مصر ودول عربية تتوسع في الإنزال الجوي لإغاثة الفلسطينيين

السيسي وبايدن بحثا خلال اتصال هاتفي جهود «التهدئة» وإنفاذ المساعدات

طائرتا مصر والإمارات خلال توصيل المساعدات الإنسانية إلى غزة (المتحدث العسكري المصري)
طائرتا مصر والإمارات خلال توصيل المساعدات الإنسانية إلى غزة (المتحدث العسكري المصري)
TT

مصر ودول عربية تتوسع في الإنزال الجوي لإغاثة الفلسطينيين

طائرتا مصر والإمارات خلال توصيل المساعدات الإنسانية إلى غزة (المتحدث العسكري المصري)
طائرتا مصر والإمارات خلال توصيل المساعدات الإنسانية إلى غزة (المتحدث العسكري المصري)

لجأت دول عدة بينها مصر إلى الإنزال الجوي لشحنات الإغاثة بوصفه وسيلة لتخفيف معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة، لا سيما مع تعذر وصول المساعدات إلى مناطق عدة في القطاع. وعلى مدار الأيام الثلاثة الماضية نفذت القاهرة بالتعاون مع الأردن والإمارات وفرنسا والبحرين وسلطنة عمان عمليات إسقاط جوي للمساعدة، ضمن جسر جوي أطلق عليه اسم «طيور الخير».

وتزامن الجسر الجوي مع استمرار تدفق المساعدات عبر معبر رفح البري، في حين أعادت مصر التأكيد على موقفها المطالب بـ«حتمية الوقف الفوري لإطلاق النار في قطاع غزة، وضرورة إزالة كل المعوقات التي تحول دون تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية بصورة كاملة ومستديمة إلى قطاع غزة، ورفض أية محاولات تستهدف تهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم».

وفي هذا السياق، تلقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، اتصالاً هاتفياً من الرئيس الأميركي جو بايدن، «تناول الجهود المشتركة التي تقوم بها مصر وقطر والولايات المتحدة للتهدئة في قطاع غزة، والتوصل إلى وقف لإطلاق النار، وتبادل المحتجزين، وإنفاذ المساعدات الإنسانية»، وفق إفادة متحدث الرئاسة المصرية، أحمد فهمي.

إنزال جوي للمساعدات في قطاع غزة (المتحدث العسكري المصري)

وشدد السيسي على «ضرورة التوصل لوقف فوري ومستديم لإطلاق النار، يتيح نفاذ المساعدات الإنسانية بالشكل الكافي والملائم، بما يحقق تحسناً حقيقياً في الأوضاع بالقطاع»، محذراً من «خطورة استمرار التصعيد العسكري، واستهداف المدنيين»، ومؤكداً «إدانة مصر الكاملة لاستهداف المدنيين العزل بالمخالفة للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية».

وثمَّن الرئيس الأميركي الجهود المشتركة للدفع تجاه التهدئة التي «تعد أولوية في الوقت الحالي لاستعادة الاستقرار في الإقليم»، معرباً وفق متحدث «الرئاسة المصرية» عن «تقديره الجهود المصرية المكثفة سواء على المسار السياسي الهادف للتهدئة، أو من خلال دورها القيادي المحوري في عملية إدخال المساعدات الإغاثية لأهالي غزة عبر منفذ رفح».

وأكد السيسي وبايدن «ضرورة تجنب توسع الصراع بالمنطقة»، واتفقا على استمرار التشاور والتنسيق لضمان استعادة السلم والأمن بالإقليم».

طائرة تنزل المساعدات الإنسانية إلى غزة (المتحدث العسكري المصري)

وفي سياق إنفاذ المساعدات، نفذت مصر والإمارات عملية إسقاط جوي ثالث للمواد الإغاثية ضمن الجسر الجوي لنقل المساعدات الإنسانية للفلسطينيين. ووفق إفادة للمتحدث العسكري المصري، غريب عبد الحافظ، الخميس، فإن «عدداً من طائرات النقل العسكري المصرية والإماراتية نفذت أعمال الإسقاط الجوي ليلاً (مساء الأربعاء) لعشرات الأطنان من المساعدات والمواد الإغاثية العاجلة للتخفيف من الأزمة الإنسانية الحادة التي يعاني منها الفلسطينيين في شمال غزة». وقال المتحدث العسكري المصري إن «المساعدات تضمنت كميات كبيرة من المواد الغذائية والأدوية والاحتياجات العاجلة التي أُسْقِطت جواً بمناطق متفرقة من شمال القطاع والتي تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية نتيجة استمرار العمليات العسكرية».

وبدورها، قالت وزارة الدفاع الإماراتية، في حسابها على موقع «إكس»، الخميس، «قام بتنفيذ عملية الإنزال الجوي، مساء الأربعاء، طواقم مشتركة من الإمارات ومصر عبر 3 طائرات حملت على متنها نحو 36 طناً من المساعدات الغذائية والطبية على مناطق جباليا وبيت لاهيا، حيث جرى إنزالها بواسطة صناديق مخصصة». وأضافت الوزارة أنه «من المتوقع أن تسرع هذه العملية وصول المساعدات العاجلة للمحتاجين في شمال غزة في أقرب وقت ممكن، بهدف تخفيف معاناتهم، وتقديم الدعم اللازم لهم في هذه الظروف الصعبة».

طائرة مصرية خلال تجهيزها لحمل المساعدات الإنسانية (المتحدث العسكري المصري)

الإنزال الجوي المصري - الإماراتي هو الثالث على التوالي، ونُفّذ، صباح الأربعاء، إنزال جوي من مصر والأردن والإمارات وقطر وفرنسا.

وقال رئيس لجنة «الدفاع والأمن القومي» في مجلس النواب المصري (البرلمان)، أحمد العوضي لـ«الشرق الأوسط» إن «اللجوء إلى الإنزال الجوي لإيصال المساعدات جاء عقب تعذر إيصالها لبعض المناطق في قطاع غزة»، مشيراً إلى أن «مناطق شمال ووسط القطاع لا تصلها شاحنات الإغاثة التي تدخل عبر معبر رفح». وأوضح أن «عمليات الإنزال الجوي تتكامل مع الدفع بشاحنات الإغاثة عبر معبر رفح البري، كما تتزامن مع استمرار الجهود المصرية الرامية لتحقيق التهدئة، وإنهاء الحرب في غزة».

ووفق العوضي فإن «المساعدات ستتواصل براً وجواً لتخفيف معاناة الشعب الفلسطيني»، وأشار إلى أن «عمليات الإنزال الجوي تتطلب تجهيزات وتحضيرات عدة، إضافة إلى ارتفاع تكلفتها مقارنة بالنقل البري، لكن لا سبيل آخر لإيصال المساعدات إلى بعض المناطق في غزة».

المساعدات الإنسانية في طريقها إلى غزة (المتحدث العسكري المصري)

واتفق معه الخبير العسكري المصري، سمير فرج، في أن «عمليات الإنزال الجوي استهدفت مناطق في شمال ووسط غزة، والتي لا تصلها مساعدات». وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن «المساعدات التي تدخل عبر معبر رفح توزع في جنوب القطاع ولا تصل لشماله»، وأشار فرج إلى أن «اللجوء للإنزال الجوي جاء في ظل استمرار العراقيل التي تضعها إسرائيل أمام دخول المساعدات».

وذكر موقع «أكسيوس»، الخميس، نقلاً عن مسؤولين أميركيين أن «إدارة بايدن تدرس إنزال مساعدات إنسانية جواً إلى قطاع غزة». كما ذكرت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الخميس، أن كندا تدرس إنزال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة جواً.

في السياق نفسه، أكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس، جهاد الحرازين، لـ«الشرق الأوسط»، أن «عمليات الإنزال الجوي تأتي في سياق تخفيف المعاناة عن الفلسطينيين وسط محاولات إسرائيلية لعرقلة دخولها عبر معبر رفح البري، وفي ظل تقارير أممية تحذر من مجاعة وانتشار للأوبئة في قطاع غزة». وأضاف أن «هذه العمليات تحدث بتعاون بين دول عدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في ظل استهداف إسرائيل لقوافل المساعدات، وحتى المدنيين الذين ينتظرونها». وعد الإنزال الجوي «محاولة جديدة لكسر الحصار المفروض على الفلسطينيين».

دخان تصاعد في وقت سابق بعد غارات إسرائيلية على رفح الفلسطينية (أ.ف.ب)

في غضون ذلك، احتفى رواد مواقع التواصل الاجتماعي، الخميس، بعمليات الإنزال الجوي في قطاع غزة، مطالبين بـ«اعتمادها وسيلة لفك الحصار عن قطاع غزة في ظل صعوبة إدخالها عبر معبر رفح»، لكن فرج أكد أن «استخدام الطائرات في إنزال المساعدات عملية صعبة ومكلفة وعالية المخاطر مقارنة بالشاحنات، كما أن الطائرات لا تستطيع إمداد القطاع بنفس الكميات التي يمكن تحمليها على الشاحنات».

ونفت مصر في وقت سابق اتهامات بـ«منعها دخول المساعدات إلى غزة عبر معبر رفح»، وأكدت في وقت سابق على لسان وزير خارجيتها، سامح شكري، في 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أن المعبر «لم يغلق» من الجانب المصري منذ بدء الحرب.

كما أدانت مصر، الخميس، الاستهداف الإسرائيلي اللاإنساني لتجمع من المدنيين الفلسطينيين العُزل الذين كانوا ينتظرون وصول شاحنات المساعدات الإنسانية في دوار النابلسي شمال قطاع غزة. ورأت مصر في بيان لـ«الخارجية المصرية»، أن استهداف مواطنين مسالمين يهرولون لالتقاط نصيبهم من المساعدات الإنسانية جريمة مشينة، وانتهاك صارخ لأحكام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، واستهتار بقيمة الإنسان وقدسية روحه. وطالبت مصر الأطراف الدولية الرئيسية، ومجلس الأمن، لا سيما الدول التي تعوق قدرة المجلس عن المطالبة بوقف إطلاق النار، بتحمل المسؤولية الإنسانية والأخلاقية والقانونية عن وقف الحرب الإسرائيلية ضد قطاع غزة، وتوفير الحماية للفلسطينيين، والضغط على إسرائيل للامتثال لأحكام القانون الدولي، وتحمل مسؤولياتها بوصفها القوة القائمة بالاحتلال، ومحاسبة مرتكبي تلك الانتهاكات.

مبانٍ مدمرة بسبب القصف الإسرائيلي على مدينة غزة في وقت سابق (أ.ف.ب)

إلى ذلك، تسابق الجهود المصرية والقطرية الزمن من أجل التوصل إلى اتفاق بشأن إقرار هدنة جديدة في قطاع غزة قبيل حلول شهر رمضان، بما يحول دون تنفيذ إسرائيل لعملية اجتياح عسكري واسع لمدينة رفح.

وإلى الآن، لا تزال جهود إقرار هدنة جديدة في غزة تواجه صعوبات تحول دون وقف ثانٍ للقتال في أعقاب انتهاء الهدنة الوحيدة نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، التي جرى التوصل إليها بوساطة مصرية وقطرية وأميركية. وأكد مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط» أن «القاهرة تواصل جهودها بالتعاون مع الوسطاء في قطر والولايات المتحدة الأميركية من أجل الاتفاق على هدنة قبل رمضان، يجري خلالها تبادل محتجزين من الجانبين».

وذكر شكري قبل أيام أن «بلاده مستمرة في جهودها للتوصل إلى وقف إطلاق النار، وتعزيز تدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة». وأكد المتحدث الرسمي باسم بوزارة الخارجية المصرية، أحمد أبو زيد، أن وزير الخارجية المصري توجه، الخميس، إلى تركيا للمشاركة في فعاليات منتدى أنطاليا الدبلوماسي. ولفت إلى أن تلك الزيارة تأتي في إطار ما تقوم به مصر من جهود من أجل التعامل مع التحديات والأزمات على الساحتين الإقليمية والدولية، وبهدف نقل الرؤية المصرية لسبل تعزيز السلم والأمن الإقليمي، والتعامل مع التحديات الراهنة، وفي مقدمتها أزمة قطاع غزة.


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

المشرق العربي رجل يحمل جثمان طفل أمس السب تقتل جرَّاء قصف مدفعي إسرائيلي على منازل سكنية قرب مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

قال مسؤولو صحة في قطاع غزة إن هجمات للجيش الإسرائيلي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين على الأقل اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقارب المراهق الفلسطيني أوس حمدي النعسان يشاركون في جنازته شرق مدينة رام الله في الضفة الغربية (إ.ب.أ) p-circle

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية، اليوم (الأربعاء)، وهو الضحية الثالثة في غضون يومين.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
المشرق العربي 
والدة الفلسطيني جهاد أبو نعيم تبكي بعد مقتله بنيران مستوطنين إسرائيليين في قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية أمس (أ.ف.ب)

المستوطنون يباغتون رام الله بـ«مجزرة»

باغت مستوطنون إسرائيليون قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية، أمس (الثلاثاء)، بهجوم مسلح أسفر عن مقتل فلسطينيين اثنين، أحدهما طالب في مدرسة.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي امرأة فلسطينية تمر بجوار جنود إسرائيليين يقومون بدورية في سوق البلدة القديمة بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

تقرير: جنود إسرائيليون يستخدمون الاعتداء الجنسي لدفع الفلسطينيين إلى النزوح

قال خبراء في حقوق الإنسان والقانون إن الجنود والمستوطنين الإسرائيليين يستخدمون الاعتداء والتحرش الجنسي لإجبار الفلسطينيين على ترك منازلهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون حول حطام سيارة الشرطة التي دُمرت في الغارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة للشرطة في غزة

أفاد الدفاع المدني ومصادر طبية في غزة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا، اليوم الثلاثاء، بنيران الجيش الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
TT

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

تصاعدت في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي- الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات»، المتوَّجة بجائزة «غونكور» الأدبية المرموقة عام 2024.

وبينما أكد الكاتب أنه تعرَّض لـ«ملاحقة سياسية»، وضع مسؤول قضائي جزائري بارز القضية في سياق قانوني «صرف»، في وقت يواصل فيه داود الدفاع عن موقفه، عادَّاً الحكم «محاولة لترهيبه».

غلاف رواية «حوريات» المثيرة للجدل (الشرق الأوسط)

وفي أول رد رسمي ومباشر، فكَّك المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى مجلس قضاء (محكمة الدرجة الثانية) بوهران (غرب)، بومدين روزال، ملابسات القضية في تصريح لـ«قناة الجزائرية الدولية» العمومية، الاثنين، مؤكداً أن النيابة العامة ليست طرفاً في تحريك الدعوى، وأوضح أن القضية بدأت بشكوى مباشرة من «المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب» والسيدة سعادة عربان طرفاً مدنياً، وفق إجراء قانوني مكفول لكل مواطن.

وتلاحق عربان، وهي امرأة ثلاثينية، داود بتهمة «انتهاك خصوصيتها» بدعوى أنه سرد قصتها في «حوريات» دون علمها، ولم يصدر الحكم بخصوص هذه التهمة.

وفنّد روزال ادعاءات «المحاكمة السريعة» بحق داود، مشيراً إلى أن التحقيق استمر لأكثر من عام، تلقى خلاله داود (56 سنة) استدعاءات متكررة لم يمتثل لها، قبل أن يصدر الحكم غيابياً، وجاء ذلك إجراءً قانونياً في ظل غياب المتهم. كما شدد بومدين على أن باب معارضة الحكم لا يزال مفتوحاً أمام الكاتب لإلغاء الحكم وإعادة المحاكمة، وهو مسار لم يسلكه داود حتى الآن، بحكم أنه مقيم في فرنسا، ووفق التشريعات الجزائرية لا يملك الشخص المتابع غيابياً حق تأسيس محام يرافع عنه.

وتعقيباً على تصريحات المسؤول القضائي، علَّقت «قناة الجزائر الدولية» بأن رواية القضاء «تدحض ما يروج له كمال داود وأصدقاؤه في اليمين المتطرف الفرنسي».

«شيطنة أدبية»

في المقابل، وبعد اطلاعه على الحكم الصادر ضده في 22 أبريل (نيسان) الحالي، رفض كمال داود الاتهامات الموجهة إليه، عادَّاً أن القضية لا تعدو أن تكون «فصلاً جديداً من محاولات التضييق عليه». ورأى داود في تصريحات للإعلام الفرنسي أن استهدافه عبر القضاء يأتي في سياق «شيطنة أدبية» تهدف للنيل من عمله الروائي، الذي يغوص في جراح ما يعرف بـ«العشرية السوداء».

مساعد النائب العام بمجلس قضاء وهران (قناة الجزائر الدولية)

وأدانه القضاء الجزائري بناءً على «قانون السلم والمصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرّم الكتابة والتصريح في أي شأن يخص «جراح المأساة الوطنية». وتتضمن رواية «حوريات» تفاصيل تخص تعرض «فجر» (سعادة عربان في الواقع) لمحاولة ذبح على أيدي إسلاميين متشددين بوهران، بداية تسعينات القرن الماضي.

وحسب داود، فإن ملاحقته قضائياً «ممارسات تهدف لترهيب الكتاب والمبدعين»، مشدداً على أن روايته هي عمل أدبي خيالي، نافياً بشكل قاطع استغلاله المباشر، أو المتعمد لقصة السيدة سعادة عربان بشكل يخرج عن السياق الروائي.

المرأة التي تتهم الروائي كمال داود بـاستغلال قصتها في روايته (صحف جزائرية)

ويرى محيط داود أن الإجراءات القضائية في هذا التوقيت تحمل «صبغة سياسية» تسعى لإسكات صوته الأدبي، خاصة بعد الضجة الدولية التي أحدثها فوزه بجائزة «غونكور»، كما رأى المدافعون عنه أن إدانته «تكرس أساليب ترهيب المثقفين الذين يجرؤون على طرح ملفات الذاكرة.

صِدام الأدب والقانون والدبلوماسية

من منظور القضاء والضحية، فإن الإبداع لا يعطي حقاً مطلقاً في استغلال الخصوصية، أو إعادة فتح جراح ضحايا الإرهاب دون موافقتهم، وذلك استناداً إلى «المادة 46» من «ميثاق السلم والمصالحة الوطنية»، الذي أقرّه الجزائريون في استفتاء نُظم عام 2005، والذي أطلقه الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بهدف طي صفحة الاقتتال مع الجماعات الإرهابية (1992 -2002).

وتضع «قضية داود»، حسب مراقبين، القضاء الجزائري أمام اختبار معقد، يتمثل في حماية خصوصية الأفراد المكرسة قانوناً، بينما تضع الكاتب أمام تحدي الدفاع عن عمله الأدبي في أروقة المحاكم بدلاً من صالونات الأدب والتصريحات لوسائل الإعلام. ومع استمرار رفض داود اللجوء إلى سبل الطعن القانونية المتاحة، واكتفائه بالرد في الصحافة، يظل الجدل مستمراً، وفق المراقبين ذاتهم، حول ما إذا كان الأمر «حماية قانونية لحقوق الضحايا»، أم «محاصرة قضائية لحرية الكاتب».

وزيرة الثقافة الفرنسية (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وكان وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، قد عبّر عن «أسفه» لإدانة الروائي كمال داود، في خطوة وضعت العلاقات الجزائرية - الفرنسية أمام اختبار جديد في سياق التوترات، التي اندلعت في صيف 2024 إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

وشدد بارو على وقوف الحكومة الفرنسية إلى جانب الروائي، عادَّاً أنه من «المؤسف إدانة كاتب بسبب مؤلفاته»، كما طمأن بشأن وضع داود المقيم في فرنسا، مؤكداً أنه «لا يوجد سبب للقلق عليه». ومن جهتها، دافعت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاثرين بيغارد، عن كرامة الفنانين وأمنهم، واصفة الأدب بأنه مساحة حية تتجلى قيمتها في مناطق التوتر.

وأضفى هذا الموقف الفرنسي الرسمي صبغة ديبلوماسية حادة على قضية، يراها القضاء الجزائري شأناً داخلياً صرفاً يتعلق بحقوق الضحايا، ومخالفة قوانين «المصالحة الوطنية».


«أزمة باماكو»... هل تعيد ترتيب نفوذ روسيا والغرب في الساحل الأفريقي؟

عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن ينتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن ينتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
TT

«أزمة باماكو»... هل تعيد ترتيب نفوذ روسيا والغرب في الساحل الأفريقي؟

عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن ينتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن ينتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)

باتت معادلة النفوذ الدولي تتصدر أسئلة المشهد في مالي، عقب هجمات غير مسبوقة على باماكو التي اقتربت من موسكو، وابتعدت عن الغرب منذ انقلاب عسكري عام 2020، لا سيما بعد اغتيال وزير الدفاع، ساديو كامارا، واختفاء غامض لقائد المجلس العسكر، آسيمي غويتا، وسط أكبر هجوم منسق بين المتمردين الانفصاليين والمتشددين منذ سنوات.

ذلك المشهد المضطرب في مالي الذي أطاح بالرجل الثاني في المجلس العسكري الحاكم في مالي بعد أشهر من حصار المتمردين المتشددين المرتبطين بالقاعدة للعاصمة باماكو في 2025، يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» يمثل إعادة لترتيبات النفوذ بين روسيا والغرب.

وأكد نائب وزير الخارجية الروسي، جيورجي بوريسينكو، الثلاثاء، تكبد قوات «فيلق أفريقيا» التابع لوزارة الدفاع الروسية خسائر بشرية جراء هجوم شنه متمردون في مالي.

وتواجه مالي، إلى جانب النيجر وبوركينا فاسو، تمرداً مستمراً من جماعات مسلحة مرتبطة بــ«القاعدة» وتنظيم «داعش»، وبعد الانقلابات العسكرية اتجهت هذه الدول نحو روسيا بدلاً من الحلفاء الغربيين لمكافحة هذه الجماعات، من دون تحقيق تقدم.

وإثر الهجمات التي استهدفت باماكو ومدينة كاتي بالقرب منها وسيفاري وموبتي في الوسط وكيدال وجاوه في شمال مالي، بخلاف مطار العاصمة، قتل وزير الدفاع المالي، بينما لا يزال قائد المجلس العسكري متوارياً، ولم يصدر عنه أي تصريح منذ بدء المعارك، وسط أنباء عن سيطرة المتمردين عن كيدال.

وأقرت الحكومة، في بيان الأحد، بمقتل وزير الدفاع بخلاف إصابة 16 شخصاً على الأقل من مدنيين وعسكريين، إضافة إلى مقتل عدد من المسلحين، بينما فرضت السلطات حظر تجول ليلي لثلاثة أيام، وأكدت أن الوضع تحت السيطرة تماماً.

وتبنت جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» في بيان بالعربية، الأحد، التنسيق مع جبهة تحرير أزواد، واستهداف مواقع بينها مقرا الرئيس المالي ووزير الدفاع.

الخبير السوداني في الشؤون الأفريقية، محمد تورشين، يعتقد أن العملية التي نفذتها جماعة «نصرة الإسلام» وكذلك الجبهة الانفصالية بما فيها من هجمات غير مسبوقة طالت الرجل الثاني من المجلس العسكري ومطار العاصمة وغيرها من المناطق تقود لتحولات كبيرة تشهدها مالي، وستتسع معها الاضطرابات، وقد تمدد العمليات العسكرية الإرهابية بعد فشل مقاربة ماباكو في السيطرة على البلاد أمنياً، وقد تعيد ترتيبات النفوذ بتلك البلد الأفريقي المتنازع عليه بين روسيا والغرب.

جندي مالي في أثناء جلسة تدريب على مدفع «هاوتزر» في معسكر سيفاري بمنطقة موبتي (رويترز)

ويرى الخبير في شؤون الجماعات المتطرفة، ماهر فرغلي، أن الوضع في باماكو مقلق للغاية، مشيراً إلى أن ما يحدث يتجاوز كونه صراعاً محلياً، بل هو صراع إقليمي ودولي، في ظل حرص غربي على طرد الروس من هذه المنطقة.

وأوضح أنه في حال نجاح هذه الضغوط في إخراج القوات الروسية، لن تجد الحكومة والمجلس العسكري الحاكم بديلا سوى الاستعانة مرة أخرى بالقوات الفرنسية وعودة النفوذ الفرنسي والغربي إلى مالي، نظراً لما تتمتع به البلاد من ثروات هائلة، خصوصاً في مناجم الذهب واليورانيوم.

من جهته، أدان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في بيان الأحد، أعمال العنف في مالي، معبراً عن «قلق بالغ حيال التقارير عن هجمات في عدة مواقع بتلك البلد الأفريقي.

كما أدان الاتحاد الأفريقي الهجمات المسلحة بمختلف أنحاء مالي، محذراً من التهديد الذي يشكله ذلك على المدنيين والاستقرار،

وحذر فرغلي من أن ما يجري في مالي سيؤثر بشكل مباشر في الإقليم بأكمله، حيث من المتوقع أن ينتشر النشاط الإرهابي بشكل أوسع ليشمل بوركينا فاسو، وجنوب ليبيا، والحدود السودانية، والنيجر؛ ما ينذر بنشاط إرهابي ضخم في المنطقة.

ونبه إلى أن الموقف الدولي من هذه التطورات قد يكون غير موجود ظاهرياً، لكنه في الواقع يلعب دوراً من وراء الستار عبر دعم بعض الجماعات لحسم الموقف في مالي بما يخدم أجندات القوى الغربية ضد روسيا.

ويرى تورشين أن مقتل وزير الدفاع يعكس حجم المواجهات وتأثيرها وامتدادها المتوقع لدول مثل لنيجر، مؤكداً أن هناك أطرافاً خارجية غير راضية تماماً من الوجود الروسي المتمدد منذ سنوات، وقد تساعد على زيادة اتساع الاضطرابات في البلاد وهو ما يضع دول الساحل أمام مخاطر أكبر في الفترة المقبلة.


ليبيا: تيتيه تزور مصراتة وسط احتجاجات ضد «مبادرة بولس»

تيتيه خلال زيارتها مصراتة (البعثة الأممية)
تيتيه خلال زيارتها مصراتة (البعثة الأممية)
TT

ليبيا: تيتيه تزور مصراتة وسط احتجاجات ضد «مبادرة بولس»

تيتيه خلال زيارتها مصراتة (البعثة الأممية)
تيتيه خلال زيارتها مصراتة (البعثة الأممية)

زارت رئيسة البعثة الأممية لدى ليبيا، هانا تيتيه، رفقة نائبتها ستيفاني خوري، مدينة مصراتة الواقعة غرب ليبيا، تزامناً مع وقفة احتجاجية لأهالي المدينة للتعبير عن رفضهم لمبادرة مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس، التي تقترح تولي صدام حفتر، نائب قائد «الجيش الوطني»، رئاسة المجلس الرئاسي بدلاً من محمد المنفي، فيما يتم الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.

جانب من المشاركين في لقاء تيتيه بمصراتة 28 أبريل (البعثة الأممية)

ويأتي اجتماع تيتيه، الثلاثاء، مع مجلس المدينة البلدي ومكونات مصراتة، قبل توجهها إلى العاصمة الإيطالية روما لرعاية الاجتماع الأول لأعضاء «الطاولة المصغرة»، التي اقترحتها البعثة الأممية لتجاوز الانسداد السياسي في ليبيا.

وكانت تيتيه قد استعرضت، مساء الاثنين، في كلمتها خلال افتتاح الجلسة العامة الافتراضية الثانية لـ«الحوار المهيكل» في طرابلس، تقدم المسارات الأربعة التي تشمل الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، في صياغة توصيات تهدف إلى تهيئة بيئة مواتية لإجراء انتخابات وطنية.

وقالت تيتيه: «لم يتبق سوى شهر تقريباً على اختتام (الحوار المهيكل) في أوائل شهر يونيو (حزيران) المقبل، وهذا يعني أننا في المرحلة الأخيرة للتأكد من أن تكون التوصيات التي تقدمونها متينة وعملية وقابلة للتنفيذ».

وأكدت المبعوثة الأممية أهمية الشمول، مشددة على دور المرأة الليبية التي «تشكل نصف سكان ليبيا»، ودعت الأعضاء إلى «الإصغاء والتأكد من أن مساهماتكم تعكس وجهات نظر وتطلعات جميع الليبيين»، مشيرة إلى أن استطلاعات رأي أجرتها البعثة أظهرت إجماعاً ساحقاً (تسعة من كل عشرة أشخاص) على ضرورة إجراء الانتخابات بشرط حمايتها من التدخل.

وأوضحت تيتيه أن بعثتها تقترح «نهجاً بديلاً من خطوتين»، يتمثل في اجتماع «مجموعة مصغرة» من الأطراف الليبية الفاعلة لتحديد حلول للمرحلتين الأوليين من خارطة الطريق، يليه اجتماع أوسع إذا لزم الأمر، مشيرة إلى أن هذا الاجتماع «لن يحل محل عمل (الحوار المهيكل) بل يكمله».

ويأتي تحرك تيتيه في ظل تعثر خارطة الطريق، التي أعلنتها البعثة قبل ثمانية أشهر، والتي تتطلب من مجلسي النواب والدولة إنجاز مرحلتين أوليين لتمهيد الطريق لانتخابات رئاسية وتشريعية وتوحيد المؤسسات.

وتواجه «مبادرة بولس»، التي يُنظر إليها على أنها محاولة «لتوحيد السلطة التنفيذية والعسكرية والمالية» بين معسكري الدبيبة وحفتر، رفضاً شعبياً وسياسياً واسعاً في غرب ليبيا، خاصة في مصراتة.

ومن المقرر أن يختتم «الحوار المهيكل»، الذي يضم مئات المشاركين من مختلف الأطياف، بهدف صياغة رؤية وطنية مشتركة حول القضايا العاجلة والجذرية للصراع، بتوصيات ستُقدم للقيادات السياسية والشعب الليبي.

في غضون ذلك، قال رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، إنه بحث، مساء الاثنين، في العاصمة طرابلس مع النائب العام الصديق الصور، سبل دعم وتطوير مقدرات منظومة العدالة الجنائية، بما يكفل رفع كفاءتها المؤسسية، وبحث آليات تعزيز جهود مكافحة جرائم الفساد، من خلال تفعيل أدوات الملاحقة القضائية.

كما بحث المنفي ونائبه عبد الله اللافي مع عبد الله قادربوه، رئيس هيئة الرقابة الإدارية، تقريرها السنوي وأبرز ما تضمنه من ملاحظات ورصد للمخالفات، إلى جانب الإجراءات والتدابير، التي اتخذتها الهيئة لمعالجتها وفق الأطر القانونية المعتمدة.

كما تطرق الاجتماع إلى الخطة الاستراتيجية، التي أطلقتها الهيئة للفترة (2025 - 2030)، وما تتضمنه من برامج تطويرية، تستهدف رفع كفاءة الأداء الرقابي، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وأكدت هيئة الرقابة الإدارية ضرورة الإسراع في استكمال إجراءات الإقفال بصورة عاجلة، لما لذلك من أثر بالغ في تحقيق الانضباط المالي، وتعزيز مصداقية البيانات المالية للدولة.

المنفي (إلى اليسار) وبجواره اللافي وعبد الله قادربوه (المجلس الرئاسي الليبي)

بدوره، ناقش اللافي مع رئيس المجلس الأعلى للدولة، محمد تكالة، المشهد السياسي الراهن، وسبل الخروج من حالة الانسداد الحالية، كما استعرضا المبادرات المطروحة لحل الأزمة، وسبل توحيد الرؤى بين المجلسين بما يضمن الوصول إلى قاعدة صلبة تمهد الطريق لإجراء الانتخابات.

وتم التأكيد خلال اللقاء على أن أي مبادرة لحل الأزمة السياسية يجب أن تكون نابعة من روح التوافق الوطني، وفق الاتفاق السياسي الليبي، بما يضمن عدم انزلاق البلاد نحو مسارات موازية، قد تهدد وحدة المؤسسات.

في المقابل، جدد بولس تعهد بلاده بمواصلة دعم شركائها الليبيين في عملهم على تجاوز الانقسامات السابقة، والتركيز على تحقيق الازدهار والاستقرار لمستقبل ليبيا.

مسعد بولس (أ.ف.ب)

واعتبر بولس، عبر حسابه على منصة «إكس»، مساء الاثنين، أن تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي نظمته القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) في سرت، وجمع عسكريين من شرق ليبيا وغربها مع قوات العمليات الخاصة الأميركية، وممثلين عن 11 دولة أخرى، يساهم في بناء الثقة وإرساء الأساس لمؤسسات أمنية ليبية موحدة.