت بالسودانيين، خاصة النساء والشباب الذين يأتون بأشياء مثل غرف الاستجابة للطوارئ، ويجدون طرقاً للحصول على تطبيقات دفع نقدي وأشياء أخرى. وهم ببساطة على دراية رقمية هائلة، كما أنهم مخلصون جداً لبلدهم، ولم يتخلوا عن ذلك المستقبل الذي يعتقدون أنهم يستحقونه. وطالما أنهم لم يستسلموا، نحن لن نستسلم وأعتقد أنه يمكننا العثور على مسار للحل.

ضرورة الحل العاجل

* بعد عام من بدء الحرب في السودان، لا تبدو هناك انفراجة في جهود وقف إطلاق النار أو حتى تسليم المساعدات الإنسانية، فما هي خطتكم؟

- هناك قدر كبير من الشعور بضرورة الاستعجال في حل الأزمة التي تتحول بسرعة من سيئ إلى أسوأ من حيث مستوى العنف على الأرض. الولايات المتحدة هي أكبر المانحين في المساعدات الإنسانية، ونأمل أن نتمكن من جمع مزيد من الأموال في مؤتمر المانحين في باريس. كما أننا بحاجة إلى إيصالها، ونحن نضغط على جانبي النزاع للسماح بذلك، حتى مخيمات اللاجئين في مناطق مثل تشاد، ليس لدينا تمويل كافٍ، وذلك لأن العالم لم يسمح لهذه الأزمة بالاستمرار فحسب، بل بالاستمرار بخفاء تام تقريباً. نحن ندفع باتجاه استئناف محادثات السلام في جدة لكي تكون شاملة لكل من الشركاء الأفارقة ودول الخليج الذين هم مفتاح المساعدة. ونحن بحاجة إلى أن تنتهي هذه الحرب، ومن الواضح أننا لم نضغط بما فيه الكفاية على الفاعلين لإنهاء هذا الوضع، وسنحتاج إلى القيام بذلك، بالتعاون مع الآخرين في المنطقة.

عقوبات على الفاعلين

* تتحدث عن الضغط، ماذا يعني هذا بالنسبة للولايات المتحدة؟ أيعني مزيداً من العقوبات؟

- كما تعلمون، لقد بدأنا بفرض عقوبات على الفاعلين من طرفي النزاع المسلح، سواء الأفراد أو البنوك والمؤسسات الأخرى التي تدعم الحرب والفظائع، ونحن نأمل أن ينضم إلينا آخرون في توسيع نطاق تلك العقوبات الحكومية. وأعتقد أنه يجب أيضاً حثّ البعض على الاستماع إلى المنطق، حتى إن لم يكن الحافز هو رؤية هذه المعاملة الفظيعة للنساء والأطفال، فما يجري يشكل مشكلة استراتيجية أيضاً، بمعنى وجود بلد يتمتع بموقع رئيسي في الساحل، لكنه ينزلق نحو ما هو ليس مجرد حرب أهلية فحسب، بل حرب متعددة الأطراف، تجر جيرانه. لقد رأينا هذا من قبل، ولا أحد يربح في ذلك السيناريو. لذا، نحتاج إلى أن تسود العقول الهادئة الآن، ونحتاج إلى مزيد من شركاء السلام.

ممثلون لطرفَي النزاع السوداني خلال توقيع اتفاق جدة في مايو 2023 (رويترز)

* قلت في السابق إن محادثات جدة ستبدأ نحو يوم 18 من الشهر الحالي، هل ما زلت تعتقد ذلك؟

- نحن نؤمن بأن المحادثات ستبدأ، لكننا لم نحصل بعد على تاريخ من الجانب السعودي، لكنّ لدينا التزاماً بإعادة بدء المحادثات، وفي الأثناء نحن لا ننتظر بدء تلك المحادثات، بل نتفاوض كل يوم. ترون ذلك في تنقلاتي حول المنطقة، وترونه أيضاً في الدور المتزايد لـ«الأمم المتحدة» و«الاتحاد الأفريقي». المفاوضات جارية الآن، ويجب على الناس أن يعرفوا ذلك. نحن نسعى إلى إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن. الشعب السوداني لا يستطيع تحمل تكلفة الانتظار، وبالتأكيد نعتقد أن المحادثات الرسمية جزء مهم من هذه المساعي.

* لكن الخارجية السودانية تقول لا أحد تواصل معها في شأن عقد المحادثات، فهل تواصلتم معها؟

- نحن نتطلع إلى إرسال الدعوات، وإلى إجراء الاتصال، بمجرد أن يعطينا الجانب السعودي تاريخاً للمضي قدماً، ونعتقد أنه كلما كان ذلك أسرع كان أفضل. ربما نرى بعض الأخبار بالتزامن مع الذكرى السنوية الأولى لبدء الحرب، لكننا نعلم أيضاً أن هناك بعض التوقف بمناسبة عيد الفطر، رغم أن القتال لم يتوقف، بل شهدنا تصعيداً دراماتيكياً للقتال، خاصة حول مدينة الفاشر، ما خلق بيئة رهيبة للمدنيين، ووصول مساعدات إنسانية أقل. لذا في هذا السياق، نحتاج إلى استعجال أكبر في التحرك نحو إبرام اتفاق ما.

ننحاز للشعب فقط

* سمعت من بعض المسؤولين السابقين اقتراحات بأن واشنطن تقف مع طرف في النزاع دون الآخر، ما رأيك بهذا الطرح؟

- نحن بالفعل نقف مع طرف محدد، وهو الشعب السوداني الذي هو واضح جداً إزاء ما يريد... فهو يريد إنهاء الحرب، ويريد رؤية جيش موّحد ومحترف، ويرغب أيضاً في العودة إلى الانتقال الدستوري، الذي كان لدى الشعب السوداني شجاعة وإلهام كبيران في إحيائه قبل 5 سنوات. السودانيون لا يريدون رؤية المتطرفين ومسؤولي النظام القديم الفاسدين يعودون «إلى الحكم». كما أن هناك توافقاً كبيراً في الرأي بين شعب السودان والولايات المتحدة التي تقف إلى جانبه. وسوف نعمل مع أي طرف في هذا الصراع يوافق على الالتزام بمسار يريده شعب السودان، ونحن نعتقد أن هذا هو المحور الأهم في هذه المحادثات، بل في أي اتفاق سلام.

* هناك كثير من اللاعبين الخارجيين الذين يشاركون اليوم في النزاع، من إيران إلى أوكرانيا، هل يمكنك تأكيد هذه التقارير؟ وهل تقلقك؟

- رأينا تقارير بهذا الشأن (حول أوكرانيا)، ونحن نرى كذلك مزيداً من التقارير حول قدوم مقاتلين أجانب إلى جانب «قوات الدعم السريع» من الغرب عبر الساحل. ما نراه هو تحول الصراع إلى صراع إقليمي بشكل متزايد، وهذا يعد كارثة، ليس للسودان فقط، لكن بصراحة لجميع اللاعبين الإقليميين. وينبغي أن يكون هذا نداء صارخ للدول المجاورة بأن هذا الوضع يجب أن يتوقف قبل أن نشهد شيئاً يشبه حرباً إقليمية. ولا يزال هناك وقت لفعل ذلك، وما نحتاجه هو أن يتوقف اللاعبون الخارجيون عن تغذية الحرب، نحتاج منهم أن يكونوا شركاء في السلام وأن يقفوا مع ما يريده الشعب السوداني.

* وماذا تفعل الولايات المتحدة في هذا الخصوص؟

- نحن نتصرف كل يوم، ونقوم بذلك من خلال زيارات دبلوماسية مكوكية. رأينا عدة مبادرات أعتقد أنها لعبت دوراً إيجابياً. أعتقد أنه قبل بضعة أشهر، كان هناك البعض - ممن لا أوافقهم الرأي - ظنوا أن جانباً في الصراع المسلح قد يتمكن من تحقيق النصر، وهذا الاعتقاد يصعّب الوصول إلى طاولة المفاوضات. لكني لا أعتقد أن أي شخص ذي مصداقية يرى أن هذا سيحدث الآن. وما نراه هو جمود يمتد، مع وجود مزيد من اللاعبين الخارجيين الذين يدخلون إلى البلاد، وهذه وصفة كارثية لجميع الأطراف، لأن الحقيقة أن الجميع سيستفيد من سودان مستقر يعود إلى المسار الذي كان عليه قبل بضع سنوات، وهذا يشمل التفكير في إنشاء جيش موّحد محترف، باعتباره جزءاً مهماً من مؤسسة الدولة في المستقبل.

جانب من الدمار الذي سببته الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» في دارفور (أ.ف.ب)

تعاون من أعلى المستويات

* لنتطرق إلى تعيينك في منصبك كمبعوث خاص، حظي بردود فعل مرحبة، لكن البعض انتقده خاصة في الكونغرس، لأنه لم يكن تعييناً رئاسياً. يقولون إنك لا تملك خط تواصل مباشر مع وزير الخارجية، صحيح؟

- سألتقي بوزير الخارجية قريباً، أعتقد أن هذه المخاوف تلاشت اليوم، عبر رؤية حجم العمل الذي نقوم به. نحن نحصل على تعاون من أعلى المستويات في البيت الأبيض ومن وزارة الخارجية، فهناك اهتمام بهذا الملف، بالإضافة إلى مرافق أخرى في الإدارة الأميركية. على سبيل المثال، اتخذت السفيرة ليندا توماس غرينفيلد دوراً قيادياً مهماً في «الأمم المتحدة» وتعمل معنا ومع الوكالة الأميركية للتنمية الدولية. هذه مقاربة شاملة من الحكومة الأميركية، وأنا كمبعوث خاص وظيفتي تقضي تنسيق وقيادة هذه الجهود الاستراتيجية باسم الرئيس بايدن ووزير الخارجية بلينكن. وأعتقد أنكم ترون دوراً هائلاً من قيادة الولايات المتحدة، لكننا لا نستطيع أن نفعل ذلك بمفردنا، ونحتاج أن نرى اللاعبين الرئيسيين في الداخل وفي المنطقة ينضمون إلينا بنفس حسّ الإلحاح لنصل إلى ذلك الاتفاق، وتسليم الشعب السوداني مستقبله.

* هل سنرى تعيين سفير إلى السودان قريباً؟

- سفارتنا ليست مفتوحة في الخرطوم كما تعلمون، نحن في الواقع على تواصل مع الحكومة، والوزارات ذات الصلة بشأن هذه العملية لديها بروتوكول خاص. في الوقت الحالي يتوزع فريقنا في أجزاء مختلفة من المنطقة، وسنواصل محاولة التعرف على أفضل طريقة لإدارة الوضع، بما في ذلك من خلال موظفينا المحليين الذين يبقى بعضهم في البلاد، وواجباتنا القنصلية وعوامل أخرى مرتبطة بذلك.

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان أيام تحالفهما (أرشيفية)

فوائد الاتفاق

* يقول البعض إن طرفي النزاع في السودان اليوم هم عسكريون، والعسكر غير مدرب على التفاوض، بل على الفوز في القتال، ما هي استراتيجيتك في هذا الشأن؟

- أملنا هنا هو أننا قد نتمكن من تغيير العقلية القائلة إن عدم الفوز يعني الخسارة. وأحياناً، من الأسهل فعلياً جعل الناس يرون فوائد الاتفاق أولاً بدلاً من فوائد المحادثة. لذلك، نحن بحاجة إلى إجراء محادثات رسمية، لكني أعتقد أيضاً أنه عندما نتحدث عن النتيجة في المستقبل سيكون لدينا شيء يرى الجميع أنه يفيدهم في السودان. لكن، هذا صعب، عندما يكون الناس في حالة الحرب، لأن عداوتهم تكون في أوجها. ولهذا السبب، نعتقد أن الأمر لا يتعلق بجعل الطرفين المتحاربين يتباحثان بعضهما مع بعض، بل يتعلق قبل كل شيء بتركيز اهتمامنا على الشعب السوداني وما يريده. يجب أن يكون السودانيون هم من يحدد المستقبل، ومن ثم العمل مع اللاعبين الخارجيين لضمان أن لدينا ضغطاً دبلوماسياً كافياً لدعم الخطة التي يريدها الشعب السوداني.


مقالات ذات صلة

انفجار غامض يهز الخرطوم قرب مقر قيادة الجيش والمطار

شمال افريقيا الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)

انفجار غامض يهز الخرطوم قرب مقر قيادة الجيش والمطار

هز انفجار عنيف وسط العاصمة الخرطوم، ارتجت له حوائط المنازل في عدد من أحياء المدينة، وسُمع صوته المرعب في مناطق بعيدة، بينما تباينت المعلومات حول تحديد نوعه.

أحمد يونس (كمبالا)
الخليج صورة متداولة للدمار الذي لحق بمستشفى الجبلين في ولاية النيل الأبيض جراء القصف بطائرة مسيّرة

السعودية تدين استهداف مستشفى الجبلين في السودان

أعربت وزارة الخارجية السعودية عن إدانة المملكة واستنكارها استهداف «قوات الدعم السريع» لمستشفى مدينة الجبلين بولاية النيل الأبيض في السودان، مما أسفر عن سقوط…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا عناصر تابعون لـ«الدعم السريع» (فيسبوك)

قتلى في غارتين تهزان مستشفى بوسط السودان وإدانات واسعة

توالت ردود الفعل المنددة بالغارة التي استهدفت مستشفى مدينة الجبلين بولاية النيل الأبيض، وأسفرت عن مقتل 7 أشخاص، وإصابة 11 آخرين.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا القيادي في تحالف «تأسيس» أسامة حسن الذي اغتيل خلال غارة على منزله بمدينة نيالا (تحالف «تأسيس»)

رئيس حكومة «تأسيس» يحمّل الحركة الإسلامية السودانية المسؤولية عن الاغتيالات السياسية

حمّل رئيس حكومة «تأسيس» المدعومة من قوات «الدعم السريع»، محمد الحسن التعايشي، الحركة الإسلامية مسؤولية إدخال الاغتيالات السياسية إلى البلاد

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات سابقة في الخرطوم (أ.ف.ب)

حكومة «الدعم السريع» تعلن «امتحانات الثانوية» في مناطقها

في خطوة عدّها البعض تُكرس تقسيم السودان إلى دولتين، أعلنت حكومة «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» إجراء امتحانات الشهادة الثانوية في مناطقها.

وجدان طلحة (الخرطوم)

انفجار غامض يهز الخرطوم قرب مقر قيادة الجيش والمطار

الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)
الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)
TT

انفجار غامض يهز الخرطوم قرب مقر قيادة الجيش والمطار

الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)
الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)

هزّ انفجار عنيف، ليل الجمعة، وسط العاصمة السودانية الخرطوم، وأثار حالة من الذعر والترقب بين السكان، بعدما ارتجّت على أثره حوائط المنازل في عدد من الأحياء، فيما سُمع دويه في مناطق بعيدة داخل ولاية الخرطوم وخارجها.

ووقع الانفجار في ضاحية «البراري» القريبة من مبنى القيادة العامة للجيش، ومطار الخرطوم الدولي، في وقت متأخر من ليل الجمعة، وفقاً لشهود عيان، قالوا إن جسماً مجهولاً انفجر داخل المنطقة، مخلفاً ألسنة لهب كثيفة وسحابة من الدخان، إلى جانب حفرة عميقة في موقع الحادث.

وقال سكان إن صوت الانفجار سُمع في أنحاء واسعة من ولاية الخرطوم، ووصل كذلك إلى أطراف ولاية الجزيرة المجاورة، الأمر الذي أثار تكهنات واسعة بشأن طبيعته، في ظل وقوعه بالقرب من مواقع استراتيجية وحساسة.

روايات متضاربة

وتباينت الروايات الرسمية والفنية بشأن سبب الانفجار. ففي حين أعلنت الشرطة أن الحادث نجم عن انفجار «لغم أرضي» من مخلفات الحرب، أشعل مواطنون النار بالقرب منه أثناء حرق نفايات، نفى المركز القومي لمكافحة الألغام أن يكون الجسم المتفجر لغماً أرضياً. فيما رجحت مصادر أخرى أن ما حدث كان بسبب هجوم بمسيّرة كانت تستهدف القيادة العامة أو المطار، وتم التشويش عليها فأخطأت الهدف.

وقالت الشرطة، في بيان، إن عدداً من المواطنين أشعلوا النيران لحرق النفايات في الموقع، ما أدى إلى انفجار جسم مدفون تحت الأرض، بالقرب من القيادة العامة ومطار الخرطوم.

لكن المركز القومي لمكافحة الألغام رجّح، في تقرير فني، أن يكون الجسم المتفجر عبارة عن مقذوف مدفعي من عيار 130 أو 155 ملليمتراً، أو صاروخ تابع لطائرة مسيّرة كان مدفوناً تحت الأرض، مشيراً إلى أن الحرارة الناتجة عن حرق جذع نخلة مع النفايات قرب الموقع تسببت في تفجيره.

وأكد المركز، في بيان صحافي، أن معاينته الميدانية وفحص الشظايا والحفرة الناجمة عن الانفجار لا يدعمان فرضية أنه «لغم أرضي»، مضيفاً أن وصف الجسم المتفجر بهذه الصفة غير دقيق.

وأشار إلى أن فرق المركز تواصل عمليات المسح الميداني في المنطقة، بهدف إزالة مخلفات الحرب وتأمين الموقع، بالتنسيق مع السكان المحليين، داعياً إلى تحري الدقة وعدم الانسياق وراء المعلومات غير المؤكدة.

صورة متداولة لوالي الخرطوم أحمد عثمان حمزة

من جانبه، قال والي ولاية الخرطوم، أحمد عثمان حمزة، خلال تفقده موقع الحادث، إن الصوت الذي سمعه سكان الولاية أثار كثيراً من التساؤلات، ورافقته معلومات غير دقيقة. وأوضح أن فرقاً فنية من المركز القومي لمكافحة الألغام، والدفاع المدني، والشرطة الجنائية، والأجهزة الفنية في القوات النظامية، إضافة إلى جهاز المخابرات العامة، باشرت التحقيق في الموقع، وعثرت على حفرة في مكان الانفجار.

وأضاف الوالي أن الحادث، على الرغم من قوة الانفجار، لم يسفر عن خسائر في الأرواح أو الممتلكات، ناقلاً عن مدير المركز القومي لمكافحة الألغام، اللواء خالد حمدان، أن الجسم الذي انفجر كان مدفوناً تحت الأرض ولم يكن مرئياً.

وفي المقابل، تداولت منصات التواصل الاجتماعي روايات تحدثت عن احتمال أن يكون الانفجار ناجماً عن قصف بطائرة مسيّرة مجهولة كانت تستهدف مطار الخرطوم أو مبنى القيادة العامة، قبل أن تخطئ هدفها نتيجة التشويش وتسقط داخل الحي السكني. غير أن والي الخرطوم نفى هذه الفرضية، مؤكداً أن الانفجار لا يرتبط بأي عملية عسكرية أو استهداف جوي أو تدخل من الدفاعات الأرضية، ومشدداً على أن سببه يعود إلى انفجار جسم مدفون تحت الأرض. ورغم النفي الرسمي، فإن تضارب الروايات بين الجهات المختصة، إلى جانب شدة الانفجار واتساع نطاق سماع دويه، أبقى على حالة من الشك والتساؤل في أذهان كثير من السكان.


رئاسة إثيوبيا لـ«مجلس السلام» الأفريقي... «اختبار صعب» لإدارة «قضايا حاسمة»

شعار الاتحاد الأفريقي (رويترز)
شعار الاتحاد الأفريقي (رويترز)
TT

رئاسة إثيوبيا لـ«مجلس السلام» الأفريقي... «اختبار صعب» لإدارة «قضايا حاسمة»

شعار الاتحاد الأفريقي (رويترز)
شعار الاتحاد الأفريقي (رويترز)

تبدأ إثيوبيا، الثلاثاء، رئاسة مجلس السلام والأمن التابع للاتحاد الأفريقي لشهر أبريل (نيسان) الحالي، وسط خلافات عميقة مع مصر وإريتريا في ملف السد الإثيوبي، والمنفذ البحري على البحر الأحمر، وصراعات معقدة بالقارة.

وتتولى إثيوبيا رئاسة «مجلس السلام» للمرة الأولى منذ انضمامها إليه، ومن المقرر أن تبدأ رسمياً رئاسة جدول أعمال المجلس في 7 أبريل الحالي، بحسب ما ذكرت وكالة «الأنباء الإثيوبية».

وخلال فترة رئاستها «ستقود إثيوبيا المداولات حول مجموعة واسعة من قضايا السلام والأمن الحاسمة في جميع أنحاء القارة، وستغطي هذه المناقشات كلاً من الأوضاع الخاصة بكل دولة والقضايا الأوسع التي تؤثر على أفريقيا»، وفق الوكالة. وتأتي قيادة إثيوبيا في «وقتٍ لا تزال فيه الجهود الإقليمية المنسقة ضرورية لمواجهة التحديات الأمنية الراهنة وتعزيز السلام المستدام في جميع أنحاء أفريقيا»، بحسب الوكالة الإثيوبية.

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، السفير صلاح حليمة، أن «إثيوبيا ستبدأ اختباراً صعباً لإدارة (قضايا حاسمة)، خصوصاً وهي ستواجه مجموعة من التحديات والمشكلات التي تقتضي أن تبدي مواقف مغايرة لما سلكته في معظم القضايا السابقة بالقارة».

ويوضح حليمة لـ«الشرق الأوسط» أن «التوجهات الإثيوبية تخرج عن إطار المواثيق والاتفاقية الدولية مثل التصرفات الأحادية في السد الإثيوبي، ونهجها في الوجود على البحر الأحمر رغم أنها دولة غير مشاطئة بخلاف خلافاتها العميقة مع مصر وإريتريا». ويتوقع أنها ستواجَه عند تناول هذه القضايا وغيرها بموقف صعب، وعليها أن تتغير في مواقفها لترعى مصالح الدول كافة باعتبار أن المصالح المشتركة هي أساس عمل مجلس السلم وغيره، وليس المصالح الذاتية.

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993، عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت 3 عقود، ما جعلها تعتمد على موانئ جيرانها، ولا سيما ميناء جيبوتي الذي أصبح منفذاً بحرياً رئيسياً يخدم أكثر من 95 في المائة من تجارتها الدولية، وسط رفض مصري - إريتري - صومالي لمساعي الحصول على منفذ باعتبارها دولة غير مشاطئة على البحر الأحمر.

وأشار نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية» إلى أن الأوضاع المشتعلة في الصومال، وإثيوبيا طرف فيها، ومحاولتها إيجاد منفذ بحري وتهديداتها لإريتريا باستخدام القوة، ومطالب إقليم تيغراي الإثيوبي التي تتنصل منها أديس أبابا، بخلاف انغماسها في تطورات السودان، تعد قضايا ذات أهمية بالغة، مثل السد الإثيوبي، ولن تستطيع إثيوبيا طرحها بأسلوب يعبر عن مصالح الجميع.

وفي 2 مارس (آذار) الماضي، اتهمت الحكومة السودانية، إثيوبيا، بانتهاك سيادتها، قائلة إنها «ظلت تتابع خلال الشهر الأخير دخول طائرات من جانب الأراضي الإثيوبية تتعامل مع أهداف داخل السودان»، مؤكدة حينها أن «هذا السلوك العدائي مستنكر ومرفوض، ويمثل انتهاكاً سافراً وعدواناً صريحاً لسيادة السودان».

في المقابل، قال المحلل الإثيوبي، عبد الشكور عبد الصمد، إن اختيار الدول لهذه الرئاسة تكليف ومسؤولية، وعادة الدول لا توظف أجندتها الخاصة بهذه الفترة، وبالتالي «لا يتوقع أن تستغل أديس أبابا هذا الظرف ضد دول الجوار أو القارة بشكل نهائي».

وأوضح عبد الصمد لـ«الشرق الأوسط» أن التعاون بين الدول في «مجلس السلم» يتم وفق آليات وضوابط، ومصر سبق أن ترأست هذا المجلس ولم يحدث شيء، وإثيوبيا أيضاً لن تقوم بموقف أو إجراء يحسب عليها، خاصة وهي حريصة على نجاح الاتحاد الأفريقي الذي تستضيفه.

ويُعد مجلس السلام والأمن، الذي تأسس عام 2004 في إطار الاتحاد الأفريقي، الهيئة المركزية للاتحاد الأفريقي المعنية بمنع النزاعات وإدارتها وحلها، وانضمت إثيوبيا إلى المجلس منذ تأسيسه، وشغلت عضوية المجلس لأربع دورات سابقة قبل انتخابها مجدداً عام 2025.


أزمة جديدة تُعمِّق انقسام «القضاء الليبي»

اجتماع المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي مارس الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي مارس الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)
TT

أزمة جديدة تُعمِّق انقسام «القضاء الليبي»

اجتماع المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي مارس الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي مارس الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)

عاد شبح الانقسام ليخيّم مجدداً على المؤسسة القضائية في ليبيا، منذراً بأزمة جديدة، على وقع تحذير أحد الطرفين المتنازعين على رئاسة المجلس الأعلى للقضاء مما وصفه بتداول قرارات تتعلق بنقل وإنهاء انتداب عدد من أعضاء الهيئات القضائية، مؤكداً أنها صادرة عمّن لا يملك حق إصدارها قانوناً، وتُعد منعدمة ولا يترتب عليها أي أثر.

ويعكس هذا السجال حالة من الارتباك المؤسسي، في ظل تبادل جهتين متنازعتين على تمثيل المجلس الأعلى للقضاء في كل من طرابلس وبنغازي قرارات وبيانات متعارضة، مما يفاقم المخاوف من انقسام الجهاز القضائي، على غرار ما شهدته مؤسسات سيادية أخرى خلال السنوات الماضية.

وأصدر «المجلس الأعلى للقضاء» بياناً شديد اللهجة، مساء الجمعة، من مدينة بنغازي، جاء فيه أن القرارات المتعلقة بنقل وإنهاء انتداب أعضاء الهيئات القضائية «وصلت إلى مستوى غير مسبوق من العبث، وتعد دعوة صريحة للمساس بوحدة الجهاز القضائي، وتقسيمه والإساءة إلى سمعته».

وأوضح المجلس أنه كان عازماً على عدم الرد بقرارات مضادة، لكنه اضطر إلى التحذير «للمرة الأخيرة»، مطالباً بوقف هذه القرارات، التي تهدف فقط إلى الإرباك والتقسيم.

يأتي هذا البيان في سياق أزمة قضائية حادة تعصف بليبيا منذ نهاية العام الماضي، تعكس الانقسام السياسي العميق بين الشرق والغرب، في بلد يعاني تشظّياً سياسياً وعسكرياً منذ سنوات.

وبدأت الشرارة الأولى للأزمة القضائية العام الماضي، حين أصدر مجلس النواب سابقاً عدة قوانين لإعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، ومنح نفسه صلاحية تعيين رئيسه، وإنشاء محكمة دستورية مستقلة في بنغازي، في حين عدَّت طرابلس هذه الخطوات محاولة للسيطرة على القضاء، مما أدى إلى إصدار أحكام بإبطال عدة قوانين تتعلق بالسلطة القضائية، أثارت ردود فعل غاضبة من السلطات في الشرق.

وازداد المشهد القضائي الليبي تأزماً مع محاولات اقتحام مقر المجلس الأعلى للقضاء في طرابلس، من جهات مرتبطة بالمحكمة العليا، التي يرأسها عبد الله بورزيزة، فيما أعلن المجلس برئاسة مفتاح القوي، المدعوم من مجلس النواب، نقل بعض الإدارات مؤقتاً إلى بنغازي لما وصفها بالظروف القاهرة، وأدان الاقتحام.

وقاد هذا الوضع، حسب مراقبين، إلى ازدواجية مؤسسية، وصدور قرارات متضاربة، ومخاوف من انقسام الجهاز القضائي، الذي ظل موحداً نسبياً طوال سنوات الصراع السياسي منذ 2014. وحذرت الأمم المتحدة وجهات قضائية ونقابية من أن أي انقسام قد يُفقد الأحكام القضائية مصداقيتها، ويهدد وحدة الدولة.

رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي (مكتب المنفي)

في ملف آخر، تواصلت تداعيات تقرير مسرّب للجنة الخبراء الأممية، تحدث عن «وقائع فساد» طالت مسؤولين سابقين وحاليين وقيادات عسكرية، وزعماء كتائب مسلحة، في ملف مرتبط بجدل حول شركة «أركنو» النفطية الخاصة.

وفي هذا السياق، وجّه رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، بعدم إبرام أي اتفاقيات تقاسم إنتاج، أو ترتيبات مماثلة للحقول المنتجة حالياً، مع طلب تزويده بجميع التفاصيل القانونية والفنية والاقتصادية لاتخاذ القرارات المناسبة، حسب رسالة تداولتها وسائل إعلام محلية.

وسبق أن وجه رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة»، عبد الحميد الدبيبة، بإنهاء ما سمّاها «اتفاقية التطوير» مع شركة «أركنو»، بعد أن كشف التقرير عن أن الشركة حوَّلت نحو 3 مليارات دولار إلى حسابات بنكية خارج ليبيا، بين يناير (كانون الثاني) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

المبعوثة الأممية هانا تيتيه (القيادة العامة للجيش الوطني الليبي)

على صعيد آخر، شددت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا على أن الألغام ومخلفات الحروب تشكل تهديداً مستمراً للمدنيين، مع تسجيل 63 ضحية عام 2025، بينهم 21 طفلاً. وأوضحت البعثة أن الصراعات السابقة، والانفجارات العرضية في المخازن، تزيد من خطورة التلوث، مما يعوق التعافي والتنمية.

وبمناسبة «اليوم الدولي للتوعية بخطر الألغام»، جددت البعثة الأممية، السبت، التزامها بدعم جهود السلطات الليبية في إدارة المخزونات، وتطهير المخلفات المتفجرة، داعيةً المجتمع الدولي والمدني إلى تكثيف الدعم المنسق والمستدام، حمايةً للمدنيين، وتعزيزاً للأمن والسلام في مختلف أنحاء ليبيا.