السيسي يبدأ ولاية جديدة وسط تحديات صارخة وآمال كبيرة

تتراوح بين تداعيات الأزمات الإقليمية وتحسين «جودة الحياة»

السيسي أثناء خطابه عقب أداء اليمين الدستورية أمام مجلس النواب (الرئاسة المصرية)
السيسي أثناء خطابه عقب أداء اليمين الدستورية أمام مجلس النواب (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يبدأ ولاية جديدة وسط تحديات صارخة وآمال كبيرة

السيسي أثناء خطابه عقب أداء اليمين الدستورية أمام مجلس النواب (الرئاسة المصرية)
السيسي أثناء خطابه عقب أداء اليمين الدستورية أمام مجلس النواب (الرئاسة المصرية)

ولاية رئاسية جديدة يبدأها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تتراوح فيها توقعات المصريين بين الترقب والرجاء، وسط تحديات داخلية وإقليمية تلقي بظلالها على الواقع المصري اقتصادياً وأمنياً، خصوصاً مع استمرار أزمات مشتعلة على حدود مصر الشرقية والغربية والجنوبية.

كما يبدأ الرئيس السيسي ولايته الثالثة، وسط واحدة من أصعب الأزمات الاقتصادية التي عرفتها البلاد منذ عقود، في ظل ارتفاع التضخم، وتدني قيمة الجنيه، والمطالبة بإفساح المجال للقطاع الخاص، وتراكم الديون.

في المقابل، تراود المصريين «آمال كبيرة» بأن تشهد السنوات الست المقبلة تحسناً في جودة حياتهم مع اكتمال عدد من المشاريع الكبرى في البلاد. وتعهد السيسي بالتركيز على جذب استثمارات خارجية وتحسين معدلات أداء الاقتصاد المصري، خصوصاً في قطاعي الصناعة والزراعة، إضافة إلى زيادة الاهتمام بالتعليم والصحة.

وكان الرئيس المصري قد أدى اليمين الدستورية، الثلاثاء، أمام مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان) بمقره الجديد في العاصمة الإدارية، ليستهل بذلك ولايته الرئاسية الثالثة، التي تستمر حتى عام 2030، بعدما حصد 89.6 في المائة من أصوات الناخبين، الذين سجلت مشاركتهم معدلاً قياسياً بنسبة بلغت 66.8 في المائة من إجمالي الناخبين المسجلين في البلاد البالغ عددهم 67.3 مليون، بحسب ما أعلنته الهيئة الوطنية للانتخابات خلال ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تحديات اقتصادية وأمنية

الفترة الرئاسية الجديدة، وفق الدستور المصري الذي جرى تعديله عام 2019، هي الأخيرة للرئيس السيسي، الذي تولى حكم البلاد عام 2014 في أعقاب الإطاحة بحكم تنظيم «الإخوان» الذي تصنفه السلطات المصرية «إرهابياً» عام 2013. وشهدت السنوات العشر الأولى تحديات أمنية فرضتها مكافحة التنظيمات الإرهابية، واقتصادية جمة جراء تراجع الإيرادات العامة، وتضرر قطاعات الصناعة والاستثمار والسياحة والطاقة نتيجة الأوضاع السياسية والأمنية المضطربة في البلاد.

وفي المقابل، شهدت السنوات الماضية من حكم الرئيس السيسي حركة عمرانية نشطة، تمثلت في إقامة العديد من المدن الجديدة، وتحديث البنية التحتية للبلاد، وإطلاق العديد من المبادرات الرئاسية التي تركزت على القطاعات الصحية والخدمية، إضافة إلى التوسع في تقديم مظلة حماية اجتماعية للفئات الفقيرة.

الرئيس المصري يؤدي اليمين الدستورية أمام مجلس النواب بالعاصمة الإدارية الجديدة (الرئاسة المصرية)

لكن منتقدين في المقابل يرون أن تلك المشاريع الكبرى زادت من الضغوط الاقتصادية وارتفاع معدلات الاستدانة الخارجية، التي سجلت، بحسب تقرير لمعهد التمويل الدولي، نشر في مارس (آذار) الماضي، معدلات قياسية في السنوات العشر الأخيرة، ووصلت ذروتها في السنة المالية 2022 – 2023، مسجلة 165 مليار دولار قبل أن تتراجع إلى 157 ملياراً في السنة المالية 2023 - 2024 بعد شطب ودائع لدولة الإمارات في أعقاب توقيع اتفاق تطوير منطقة رأس الحكمة بالساحل الشمالي الغربي لمصر.

وبحسب البيانات المنشورة على موقع وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية المصرية، ارتفع الدين المحلي المصري في الربع الأول من العام الحالي بنسبة 8 في المائة ليصل إلى 6.86 تريليون جنيه (الدولار يعادل 47.4 جنيه في البنوك المصرية)، مقابل 6.352 تريليون في الربع الأخير من 2022.

أولويات الفترة المقبلة

وخلال خطاب التنصيب لفترة رئاسية ثالثة، حدد السيسي أهم ملامح ومستهدفات ولايته الجديدة، مؤكداً أنه سيمنح الأولوية على صعيد السياسة الخارجية لحماية أمن مصر القومي في ظل أوضاع إقليمية ودولية مضطربة، «ومواصلة العمل على تعزيز العلاقات المتوازنة مع جميع الأطراف في عالم جديد تتشكل ملامحه وتقوم فيه مصر بدور لا غنى عنه لترسيخ الاستقرار والأمن والسلام والتنمية».

وتوقع نائب المدير العام لـ«المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية»، اللواء محمد إبراهيم، أن يتواصل التعامل المصري خلال الفترة الرئاسية الثالثة للرئيس السيسي مع القضايا التي تؤثر على أمنها القومي «بكل الجدية عبر عمل مكثف كي يتم حلها بالطرق السلمية»، مشيراً في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إلى أن السنوات الماضية «أثبتت أهمية الأدوار المصرية في صناعة السلام بالمنطقة، وهو ما يتوقع أن يستمر ويتعمق في المرحلة المقبلة».

وأوضح إبراهيم أن الفترة الرئاسية الجديدة ستشهد استمرار مصر في أداء «أدوار فاعلة ومؤثرة في العديد من الأزمات التي تلقي بظلالها على الواقع المصري، خصوصاً الأزمة في قطاع غزة، التي تمثل تحدياً خطيراً للمنطقة برمتها وفي القلب منها مصر، التي تحملت أعباءً جسيمة» جراء العدوان الإسرائيلي، سواء على المستوى المباشر عبر التوتر على الحدود، أو من خلال استهداف الملاحة البحرية في البحر الأحمر من جانب الحوثيين، وهو ما انعكس سلباً على تراجع إيرادات قناة السويس.

سفينة حاويات تمر عبر قناة السويس التي تأثرت بتحويل شركات السفن لطريق الرجاء الصالح (رويترز)

ووفق تقرير حديث لوكالة «بلومبرغ إنتليجنس» نُشر الشهر الماضي، فإن خسائر مصر في قناة السويس قدرت بنحو 508 ملايين دولار بسبب التهديدات المستمرة لحركة الملاحة في البحر الأحمر.

وكان رئيس هيئة قناة السويس الفريق أسامة ربيع قد قال في تصريحات مطلع فبراير (شباط) الماضي، إن إيرادات القناة انخفضت في يناير (كانون الثاني) الماضي، 46 في المائة على أساس سنوي من 804 ملايين دولار إلى 428 مليوناً.

وتُعد إيرادات القناة، التي بلغت العام الماضي نحو 9 مليارات دولار، أحد المصادر الرئيسية للعملات الأجنبية في مصر. كما تعول الحكومة على الاستفادة من الموقع الاستراتيجي وحركة الملاحة البحرية بالمنطقة، في تدشين مشروعات استثمارية تدر دخلاً، سواء في مجال الخدمات اللوجستية أو عبر إقامة مناطق صناعية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

التركيز على الإنسان

الآمال والتحديات المرتبطة بالفترة الرئاسية الجديدة في مصر لا تقتصر فقط على الأبعاد الإقليمية وانعكاساتها على الواقع الداخلي، فثمة العديد من «الآمال الكبيرة» المعقودة على الفترة المقبلة لجني ثمار العديد من المشروعات التي بدأت خلال العقد الماضي، وهو ما يشير إليه الكاتب والأديب المصري محمد سلماوي، عضو مجلس أمناء «الحوار الوطني»، الذي يعرب عن اعتقاده بأن محور العمل العام في الفترة الرئاسية الجديدة، التي بدأت من العاصمة الإدارية بمراسم حلف اليمين، «يجب أن يتركز على الإنسان، أي على المواطن المصري وقضاياه الملحة، من التعليم والثقافة والصحة والغلاء».

ويتوقع سلماوي أن تستمر المشروعات العملاقة في المرحلة المقبلة، وأن يكون لها مردودها على النهوض بمستوى معيشة المواطن، وأن يكون المردود «هذه المرة مباشراً». كما يشدد عضو مجلس أمناء «الحوار الوطني»، على أهمية بدء «المشروع العملاق المنتظر في التعليم المقترن بالثقافة»، مضيفاً: «لكي يكتمل هذا المشروع، علينا أن نعتني بحريات المواطن التي أولاها الدستور عناية غير مسبوقة في الدساتير السابقة».

وتعهد السيسي في خطابه أمام مجلس النواب بأن يعمل خلال المرحلة المقبلة على تعظيم الاستفادة من ثروات مصر البشرية من خلال زيادة جودة التعليم، وكذلك مواصلة تفعيل البرامج والمبادرات الرامية إلى الارتقاء بالصحة العامة للمواطنين، إضافة إلى العمل على دعم شبكات الأمان الاجتماعي وزيادة نسبة الإنفاق على الحماية الاجتماعية.

وأشار كذلك إلى أن فترة ولايته الجديدة ستشهد «تبني إصلاح مؤسسي شامل، يهدف إلى ضمان الانضباط المالي وتحقيق الحوكمة السليمة، من خلال ترشيد الإنفاق العام، وتعزيز الإيرادات العامة، والتحرك باتجاه مسارات أكثر استدامة للدين العام»، إضافة إلى إعطاء الأولوية لبرامج التصنيع المحلي لزيادة الصادرات ومتحصلات مصر من النقد الأجنبي.

بنايات على نيل القاهرة (الشرق الأوسط)

تجديد النخب السياسية

بدوره، رأى نائب رئيس «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، عضو مجلس أمناء «الحوار الوطني»، الدكتور عمرو هاشم ربيع، أن هناك العديد من التحديات التي تكتنف الولاية الجديدة للرئيس السيسي، في مقدمتها «الهمّ الاقتصادي والاجتماعي» المتمثل في ارتفاع معدلات التضخم، وزيادة أعباء الدين العام، إضافة إلى تحديات تراجع إيرادات الدولة من النقد الأجنبي، وهو ما يمثّل برأيه «ضرورات تتطلب إجراءات ومعالجة جديدة، بعيداً عن الاقتراض الخارجي». وأضاف ربيع لـ«الشرق الأوسط» أن أولويات الإنفاق بحاجة إلى مراجعة في الفترة المقبلة، بحيث يوجه الإنفاق العام إلى القطاعات الإنتاجية (زراعية وصناعية)، إضافة إلى الاستثمار في مجالات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، مشيراً إلى أن ما تحقق في هذا المضمار «يمكن البناء عليه، لكنه يتطلب المزيد من الاهتمام».

وبلغت معدلات التضخم لأسعار المستهلكين في المدن المصرية، أعلى مستوى لها على الإطلاق في سبتمبر (أيلول) الماضي مسجلة 38 في المائة، قبل أن تنخفض مرة أخرى لتصل خلال فبراير الماضي إلى 35.7 في المائة، بحسب إحصاءات رسمية.

إلا أن ربيع لا يرى التحديات المقبلة في الفترة الرئاسية الجديدة مقصورة على البعد الاقتصادي، بل تمتد إلى الشأن السياسي كذلك، إذ يشير إلى ما يصفه بـ«التكلس في النخبة السياسية والحزبية»، مطالباً بأن تشهد الفترة الرئاسية المقبلة «فتح المجال العام أمام نخب ووجوه سياسية جديدة»، مشيراً إلى أن ما تردد عن وجود اتجاه لتعيين نائب أو أكثر للرئيس «أمر إيجابي يخدم ضخ دماء سياسية جديدة، خصوصاً أن هذه الفترة الرئاسية هي الأخيرة بحسب الدستور المصري». ويضيف أن استمرار «الحوار الوطني» بآليات أكثر انفتاحاً، وعبر «تنفيذ أمين» لتوصياته يمكن أن يعزز فتح المجال العام المصري خلال الفترة الرئاسية الجديدة.

مقر مجلس النواب المصري في العاصمة الجديدة (الشركة المنفذة)

وكان الرئيس السيسي قد أشار خلال حفل التنصيب إلى أنه سيعمل على استكمال وتعميق «الحوار الوطني» وتنفيذ التوصيات التي يتم التوافق عليها، في إطار تعزيز المشاركة السياسية والديمقراطية.

وفي فبراير الماضي، بدأت جلسات المرحلة الثانية من «الحوار الوطني» التي تركز على المحور الاقتصادي، بعدما شهد العام الماضي انطلاق جلسات ذلك الحوار الذي دعا السيسي إليه بمشاركة أحزاب وقوى سياسية ومدنية مصرية، وانتهت جلساته إلى عشرات التوصيات المتعلقة بضرورة تحديد أولويات الإنفاق العام والحد من الاستدانة الخارجية، وزيادة إجراءات حوكمة المؤسسات المصرية ومكافحة الفساد، إضافة إلى توصيات أخرى تتعلق بمجالات التعليم والصحة وتنشيط قطاعات الصناعة والزراعة والاستثمار.


مقالات ذات صلة

تشريعات أسرية تتصدر أولويات البرلمان المصري

شمال افريقيا الحكومة المصرية توافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في اجتماعها الأربعاء (الهيئة العامة للاستعلامات)

تشريعات أسرية تتصدر أولويات البرلمان المصري

يبدو أن الساحة التشريعية المصرية ستشهد زخماً في الأسابيع المقبلة حول ملفات الأسرة المصرية، بعدما وافقت الحكومة، على مشروع قانون للأحوال الشخصية للمسيحيين.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)

الحكومة المصرية لتشجيع الصناعة المحلية رداً على «انتقادات»

افتتح رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الخميس، 9 مشروعات صناعية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بإجمالي استثمارات نحو 182.5 مليون دولار.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)

بدء «التوقيت الصيفي» بمصر... هل تتغير مواعيد «غلق المحال»؟

أثار «التوقيت الصيفي» في مصر تساؤلات بشأن تغيير مواعيد «غلق المحال» التجارية التي تم إقرارها سابقاً ضمن إجراءات استثنائية اتخذتها الحكومة لمواجهة تداعيات الحرب

عصام فضل
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالقاهرة في مايو 2024 (الرئاسة المصرية)

السيسي في قبرص... محادثات تستعرض أزمات المنطقة وسبل دعم الاقتصاد

يشارك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القمة الأوروبية بقبرص، وسط توترات تشهدها المنطقة تسببت في أزمات اقتصادية عالمية.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (صفحته على فيسبوك)

«الطيّبات»... نظام غذائي يثير جدلاً واسعاً في مصر حتى بعد وفاة صاحبه

أشعلت وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي، استشاري التخدير والعناية المركزة وعلاج الألم وصاحب نظرية نظام «الطيبات» الغذائي، جدالاً واسعاً لا يزال مستمراً.

محمد عجم (القاهرة)

تشريعات أسرية تتصدر أولويات البرلمان المصري

الحكومة المصرية توافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في اجتماعها الأربعاء (الهيئة العامة للاستعلامات)
الحكومة المصرية توافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في اجتماعها الأربعاء (الهيئة العامة للاستعلامات)
TT

تشريعات أسرية تتصدر أولويات البرلمان المصري

الحكومة المصرية توافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في اجتماعها الأربعاء (الهيئة العامة للاستعلامات)
الحكومة المصرية توافق على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في اجتماعها الأربعاء (الهيئة العامة للاستعلامات)

من المتوقع أن تشهد الساحة التشريعية المصرية زخماً حول ملفات الأسرة في الأسابيع المقبلة، بعدما وافقت الحكومة، الأربعاء، على مشروع قانون للأحوال الشخصية للمسيحيين، تمهيداً لإحالته إلى مجلس النواب، في وقت تقدم نائب بمشروع قانون جديد يُجرّم «زواج القاصرات»، أحاله رئيس البرلمان إلى «لجنة نوعية» لمناقشته.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجه بسرعة إحالة مشروعات قوانين الأسرة للمسيحيين والمسلمين، وصندوق دعم الأسرة إلى البرلمان، وفق بيان للحكومة، أكد أنه «ستتم إحالة مشروعات القوانين الثلاثة تباعاً، بصفة أسبوعية، للبرلمان، بما يسهم في تلبية تطلعات المواطنين، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار الأسري والمجتمعي، ويحفظ حقوق جميع الأطراف».

وسيكون صندوق دعم الأسرة ضمانة لحصول الزوجة على نفقاتها ونفقات الأبناء بعد الطلاق، إذ تُسدد الدولة المستحقات، ثم تقوم بملاحقة الأزواج المتخلفين عنها، حتى تضمن عدم تحميل الأبناء نتيجة النزاعات بين الوالدين، وفق وسائل إعلام محلية.

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر في مصر، وشرعت أحزاب موالية للحكومة في فتح هذا الملف بالفعل، وإجراء حوار مجتمعي حوله.

الأحوال الشخصية للمسيحيين

وبخصوص قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، الذي افتتحت به الحكومة هذا الملف، فتعود المطالبات بتشريعه منذ عقود، إذ تحكم المسيحيين منذ 80 عاماً لائحة لا تلبي احتياجاتهم التشريعية، ما تسبب في تكدس قضايا الطلاق بينهم في المحاكم بنحو 270 ألف قضية، وفق رئيس منظمة الاتحاد المصري لحقوق الإنسان، المستشار نجيب جبرائيل، الذي وصف الخطوة الحكومية الأخيرة بـ«القوية والجريئة».

وأشار جبرائيل، الذي اطَّلع على مشروع القانون، إلى أنه سيُحدث انفراجة كبيرة بين من ينتظرون التشريع الجديد، إذ أتاح للمسيحيين الطلاق للهجر بعد 3 سنوات لمن ليس لديهم أطفال، و5 سنوات لمن لديهم أطفال، وهو ما لم يكن موجوداً من قبل.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن المشروع الجديد استحدث أيضاً مادة تُمكن من الطلاق في حال «استحكام النفور والضرر الجسيم»، كأن يتم تغيير الملة أو في حالة تعرُّض الزوجة للضرر من زوجها كالضرب.

ويتميز مشروع القانون الجديد، وفق وزير العدل المصري المستشار محمود الشريف، بأنه جمع شتات جميع القواعد والأحكام التي تنظم شؤون الأسرة المسيحية في أداة تشريعية واحدة بمرتبة قانون، بعدما كانت مُبعثرة في ست أدوات تشريعية لا ترقى أي منها لتلك المرتبة.

وسبق إعداد مشروع القانون الجديد حوار مجتمعي، وجاء نابعاً من توافق تام بين جميع الطوائف المسيحية في مصر على كل ما تضمنه من أحكام، وفق بيان الحكومة.

وأشادت البرلمانية مها عبد الناصر بالاهتمام الحكومي بقضايا الأسرة، متمنية أن يحظى الأمر باهتمام مماثل من السلطة التشريعية، يُمكّن من صدور قوانين عدة خاصة بالأسرة، من شأنها أن تنعكس إيجابياً على حال المجتمع كله، واستطردت: «إحالة مشروع قانون لا يعني حتمية صدوره، فخلال الدورات التشريعية السابقة حُفظت مشاريع قوانين شبيهة في الأدراج».

وتابعت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «في ظل زخم الحديث عن قوانين الأحوال الشخصية الحالي، أتوقع أن تشهد تعاملاً مختلفاً ويتم إنجازها حتى تخرج للنور»، وأعربت عن أملها في أن تأتي هذه القوانين متوازنة.

مشروع قانون ينظم الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر (المركز الإعلامي للكنيسة الأرثوذكسية)

ويرى المحامي الحقوقي سامح سمير أن القوانين التي تتعلق بالمرأة عموماً تشهد حراكاً مستمراً منذ سنوات، لافتاً إلى أن استكمال ذلك بقوانين الأحوال الشخصية فعل محمود، خصوصاً مع المطالبة به لسنوات.

وينص الدستور المصري في المادة الثالثة على أن مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين هي المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية.

وقال سمير لـ«الشرق الأوسط» إنه قرأ اعتراضات لأصدقاء ونشطاء مسيحيين على بعض ما جاء في مشروع القانون، مطالبين بقانون مدني بعيد عن الكنيسة، مضيفاً: «حتى لو لم يخرج مُرضياً لجميع الأطراف، فهو توجُّه تأخر كثيراً».

زواج القاصرات

في غضون ذلك، تقدم النائب أحمد البرلسي بمشروع قانون لمجلس النواب، الأربعاء، خاص بتغليظ عقوبة زواج القاصرات، ويستهدف سد ثغرات القانون الحالي، بتجريم كل أشكال تزويج الأطفال، سواء تم بعقود رسمية أو عرفية، مع توسيع نطاق المسؤولية الجنائية لتشمل كل من شارك في إتمام الزواج أو ساعد عليه، بمن في ذلك أولياء الأمور والموثّقون.

ويحدد القانون المصري سن الزواج عند 18 عاماً، ويعاقب بالحبس مدة قد تصل إلى عامين لمن أدلى ببيانات غير صحيحة أمام المأذون أو زوَّر في البيانات لتوثيق عقد الزواج.

وعادة ما يجري تزويج الفتيات عرفياً في القرى المصرية دون السن القانونية، ثم يتم توثيق العقود رسمياً بعد بلوغ السن.

وعرّف القانون الزواج بأنه «كل عقد أو وثيقة تفيد الارتباط بين ذكر وأنثى، سواء تم بمعرفة مأذون شرعي أو محامٍ أو موثّق»، وعدّ كل من شارك في إجراءات زواج قاصر أو تحرير وثيقة رسمية أو عرفية تثبته، بما يشمل أولياء الأمور أو من لهم سلطة على القاصر، مرتكباً لجريمة زواج طفل.

وفيما يتعلق بالعقوبات، نص المشروع على الحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة تتراوح بين 20 ألف و100 ألف جنيه (الدولار نحو 52 جنيهاً تقريباً)، أو إحدى العقوبتين، لكل من يشارك في تزويج طفل، مع تشديد العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤقتة حال استخدام الإكراه أو التهديد أو تقديم مقابل مادي لإتمام الزواج.


الحكومة المصرية لتشجيع الصناعة المحلية رداً على «انتقادات»

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)
TT

الحكومة المصرية لتشجيع الصناعة المحلية رداً على «انتقادات»

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)

افتتح رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الخميس، 9 مشروعات صناعية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بإجمالي استثمارات نحو 182.5 مليون دولار، عملاً على تشجيع الصناعات المحلية مع توفير بيئة محفزة للاستثمار، وذلك رداً على انتقادات وجهت لها سابقاً بشأن توقف مصانع عن العمل وعدم التركيز على الإنتاج المحلي.

وقال مدبولي إن «حكومته تكثف جهودها لتشجيع الصناعة المحلية، وتوطين مختلف الصناعات الحيوية والإنتاجية بالشراكة مع القطاع الخاص»، وأشار إلى أنها «تسعى بكل الجهود الممكنة لزيادة الاستثمارات المحلية وجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية والعربية لضخها في قطاع الصناعة».

وأضاف أن «حكومته اتخذت إجراءات لتوفير بيئة محفزة لجذب المستثمرين المحليين والأجانب، وإقامة مصانع جديدة في مختلف المناطق الصناعية بالدولة»، لافتاً إلى أن «حكومته تعمل على احتواء الضغوط التي تواجهها الصناعات بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، في ظل التحديات التي تشهدها السوق العالمية».

وتحدث رئيس الوزراء المصري عن انتقادات وجهت لحكومته أخيراً على منصات التواصل الاجتماعي بسبب «توقف مصانع عن العمل والإنتاج»، وقال في مؤتمر صحافي على هامش جولته في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إن ما يجري تداوله «لا أساس له من الصحة»، مشيراً إلى أن «المصانع تعمل بكامل طاقتها الإنتاجية دون توقف».

وكثيراً ما توجَّه انتقادات للحكومة تستحثها على ضرورة التركيز على الصناعة والزراعة بدلاً من الاهتمام بالطرق، وذلك لدعم الإنتاج المحلي وتقليل فاتورة الاستيراد بالعملة الصعبة من الخارج.

وتتخذ الحكومة إجراءات عدة لاحتواء تأثيرات الحرب الإيرانية الاقتصادية، وأعلنت عن قرارات استثنائية، تضمنت رفع أسعار المحروقات بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، كما أعلنت عن إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، من بينها إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي داخل أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس يوم الخميس (مجلس الوزراء)

وشدد مدبولي، الخميس، على أن «أسعار الوقود والطاقة لن تعود سريعاً إلى مستويات ما قبل الحرب على إيران»، مضيفاً أنه «حال انتهاء الصراع خلال الفترة الحالية، فهذا لا يعني تراجعاً في أسعار النفط والغاز، ذلك لأن الأضرار التي لحقت بالبنية الأساسية للطاقة في دول الخليج وإيران ستحتاج إلى وقت قبل عودة الأسواق إلى الاستقرار الكامل».

ويرى رئيس الوزراء المصري أن الطاقة ستحتاج إلى فترة زمنية حتى تستعيد توازنها الطبيعي، مؤكداً أن بلاده لديها سيناريوهات للتعامل مع تداعيات التصعيد العسكري بالمنطقة.

وبحسب الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة، فإن هناك مؤشرات تعكس تحسن مستوى التصنيع المحلي في مصر، وقال إن الحكومة مهتمة بتوطين عدد من الصناعات بما يقلل من أعباء الاستيراد من الخارج بالعملة الصعبة، مع توفير منتجات منافسة تساهم في خفض الأسعار.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «دعم الصناعة المحلية يحقق مكاسب عدة من بينها توفير فرص عمل وزيادة معدلات التشغيل، مع فتح أسواق تصديرية للخارج».

رئيس الوزراء المصري مصطفلا مدبولي أكد أن حكومته تعمل على جذب استثمارات صناعية تُسهم في زيادة الإنتاج المحلي (مجلس الوزراء)

وزادت نسبة الصادرات بالنسبة إلى الناتج المحلي في مصر بنسبة 11.8 في المائة في العام الماضي، وفق وزير الاستثمار المصري محمد فريد الذي قال في كلمته بمجلس النواب، الأربعاء، إن معدل نمو القطاع الصناعي وصل إلى 14 في المائة في عام 2025.

ويرى بدرة أن «التحديات الإقليمية تُصعب من أي فرص جذب للاستثمارات الداخلية والخارجية في هذا التوقيت»، وأشار إلى أن هناك ضغوطاً اقتصادية على منظومة الإنتاج لدى غالبية الدول حالياً.

وأضاف: «الانتقادات الموجهة للحكومة بشأن إهمال التصنيع المحلي سوف تستمر في ظل الأعباء الاقتصادية العالمية القائمة».

من جهته، قال مدبولي، الخميس، إن حكومته «تعمل على جذب استثمارات صناعية تُسهم في زيادة الإنتاج المحلي وتعزز تنافسية الصادرات المصرية في الأسواق العالمية»، مشيراً إلى «التركيز على تعميق القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني».


بدء «التوقيت الصيفي» بمصر... هل تتغير مواعيد «غلق المحال»؟

إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)
إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)
TT

بدء «التوقيت الصيفي» بمصر... هل تتغير مواعيد «غلق المحال»؟

إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)
إغلاق «مبكر» لجميع المحال والمطاعم في مصر لترشيد الاستهلاك (محافظة البحر الأحمر)

أثار «التوقيت الصيفي» في مصر، ويبدأ عند منتصف ليل الخميس، تساؤلات بشأن مواعيد «غلق المحال» التجارية التي تم إقرارها سابقاً ضمن إجراءات استثنائية اتخذتها الحكومة لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية.

ويكون تطبيق «التوقيت الصيفي» بتقديم الساعة 60 دقيقة. وعن موقف مواعيد غلق المحال مع التوقيت الجديد، قال رئيس الوزراء، الخميس، إن «لجنة إدارة الأزمات ستعقد اجتماعاً قريباً لتحديد القرار».

وكانت الحكومة المصرية قد قررت تطبيق «إجراءات استثنائية» لمدة شهر بدءاً من 28 مارس (آذار) الماضي، بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، من بينها إغلاق المحال والمقاهي الساعة 9 مساء - تم تمديدها لاحقاً إلى الساعة 11 يومياً - وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقار المصالح الحكومية، إلى جانب العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع.

وشهدت الأسابيع الماضية مطالبات برلمانية بإلغاء «التوقيت الصيفي»، وانتقد وكيل «لجنة القوى العاملة» بمجلس النواب إيهاب منصور تطبيقه وجدواه، وتقدم بسؤال برلماني للحكومة، الخميس، مطالباً بالكشف عن البيانات الرسمية حول حجم توفير استهلاك الطاقة عند تطبيق «التوقيت الصيفي».

في حين طالب الإعلامي المصري أحمد موسى بإعادة النظر في مواعيد غلق المحال التجارية خلال فصل الصيف، ودعا خلال برنامجه التلفزيوني، مساء الأربعاء، إلى تمديد مواعيد إغلاق المحال من 11 مساء إلى الواحدة صباحاً مع بدء التوقيت الصيفي، بما يتناسب مع طبيعة الموسم السياحي والحركة التجارية.

مدى توفير الطاقة

الخبير الاقتصادي المصري أحمد حنفي يرى أن «التوقيت الصيفي» يساهم في توفير استهلاك الطاقة بنسبة صغيرة ليس لها تأثير. وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه مع بدء التوقيت الصيفي وتقاطعه مع إجراءات الترشيد الحكومية يجب تعديل مواعيد غلق المحال حتى 12 مساءً؛ لأن التوقيت الجديد «يخصم ساعة يومياً من فترة عمل هذه المحال، ولا يتناسب مع طبيعة الأنشطة المختلفة والحركة التجارية خلال الصيف».

محال تجارية تنتظر القرار الحكومي الجديد بشأن المواعيد بعد تطبيق «التوقيت الصيفي» (وزارة التموين)

وخلال كلمته أمام مجلس النواب، الثلاثاء الماضي، تحدث مدبولي عن خطة «التقشف الحكومي» لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية، مؤكداً أن «ترشيد الطاقة خلال الفترة الماضية خيار، لكن كان ضرورة فرضتها علينا معطيات الأزمة».

وأضاف: «خطة ترشيد الاستهلاك لا تزال تحت التقييم لدراسة حجم الوفر الذي حققته، وإن كانت المؤشرات الأولية لها تشير إلى تحقيق وفر خلال الأسبوع الأول بلغ 18 ألف ميغاوات / ساعة، وتحقيق وفر في الوقود بلغ 3.5 مليون متر مكعب، ووفر في يوم العمل عن بُعد بلغ 4700 ميغاوات / ساعة، و980 ألف متر مكعب وفراً في الوقود».

وأضاف أن «انتهاء أزمة الحرب - حتى وإن تحقق من الناحية الشكلية - لا يعني بالضرورة زوال آثارها، التي من المرجح أن تستمر تداعياتها الاقتصادية لفترة تمتد على الأقل حتى نهاية العام الجاري».

ظلام دامس في أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير إغلاق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)

ويرجح حنفي «استمرار الحكومة في تطبيق إجراءات الترشيد، وتمديد قرار الإغلاق المبكر للمحال لفترة أخرى كونه نوعاً من التحوط الاقتصادي».

وتثير خطة «التقشف الحكومي» والإغلاق المبكر جدلاً واسعاً في مصر منذ بدء تطبيقها.

وقال الخبير الاقتصادي المصري وائل النحاس لـ«الشرق الأوسط» إن تداعيات الحرب الإيرانية وأزمة الطاقة «تتطلب استمرار خطة التقشف والترشيد، لأن القادم أصعب»، وفق رأيه، مؤكداً أن «الأزمة تستدعي إجراءات أكثر حدة؛ لأن العالم مقبل على أزمة طاقة كبيرة، وتأثر في سلاسل الإمدادات خاصة للمواد الغذائية».

ويرى النحاس أنه «لا يوجد معنى الآن للحديث عن تأثر المحال بالإغلاق المبكر ساعة أو ساعتين، بسبب تصاعد تداعيات الأزمة»، لكنه أشار إلى أن «الحكومة المصرية ملتزمة بخطة الترشيد والحد من نفقاتها غير الضرورية».