الجريمة في الدراما الرمضانية بالجزائر... قضية رأي عام تتحول إلى «قضية دولة»

الحكومة تدخلت لضبط المشهد بما تراه متناسباً مع «حرمة رمضان»

وزير الاتصال مع وزير الرياضة خلال اجتماع مع عدد من الإعلاميين (وزارة الاتصال)
وزير الاتصال مع وزير الرياضة خلال اجتماع مع عدد من الإعلاميين (وزارة الاتصال)
TT

الجريمة في الدراما الرمضانية بالجزائر... قضية رأي عام تتحول إلى «قضية دولة»

وزير الاتصال مع وزير الرياضة خلال اجتماع مع عدد من الإعلاميين (وزارة الاتصال)
وزير الاتصال مع وزير الرياضة خلال اجتماع مع عدد من الإعلاميين (وزارة الاتصال)

أثارت أعمال درامية تبثّها القنوات الجزائرية على شاشاتها بمناسبة شهر رمضان جدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب تمحورها حول عالم الجريمة، ما استدعى تدخّل الحكومة لضبط المشهد بما تراه متناسباً مع «حرمة شهر رمضان». ويُشكل عالم الجريمة والمافيا وتبييض الأموال والبلطجة محوراً لغالبية الأعمال الدرامية، التي تبثّها القنوات الجزائرية بدرجات متفاوتة في حدة تناول التفاصيل، ومن بينها أعمال مثل (دموع الولية) و(الرهان)، و(حداش حداش 2) و(البراني) و(انتقام الزمن).

بوستر مسلسل البراني الذي كان محل انتقاد شديد من طرف الحكومة (الشرق الأوسط)

وتصدّر المشهد مسلسل (البراني) للمخرج يحيى مزاحم، المقتبس من قصة (السجين) لمزاحم الصادرة في عام 2016، بتخطّي عدد مشاهديه ثلاثة ملايين منذ حلقته الأولى، وفقاً لما أعلنته قناة (الشروق) التّي تبث حلقاته، وذلك على الرغم من الضجّة التي أحدثها على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب مشاهد، قال البعض إنها تعدّت على «حُرمة» شهر الصوم. وكانت إحدى اللقطات التي أثارت الجدل في المسلسل، في الحلقة الأولى، عندما اقتاد بطله الممثل كريم دراجي، (لعب دور محمد)، نجمة «التيك توك» نورين حايد، التي تلعب دور منال، في نزهة إلى الغابة بسيارته، وحرّضها على تناول المخدرات بتفاصيل أثارت حفيظة العديد من المشاهدين على مواقع التواصل الاجتماعي.

من حكايات الحماة إلى عالم الجريمة

ترى الكاتبة الصحافية المتخصصة في الشأن الثقافي، نبيلة سنجاق، أن الأعمال الدرامية الجزائرية لموسم رمضان 2024 تسير على نفس خطّ المسلسلات المُنتجة في الموسمين الأخيرين. وقالت لـ«وكالة أنباء العالم العربي» إنّ كتّاب السيناريو يتّجهون لمحاكاة الواقع الجزائري من خلال «استنطاق بعض المظاهر الاجتماعيّة التي استفحلت في العشريّة الأخيرة... خاصة ظاهرة الإجرام، مثل تهريب الآثار وتبييض الأموال، وتجارة المخدّرات وآثارها الوخيمة على المجتمع وعلى فئة الشباب تحديداً». مضيفة أن هناك «ثمّة رغبة في كتابة سيناريوهات تختلف عمّا سبَق في التسعينات وبداية الألفية، والابتعاد عن تصوير المشاكل العائليّة الصغيرة والصراعات الذاتيّة بين الحماة والكنة (زوجة الابن)، أو بين الأخوة حول مسائل الإرث أو النسب، رغم أن هذه المواضيع ما زالت موجودة ومستفحلة، وبحاجة إلى من يتناولها فنياً».

بوستر أحد الأعمال التلفزيونية التي أثارت استياء الحكومة (الشرق الأوسط)

كما أشارت سنجاق إلى «النزعة نحو الذهاب إلى أعمال فنية تروي قصصاً درامية عن صراع الجماعات بشيء من الجرأة والمغامرة، وتسمية الأشياء بمسميّاتها ورفع التكليف، الذي زعزع المتلقّي وأحرجه أحياناً، ووضعه أمام طريقة معالجة جديدة ومباشرة شكلاً ومضموناً، حتّى رآها البعض مستفزّة وخادشة لحرمة رمضان».

وتابعت الكاتبة الصحافيّة موضحة: «لقد أصبح مشهد تعاطي المخدرات الصلبة في رمضان، وعلى شاشة ما بعد الإفطار، حدثاً جللاً رغم أنّ ذلك يحدث يومياً وراء الجدران». وأوضحت أنّ عموم ما تمّ تقديمه في بعض المسلسلات الرمضانيّة «هو جزء من واقع معروف ومعيش يومياً، وهو جزء مما تتناقله التقارير الصحافيّة والمستجدّات السياسيّة والاقتصادية والاجتماعية والثقافية». وترى نبيلة أنّ ما يحدث من نقاش وجدل اجتماعي تواصلي بمناسبة الموسم التلفزيوني الرمضاني «دليل على وجود حركيّة فنيّة بكل ما تحمل من إيجابيات وسلبيات». ودعت القائمين على صناعة الدراما في الجزائر إلى «التعامل بذكاء فنيّ أكبر مع المشاهد ومعرفة سيكولوجية المتلقّي الجزائري، وعدم استسهال عمليّة الكتابة، والتركيز في تشخيص القضايا التي تهمّ المشاهد وفي الشكل الأنسب، خاصة إذا كانت ستتوافق مع شهر رمضان».

وزارة الاتصال تنتفض

استدعى ما أثاره مسلسل (البرّاني) من انتقادات وجدل على مواقع التواصل الاجتماعي تدخّل الحكومة عبر وزارة الاتصال، وكانت البداية باستدعاء مدير قناة (الشروق) التي تبثه إلى مقرّ الوزارة، الأسبوع الماضي، ليقرر وزير الاتصال بعد ذلك استدعاء جميع مديري القنوات من أجل وضع النقاط على الحروف.

وزير الاتصال محمد لعقاب (حساب الوزارة)

ووفقاً لبيان صادر عن الوزارة، فإنّ وزير الاتصال محمد لعقاب هدّد في اجتماعه مع مديري القنوات يوم الأحد، بأنّ الوزارة لن تتوانى في اتخاذ إجراءات لسحب رخص التصوير من وكالات الإنتاج، وإدراجها ضمن المنتجين الممنوعين من الحصول على رخص التصوير مستقبلاً. وقالت الوزارة في بيانها: «بعد الملاحظات التي سجلتها حول مختلف البرامج الرمضانية، فإنها تُذكّر كافة المنتجين ووكالات الإنتاج السمعي البصري، الحاصلين على رخص التصوير من مصالح الوزارة، بضرورة الالتزام بمحتوى رخصة التصوير الممنوحة، والتقيّد بالتعهّد الممضي عليه بعد تسلم الرخصة». واستناداً إلى تقارير إعلامية، فإن لعقاب لفت خلال ذلك الاجتماع إلى أنّ «بعض البرامج تضمّنت لقطات غير مناسبة، وغير متوافقة مع التقاليد الاجتماعية الجزائرية وحرمة شهر رمضان». وقال إن «اللقطات كانت صامتة، وكان يمكن حذفها دون التأثير على السيناريو»، مبيناً أن القنوات التلفزيونية «تجاوزت الحدود المهنيّة والأخلاقية».

قانون العقوبات والدراما

في السياق، يرى أستاذ القانون بجامعة سطيف، الدكتور عبد الحليم غجاتي، أنّ هذه البرامج «تشكّل حتماً خرقاً لقواعد أخلاقيات السمعي البصري، ما يترتب عليه عقوبات إدارية، غير أنها لا تشكّل أفعالاً يجرّمها قانون العقوبات». وقال غجاتي لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «قد يُوصف محتوى بعض البرامج التلفزيونية، التي تتناول موضوع الجريمة والانحراف السلوكي في المجتمع بشيء من التفصيل المبالغ فيه، بأنه غير مهني، طبقاً لقواعد الاحتراف والأخلاق المهنية». وأوضح أن ذلك قد «يشكّل قاعدة لمحاكاة هذه الأفعال والسلوكيّات لشريحة واسعة من فئات المجتمع، خاصة المراهقين»، مضيفاً أن ذلك «قد يأتي بآثار عكسية عندما يتحوّل تسليط الضوء على جريمة، وفق المعايير الفنيّة، إلى تحريض صريح غير مباشر لتقليد تلك المشاهد على أرض الواقع».

بوستر مسلسل لوشام (الشرق الأوسط)

من جانبه، يرى أستاذ التعليم العالي بكليّة الإعلام والاتصال بجامعة الجزائر، بوجمعة رضوان، أن السلطة الوطنيّة المستقلّة لضبط السمعي البصري، هيئة مستقلة قائمة بذاتها، وهي المختصة بضبط المضامين الإعلامية التي تبث عبر وسائل الإعلام والاتصال، وليس الوزير. وقال رضوان لـ«وكالة أنباء العالم العربي» إن «المشكل مركّب؛ فأولاً سلطة الضبط الجديدة بحكم قانون 2023 لم تُنصّب إلى حد الآن... الوزير نصّب رئيساً للسلطة، دون أن يصدر مرسوم رئاسي لتعيينه كما تنص المادة 43 من القانون. نحن في وضع لا يوجد فيه احترام للقانون من حيث الشكل على الأقل». وكان وزير الاتصال قد أصدر قراراً في فبراير (شباط) الماضي، بتعيين عمّار بن جدة رئيساً بالنيابة للسلطة الوطنية المستقلة لضبط السمعي البصري.

ويرى الأستاذ الجامعي أن كلمة «استدعاء» التي استخدمتها وزارة الاتصال، حين قالت إنها استدعت مدير القناة، «للأسف تحمل تضمينات قضائية». وتساءل: «هل يجوز لممثل السلطة التنفيذية أداء هذا الدور؟ وهل من مصلحته القيام به من كل النواحي؟».

وأوضح رضوان أن «المشكل في كلمة استدعاء أنها تحيل إلى الرقابة، والرقابة بوصفها فلسفة لا تعترف بالضبط»، الذي هو «مسألة مهنية وقانونية لها أبعاد متعددة، وهي تعترف بمبدأ الحرية والإبداع، وتفرض الضبط حتى لا تنحرف ممارسة حرية الإبداع عن حق الجمهور في الإعلام والترفيه». وقال إنّ «حقّ الجمهور هو الهدف الأسمى في فلسفة الضبط؛ لا يُمكِن تصوّر حرية إبداع وحرية صحافة دون الاعتراف بحق الجمهور في الإعلام والترفيه، وفي الحصول على المعلومات حتى يمارس حرياته ويضمن حقوقه المكفولة دستورياً».


مقالات ذات صلة

الجزائر على مشارف منعطف أمني غير مسبوق بسبب الوضع في مالي

شمال افريقيا جانب من المواجهات بين الجيش المالي والمعارضة بقرية في شمال البلاد (مالي ويب)

الجزائر على مشارف منعطف أمني غير مسبوق بسبب الوضع في مالي

تُجمع أحدث القراءات التحليلية والتقارير الحكومية في الجزائر على أن الدولة تواجه «منعطفاً أمنياً غير مسبوق»؛ جراء الوضع المتفجر في مالي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا من لقاء سابق بين الرئيسين الجزائري والفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

الجزائر في قلب معركة الانتخابات الرئاسية الفرنسية

شرعت تصريحات الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بشأن «معتوهين يريدون قطع العلاقة بالجزائر» الباب أمام مواجهة سياسية مفتوحة بين التيارات الفرنسية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

تتصاعد في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي - الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عالمية لوكا زيدان (رويترز)

لوكا زيدان يعاني من كسر في الفك والذقن

أعلن غرناطة أن حارس مرماه ومنتخب الجزائر لكرة القدم لوكا زيدان مصاب بكسر في الفك والذقن اثر اصطدام تعرض له الأحد في المرحلة السابعة والثلاثين من دوري الدرجة.

«الشرق الأوسط» (غرناطة )
شمال افريقيا الفريق أول سعيد شنقريحة (وزارة الدفاع)

قائد الجيش الجزائري: النصر في المعركة الحديثة يرتبط بمنظومة سلاسل الإسناد

أفرزت الحروب الحديثة والثورات الجديدة في الشؤون العسكرية سياقات عمل معقدة ومتغيرة تتطلب بناء استراتيجية مبتكرة بمجال الإسناد اللوجيستي

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

خلافات «العام الانتقالي» في الصومال... اختبار سياسي و3 سيناريوهات

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود مع مسؤولين في ولاية جنوب غربي (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود مع مسؤولين في ولاية جنوب غربي (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

خلافات «العام الانتقالي» في الصومال... اختبار سياسي و3 سيناريوهات

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود مع مسؤولين في ولاية جنوب غربي (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود مع مسؤولين في ولاية جنوب غربي (وكالة الأنباء الصومالية)

يستلزم الدستور الصومالي المعدل حديثاً «عاماً انتقالياً»، يترتب عليه تمديد فترتي مؤسستي الرئاسة والبرلمان سنة أخرى؛ لكن المعارضة لا تكف عن التهديد والإنذار بأنها لن تسمح بتجاوز المواعيد السابقة المقررة لانتهاء ولاية الرئيس حسن شيخ محمود في مايو (أيار) 2026.

وجاء أحدث تلك الإنذارات على لسان رئيس بونتلاند، سعيد عبد الله دني، المختلِف مع الحكومة الفيدرالية، مما يضع الصومال أمام اختبار سياسي وثلاثة سيناريوهات، بحسب خبراء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط».

وحذر رئيس بونتلاند، مساء الأربعاء، من أن الخلافات السياسية قد تهدد وجود الدولة إذا لم يتم التوصل إلى حل شامل قبل نهاية ولاية الرئيس في 15 مايو. وأضاف: «إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سياسي يقبله جميع الصوماليين، فلن تكون هناك حكومة فيدرالية لإدارة البلاد»، بحسب ما نقله الموقع الإخباري «الصومال الجديد».

وتعارض ولايتا جوبالاند وبونتلاند وقيادات معارضة بارزة التعديلات الدستورية، قائلة إنها لم تتم بطريقة قانونية، وأعلنت مقاطعتها الدستور المعدل الذي صادق عليه البرلمان الفيدرالي في مارس (آذار) الماضي، وسط خلافات جذرية مع الحكومة تشمل أيضاً رفض الانتخابات المباشرة.

وأكد رئيس مجلس النواب، آدم محمد نور مدوبي، أن جميع المؤسسات الدستورية ستعمل وفق الدستور المعدل الذي وقّعه الرئيس، وينص على أن «تكون مدة ولاية الرئيس والبرلمان خمس سنوات بدلاً من أربع (التي يفترض أن تنتهي قبل منتصف مايو)».

وعقب إقرار التعديل الدستوري، قال ائتلاف المعارضة الصومالية المعروف باسم «مجلس مستقبل الصومال»، في بيان، إن مدة ولاية البرلمان الفيدرالي، وفق الدستور المؤقت لعام 2012، تنتهي في 14 أبريل (نيسان) 2026، فيما تنتهي ولاية الرئيس في 15 مايو من العام نفسه، مضيفاً أنه يرفض «بشكل واضح وصريح أي محاولة لتمديد فترة الولاية بعد المواعيد المحددة في الدستور المؤقت لعام 2012».

اختبار سياسي

ويقول المحلل السياسي الصومالي، علي محمود كلني، إن الانقسام بين المعارضة والموالاة يتصاعد حول شرعية استمرار الرئيس في منصبه، لافتاً إلى أنه في الوقت الذي تلوّح فيه قوى معارضة بعدم الاعتراف بالرئيس بعد هذا التاريخ، يستند أنصار السلطة إلى مبرر «العام الانتقالي»، عقب إقرار التعديل الدستوري، ما يضع البلاد أمام اختبار سياسي قد يكون الأخطر منذ سنوات.

وأوضح أن التصريحات بعدم الاعتراف بالرئيس بعد 15 مايو تمثل تصعيداً سياسياً واضحاً، لكنها في الوقت ذاته تحمل طابع الضغط التفاوضي، مضيفاً أن الصومال «يقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم، حيث قد يتحول العام الانتقالي من فرصة لإعادة بناء الدولة إلى عامل تفجير لأزمة سياسية معقدة».

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وقال المحلل السياسي الصومالي، حسن نور، إن المعارضة في الصومال «تلوح بتهديداتها بين يوم وآخر، لكن كما يرى أغلب الشعب، فإن الرئيس حسن شيخ محمود وحكومته برئاسة رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، يسيرون على النهج الصحيح نحو قيام دولة دستورية انتخابية، يكون فيها للشعب الحق الكامل في الاختيار، بحيث يستطيع الشاب أو الفتاة ممن بلغوا سن الثامنة عشرة، أن يختار رئيسه القادم».

وأضاف: «أغلب فئات الشعب يرغبون في استمرار الرئيس حسن شيخ محمود لسنة إضافية، لتتم بعدها الانتخابات». وتابع: «وفيما يتعلق بملف الانتخابات، فإنها تدور حالياً على مستوى المحليات، وستليها انتخابات البرلمان، ثم انتخاب عمدة مقديشو، وصولاً إلى انتخاب الرئيس في العام المقبل».

وكان الرئيس الصومالي قد التقى شيوخاً وزعماء تقليديين من مختلف أنحاء البلاد بالقصر الرئاسي، بحسب ما ذكرته «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية، الثلاثاء، مؤكداً أنه لا يمكن التنازل أبداً عن إعادة السلطة للشعب في اختيار قادته السياسيين، ودعاهم إلى دعم إجراء الانتخابات المباشرة «لضمان الوصول إلى تمثيل حقيقي ونظام ديمقراطي شفاف».

معادلة جديدة

وبحسب كلني، فإن المعارضة تسعى إلى فرض معادلة جديدة تضمن مشاركتها في تحديد مسار المرحلة المقبلة، سواء عبر انتخابات توافقية أو ترتيبات انتقالية مشتركة.

وأضاف: «المجتمع الدولي الذي لعب دوراً محورياً في إدارة الأزمات السياسية في الصومال، لن يسمح بانزلاق الوضع نحو انهيار شامل، وسيسعى لمبادرات وساطة وحوار».

ويرجح كلني ثلاثة سيناريوهات للمشهد: «الأول التهدئة والتسوية عبر التوصل لاتفاق سياسي محدد بإطار زمني محدد للمرحلة الانتقالية، والثاني الجمود السياسي الذي يغذيه تمسك الأطراف بمواقفها ومن شأنه أن يقود لشلل سياسي طويل وصولاً لسيناريو التصعيد والانقسام، مما سيؤدي لعدم استقرار أمني ويقود للسيناريو الثالث وهو الانفجار السياسي الذي يعد الأسوأ»، وفق قوله.

أما المحلل السياسي نور فيرى أن في هذه الأزمة السياسية «نهجاً سليماً»؛ إذ يطرح كل طرف فكرته ويقدم رأيه. وهو لا يعتقد أن المعارضة السياسية ستقوم بالتصعيد أو ترفع السلاح في وجه الدولة، وهذا ما أكده الرئيس السابق شريف شيخ أحمد. وأشار أيضاً إلى أن المجتمع الدولي سيدعم مسار الحوار.


ما قصة «بندقية المجاهدين» التي أُهدتها قبيلة ليبية لصدام حفتر؟

صدام حفتر يتفحص «بندقية المجاهدين» التي أُهديت إليه من أعيان بئر الأشهب (القيادة العامة)
صدام حفتر يتفحص «بندقية المجاهدين» التي أُهديت إليه من أعيان بئر الأشهب (القيادة العامة)
TT

ما قصة «بندقية المجاهدين» التي أُهدتها قبيلة ليبية لصدام حفتر؟

صدام حفتر يتفحص «بندقية المجاهدين» التي أُهديت إليه من أعيان بئر الأشهب (القيادة العامة)
صدام حفتر يتفحص «بندقية المجاهدين» التي أُهديت إليه من أعيان بئر الأشهب (القيادة العامة)

أنهى الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، زيارة أجراها مساء الأربعاء إلى منطقة بئر الأشهب، التي تعتبر معقل قبيلة المنفة التي ينتمي إليها «شيخ المجاهدين» عمر المختار، معلناً ضمّها إلى «أولويات برامج الإعمار والتنمية».

 

صدام حفتر خلال زيارة مسقط رأس المناضل عمر المختار في بئر الأشهب (القيادة العامة)

وقبل أن يغادر صدام بئر الأشهب أهداه مشايخ وأعيان المنطقة «بندقية المجاهدين»، التي تعود إلى فترة «الجهاد الوطني» ضد الاحتلال الإيطالي، وذلك «تقديراً لدور صدام ومواقفه الوطنية، وجهوده في دعم الاستقرار في مدن ومناطق ليبيا كافة». فما هي قصة هذه البندقية؟

يرجع تاريخ هذه البندقية، بحسب مشايخ بئر الأشهب، إلى المحاربين القدامى من رفاق المختار، الذين استخدموها خلال المعارك ضد المحتل الإيطالي في الفترة الممتدة ما بين 1911 و1931. وتحتفظ بعض المراكز الليبية - مثل «مركز السلام» في بنغازي - وعدد من الأعيان بنوعيات من هذه البنادق، باعتبارها موروثاً يرمز للشرف والمقاومة، ويهدونها كرمز لـ«التقدير الوطني».

 

المقاوم عمر المختار (الشرق الأوسط)

ويحتفظ «مركز السلام» ببندقية شهيرة لـ«المجاهد الليبي» الراحل، حسين الجويفي، الذي رافق المختار في نضاله ضد الإيطاليين. والجويفي ينتمي إلى منطقة الجبل الأخضر، وهو من قبيلة البراعصة، وينقل المؤرخون الليبيون أن المختار تأثر لاستشهاده، فوقف عند قبره في منطقة خلاء، وقال: «شهير لَسَم وَافِ الدين... تمَّا غفير في فاهق خلا».

وتتنوع «بنادق المجاهدين» التي لا تزال تحتفظ بها ليبيا بين نوعيات عديدة. وكان محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي، قد ظهر خلال زيارة سابقة لبئر الأشهب في مايو (أيار) 2021 وهو يمسك بالبندقية التي حارب بها المختار قوات الاحتلال الإيطالي.

 

صدام حفتر يتفحص «بندقية المجاهدين» (القيادة العامة)

والمختار، الذي يعد أيقونة لليبيين، حارب الإيطاليين لأكثر من عشرين عاماً، وأُعدم في 16 سبتمبر (أيلول) عام 1931.

وبرنامج «الإعمار والتنمية»، بحسب القيادة العامة، يتضمن «إطلاق حزمة متكاملة من المشروعات الخدمية، تشمل تطوير البنية التحتية من طرق وشبكات مياه وكهرباء، وتعزيز القطاع الصحي بمرافق حديثة، إلى جانب الارتقاء بالمؤسسات التعليمية، ودعم المشاريع التنموية، التي تسهم في تحسين مستوى المعيشة وتوفير فرص العمل».

في شأن مختلف، قالت رئاسة الأركان العامة إن الفريق خالد حفتر، رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة، تابع التمرينات التعبوية والتدريبات، التي ينفذها منتسبو الجيش الموجودون في الأردن، وذلك بحضور مدير التدريب العسكري بالقوات المسلحة الأردنية، العميد محمد بدر المقدادي.

وشملت التدريبات، بحسب القيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، برامج متقدمة في مجالات العمليات الخاصة، إضافة إلى تنفيذ مناورة تدريبية، تضمنت اقتحام المباني، وتمرين ميدان الجبال.

وتأتي هذه الزيارات الميدانية في إطار تنفيذ خطة متكاملة لرفع مستوى أفراد القوات المسلحة الليبية، والتي أعدّتها رئاسة الأركان العامة للقوات المسلحة.


الأزمة الليبية: تعدُّد لجان الحل... وأمل الوصول إلى الانتخابات «بعيد»

المنفي مستقبلاً تيتيه في مكتبه بطرابلس في 21 أبريل الحالي (المجلس الرئاسي الليبي)
المنفي مستقبلاً تيتيه في مكتبه بطرابلس في 21 أبريل الحالي (المجلس الرئاسي الليبي)
TT

الأزمة الليبية: تعدُّد لجان الحل... وأمل الوصول إلى الانتخابات «بعيد»

المنفي مستقبلاً تيتيه في مكتبه بطرابلس في 21 أبريل الحالي (المجلس الرئاسي الليبي)
المنفي مستقبلاً تيتيه في مكتبه بطرابلس في 21 أبريل الحالي (المجلس الرئاسي الليبي)

تدور ليبيا في دوامة إبرام المبادرات، وعقد الحوارات، وتدشين لجان تلو لجان، بحثاً عن حل ينهي تعقيدات أزمتها السياسية المستعصية، منذ إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011.

ويعيش البلد المنقسم سياسياً وعسكرياً راهناً أجواء ما تمخض عن أحدث تلك اللجان، وهي لجنة «4+4»، التي شكلتها البعثة الأممية تحت مسمى «المجموعة المصغرة»، عقب انتهاء اجتماع عقدته في روما، الأربعاء، ناقشت خلاله القضايا المتعلقة بالإطار الانتخابي.

الدبيبة والمبعوثة الأممية في لقاء سابق في طرابلس (مكتب الدبيبة)

ومع تعقد أزمتها السياسية، اتجهت ليبيا مبكراً إلى تشكيل لجان وعقد حوارات، بهدف الوصول إلى صيغ مقبولة لإنهاء الفوضى التي ضربت البلاد، وأدت إلى حالة من التشظي والانقسام بين جبهتين شرقاً وغرباً.

تباين بشأن «4+4»

قبيل انطلاق لجنة «4+4»، دافعت عنها البعثة الأممية، وأرجعت سبب إطلاقها إلى استمرار الخلافات بين مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، وقالت إنهما «لم يحرزا تقدماً كافياً نحو الخطوات اللازمة لخريطة الطريق، منذ إعلان المبعوثة هانا تيتيه عنها أمام مجلس الأمن في أغسطس (آب) من العام الماضي».

وأمام تباين آراء سياسيين ونواب ليبيين بشأن «4+4»، كشفت البعثة الأممية عن أن اجتماعها الأول في روما استهل أعماله بمناقشة «الخطوتين الأوليين» من «خريطة الطريق» الأممية، وهما تعديل الإطار القانوني والدستوري اللازم لإجراء الانتخابات، وإعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات.

اجتماع لأعضاء مسار المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان المنبثق عن «الحوار المهيكل» بداية الأسبوع الحالي (البعثة الأممية)

وشددت البعثة على أن «المجموعة المصغرة» أكدت «ضرورة إنهاء الانسداد السياسي، الذي حال دون تقدم المسار الانتخابي». وقالت إنه «تجاوباً مع تطلعات الليبيين، توصل الحاضرون إلى اتفاق على إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات، وأوصوا بأن يقوم النائب العام بترشيح أحد رجال القضاء المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة والحياد، على أن يتم تعيينه وفق القواعد السارية»، وذلك لمعالجة الخلاف القائم بشأن رئيس مجلس المفوضين.

وعدّ فتحي الشبلي، رئيس حزب «صوت الشعب»، أن ما يجري في اجتماع «4+4» في روما يؤكد أن الأزمة الليبية «ما زالت تُدار بمنطق الالتفاف لا الحل»، ورأى أن تشكيل لجنة «خارج الأطر الدستورية المتمثلة في مجلسي النواب و(الأعلى للدولة) يُضعف أي شرعية سياسية لمخرجاتها، ويعيد إنتاج نفس الإشكال بدل تجاوزه».

وذهب الشبلي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «حصر النقاش في إعادة تسمية رئيس للمفوضية العليا يوحي وكأن جوهر الأزمة تقني؛ بينما الحقيقة أنها أزمة سلطة وتوافق سياسي بامتياز».

وقال الشبلي إن «المفوضية جهاز فني، وليست أصل الانسداد»، معتقداً أن ما يحدث عملياً من تكرار تشكيل اللجان «يعدّ إطالة لأمد الأزمة عبر تدوير الملفات، في ظل تدخلات تدفع نحو تقاسم النفوذ، بدل بناء مسار وطني واضح يقود إلى انتخابات حقيقية».

من «غدامس» حتى «المجموعة المصغرة»

مبكراً، اتجه ملف الأزمة إلى مدينة غدامس الليبية، مع نهاية ولاية المبعوث الأممي الثالث طارق متري، السياسي والأكاديمي ووزير الإعلام اللبناني الأسبق.

ومع تسلّم الإسباني برناردينو ليون، المبعوث الرابع، مهمته في أغسطس (آب) 2014، انطلقت جولات الحوار الليبي فيما عُرف بـ«غدامس 1» مع نهاية سبتمبر (أيلول) من نفس العام.

وفي ديسمبر (كانون الأول) من العام ذاته، انعقد حوار «غدامس 2»، غير أنه فشل في التوصل إلى تسوية، فانتقل الملف سريعاً إلى جنيف، منتصف يناير (كانون الثاني) عام 2015 في جولتين سريعتين، لم يفصل بينهما إلا 10 أيام، لتتوالى منذ ذلك التاريخ المبادرات والحوارات في الداخل والخارج.

تيتيه وستيفاني خوري بين أعضاء لجنة «4+4» في روما الأربعاء (البعثة الأممية)

وفي منتصف ديسمبر 2025، أعلنت البعثة الأممية عن أسماء المشاركين في «الحوار المهيكل»، الذي قالت إنه جزء من «خريطة الطريق»، التي قدمتها البعثة إلى مجلس الأمن في أغسطس الماضي.

ويهدف الحوار - بحسب البعثة - إلى توسيع المشاركة في العملية السياسية، ومعالجة الأسباب الجذرية للصراع، وبناء رؤية مشتركة لمستقبل البلاد. وقد تمخض عن «الحوار المهيكل» أربعة مسارات هي: الأمن، الاقتصاد، المصالحة الوطنية، والحوكمة.

ورغم الجدل المصاحب لاجتماعات لجنة «4+4»، فقد بارك سعد بن شرادة، العضو بالمجلس الأعلى للدولة، «إنجازها الخطوة الأولى من (خريطة الطريق)، المتمثلة في الاتفاق على إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، بعد صراع دام قرابة عام بين الأجسام المناط بها ذلك».

وقال بن شرادة في إدراج له عبر «فيسبوك» إنه «مع تحقق هذه البداية يبقى الأمل في أن تُستثمر هذه اللحظة بروح من المسؤولية، وأن يتم الاستمرار في الخطوات التالية بنفس روح التفاهم، وبعيداً عن أي عقبات تعطيل».

ونوهت البعثة إلى أن أعضاء «4+4» شرعوا في مناقشة «القضايا المتعلقة بالإطار الانتخابي، واتفقوا على مواصلة مشاوراتهم بتيسير من البعثة للتوصل إلى قوانين انتخابية توافقية وقابلة للتطبيق، تلبي طموحات الليبيات والليبيين في إجراء انتخابات وطنية».

تدخل دولي

رغم ذلك، يرى الشبلي أن ليبيا «ستظل في هذه الدوامة إلى أن يتدخل الشعب وينهي كل ذلك، من خلال بالذهاب إلى الاستفتاء على هذا الدستور، ومن ثم إجراء الانتخابات العامة». وقال موضحاً: «لا أعتقد أن تكون هناك انتخابات في ليبيا على المدى القريب أو المتوسط»، في ظل ما وصفه بـ«التدخل الدولي السافر الذي وصل درجة الوصاية».

ومن المقرر أن يعقد مجلس النواب الليبي جلسة استثنائية في مدينة سبها بجنوب ليبيا، يناقش فيها تطورات الأزمة السياسية وفق «خريطة الطريق» الأممية.

وسبق أن تشكلت لجنة «6+6» من مجلسي النواب و«الدولة» لغرض صياغة القوانين اللازمة للانتخابات الرئاسية والنيابية، واتفقت في أغسطس الماضي على تعديل الإطار الدستوري والقانوني في ليبيا؛ لتسهيل إجراء الاستحقاق المرتقب.

وخلال الأيام الماضية، تعاطت أطراف ليبية بالقبول والرفض مع مبادرة منسوبة إلى مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، مسعد بولس. تقترح تولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة مجلس رئاسي جديد بدلاً من محمد المنفي، مع إبقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً لـ«حكومة موحدة».

صدام حفتر (أ.ف.ب)

ورغم الترحيب بها، لم تسلم لجنة «4+4» من الانتقادات؛ إذ ذهب سعيد امغيب، عضو مجلس النواب الليبي، إلى اعتبار أنها تضم «شخصيات مثيرة للجدل، ومرتبطة بملفات خطيرة تتعلق بدعم الإرهاب». وقال عبر إدراج له عبر «فيسبوك»: «هذا الأمر لا يمكن اعتباره تفصيلاً عابراً، بل هو عائق حقيقي أمام أي محاولة للوصول إلى تفاهمات في أبسط القضايا».

وبجانب اللجان المعنية بتيسير العملية السياسية، كانت لجنة «5+5» العسكرية المشتركة قد تشكلت، وفق مخرجات «مؤتمر برلين»؛ بهدف تثبيت وقف إطلاق النار، وتوحيد المؤسسة العسكرية.