احتدم الصراع المكتوم بين سلطات طرابلس وقوة تابعة للمجلس العسكري بزوارة، تبسط سيطرتها على إدارة معبر «رأس جدير» الحدودي بين ليبيا وتونس، ما أدى إلى إغلاقه منذ منتصف الأسبوع الماضي.
وأمام مخاوف من اندلاع مواجهات مسلحة، قالت السلطات الأمنية التابعة لحكومة «الوحدة» إنها فضّلت سحب قواتها من المعبر، لكن مع ذلك يظل السؤال مطروحاً حول مدى لجوئها إلى استخدام القوة لاستعادة المعبر، وإعادة تشغيله.

وأرجعت السلطات الأمنية بطرابلس قرار إغلاق المعبر لـ«هجوم مجموعات خارجة عن القانون» عليه، بقصد «إثارة الفوضى وإرباك العمل»، ورأت أن هذه المجموعة أقدمت على هذا العمل بعد منع «تجاوزات كان يراها ضعاف النفوس حقاً مكتسباً».
ويبعد المعبر نحو 60 كيلومتراً عن مدينة زوارة بغرب ليبيا، و175 كيلومتراً عن طرابلس العاصمة، بينما يبعد نحو 32 كيلومتراً عن مدينة بنقردان التونسية، وتعبر منه مئات الشاحنات وآلاف المواطنين يومياً.
وقال وزير الداخلية بحكومة «الوحدة» المكلف، عماد الطرابلسي، إن معبر «رأس جدير» الحدودي سيظل مغلقاً «حتى تسيطر عليه الأجهزة الأمنية بالبلاد».

وأضاف الطرابلسي في مؤتمر صحافي، مساء (الخميس)، أن «مجموعة صغيرة من مدينة زوارة تستغل المعبر الحدودي في التهريب؛ وسلطة الدولة لديها القدرة على تأمين منافذ البلاد في الوقت الذي تريده». ووصف بعض القائمين على المعبر بأنهم «مجرمون ويعملون بنظام تقسيم الطريق حسب الحارات»، لافتاً إلى أنه «يتم فرض إتاوات بـ30 ديناراً على القادمين من تونس في المعبر دون قرار من ليبيا».
كما أكد وزير الداخلية الليبية أنه لن يجري فتح المعبر حتى تعود سيارات «إنفاذ القانون» التابعة لوزارة الداخلية إلى المعبر، مبرزاً أن التقارير الأمنية التي تناولت وضع المعبر منذ عام 2011 إلى سنة 2023 تضمنت حالات «خطف وسرقة وتهريب وإطلاق نار، وسيطرة مجموعة مسلحة على تهريب الوقود إلى دولة تونس».
وعلى الرغم من أن الطرابلسي لوّح باستخدام القوة للسيطرة على المعبر، فإنه أوضح أيضاً «أننا لن نتراجع عن الصراع مع تجار المخدرات والمهربين مهما كلفنا الأمر»، إلا أن متابعين استبعدوا إقدام حكومته على ذلك بالفعل لأسباب تتعلق بالوضع السياسي المضطرب في البلاد، إلى جانب الأوضاع الأمنية التي وصفوها بـ«الهشة».
ويدعم هذا التوجه حديث الطرابلسي عن «الاتفاق مع أعيان مدينة زوارة الحدودية في وقت سابق على ضرورة تنظيم المنفذ وإبعاد المسلحين عنه».
وكانت اشتباكات مسلحة قد جرت في 20 مارس (آذار) الحالي بين قوات تابعة لوزير الداخلية في حكومة «الوحدة» الوطنية ومجموعة مسلحة تابعة، تسيطر على المنفذ منذ سنوات. وأدت هذه الاشتباكات إلى فوضى عارمة في المعبر الحدودي، ما أدى إلى إغلاقه من الجانب التونسي قبل أن يجري إغلاقه من الجانب الليبي حتى يتم تسليمه إلى قوات تابعة لوزارة الداخلية، بحسب تأكيد الداخلية الليبية.

وبينما تسود حالة من الهدوء بمحيط المعبر، أكدت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا، دعمها لجهود وزارة الداخلية في السيطرة على المنافذ الرسمية، وإخضاعها لسلطة وإدارة الدولة، بكونها مؤسسات سيادية، وليس لمدن ومناطق وقبائل بعينها.
وطالبت المؤسسة، الجمعة، الحكومة ووزارة الداخلية باتخاذ الإجراءات القانونية والتدابير الأمنية كافة «لإنهاء حالة الفوضى الأمنية، وسطوة وسيطرة عصابات الجريمة والجريمة المنظمة والمهربين على المعبر، وبسط سلطة الدولة على المنافذ الحدودية».
كما حذرت المؤسسة من «خطر الدعوات الجهوية والمناطقية، وإثارة الفتن والنعرات المناطقية والعرقية، التي تصدر عن كيانات اجتماعية وبلدية، تُهدِّد الأمن والسلم الاجتماعي، وتسعى إلى تقويض الأمن والاستقرار، ورفض حق الدولة في سيطرتها على مرافقها، ومن بينها المنافذ الحدودية والجوية والبحرية».
وثمن الطرابلسي جهود مدير وأعضاء إدارة إنفاذ القانون، الذين توجهوا إلى معبر «رأس جدير» لـ«تنفيذ التعليمات بكل مهنية»، مؤكداً منح الأعضاء ترقية استثنائية، «لعدم إطلاق النار والانسحاب، وفق التعليمات حفاظاً على الأرواح والممتلكات»، موضحاً أن «القوة التي كُلفت من أجل دعم مديرية الأمن بالمنفذ لا تحمل أي مظاهر مسلحة ثقيلة، سوى الأسلحة الخفيفة»، ودافع عن وزارته قائلاً إنها «تعمل بكل مهنية بعيداً عن القبلية والجهوية والمناطقية». كما أوضح أن التعدي على رجال الشرطة «أمر غير مبرر، ولن نقف مكتوفي الأيدي حيال ذلك، ونحن مستعدون للامتثال لأي جهة قانونية في الدولة لو أن هناك أي انتهاك من قبل وزارة الداخلية».
وانتهى الطرابلسي قائلاً: «أخذنا على عاتقنا تأمين حدود الدولة لمكافحة الجريمة والتهريب، وكل المظاهر السلبية، لكن هناك مَن لم يفهم وضع البلاد وما تمر به؛ فالضرر كبير في حال تعنت بعض المدن والقبائل بشأن تأمين حدود دولتنا».


