هدنة غزة: هل تدفع تحركات الوسطاء إلى حلحلة «نقاط الخلاف»؟

الدخان تصاعد عقب غارة إسرائيلية على شمال غزة في وقت سابق (أ.ف.ب)
الدخان تصاعد عقب غارة إسرائيلية على شمال غزة في وقت سابق (أ.ف.ب)
TT

هدنة غزة: هل تدفع تحركات الوسطاء إلى حلحلة «نقاط الخلاف»؟

الدخان تصاعد عقب غارة إسرائيلية على شمال غزة في وقت سابق (أ.ف.ب)
الدخان تصاعد عقب غارة إسرائيلية على شمال غزة في وقت سابق (أ.ف.ب)

تترقب أطراف الوساطة من أجل التوصل إلى «تهدئة» في قطاع غزة، استئناف المفاوضات، التي قالت مصادر مصرية، إنها «ستعقد في القاهرة خلال أيام»، حيث يسابق الوسطاء الزمن من أجل إقرار «هدنة» في غزة قبل شهر رمضان، وبينما رجح بعض الخبراء أن «يكون هناك وقف للقتال لعدة أيام يجري خلالها استمرار التفاوض لحين التوصل إلى هدنة أطول»، قال آخرون إن «رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، غير معني كثيراً بفكرة التوصل إلى هدنة في رمضان».

وتعثرت جولة التفاوض الأخيرة التي استضافتها القاهرة على مدى 4 أيام متواصلة في التوصل إلى اتفاق، وبرزت عقبات حالت دون إعلان هدنة جديدة بالقطاع الذي دخلت المعارك فيه شهرها السادس، إذ أبدى طرفا الحرب تمسكاً بمواقفهما، ورفضت إسرائيل التعهد بـ«وقف كامل ومستدام لإطلاق النار»، كما أصرت حركة «حماس».

وأعلنت حركة «حماس»، الخميس، أن وفدها غادر القاهرة، بينما نقلت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، عن مصدر، وصفته بـ«الرفيع» قوله، إن «وفد (حماس) غادر القاهرة للتشاور حول الهدنة، وسيتم استئناف المفاوضات خلال أيام»، وأشارت القناة إلى أن «المشاورات مستمرة بين الأطراف كافة للوصول إلى الهدنة قبل حلول شهر رمضان».

وأعلن أبو عبيدة، الناطق باسم «كتائب القسام»، الجناح العسكري لحركة «حماس» اليوم (الجمعة)، إن الأولوية الأولى للتوصل إلى اتفاق لتبادل المحتجزين مع إسرائيل هي الالتزام التام بالوقف الكامل للحرب على غزة وعودة النازحين وإعادة إعمار القطاع.

وقال أبو عبيدة في كلمة مسجلة، إن «حماس» مصممة على عدم التنازل في أي من القضايا الأساسية والإنسانية التي تطالب بها، ولا يهمها أي أطروحات لا تتضمن هذه القضايا. وأضاف أن المجاعة في غزة ألقت بظلالها على جميع الموجودين في القطاع، بمن فيهم المحتجزون الإسرائيليون.

وكانت الجولة الأخيرة من المفاوضات بدأت الأحد الماضي، في القاهرة، بغياب ممثلين عن إسرائيل، وشاركت فيها وفود أميركية وقطرية ومصرية، إلى جانب وفد حركة «حماس». ويفترض أن تشمل الهدنة المطروحة إطلاق محتجزين في غزة مقابل معتقلين وسجناء فلسطينيين بالسجون الإسرائيلية، وإدخال مزيد من المساعدات الإنسانية إلى القطاع الفلسطيني المحاصر.

وينصّ الاقتراح الذي تقدمت به الدول الوسيطة (مصر وقطر والولايات المتحدة) على وقف القتال لمدة 6 أسابيع وإطلاق سراح 42 محتجزاً في غزة، مقابل إطلاق سراح معتقلين فلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

مسعفون يفرغون جثث الفلسطينيين الذين قُتلوا بشمال قطاع غزة في وقت سابق (أ.ب)

ورأى أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأميركية بمصر وجامعة القاهرة، والمتخصص في الدراسات الفلسطينية والإسرائيلية، الدكتور طارق فهمي، أن استمرار عملية التفاوض والوساطة هي الأساس للبحث عن انفراجة في المشهد الراهن، لكن من دون ربطها بأفق زمني محدد، ومن بينها التوصل إلى هدنة قبل شهر رمضان، لافتاً إلى أن الاعتبارات الإنسانية والطبيعة الروحية للشهر الفضيل هي ما تدفع أطراف عدة إلى السعي من أجل إقرار تهدئة خلال تلك الأيام ذات الرمزية الدينية.

وأوضح فهمي لـ«الشرق الأوسط»، أن الجانب الإسرائيلي «لا يلقي بالاً لطبيعة الفترة الزمنية سواء في رمضان أو غيرها»، وأن إصرار الإسرائيليين «واضح في عدم الدخول في تفاوض يضع عليهم التزاماً بوقف شامل وكامل للحرب»، مرجحاً إمكانية قبولهم «هدناً مؤقتة» بآفاق زمنية محددة ومرتبطة بأعداد من المحتجزين الذين سيطلق سراحهم في غزة، وهو هدف أساسي لدى حكومة الحرب الإسرائيلية للتخفيف من الضغوط الداخلية، والإشارة إلى قدرتها على تحقيق أهداف ملموسة من استمرار عملياتها العسكرية.

ورأى فهمي أن رئيس الوزراء الإسرائيلي «غير معني كثيراً بفكرة التوصل إلى هدنة في رمضان، بل ربما يسعى إلى استغلال الحساسية الدينية للشهر الفضيل وسيلة لتحقيق مزيد من المكاسب»، لذا يسعى إلى إبداء مزيد من التشدد، لتصدير صورة عن قدرته على الصمود في مواجهة جميع الضغوط.

ولم ترسل الحكومة الإسرائيلية وفداً للمشاركة في جولة التفاوض الأخيرة بالقاهرة، ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤولين بالحكومة تبريرهم لذلك، بأنه لا جدوى من المشاركة بسبب رفض حركة «حماس» تقديم لائحة بأسماء وأعداد الأسرى الأحياء، وهو ما ردت عليه الحركة بالقول إن تحقيق ذلك «أمر صعب» في ظل استمرار القصف الإسرائيلي على القطاع.

جندي إسرائيلي يجلس في ناقلة جند مدرعة بالقرب من الحدود بين إسرائيل وغزة خلال وقت سابق (رويترز)

وفي تصريحات متزامنة مع انتهاء جولة التفاوض الأخيرة بشأن التهدئة في غزة، رهن نتنياهو نجاح حربه ضد قطاع غزة وحركة «حماس» باجتياح مدينة رفح (أقصى جنوبي القطاع)، حيث يحتشد ملايين الفلسطينيين النازحين، مُبدياً تمسكاً بالمضي قدماً في عملية اجتياح المدينة برياً رغم ما يصفه بـ«ضغوط دولية مزدادة».

وحذرت مؤسسات دولية ودول عدة من بينها الدول الثلاث الضالعة في جهود الوساطة من خطورة اجتياح مدينة رفح من جانب قوات الاحتلال الإسرائيلي، خصوصاً في ظل تكدس ما يزيد على 1.4 مليون نازح فلسطيني بالمدينة يعانون وضعاً إنسانياً متأزماً.

من جانبه، توقع أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس، الدكتور أيمن الرقب، استئناف المفاوضات في القاهرة، الأحد المقبل، واصفاً ذلك اليوم بـ«الصعب»، لأنه يسبق حلول رمضان بساعات قليلة، والتوصل إلى اتفاق يمثل «أولوية لدى الوسطاء».

وأضاف الرقب لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك جهوداً إقليمية ودولية مكثفة تسابق الزمن، سواء على مسار الوساطة المصرية والقطرية والأميركية، أو من خلال مشروع القرار المقترح على مجلس الأمن، مشيراً إلى أن محاولات رئيس الوزراء الإسرائيلي إطالة أمد الحرب بشتى الوسائل، وآخرها عبر التصعيد والإشارة إلى مضي قواته نحو اجتياح رفح، «تُعقد الأمور، وبخاصة مع الوسطاء».

مساعدة فتاة فلسطينية جريحة بعد غارة إسرائيلية على الزوايدة وسط قطاع غزة (أ.ب)

وتوقع الرقب أن «يتم التوصل إلى اتفاق بشأن الهدنة في الساعات الحاسمة قبل رمضان»، لافتاً إلى أن استمرار الحرب في شهر رمضان ستكون له «عواقب وخيمة على كل المستويات»، وإسرائيل ستكون أول المتضررين، إذ من المحتمل أن يؤدي استمرار الحرب إلى تسخين جبهات عدة في الضفة الغربية، وحتى في الشارع العربي داخل إسرائيل، فضلاً عن تنامي ضغوط الرأي العام في الدول العربية والإسلامية. كما توقع أن «يكون وقف القتال لعدة أيام يجري خلالها استمرار التفاوض لحين التوصل إلى هدنة أطول»، مرجحاً أن تحاول الحكومة الإسرائيلية كسب الوقت لإجلاء الفلسطينيين من رفح، تمهيداً لتنفيذ اجتياح بري، وهو أمر يكتنفه كثير من الصعوبات الميدانية، ومن ثم الانتقال في المرحلة التالية إلى قضايا أكثر تعقيداً، وهو ما تريد إسرائيل أن تصل إليه بعد عملية رفح ظناً منها أنها ستكون في موقف قوة في ذلك الحين.

وعلى مدى أسابيع، يحاول وسطاء من مصر وقطر والولايات المتحدة تقريب وجهات النظر بين «حماس» وإسرائيل للتوصل إلى اتفاق هدنة في غزة، إلا أن هذه المساعي تواجه عقبات. ومنذ اندلاع الحرب في غزة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لم يشهد القطاع الفلسطيني سوى هدنة واحدة دامت أسبوعاً في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أطلق خلالها سراح 105 من المحتجزين في غزة من الإسرائيليين والعمال الأجانب في مستوطنات غلاف غزة، مقابل الإفراج عن أكثر من 200 معتقل فلسطيني في السجون الإسرائيلية.


مقالات ذات صلة

61 مليون طن من الركام... مهمة شاقة لإزالة آثار الحرب في غزة

المشرق العربي فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مدمرة في غزة (رويترز)

61 مليون طن من الركام... مهمة شاقة لإزالة آثار الحرب في غزة

تواجه فرق الإغاثة بقطاع غزة مهمة شاقة لإزالة نحو 61 مليون طن من الركام الذي خلّفته الحرب في ظل وجود جثامين وذخائر غير منفجرة

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش خلال حضوره اجتماعاً للحزب نُظّم على تلة تطل على بلدة مجد الكروم العربية في شمال إسرائيل وذلك في 24 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

سموتريتش يدعو إلى «حرب» في الضفة وضمّ «مناطق» من لبنان وغزة

دعا وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، اليوم (الأحد)، إلى ضم مناطق في جنوب لبنان وقطاع غزة إلى السيطرة الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني خلال خطابه أمام الجمعية العامة يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)

ماذا بعد انتقادات الأردن «غير المسبوقة» لإسرائيل؟

يستعد مسؤولون أردنيون للتعامل مع «هجمة» إسرائيلية محتملة على خلفية الخطاب الأخير للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

محمد خير الرواشدة (عمّان)
المشرق العربي رجل يقف فوق مبنى ينظر إلى خيام فلسطينيين نازحين في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

تقرير: 12 خرقاً إسرائيلياً لوقف إطلاق النار في غزة منذ فجر اليوم

ارتكبت القوات الإسرائيلية، منذ فجر اليوم السبت، 12 خرقاً جديداً لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، شملت قصفاً مدفعياً وإطلاق نار مكثفاً.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب) p-circle

الأمم المتحدة توسع قائمة الشركات «غير القانونية» المرتبطة بالمستوطنات

أدرجت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان 61 شركة جديدة على قائمة الشركات العاملة في المستوطنات الإسرائيلية، والتي تعدُّها المنظمة الدولية غير قانونية.

«الشرق الأوسط» (جنيف )

مصر تتطلّع إلى شراكات دولية أوسع في قطاع التعدين

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تتطلّع إلى شراكات دولية أوسع في قطاع التعدين

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)

تتطلّع مصر إلى شراكات دولية أوسع في قطاع التعدين، في إطار استراتيجية للتوسع في هذا القطاع وتعظيم إسهاماته في الاقتصاد الوطني، والاستفادة من الفرص الاستثمارية الواعدة.

وفي هذا السياق، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي تطلّع بلاده إلى الارتقاء بالتعاون القائم مع شركة «أنغلو غولد أشانتي» المشغلة لـ«منجم السكري للذهب» من شراكة ترتكز على تشغيل المنجم إلى «شراكة استراتيجية أشمل» في قطاع التعدين المصري.

جاء ذلك خلال لقاء السيسي، الاثنين، مع الرئيس التنفيذي للشركة، ألبرتو كالديرون، على هامش افتتاح أعمال «منتدى مصر للتعدين 2026»، وذلك بحضور رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، ووزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي، وعدد من المسؤولين.

وتمتد «الشراكة الأشمل» التي تتطلّع إليها مصر إلى مجالات الاستكشاف، ونقل التكنولوجيا والخبرات، وتأهيل وتدريب الكوادر الوطنية، وتطوير سلاسل الإمداد المحلية، واستقطاب مزيد من الاستثمارات.

وأكد الرئيس السيسي تقديره للشراكة مع شركة «أنغلو غولد أشانتي»، مشدداً على «اهتمام الدولة بدعم استثمارات الشركة في مصر وتوفير البيئة الملائمة لنمو أعمالها». وشهد اللقاء أيضاً استعراضاً لتطورات أعمال الشركة وخططها المستقبلية للتوسع في السوق المصرية، إلى جانب بحث سبل تعزيز التعاون في قطاع التعدين.

من جانبه، أشاد كالديرون بالدعم المتواصل الذي توليه الدولة المصرية للشركة، وما تبذله الجهات المعنية من جهود لتذليل أي تحديات قد تواجه أنشطتها في مصر. واستعرض تطورات استثمارات الشركة الرئيسية في مصر ومختلف الدول التي تنشط بها حول العالم، مؤكداً أن مصر تمثّل إحدى الوجهات الاستثمارية ذات الأولوية للشركة.

وصرَّح بأن «أنغلو غولد أشانتي» تعتزم ضخ المزيد من الاستثمارات في عدد من المواقع الواعدة بقطاع التعدين المصري، بما يعزّز من فرص اكتشاف وتطوير مشروعات جديدة على غرار «منجم السكري».

«منجم السكري» في الصحراء الشرقية المصرية (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

ويقع «منجم السكري»، الذي يصفه تقرير للهيئة الوطنية للإعلام في مصر، بأنه «كنز مصر الذهبي»، في الصحراء الشرقية على مسافة 30 كيلومتراً من مدينة مرسى علم الساحلية، وتتولى تشغيله شركة «السكري لمناجم الذهب»، وهو مشروع مشترك بين الحكومة المصرية وشركة «أنغلو غولد أشانتي» التي استحوذت عام 2024 على شركة «سنتامين»، المشغل السابق للمنجم.

وحسب إفادة للمتحدث الرسمي للرئاسة المصرية محمد الشناوي، الاثنين، شهد اللقاء نقاشاً موسعاً حول آفاق توسيع برامج الاستكشاف التي تنفذها الشركة في مصر، ولا سيما في مجال تعدين الذهب.

وأكد السيسي حرص الدولة على تقديم جميع التسهيلات اللازمة لدعم أنشطة الشركة وتيسير أعمالها، في إطار استراتيجية التوسع في قطاع التعدين.


الجزائر تستنفر عقولها المهاجرة لخدمة أولوياتها الاقتصادية

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه بالنخبة العلمية في المهجر (الرئاسة)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه بالنخبة العلمية في المهجر (الرئاسة)
TT

الجزائر تستنفر عقولها المهاجرة لخدمة أولوياتها الاقتصادية

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه بالنخبة العلمية في المهجر (الرئاسة)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه بالنخبة العلمية في المهجر (الرئاسة)

أطلقت الجزائر «المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية في الخارج»، برئاسة المدير الأسبق للمعاهد الوطنية الأميركية للصحة إلياس زرهوني، وتحت إشراف مباشر لرئاسة الجمهورية، بمشاركة 27 خبيراً جزائرياً.

ويهدف المسعى، وفق السلطات، إلى تعبئة كفاءات المهجر وربطها بالجامعات والمؤسسات الوطنية للاستفادة من خبراتها في ملفات استراتيجية تشمل الذكاء الاصطناعي والطاقة والمياه والصحة والأمن الغذائي، بما يعزز نقل المعرفة والتكنولوجيا ويدعم التنمية والحضور الدولي للجزائر.

الرئيس الجزائري خلال إلقاء كلمة أمام أعضاء مجلس علماء الجزائر في المهجر (الرئاسة)

ونظم الرئيس عبد المجيد تبون، الأحد، أول اجتماع مع «المجلس» بحضور جميع أعضائه، مؤكداً في كلمة بثتها الرئاسة، أن مستوى التنمية الذي تنشده الجزائر «يتطلب إشراك مختلف الكفاءات والطاقات الوطنية»، ومشيداً بـ«مساهمة أفراد الجالية العلمية الوطنية المقيمة بالخارج في الارتقاء العلمي وتطوير الكفاءات في البلاد».

وجرى اللقاء بحضور عدد من أعضاء الحكومة وكبار مسؤولي الدولة.

«من الخبرة إلى القرار»

أوضح زرهوني، منسق المجلس، في تصريح للتلفزيون العمومي، أن دور الهيئة العلمية يتمثل في «تقديم دعم استراتيجي ملموس لسياسات الدولة، وتوثيق أفضل الممارسات العالمية لتجنب تكرار أخطاء الماضي، ودعم الكفاءات الشابة التي تلقت تكوينها في الجزائر».

وتضم المجموعة أسماء بارزة؛ من بينها مريم مراد متخصصة علم المناعة وعلم الأورام بمستشفى «ماونت سيناي» بنيويورك، ويوسف كمال تومي مختص الروبوتات بمعهد «ماساتشوستس للتكنولوجيا»، وياسمين بلقايد مديرة معهد «باستور» بفرنسا.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مع منسق مجلس علماء المهجر إلياس زرهوني (الرئاسة)

وتتعلق الفكرة الأساسية للمجلس بالاستفادة من الخبرات والكفاءات العلمية الجزائرية الموجودة في الخارج، وتوظيفها لخدمة احتياجات الجزائر وأولوياتها الوطنية، وتقديم المشورة للدولة بشأن المشروعات الكبرى ذات البعد العلمي أو التكنولوجي، وتقييم مدى جدواها.

كما تهدف الفكرة إلى ربط الباحثين والعلماء الجزائريين في المهجر بالجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الاقتصادية في الجزائر، وتسهيل نقل التكنولوجيا والمعرفة، ومتابعة التطورات العلمية والتكنولوجية العالمية والتكنولوجيات الناشئة، والعمل على ملفات استراتيجية مثل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والصحة والطاقة والمياه والأمن الغذائي، إضافة إلى إعداد التوصيات والدراسات وخطط تطوير هذه المجالات، ورفعها مباشرة إلى رئاسة الجمهورية.

وأكدت وزارة التعليم العالي أن المجلس «ليس هيئة أكاديمية بالمعنى التقليدي، وإنما يُفترض أن يكون حلقة وصل بين الخبرة العلمية الدولية التي تمتلكها الكفاءات الجزائرية في الخارج والأولويات والمشروعات الفعلية للدولة الجزائرية». كما شدد زرهوني على ضرورة الانتقال من الاتصالات واللقاءات الظرفية مع الجالية العلمية إلى «تعاون مؤسساتي ومنظم ودائم».

رئيس مجلس علماء المهجر إلياس زرهوني (وزارة التعليم العالي الجزائرية)

ووضعت السلطات تصوراً لآلية عمل المجلس وهو على النحو التالي: «تحدد الدولة المشكلات والتحديات الكبرى التي تحتاج إلى حلول علمية وتكنولوجية، ثم يستعين المجلس بخبرات العلماء الجزائريين داخل الجزائر وخارجها لدراسة هذه الملفات، وتقييم الخيارات المتاحة، واقتراح الحلول والمشروعات، ثم رفع التوصيات إلى رئاسة الجمهورية، بهدف تحويل المعرفة والخبرة إلى قرارات ومشروعات عملية».

ملاحظات نقدية

اللافت أن تركيبة المجلس لا تقتصر على تخصص أكاديمي واحد أو على مجموعة من الأساتذة الجامعيين، وإنما تغطي مجموعة واسعة من المجالات المرتبطة مباشرة بالتحديات التي تواجه الجزائر؛ فهي تضم خبرات في الذكاء الاصطناعي والإعلام الآلي والهندسة الآلية بما يمكن أن يخدم التحول الرقمي وتطوير الصناعة الذكية.

ويمكن أيضاً للمتخصصين في علوم المواد والهندسة الميكانيكية والهندسة الكهربائية أن يسهموا في بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية أكثر تقدماً، كما يمكن للخبرات الموجودة في مجالات المياه والبيئة والجيوفيزياء، أن تساعد في قضايا تحلية المياه وإدارة الموارد المائية وفهم الثروات والموارد الموجودة في باطن الأرض.

لكن على الرغم من الإشادة الكبيرة والحملة الدعائية التي رافقت إطلاق المشروع، فإنه واجه ملاحظات نقدية ومن أهل الاختصاص؛ ففي منشور طويل كتب أحمد ماحيجيبة، الباحث الجزائري في مركز الأرصاد الجوية الكندي: «هل ستكون هذه الكفاءات مجرد خزّان للخبرة التقنية؟ أم ستكون فعلاً شريكاً في صناعة القرار؟ والفرق بين الأمرين كبير».

وأشار إلى أن العالِم أو الخبير الذي عاش سنوات طويلة في منظومات ديمقراطية ومؤسساتية، يمكنه فيها انتقاد سياسة حكومته أو مؤسسته، ومناقشة القرارات التقنية، ومساءلة المسؤولين، «لا يحتاج فقط إلى أن يُطلب منه تقديم خبرته العلمية للجزائر، بل يحتاج أيضاً إلى معرفة حدود استقلاليته عندما تختلف خبرته مع القرار السياسي أو الإداري».

رئيس المجلس العالمي لجزائريي المهجر أثناء إطلاقه بباريس في مارس 2024 (حساب المجلس بالإعلام الاجتماعي)

ويعدّ «المجلس العلمي» ثاني خطوة في اتجاه جمع المهاجرين للجزائريين حول مشروع كبير يخص تطوير البلاد؛ ففي مارس (آذار) 2024 أطلقت الجزائر «مجلساً عالمياً للهجرة»، بقيادة كريم زريبي النائب بالبرلمان الأوروبي سابقاً، يضم كفاءات بالهجرة في مجالات الصحافة والفن والتجارة والمال والأعمال، بهدف صناعة تأثير إقليمي ودولي والحفاظ على مصالح الجزائر الاستراتيجية في الخارج.


هل يستفيد النفط الليبي من إغلاق مضيق هرمز؟

منشأة نفطية بحقل السرير النفطي في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)
منشأة نفطية بحقل السرير النفطي في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)
TT

هل يستفيد النفط الليبي من إغلاق مضيق هرمز؟

منشأة نفطية بحقل السرير النفطي في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)
منشأة نفطية بحقل السرير النفطي في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)

رغم البعد النسبي لليبيا عن التداعيات السياسية والعسكرية للحرب الأميركية - الإيرانية، فإن استمرار أزمة اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز يضع النفط الليبي أمام سؤال لا ينقطع منذ أشهر حول حجم الاستفادة التي يمكن أن تحققها ليبيا من هذه التطورات، في ظل ارتفاع أسعار الخام عالمياً.

وتشير تقديرات خبراء إلى أن ليبيا تحقق «إيرادات إضافية مؤقتة»، مع دفع الاضطرابات الجيوسياسية أسعار النفط العالمية إلى مستويات أعلى، إذ يؤدي ارتفاع سعر البرميل إلى زيادة قيمة الصادرات النفطية، حتى مع بقاء مستويات الإنتاج على حالها.

وحسب تقديرات وزير النفط الليبي السابق محمد عون لـ«الشرق الأوسط»، فإن «النفط الليبي يستفيد من ارتفاع الأسعار العالمية مع أي تغيرات وأزمات عالمية قد تطرأ على الأسعار نتيجة الصراعات العالمية أو التغيرات الجيوسياسية، ومن بينها أزمة إغلاق مضيق هرمز»، مشيراً إلى أن ارتفاع الأسعار يوفر للدولة عائداً أكبر من الكميات المصدرة.

وتكتسب هذه الزيادة أهمية خاصة لاقتصاد يعتمد بنسبة 98 في المائة على العائدات النفطية في تمويل الإيرادات العامة، وسط تحديات مالية واقتصادية متراكمة.

استفادة «غير مباشرة»

وتنتج ليبيا نحو 1.4 مليون برميل يومياً، بعدما أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في يونيو (حزيران) الماضي وصول إنتاج الخام إلى 1.438 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى تسجله منذ عام 2013.

وتظهر حساسية الإيرادات الليبية لتحركات أسعار النفط في بيانات الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي، إذ بلغت مبيعات النفط نحو 96.1 مليار دينار، مقابل نحو 82.6 مليار دينار خلال الفترة نفسها من 2025، بزيادة تقارب 16.3 في المائة. (الدولار يساوي 6.39 دينار في السوق الرسمية، و9.57 في الموازية).

منشأة نفطية في حقل الشرارة الليبي (شركة أكاكوس للعمليات النفطية)

لكن استفادة ليبيا من اضطراب الممرات البحرية تظل غير مباشرة، إذ إن صادراتها النفطية تخرج من موانئ تقع على البحر المتوسط، ولا تحتاج جغرافياً إلى المرور عبر مضيق هرمز، وفق محللين.

كما تمثل السوق الأوروبية الوجهة الرئيسية للخام الليبي، إذ تشير بيانات المؤسسة الوطنية للنفط إلى أن نحو 79 في المائة من صادرات الخام الليبي خلال 2025 توجهت إلى أوروبا، وكانت إيطاليا في مقدمة المستوردين.

ويرى الخبير النفطي محمد الشحاتي أن ليبيا «قد تحصل بالفعل على إيراد إضافي مؤقت إذا أدى نقص الإمدادات العالمية إلى رفع أسعار خامها»، لكنه لا يرى في ذلك «مكاسب مستدامة».

ويقول: «يمكن للأسعار المرتفعة أن تؤدي لاحقاً إلى تراجع الطلب، وتسريع الاستثمار في البدائل وكفاءة الطاقة، وتشجيع منتجين آخرين على زيادة المعروض».

أهمية «الاستقرار»

وصعدت أسعار النفط في تعاملات الاثنين، إذ ارتفع خام برنت بأكثر من واحد في المائة متجاوزاً 107 دولارات للبرميل، بينما اقترب خام غرب تكساس الوسيط من 94 دولاراً، مع استمرار المخاوف بشأن تدفقات النفط العالمية نتيجة التوترات في المنطقة، حسب «رويترز».

ويعد الشحاتي، في منشور على «فيسبوك»، أن مصلحة ليبيا النفطية «لا تكمن في ارتفاع الأسعار الناتج عن الحروب أو إغلاق الممرات البحرية، وإنما في وجود سوق نفط مستقرة يمكن التنبؤ بها، بما يتيح للبلاد التخطيط لإنتاجها وصادراتها واستثماراتها».

ويضيف أن «القيمة الحقيقية للنفط الليبي ترتبط بقدرته على الوصول إلى الأسواق في ظروف مستقرة، وبقدرة الدولة على المحافظة على تدفق صادراتها، وليس بمجرد ارتفاع الأسعار نتيجة أزمة عالمية».

وتَبرُز الإغلاقات النفطية المتكررة بوصفها عاملاً يحد من قدرة ليبيا على الاستفادة من ارتفاع الأسعار، بعدما أدى إغلاق صمام على خط نقل خام حقل الشرارة في الآونة الأخيرة إلى تراجع الإنتاج بنحو 130 ألف برميل يومياً، وتوقف وحدة تكرير بمصفاة الزاوية، ما هدد إمدادات الوقود، وزاد الضغوط على القطاع.

وبلغت الكميات المفقودة خلال خمسة أيام من الإغلاق الأسبوع الماضي نحو 650 ألف برميل، فيما تجاوزت الخسائر المالية المباشرة 95 مليون دولار حتى 25 سبتمبر (أيلول) الحالي، وفق البيانات المعلنة.

يشار إلى أن ملف إدارة الثروة النفطية وتوزيع عائداتها محل نزاع بين الحكومتين المتنافستين في شرق ليبيا وغربها، رغم اقتصار تسويق الخام رسمياً على المؤسسة الوطنية للنفط. وأفضت الخلافات بشأن الإيرادات إلى إغلاقات متكررة للحقول والموانئ، قبل أن يتوصل الطرفان إلى تهدئة في عام 2022.