تونس: ضغوط لإرساء المحكمة الدستورية وتنظيم العلاقة بين غرفتي البرلمان

البرلمان التونسي في إحدى جلساته (موقع البرلمان)
البرلمان التونسي في إحدى جلساته (موقع البرلمان)
TT

تونس: ضغوط لإرساء المحكمة الدستورية وتنظيم العلاقة بين غرفتي البرلمان

البرلمان التونسي في إحدى جلساته (موقع البرلمان)
البرلمان التونسي في إحدى جلساته (موقع البرلمان)

طالبت مجموعة من الأحزاب السياسية التونسية، وعدد من المرشحين المحتملين لخوض الانتخابات الرئاسية المقررة نهاية السنة الحالية، باستكمال محطتين مهمتين قبل هذه الانتخابات، هما: المحكمة الدستورية، والقانون المنظم للعلاقات بين الغرفتين، أي البرلمان المنبثق عن انتخابات2022، و«المجلس الوطني للجهات والأقاليم» المنبثق عن الانتخابات المحلية الأخيرة.

ويرى هؤلاء، أن مرحلة الاستعداد للاستحقاق الرئاسي وفق ما ستعلنه هيئة الانتخابات بالتشاور مع رئاسة الجمهورية، تتطلب «الاشتغال الفوري على هذين الملفين اللذين سيحددان طبيعة العلاقات الرابطة بين مختلف المؤسسات الدستورية، وطرق حل الخلافات في حال حصولها، كما أنهما يمثلان خطوة أساسية نحو استكمال البناء السياسي والدستوري لمنظومة الحكم التي أقرها الرئيس التونسي بعد إعلان التدابير الاستثنائية في 25 يوليو(تموز)2021، وتقويض منظومة الحكم التي كانت تتزعمها حركة النهضة».

تونسي يدلي بصوته في الدور الثاني لانتخابات أعضاء المجالس المحلية (إ.ب.أ)

وفي هذا السياق، نبهت حركة «حق»، وهي ائتلاف سياسي معارض تشكل السنة الماضية، ويضم حركة «مشروع تونس»، ومجموعة «شباب البديل»، وحراك «درع الوطن»، بخطورة الذهاب إلى انتخابات رئاسية في غياب المحكمة الدستورية، وطالبت «بالتسريع في تعيين جميع أعضائها، الراجع لرئيس الجمهورية، من أجل إرساء دولة الحق والقانون».

وقالت الحركة إنها «تتابع بكل اهتمام، تواصل تعطيل إرساء المحكمة الدستورية رغم رفع التعقيدات الإجرائية التي حالت دون التوصل إلى اتفاق حول أعضائها، وحصرهم في جهات قضائية معلومة ومحدّدة، حيث يمكن لرئيس الجمهورية تعيينها في الحين، وإصدار القانون المنظم لها طبقاً لأحكام الفصل 132 من الدستور التونسي».

وأكدت أن أحد أبرز أخطاء مرحلة ما بعد إقرار دستور، 2014 هو «التلكؤ في إرساء المحكمة الدستورية لحسابات سياسية لم تعر أي اهتمام لمصلحة الدولة وسلامة سير المؤسسات الدستورية والمنظومة القانونية والنأي بها عن الخروقات الدستورية».

نجيب الشابي رئيس «جبهة الخلاص» المعارضة (إ.ب.أ)

ومن ناحيته، دعا أحمد نجيب الشابي رئيس «جبهة الخلاص الوطني» المعارضة، في تصريح إعلامي إلى «تنقية المناخ السياسي»، قبل موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة. وأكد أن من أهم شروط المعارضة للمشاركة في هذه الانتخابات، «هو تركيز المحكمة الدستورية التي تنظر في مدى مطابقة شروط الترشح للرئاسية مع المعايير الدولية». ورأى أن المطالبة بتوافر شرط «الحقوق السياسية والمدنية، في حين أن معظم القيادات السياسية في السجن، ستكون في صلب اهتمام المحكمة الدستورية».

وبشأن تنظيم العلاقة بين الغرفتين، قال المحلل السياسي حسان العيادي، إنه «في ظل التوتر السياسي الحالي بين البرلمان والسلطة التنفيذية، والذي تجسد في إسقاط مشروع قانون مررته الرئاسة، وطالبت باستعجال النظر فيه، فان ذلك يعني أن تونس قد تشهد صراعاً غير معلن بين السلطة التنفيذية والبرلمان، وصداماً بين الغرفتين بشأن صلاحيات كل منهما».

لكن السلطات التونسية لم تُبدِ حماساً كافياً لتنظيم العلاقة بين الغرفتين النيابيتين، علاوة على إرساء المحكمة الدستورية التي ستفصل الخلافات في تأويل القوانين، وتنظر في مدى مطابقتها الدستور التونسي. ومن ذلك أن يوسف طرشون مقرر لجنة النظام الداخلي والقوانين الانتخابية والقوانين البرلمانية والوظيفة الانتخابية بالبرلمان التونسي، أفاد في تصريح إعلامي بأنه «إلى حد الآن، ليس لنا معلومة رسمية بشأن إعداد نص ينظم العلاقة بين مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم».

جانب من اجتماع للحكومة التونسية (الحكومة)

وكشف في هذا الشأن، أن اللجنة البرلمانية «ما زالت تنتظر إحالة مبادرة تشريعية من الحكومة تتعلق بتنظيم العلاقة بين الغرفتين التشريعيتين» مؤكداً، «أنه كان من الأجدى سن هذا القانون قبل تشكيل المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم، بالنظر إلى أن هذه المجالس انطلقت في العمل دون تحديد صلاحياتها وإجراءات عملها».

ويرى أساتذة القانون الدستوري في تونس «أن البرلمان الحالي لا يمكنه أن يكون خصماً وحكماً في الوقت نفسه، بإعداد مبادرة تنظم علاقته مع الغرفة النيابية الثانية، غير أنهم لا ينفون دور المجلس في إدخال التعديلات الضرورية على نص المبادرة التشريعية حينما تجري إحالته عليه».

وفي هذا الشأن، يرى الأمين الجلاصي أستاذ القانون العام بالجامعة التونسية أن مجلس الجهات والأقاليم «لا يختلف كثيراً عن مجلس المستشارين الذي بعثه الرئيس السابق زين العابدين بن علي، وكان دوره استشارياً في المقام الأول، غير أنه قد يطالب بدور أكبر، ويعطي آراءه في عدد من مشاريع القوانين، وهذه الآراء قد تكون مناقضة لرؤية البرلمان، وهو ما قد يجعل علاقتهما صدامية، ومن الضروري تنظيمها بقوانين واضحة تحدد صلاحيات كل غرفة من الغرفتين».


مقالات ذات صلة

أميركا تقر صفقة محتملة لبيع معدات أمن لتونس

شمال افريقيا وزارة الخارجية الأميركية بالعاصمة واشنطن (رويترز)

أميركا تقر صفقة محتملة لبيع معدات أمن لتونس

أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، اليوم (الاثنين) ‌أنها ‌وافقت ​على ‌صفقة ⁠محتملة ​لبيع معدات إلى ⁠تونس دعماً للمرحلة ⁠الثالثة ‌من مشروع ‌أمن ​الحدود ‌التونسي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
شمال افريقيا جانب من الوقفة الاحتجاجية المطالبة بإطلاق سراح الصحافي مراد الزغيدي (أ.ف.ب)

تونس تعلِّق نشاط «رابطة حقوق الإنسان» الحاصلة على جائزة نوبل للسلام

أكدت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» أنه تم إيقاف نشاطها مدة شهر، في بيان صدر في وقت متأخر، أمس (الجمعة).

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا من مظاهرة سابقة نظَّمها صحافيون وسط العاصمة للتنديد بما سموه «التضييق على وسائل الإعلام» (رويترز)

تونس: غضب حقوقي إثر تحفظ السلطات على صحافي معارض

قال نافع ‌العريبي، محامي الصحافي التونسي زياد الهاني، إنَّ النيابة العامة أمرت، اليوم (الجمعة)، بالتحفظ على موكله، في خطوة أثارت غضب حقوقيين.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)

تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

أثارت تصريحات نائب تونسي حول الاغتصاب والمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً وانتقادات واسعة.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا من احتفالات يهود سابقة داخل كنيس الغريبة قبل وقوع الهجوم الإرهابي (أ.ف.ب)

تونس تستأنف الحج اليهودي إلى كنيس الغريبة

يُستأنف الحج اليهودي إلى كنيس الغريبة في جزيرة جربة التونسية، نهاية أبريل الحالي، مع فتحه أمام المشاركين.

«الشرق الأوسط» (تونس)

الجزائر على مشارف منعطف أمني غير مسبوق بسبب الوضع في مالي

جانب من المواجهات بين الجيش المالي والمعارضة بقرية في شمال البلاد (مالي ويب)
جانب من المواجهات بين الجيش المالي والمعارضة بقرية في شمال البلاد (مالي ويب)
TT

الجزائر على مشارف منعطف أمني غير مسبوق بسبب الوضع في مالي

جانب من المواجهات بين الجيش المالي والمعارضة بقرية في شمال البلاد (مالي ويب)
جانب من المواجهات بين الجيش المالي والمعارضة بقرية في شمال البلاد (مالي ويب)

تُجمع أحدث القراءات التحليلية والتقارير الحكومية في الجزائر على أن الدولة تواجه «منعطفاً أمنياً غير مسبوق»؛ جراء الوضع المتفجر في مالي؛ وهو واقعٌ يفرض بالضرورة صياغة مقاربة شاملة، تتجاوز الحلول العسكرية الصرفة لتشمل الأبعاد السياسية والدبلوماسية.

عساكر ماليون في الميدان لمواجهة تحالف المتطرفين مع المعارضة (باماكو بامادا)

شهد شهر أبريل (نيسان) 2026، وتحديداً يوم 25 منه، تصعيداً خطيراً في مالي، تمثل في هجمات منسقة قادها متطرفون إسلاميون ومعارضون طوارق، استهدفت مراكز حيوية ومواقع عسكرية تابعة للجيش المالي وحلفائه، واتسمت لاحقاً بتوسع رقعة الاشتباكات، وانتقال الثقل العسكري من أقصى الشمال نحو مناطق في الوسط وبالقرب من العاصمة باماكو. كما طرد المهاجمون القوات الروسية؛ التي تدعم القوات الحكومية، من بلدة كيدال الاستراتيجية بالشمال.

مشكلة في الفناء الخلفي

بالنسبة إلى الجزائر، لا تعدّ الأزمة المالية شأناً بعيداً؛ فهي تدور في الفناء الخلفي لحدودها الجنوبية، وفي فضاء هش يعاني منذ عشرات السنين من التهريب، والهجرة غير الشرعية، وتدفق السلاح. لذا؛ تتابع الجزائر هذه التطورات بحذر بالغ؛ خصوصاً أن خبرتها الطويلة في مكافحة الإرهاب علّمتها أن أي أزمة تُترَك «لتتخمر»، فستنتهي حتماً بالانفجار وتجاوز الحدود، وفق ما جاء في تقارير حكومية جزائرية بشأن الأزمة المالية.

مسلحون من المعارضة «الطرقية» بمنطقة كيدال شمال مالي (أزواد نيوز)

بهذا الخصوص، يقول الخبير الجزائري في الشؤون السياسية، الكاتب الصحافي بشير جعيدر، إن 3 تهديدات رئيسية مرتبطة بالوضع في مالي وارتداداته بالمنطقة والجزائر، تلوح في الأفق: الأول «العدوى الأمنية»؛ ذلك أن أي زعزعة استقرار مستدامة في شمال مالي، الحدودي مع الجزائر، ترفع من خطر تحول المنطقة إلى «ملاذات مسلحة متنقلة»، قادرة على التمدد نحو النيجر، وموريتانيا وليبيا، وبالتبعية نحو الجزائر. كما يشير أيضاً إلى «التدفقات البشرية والإجرامية»، إذ نادراً ما تقتصر أزمات الساحل على نوع واحد من النزوح؛ «فمع اللاجئين المدنيين، قد يتسلل المهربون، وتجار البشر، وعناصر مسلحة تسعى لإعادة الانتشار»... وهذا هو التهديد الثاني في نظره، كما تتضمنه التقارير الحكومية نفسها، على سبيل أن احتمال مواجهته يحدده مدى تسارع التطورات في الميدان.

عناصر من حركة «أزواد الطرقية» المعارضة (أزواد نيوز)

ومن التهديدات المطروحة، حسب جعيدر، «التنافس الجيوسياسي»... ففي تقديره، «أصبح الساحل ساحة للصراع بين قوى إقليمية ودولية، أبرزها: روسيا، والغرب، وتركيا، والفاعلون غير الحكوميين. وكل فراغ سياسي يجذب رعاة جدداً، أو مصادر تهديد جديدة».

مواجهة الأزمة بدم بارد

في هذا السياق، تملك الجزائر أوراقاً رابحة، وفق الخبير السياسي نفسه: «تجربة في مكافحة الإرهاب، ودبلوماسية مشهود لها في الساحل، ومعرفة دقيقة بالتوازنات القبلية والتشعبات العرقية في المنطقة، وقدرة على الوساطة. ورغم أنها لا تستطيع الحلول محل الدولة المالية، أو فرض حل بمفردها، فإنها قادرة على منع السيناريو الأسوأ، وذلك من خلال دعم حل سياسي شامل بين باماكو ومكونات الشمال، وتعزيز التعاون الإقليمي لتأمين الحدود، ومنع أي تدويل فوضوي للصراع، وترقية التنمية العابرة للحدود بوصفها ترياقاً ضد الاستقطاب المسلح».

الخبير السياسي بشير جعيدر (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

وأضاف جعيدر موضحاً أن ما يحدث في مالي «يذكرنا بحقيقة غالباً ما تُهمل: الإرهاب لا يزدهر على الدين بقدر ما يزدهر على الفراغ؛ فراغ الحوكمة، والفراغ الاجتماعي، والفراغ الاقتصادي، والفراغ الاستراتيجي. فحيثما انسحبت الدولة، تقدم الآخرون: الميليشيات، والمهربون، والدعاة المتطرفون، أو القوى الأجنبية».

وزير الثقافة سابقاً عبد العزيز رحابي (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

ويقدم الوزير والسفير الجزائري السابق، عبد العزيز رحابي، قراءة للمشهد، قائلاً إن الأزمة في مالي «أدت إلى ازدياد عدد الأطراف الأجنبية على حدودنا مع منطقة الساحل، وحولت المنطقة ساحةَ مواجهة بين القوى العظمى... وهذه التدخلات المرخص بها، تجعل تسوية الأزمات أشد تعقيداً، كما هي الحال في ليبيا، حيث جرى تهميش الجزائر وتونس؛ الجارتين المباشرتين، في البحث عن تسوية للأزمة، لمصلحة عشرات الأطراف الأخرى».

وصرح وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، للصحافة، الاثنين الماضي، بأن بلاده «تتعهد بدعم وحدة مالي؛ أرضاً وشعباً ومؤسسات»، مشدداً على رفضها «القاطع كل أشكال الإرهاب ومظاهره»، موضحاً أن «موقف الجزائر (حيال الأوضاع في مالي) ينبع من تجربتها المريرة مع آفة الإرهاب؛ إذ لا يمكن تبريرها، أو التسامح معها، تحت أي ظرف أو اسم»، داعياً إلى «ضرورة تعزيز الصف الداخلي في مالي الشقيقة، فذلك هو الرادع الحقيقي، والدرع المتين الكفيل بالتصدي للإرهاب وضمان النجاعة في مواجهته».

صراع النفوذ والحدود

تُشكّل الأحداث في مالي، وفق مصادر أمنية جزائرية، ما هو أبعد بكثير من مجرد حوادث أمنية عابرة؛ فهي «تعبر عن تحول عميق في أزمة منطقة الساحل، التي دخلت منذ الآن مرحلة جديدة. وتتجلى هذه المرحلة في مواجهة لم تعد تكتفي فيها الجماعات المسلحة بمهاجمة الدول من مناطقها المعزولة، والجيوب البعيدة، بل تسعى إلى إثبات قدرتها على تهديد المركز، وزعزعة استقرار السلطة، وفرض ميزان قوى على المستوى الوطني»، وفق المصادر نفسها.

مسلحون من تنظيم «أزواد الطرقي» (أزواد نيوز)

والمعروف أن علاقة الجزائر بالسلطة العسكرية في باماكو تدهورت بشكل مفاجئ في بداية 2024، إثر إعلان رئيس السلطة الانتقالية، العقيد عاصيمي غويتا، انسحابه من «اتفاق السلام» مع المعارضة الطوارقية الموقّع في الجزائر عام 2015. وعدت الجزائر هذه الخطوة موجهة ضدها، بوصفها الوسيط في الأزمة الداخلية، كما تترأس «اللجنة الدولية» المكلفة تنفيذ الاتفاق.

أحدث صورة للعقيد عاصيمي غويتا (باماكو بامادا)

وتصاعد الخلاف مع الجزائر في نهاية مارس (آذار) 2025، إثر تفجير سلاحها الجوي طائرةً مسيّرة مالية، كانت تتعقب تحركات المعارضة المسلحة بالحدود؛ مما خلف أزمة دبلوماسية حادة مع باماكو وجارتيها بوركينافاسو والنيجر، اللتين انحازتا إليها بحكم اشتراك البلدان الثلاثة في حلف سياسي وأمني، يطلَق عليه «تحالف دول الساحل».


عودة السودانيين من مصر... زخم متزايد رغم مخاوف نقص الخدمات

سودانيون يرتبون أثاثهم قبل رحلة عودة طوعية من مصر إلى بلادهم هذا الأسبوع (لجنة الأمل للعودة الطوعية)
سودانيون يرتبون أثاثهم قبل رحلة عودة طوعية من مصر إلى بلادهم هذا الأسبوع (لجنة الأمل للعودة الطوعية)
TT

عودة السودانيين من مصر... زخم متزايد رغم مخاوف نقص الخدمات

سودانيون يرتبون أثاثهم قبل رحلة عودة طوعية من مصر إلى بلادهم هذا الأسبوع (لجنة الأمل للعودة الطوعية)
سودانيون يرتبون أثاثهم قبل رحلة عودة طوعية من مصر إلى بلادهم هذا الأسبوع (لجنة الأمل للعودة الطوعية)

سجّلت عودة السودانيين النازحين من مصر إلى بلادهم زخماً متزايداً مؤخراً، مع استئناف رحلات العودة المجانية، واتساع قوائم الانتظار، وفق مبادرة شعبية مهتمة بالملف، بالتزامن مع اقتراب نهاية الموسم الدراسي في مصر، وذلك بعد ثلاثة أعوام من حرب خلّفت أزمات معيشية وإنسانية واسعة، وفق تقديرات منظمات دولية.

وقال السفير عبد القادر عبد الله، قنصل السودان في أسوان (جنوب مصر)، لـ«الشرق الأوسط»، إن القنصلية تتلقى بشكل دوري آلاف الطلبات من السودانيين الراغبين في العودة، مشيراً إلى أن قوائم الانتظار تضم أعداداً كبيرة في ظل تزايد الإقبال على برامج العودة الطوعية.

وأوضح أن القنصلية تعمل بتنسيق مباشر مع «لجنة الأمل للعودة الطوعية للاجئين والنازحين»، لتسهيل واستكمال الإجراءات التنظيمية الخاصة بالرحلات، علماً بأن اللجنة مبادرة شعبية تضم شخصيات سياسية ومجتمعية سودانية، وتعمل بالتعاون مع السفارة السودانية في القاهرة لضمان تنظيم عمليات العودة بصورة سلسة ومنسقة.

عشرات السودانيين قبل انطلاق إحدى رحلات العودة للبلاد في أكتوبر الماضي (مجلس الوزراء المصري)

لكن هذا الزخم لا يزال محفوفاً بهواجس إنسانية ومعيشية معقدة، تتعلق بنقص الأمن والخدمات والتعليم والرعاية الصحية، ما يجعل قرار العودة بالنسبة إلى آلاف الأسر معادلة شديدة الحساسية بين الحنين إلى الوطن والخوف من المجهول.

ورغم قسوة الظروف، لا يغيب السودان عن أحاديث كثير من المقيمين في مصر، الذين يتابعون باهتمام أخبار قوافل «العودة الطوعية» التي بدأت في التحرك خلال الأشهر الأخيرة، أملاً في استعادة حياتهم الطبيعية داخل بلادهم.

ومنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، هرب أكثر من مليون و200 ألف سوداني إلى مصر، وفق تقديرات رسمية، بينما كان يقيم فيها بالفعل نحو خمسة ملايين سوداني قبل الحرب، لتتحول مصر إلى إحدى أبرز وجهات اللجوء للسودانيين الفارين من المعارك.

وحتى نهاية العام الماضي، عاد إلى السودان نحو 428 ألفاً و676 شخصاً بصورة طوعية، وفق أرقام سبق أن كشفها السفير عبد القادر عبد الله، بعد مبادرة أطلقتها السلطات المصرية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي لنقل السودانيين الراغبين في العودة عبر قطار مخصص من القاهرة إلى أسوان.

وشجّع اقتراب انتهاء الموسم الدراسي في المدارس السودانية بمصر كثيراً من الأسر على العودة، انتظاراً لانتهاء امتحانات المرحلة المتوسطة، حتى إن بعضهم بدأ في بيع أثاث منزله تمهيداً للمغادرة.

وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم لدى تفقده إحدى لجان الثانوية العامة في مصر (السفارة السودانية في القاهرة)

وفي وقت سابق هذا الأسبوع، تمكنت «لجنة الأمل للعودة الطوعية للاجئين والنازحين» من تسيير رحلات مجانية ضمت 34 حافلة أقلّت نحو 1610 عائدين من القاهرة والإسكندرية وأسوان.

وقال الناطق الرسمي باسم اللجنة، عاصم البلال، لـ«الشرق الأوسط»، إن اللجنة تتلقى آلاف الطلبات من راغبين في العودة، مشيراً إلى نية اللجنة إطلاق رحلات جديدة خلال الأيام المقبلة وهو ما يرتبط بصورة أساسية بتوفر التمويل، إذ تعتمد الموارد الحالية على تبرعات رجال أعمال سودانيين وجهود فردية.

ورغم صعوبة الأوضاع المعيشية داخل السودان، أشار البلال إلى أن المرحلة الحالية تشهد تركيزاً على عودة بعض الفئات المهنية، مثل القضاة والأطباء والإعلاميين العاملين في الإذاعة والتلفزيون، للمساهمة في استعادة الخدمات والمشاركة في جهود إعادة الإعمار.

وأضاف أن اللجنة تلقت تطمينات من الحكومة السودانية بشأن العمل على توفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، لا سيما في قطاعي التعليم والصحة، بما يساعد على تهيئة الظروف المناسبة للعائدين.

ووفق تقديرات غير رسمية للجنة، قد يصل عدد الراغبين في العودة الطوعية من مصر إلى نحو 900 ألف شخص، فيما تحتاج عمليات العودة إلى ميزانية أولية تقارب نصف مليون دولار. وسبق أن أعلنت السفارة السودانية في القاهرة عن تسهيلات جديدة لدعم العودة الطوعية، من بينها تدشين منصة إلكترونية لتسريع إجراءات السفر والعودة.

ومن منظور الإعلامية السودانية هنادي عبد اللطيف، فإن طموح العودة إلى السودان بات يتزايد بقوة لدى قطاعات واسعة من السودانيين المقيمين في مصر، متحدثة لـ«الشرق الأوسط» عن تلقيها آلاف الاستفسارات بشأن تفاصيل العودة، فضلاً عن الطلبات المتزايدة التي استقبلتها «لجنة العودة الطوعية» من سودانيين يرغبون في العودة إلى بلادهم.

وتعتقد الإعلامية السودانية، المهتمة بهذا الملف، أن تقديرات توقيت العودة تختلف من أسرة إلى أخرى وفق الظروف المعيشية والاجتماعية لكل فرد، موضحة أن كثيراً من الأسر لا تزال مترددة، خصوصاً من لديهم أبناء في مراحل التعليم المختلفة أو يحتاجون إلى خدمات صحية مستقرة، إلى جانب آخرين تمكنوا من بناء قدر من الاستقرار النسبي في مصر بعد شراء أثاث ومستلزمات معيشية، ما يجعل فكرة العودة بالنسبة إليهم مرتبطة بمخاوف من مستقبل غير واضح.

يقول حسن، وهو شاب (19 عاماً) قدم من جنوب الخرطوم قبل عام، لـ«الشرق الأوسط»، إن «فكرة العودة إلى السودان تراوده باستمرار، لكنه يتردد في حسم القرار في ظل تدهور الأوضاع الصحية وانتشار الأوبئة مثل حمى الضنك، إلى جانب النقص الحاد في الخدمات الأساسية، خصوصاً الكهرباء والرعاية الطبية».

سودانيون يستعدون لرحلة عودة طوعية من مصر هذا الأسبوع (لجنة الأمل للعودة الطوعية)

وبحسب أحدث تقديرات منظمة الصحة العالمية، يتزايد القلق إزاء استمرار انتشار حمى الضنك في أنحاء السودان، مع تسجيل أكثر من 75 ألف إصابة و169 حالة وفاة في 15 ولاية من أصل 18 حتى 24 أبريل (نيسان) الحالي.

ويبدو أن تحسن بعض ظروف المعيشة في عدد من المدن كفيل باتخاذ قرار العودة، وفق حسن، الذي أشار إلى أن كثيراً من السودانيين باتوا مقبلين على وضع أسمائهم على قوائم انتظار الرحلات المتجهة إلى السودان.

أما أم محمد، وهي سودانية من ولاية الفاشر، فتقول إن كثيراً من معارفها وأقاربها شرعوا بالفعل في إجراءات العودة، غير أن الوضع الصحي المتدهور وغياب الخدمات الأساسية يرجئان اتخاذ هذه الخطوة حالياً، خصوصاً أن طفلها يحتاج إلى رعاية صحية يصعب توفيرها داخل السودان في الوقت الراهن.

ويرى إبراهيم بشير، وهو رب أسرة يقيم في مصر منذ اندلاع الحرب، أن القرار لا يزال بالغ الصعوبة بالنسبة إلى كثير من العائلات، موضحاً أن أبناءه موزعون على مراحل دراسية مختلفة، في وقت تعرضت فيه مدارس عديدة داخل السودان للدمار أو التوقف عن العمل، ما يجعل مستقبلهم الدراسي مهدداً في حال العودة الآن.


ما الخيارات المتاحة لواشنطن لتمرير «مبادرة بولس» بليبيا؟

صدام حفتر مستقبلاً بولس في بنغازي يناير الماضي (القيادة العامة)
صدام حفتر مستقبلاً بولس في بنغازي يناير الماضي (القيادة العامة)
TT

ما الخيارات المتاحة لواشنطن لتمرير «مبادرة بولس» بليبيا؟

صدام حفتر مستقبلاً بولس في بنغازي يناير الماضي (القيادة العامة)
صدام حفتر مستقبلاً بولس في بنغازي يناير الماضي (القيادة العامة)

في ظل تصاعد الرفض السياسي والاجتماعي داخل غرب ليبيا لمبادرة مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، مسعد بولس، الرامية لحل الأزمة السياسية، بات يطرح سؤال جوهري حول السبل التي يمكن أن تلجأ إليها واشنطن لتمرير هذه المبادرة.

وتقضي المبادرة المنسوبة إلى بولس ببناء تفاهمات بين سلطتي طرابلس وبنغازي، من خلال تولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة مجلس رئاسي جديد بدلاً من محمد المنفي، مع إبقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.

محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي (رويترز)

وتوقع رئيس المجلس الوطني للعلاقات الأميركية - الليبية، هاني شنيب، أن «تلجأ واشنطن إلى دمج رؤيتها لمعالجة الأزمة الليبية في (خريطة الطريق) الأممية، مما سيمنح الأخيرة زخماً حقيقياً»، لافتاً إلى عدم وجود إجماع شعبي في ليبيا على رفض تلك المبادرة.

ويرى شنيب في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الشريحة الأكبر في المجتمع الليبي تعد الغالبية الصامتة، وهي اليوم تعبر عن تذمرها من تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية بشكل يفوق اهتمامها بأي مبادرات أو مسارات سياسية».

وعزا شنيب مواقف رفض البعض إلى «غموض المسار الأميركي في شقه السياسي، وتحديداً غياب التفاصيل الرسمية، مما أبقى الأمر رهينة للشائعات».

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً في ظل وجود حكومتين متنافستين، هما: «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، تدير المنطقة الشرقية بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.

وخلال كلمته في المؤتمر السنوي الثامن للمجلس الوطني للعلاقات الأميركية - الليبية، استعرض بولس رؤيته لمستقبل ليبيا، التي ترتكز على ثلاثة مسارات متوازية: تعزيز التكامل بين المؤسسات العسكرية والأمنية، وإدارة شفافة للاقتصاد الليبي، وإيجاد توافق سياسي واسع بين شرق البلاد وجنوبها وغربها.

وفي محاولة للرد على الانتقادات ولطمأنة المتخوفين، أكد بولس أن «أي مبادرة سياسية مستقبلية يجب أن تكون شاملة، وتحظى بدعم واسع من مختلف المناطق والمؤسسات».

المبعوثة الأممية هانا تيتيه (غيتي)

وعدّ شنيب أن «الثقل الدولي لواشنطن ضمانة حقيقية لنجاح أي مسار سياسي»، مذكراً بتصريحات مبعوثين أمميين سابقين مفادها أن «أي مبادرة لا تحظى بدعم دولي واضح لا يمكن فرضها على القوى الفاعلة الأكثر تأثيراً في شرق البلاد وغربها».

وفي أغسطس (آب) الماضي، قدمت المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، «خريطة طريق» لتجاوز وضعية الانقسام، والعمل على إعادة توحيد المؤسسات، وحل أزمة الشرعية عبر انتخابات وطنية. لكن بسبب عجز مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» عن استكمال المرحلتين الأوليين من تلك الخريطة، والمتمثلتين في تهيئة المفوضية الوطنية للانتخابات، وحسم الإطار القانوني للاستحقاق الانتخابي، دعت تيتيه مؤخراً إلى اجتماع مصغر يضم فاعلين ليبيين للخروج من هذا المأزق.

بالمقابل، استبعد مدير «معهد صادق للأبحاث»، أنس القماطي، «نجاح أي دمج بين (الخريطة الأممية) و(مبادرة بولس)، أو أي محاولة لإضفاء الشرعية على الأخيرة»، مستنداً إلى «تهديد المجلس الأعلى للدولة بتجميد عضوية أعضائه المشاركين في اجتماع (الطاولة المصغرة)، الذي دعت إليه تيتيه، وانطلقت أعماله الأربعاء في روما».

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة المؤقتة (الوحدة)

ولفت القماطي إلى «ازدياد الضغوط على الدبيبة مع تصاعد غضب مكونات اجتماعية وعسكرية في مصراتة، مسقط رأسه، التي هددت بسحب دعمها له جراء اعتراضاتها على مبادرة بولس».

وقال القماطي إن «المسار السياسي وتوحيد السلطة في ليبيا يُعدّان الهدف الرئيسي لواشنطن، في ظل مواجهتها للوجود الروسي، ورغبتها في إخراجه من البلاد، وهو الأمر الذي لن يتحقق إلا بوجود حكومة موحدة تطالب موسكو بسحب قواتها».

في المقابل، اتهم رئيس حزب «شباب الغد»، أحمد المهدوي، في إدراج له، أطرافاً ومدناً لم يسمها بالتخوف، ومحاربة «أي مشروع يوحد المؤسسات وينهي الفوضى».

أما الباحث في معهد الخدمات الملكية المتحدة، جلال حرشاوي، فتوقع أن «تؤجل واشنطن مسارها بشأن توحيد السلطة لأسابيع أو أشهر»، مشيراً إلى «غياب أي مؤشر على امتلاكها خطة بديلة».

ولفت حرشاوي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «فكرة تنصيب صدام حفتر رئيساً للمجلس الرئاسي باتت معروفة منذ يناير (كانون الثاني) 2026، مما أتاح لقوى طرابلس وعموم غرب ليبيا التعبئة ضدها».

وتوقع حرشاوي أن «تعزز هذه التطورات المسار الأممي، وإن كان المتوقع أن يظل بطيئاً وشاقاً»، محذراً في الوقت ذاته من أن الدبلوماسية الأميركية لن تسلّم بالهزيمة بسهولة.

وتوسط نائب رئيس «المؤتمر الوطني» السابق، صالح المخزوم، الآراء السابقة، مؤكداً أن المبادرة المنسوبة لبولس «لن تمر بصيغتها الراهنة بسبب افتقارها إلى توافق وطني واسع»، مشيراً إلى أن نهج الفرض «قد يزيد من حدة الاحتقان».

ورجح المخزوم في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «تسلك واشنطن مساراً بديلاً، يقوم على دمج رؤيتها مع الإطار الأممي عبر دعم إطلاق حوار سياسي موسع»، متوقعاً أن يفضي ذلك إلى «استمرار الاعتماد على ذات القوى الفاعلة مع تغيير الأسماء المثيرة للجدل».